أسواق بريطانيا تواجه اختباراً حرجاً مع موازنة شديدة الحساسية

مصير السندات والجنيه الإسترليني رهن بتوازن ريفز بين الانضباط المالي ودعم النمو

يرفرف علم المملكة المتحدة بين المباني العالية والقديمة بمنطقة المال في «سيتي لندن» (إ.ب.أ)
يرفرف علم المملكة المتحدة بين المباني العالية والقديمة بمنطقة المال في «سيتي لندن» (إ.ب.أ)
TT

أسواق بريطانيا تواجه اختباراً حرجاً مع موازنة شديدة الحساسية

يرفرف علم المملكة المتحدة بين المباني العالية والقديمة بمنطقة المال في «سيتي لندن» (إ.ب.أ)
يرفرف علم المملكة المتحدة بين المباني العالية والقديمة بمنطقة المال في «سيتي لندن» (إ.ب.أ)

تتأهب الأسواق البريطانية لاختبار محوري وحاسم مع اقتراب موعد تقديم الموازنة في 26 نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث تواجه وزيرة الخزانة، راشيل ريفز، تحدياً لا يقتصر على الأرقام والسياسات المالية فحسب، بل يمتد ليشمل بناء الثقة لدى المستثمرين والجمهور والساحة السياسية على حدٍّ سواء.

وفي هذا المشهد الاقتصادي المعقّد، تتوقف آفاق الأصول المالية الرئيسية في المملكة المتحدة -بما في ذلك السندات، والأسهم، وقيمة الجنيه الإسترليني- على قدرة ريفز على إيجاد التوازن الدقيق بين تحقيق الانضباط المالي الصارم الضروري لتهدئة الأسواق وتوفير الدعم اللازم لتحفيز النمو الاقتصادي.

ومع تصاعد الضغوط عليها لتلبية توقعات المستثمرين وسد فجوات مالية تُقدّر بمليارات الجنيهات، والحفاظ على استقرار الأسواق في مواجهة المخاطر السياسية والأعباء المالية المتراكمة، تتحوّل أدق تفاصيل موازنة الأسبوع المقبل إلى مؤشر واضح وحاسم لتحديد اتجاهات السوق، وتشكل دليلاً ملموساً على قدرة الحكومة على رسم مسار مالي واقتصادي مستدام.

رئيس وزراء بريطانيا كير ستارمر ووزيرة الخزانة راشيل ريفز يحضران المؤتمر السنوي لحزب العمال البريطاني في ليفربول (رويترز)

ويوم الجمعة، تعرّض المستثمرون لصدمة، عقب تقارير تفيد بأن ريفز لا تعتزم رفع ضريبة الدخل في ظل تحسن التوقعات المالية، وذلك بعد أيام من تلميحات بدت وكأنها تشير إلى زيادة ضريبية لدعم قواعدها المالية، وفق «رويترز».

وقالت رئيسة قسم الائتمان الكلي واستراتيجيات الاستثمار العالمي في «نوفين»، لورا كوبر: «تبحث الأسواق عن دلائل على المصداقية من خلال ضبط مالي فعّال»، مضيفة: «ويعني ذلك التركيز مبكراً على مصادر دخل مستدامة لبناء احتياطي للمستقبل».

وتتزايد المخاطر السياسية أيضاً، مع مواجهة رئيس الوزراء كير ستارمر انتقادات داخل حزب العمال الحاكم.

وفيما يلي نظرة على تأثير الموازنة المتوقعة على الأسواق:

1- أسواق السندات في حالة تأهّب

تخشى أسواق السندات أن تضحي الحكومة بالانضباط المالي طويل الأجل لصالح مكاسب سياسية قصيرة المدى، فبعد تراجع حاد في أكتوبر (تشرين الأول)، شهدت تكاليف الاقتراض البريطانية لأجل عشر سنوات يوم الجمعة أكبر ارتفاع يومي منذ يوليو (تموز).

ولا تزال الأسواق متأثرة بصدمة 2022، حين أدى إعلان الحكومة المحافظة، آنذاك، خططاً غير ممولة لخفض الضرائب إلى اضطرابات مالية واسعة.

ودعا كبار المستثمرين ريفز إلى مضاعفة الاحتياطي المخصص للصدمات الاقتصادية من 10 مليارات جنيه إسترليني، ويرى البعض أن رفع ضريبة الدخل هو السبيل الأنسب لتحقيق ذلك.

وتساءل الخبير الاستراتيجي في «ستيت ستريت»، فلاديمير جورشكوف: «من دون ضريبة الدخل، هل تستطيع الحكومة توليد إيرادات كافية لتجنّب الوقوع مجدداً تحت الضغط المالي خلال العام المقبل؟».

وحسب كبير الاقتصاديين في «بيرينبرغ»، أندرو ويشارت، فإن تمسك الحكومة بوعدها قبل الانتخابات بعدم رفع الضرائب الرئيسية يجعل من الصعب زيادة الهامش المالي.

ويُقدّر «بيرينبرغ» أن كل زيادة بنسبة نقطة مئوية واحدة في ضريبة الدخل قد تولّد أكثر من 10.5 مليار جنيه إسترليني في السنة المالية 2029-2030.

من داخل بورصة لندن (رويترز)

2- الجنيه الإسترليني... المؤشر الفوري لاتجاه الموازنة

يرى المستثمرون أن الجنيه الإسترليني الذي تراجع إلى أدنى مستوياته منذ أشهر، سيكون المتضرر الأبرز في حال مجيء الموازنة دون توقعاتهم.

وقال كبير استراتيجيي الأسواق في «براون براذرز هاريمان»، إلياس حداد: «سيؤدي الضغط المالي المتزايد في المملكة المتحدة إلى زيادة الضغوط على الجنيه الإسترليني».

وعند مستوى يقارب 1.31 دولار، يتجه الجنيه نحو ثالث انخفاض شهري على التوالي، ويقترب من أدنى مستوياته منذ أبريل (نيسان) 2023 مقابل اليورو.

ورغم التفاؤل الذي ساد تجاه العملة خلال معظم العام، فقد تراجع بشكل ملحوظ مع زيادة الضبابية المحيطة بتوقعات الاقتصاد وسياسات الفائدة.

وتوقع رئيس إدارة الاستثمار في «أربوثنوت لاثام»، إرين عثمان، مزيداً من الضعف للعملة، مع توقع أن تدفع زيادة الضرائب وتخفيضات الإنفاق «بنك إنجلترا» نحو خفض أسعار الفائدة.

3- شركات التجزئة وبُناة المنازل

قال «باركليز» إن أي مفاجأة إيجابية تؤدي إلى انخفاض عوائد السندات قد تدعم القطاعات الأكثر حساسية مالياً في مؤشر «فوتسي 250»، مثل شركات بناء المنازل، وتجارة التجزئة الغذائية، والمرافق، والعقارات.

وحتى الآن هذا العام، ارتفع المؤشر بنحو 4 في المائة فقط، مقارنة بارتفاع يقارب 17 في المائة لمؤشر «فوتسي 100» العالمي.

ويحذّر محللو السوق من أن زيادات ضريبية محتملة على التبغ، ورسوماً إضافية على السفر الجوي والبلاستيك والمشروبات السكرية؛ قد تُضعف الطلب وترفع التضخم.

وقالت كوبر إن «نوفين» تُفضّل أسهم الشركات الكبرى ذات الانكشاف العالمي، نظراً إلى تأثرها الأقل بالمتغيرات المحلية.

صفوف منازل مطلية بالألوان في بريستول (رويترز)

4- القطاع المصرفي تحت المجهر

شهدت أسهم البنوك تقلبات كبيرة مؤخراً بسبب التكهنات المتعلقة بالموازنة، خصوصاً بعد استبعاد ريفز عملياً رفع ضريبة الدخل.

وتراجعت أسهم «نات ويست» و«باركليز» و«لويدز» بحدة يوم الجمعة، رغم أن القطاع لا يزال مرتفعاً بأكثر من 40 في المائة منذ بداية العام.

وقال روري ماكفيرسون، من «رين ستيرلنغ»: «شهد القطاع المصرفي بعض عمليات البيع، ومن المتوقع أن يكون محط الأنظار بسبب الضرائب».

«بنك إنجلترا» في لندن (رويترز)

5- رهانات خفض الفائدة من «بنك إنجلترا»

تسعّر أسواق المال احتمالاً يقارب 75 في المائة لخفض سعر الفائدة في ديسمبر (كانون الأول)، وسط مؤشرات على تباطؤ التضخم، وقد تتعزز هذه التوقعات إذا عُدت الموازنة أنها تُضعف آفاق النمو.

وقال إيمانويل كاو، رئيس قسم الأسهم في «باركليز»: «نريد أن يكون (بنك إنجلترا) في وضع يسمح له بخفض الفائدة أكثر، بحيث لا يعرقل التقشف النمو بشكل مفرط، ولا يؤثر سلباً على التضخم».

وقد تُخفف رهانات خفض الفوائد أي ضغوط بيع على السندات الحكومية بعد إعلان الموازنة.


مقالات ذات صلة

تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

الاقتصاد تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

اتجهت الأسواق العالمية نحو تسجيل خسائر أسبوعية، بينما ظلَّت السندات تحت ضغط، في ظلِّ تحذيرات البنوك المركزية من أنَّ الحرب الإيرانية قد تعيد إشعال فتيل التضخم.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد عامل ينقل أسطوانة غاز البترول المسال مملوءة من مستودع في مومباي (د.ب.أ)

غاز آسيا بذروة 3 سنوات... وصدمة تعطيل منشآت قطر تمتد لـ2027

سجل مؤشر الغاز الطبيعي المسال لآسيا مستويات قياسية هي الأعلى منذ 3 سنوات، مدفوعاً بتداعيات الهجمات الإيرانية التي أدت إلى خروج 17 في المائة من طاقة قطر.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز في مؤتمر صحافي بالعاصمة مدريد يوم الجمعة للإعلان عن حزمة الطوارئ الاقتصادية (أ.ف.ب)

إسبانيا تطلق حزمة طوارئ جريئة لمواجهة صدمة الطاقة والحد من التضخم

في مواجهة التداعيات الاقتصادية المتسارعة للحرب في الشرق الأوسط، أعلنت إسبانيا عن حزمة دعم واسعة بقيمة 5 مليارات يورو.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
الاقتصاد البنك المركزي الروسي في وسط العاصمة موسكو (إ.ب.أ)

«المركزي الروسي» يخفض الفائدة ويحذّر من حالة عدم اليقين

خفض البنك المركزي الروسي سعر الفائدة الرئيسي بمقدار 50 نقطة أساس إلى 15 في المائة، الجمعة، كما كان متوقعاً

«الشرق الأوسط» (موسكو)
الاقتصاد وزير الطاقة القطري سعد الكعبي يُلقي كلمة في منتدى قطر الاقتصادي بالدوحة 20 مايو 2025 (أ.ف.ب)

رغم تضرر منشآتها... قطر تتعهد بالبقاء مورداً موثوقاً للطاقة

أكَّد وزير الدولة لشؤون الطاقة، الرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة»، سعد الكعبي، التزام بلاده بأن تبقى مورداً موثوقاً للطاقة.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)

مسؤولان في «الفيدرالي»: الحرب الإيرانية تُلقي بظلالها على التوقعات الاقتصادية

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
TT

مسؤولان في «الفيدرالي»: الحرب الإيرانية تُلقي بظلالها على التوقعات الاقتصادية

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (رويترز)

قال مسؤولان في «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الجمعة، إن الحرب الإيرانية وتأثيرها على أسواق الطاقة تُلقي بظلالها على التوقعات الاقتصادية والسياسات النقدية، حيث عرض أحد صناع السياسات توقعات تدعو إلى خفض أسعار الفائدة بشكل ملحوظ أكثر مما يدعمه معظم مسؤولي البنك المركزي الأميركي حالياً.

وقال محافظ «الاحتياطي الفيدرالي» كريستوفر والر في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي»: «لا نعلم إلى أين ستؤول الأمور، ولكن علينا أن نفكر في أن الحذر قد يكون مُبرراً» بالنسبة لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، نظراً لما يحدث من ارتفاع حاد في أسعار الطاقة.

وأشار إلى أن العديد من صدمات أسعار النفط عادةً ما تنطوي على ارتفاع حاد يتبعه انخفاض، وأن «الاحتياطي الفيدرالي» يراقب ما إذا كانت الأسعار سترتفع وتستمر مرتفعة، لأن ذلك يُشكل الخطر الأكبر لرفع التضخم الذي يتجاوز بالفعل هدف البنك المركزي البالغ 2 في المائة، على حد قوله.

محافظ «الاحتياطي الفيدرالي» كريستوفر والر (أ.ف.ب)

وأضاف والر: «إذا بدأت أسعار الطاقة المرتفعة في رفع معدلات التضخم الأساسية، فلا بد من اتخاذ إجراء ما». لكن في الوقت الراهن، «أريد فقط الانتظار لأرى إلى أين ستؤول الأمور، وإذا سارت الأمور على نحو جيد واستمر ضعف سوق العمل، فسأبدأ بالدعوة مجدداً إلى خفض سعر الفائدة في وقت لاحق من هذا العام». وأضاف أنه لا يرى أي داعٍ للنظر في رفع تكاليف الاقتراض، كما يفكر بعض مسؤولي «الاحتياطي الفيدرالي» حالياً.

وفي مقابلة منفصلة مع شبكة «فوكس بيزنس»، صرَّحت نائبة رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» لشؤون الإشراف، ميشيل بومان، قائلةً: «ما زلتُ قلقةً بشأن سوق العمل». وفيما يتعلق بتوقعات السياسة النقدية، أضافت: «لقد أدرجتُ ثلاثة تخفيضات مُحتملة قبل نهاية عام 2026، بهدف دعم سوق العمل».

وتتناقض توقعات بومان، ذات التوجه التيسيري الواضح في السياسة النقدية، مع آراء العديد من زملائها في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي».

نائبة رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» لشؤون الإشراف ميشيل بومان (أ.ف.ب)

أما بخصوص تداعيات الحرب، فقد قالت ميشيل بومان إنها تعتقد أنه «من السابق لأوانه تحديد الأثر طويل الأجل للحرب على النشاط الاقتصادي الأميركي، وكيفية التعامل مع ذلك في ضوء توقعاتنا الاقتصادية طويلة الأجل، وكيفية تناولنا لهذا الأمر في اجتماعاتنا (السياسية) وأي تغييرات في أسعار الفائدة قد نُجريها نتيجةً للتطورات الاقتصادية المُستقبلية».


تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران
TT

تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

تذبذبات بالأسواق الأوروبية والأميركية وسط ضغوط حرب إيران

تذبذت الأسهم العالمية والدولار، يوم الجمعة، لكنها اتجهت نحو تسجيل خسائر أسبوعية، بينما ظلَّت السندات تحت ضغط، في ظلِّ تحذيرات البنوك المركزية من أن الحرب الإيرانية قد تعيد إشعال فتيل التضخم.

وظلَّ التداول متقلباً، وتصاعدت حدة التوتر، مما يسلط الضوء على هشاشة ثقة المستثمرين وحساسية الأسواق للأخبار المتعلقة بالصراع في الشرق الأوسط.

واتجهت «وول ستريت» نحو نهاية أسبوعها الرابع على التوالي من الخسائر، إلا أن تراجع أسعار النفط خفَّف بعض الضغط عن أسواق الأسهم العالمية. وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة في بداية تداولات يوم الجمعة، وكان في طريقه لتسجيل أطول سلسلة خسائر أسبوعية له منذ عام. وتراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي 53 نقطة، وانخفض مؤشر «ناسداك المركب» بنسبة 0.7 في المائة.

وتراجعت الأسهم الأميركية تحت وطأة ارتفاع جديد في عوائد السندات، مما يزيد من تكلفة الاقتراض للشركات والأسر، ويؤدي إلى تباطؤ الاقتصاد.

وذكر تقرير لـ«أكسيوس»، يوم الجمعة، أنَّ إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب تدرس خططاً لاحتلال أو حصار جزيرة خارك الإيرانية؛ للضغط على إيران لإعادة فتح مضيق هرمز.

وفي جلسة متقلبة، ارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي، الذي يضم مختلف مناطق أوروبا، بنسبة 0.34 في المائة خلال تداولات الجمعة، لكنه اتجه نحو انخفاض أسبوعي بنسبة 1.7 في المائة تقريباً، بينما كان من المتوقع أن يتراجع مؤشر «إم إس سي آي» العالمي للأسبوع الثالث على التوالي، في حين انخفض مؤشر «إم إس سي آي» الأوسع نطاقاً لأسهم منطقة آسيا والمحيط الهادئ خارج اليابان بنسبة 0.5 في المائة يوم الجمعة، ولكنه مع ذلك ارتفع بشكل طفيف خلال الأسبوع.

وبعد أسبوع حافل باجتماعات السياسة النقدية، كان الاستنتاج الرئيسي للمستثمرين هو احتمال اتباع نهج أكثر تشدداً في السياسة النقدية.

وقالت ساندرا هورسفيلد، الخبيرة الاقتصادية في «إنفستيك»: «من الواضح أن البنوك المركزية أدركت خطورة القول إن صدمة الطاقة عابرة تماماً، وسط مخاطر الآثار المباشرة وغير المباشرة... لذا، نرى رد فعل أكثر تشدداً. لم يعد المتداولون يتوقَّعون خفضاً لأسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام، بينما ارتفعت احتمالات رفعها من قبل بنك إنجلترا والبنك المركزي الأوروبي في اجتماعاتهما المقبلة». وأفادت مصادر بأنَّ البنك المركزي الأوروبي قد يحتاج إلى بدء مناقشة رفع أسعار الفائدة في أبريل (نيسان)، وربما تشديد السياسة النقدية في يونيو (حزيران).

وقالت هورسفيلد: «في الوقت الراهن، يبدو توجيه رسالة أكثر تشدداً أمراً منطقياً للغاية. ولكن كما ذكرت، إنها رسالة متشددة، وليست إجراءً فورياً».

وارتفعت عوائد سندات حكومات منطقة اليورو لليوم الثالث على التوالي، يوم الجمعة، بعد انخفاض حاد في اليوم السابق، بينما قفز عائد السندات الحكومية البريطانية لأجل 10 سنوات إلى أعلى مستوى له منذ عام 2008. وسجَّل آخر ارتفاع له 7.6 نقطة أساس ليصل إلى 4.93 في المائة.

أما عائد السندات الألمانية لأجل عامين، والذي ارتفع بنحو 59 نقطة أساس خلال الشهر، فقد سجَّل آخر ارتفاع له 3.2 نقطة أساس ليصل إلى 2.61 في المائة.

اختناق في قطاع الطاقة

وشهدت أسعار النفط تقلبات حادة يوم الجمعة، بينما عرضت دول أوروبية كبرى واليابان الانضمام إلى الجهود المبذولة لتأمين ممر آمن للسفن عبر مضيق هرمز، كما أعلنت الولايات المتحدة عن خطوات لزيادة إمدادات النفط.

وشهدت أسعار الغاز الطبيعي ارتفاعاً كبيراً، حيث قفزت في أوروبا بنسبة تصل إلى 35 في المائة يوم الخميس؛ نتيجةً لهجمات إيرانية وإسرائيلية استهدفت بعضاً من أهم بنى الغاز التحتية في الشرق الأوسط. ودفع ذلك الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطالبة إسرائيل بعدم تكرار هجماتها على بنى الغاز الطبيعي الإيرانية.

وقالت أليسيا غارسيا هيريرو، كبيرة الاقتصاديين لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في بنك «ناتيكس»: «حتى لو انسحبت الولايات المتحدة من الصراع، فقد لا تنسحب إسرائيل، وقد تستمر بعض الهجمات، وسترد إيران، ربما بوتيرة أقل. لكن هذا يعني أن المنطقة ستظل تحت ضغط... لذا لن تعود أسعار النفط إلى 60 دولاراً، بل ربما تبقى عند 90 دولاراً، على الأقل حتى نهاية العام. وبالتالي، باتت الصدمة حتمية».

انخفاض الدولار من ذروته

ومن جانبه، كان الدولار مُهيأً لخسارة أسبوعية بنسبة 1.15 في المائة، وكان آخر ارتفاع طفيفاً له، حيث يُنظَر الآن إلى «الاحتياطي الفيدرالي» على أنه البنك المركزي الرئيسي الوحيد الذي لا يُتوقَّع أن يرفع أسعار الفائدة هذا العام. وقد أسهم ذلك في احتفاظ اليورو بمعظم مكاسب يوم الخميس، البالغة 1.2 في المائة، ليصل إلى 1.1575 دولار، بينما انخفض الجنيه الاسترليني بنسبة 0.22 في المائة إلى 1.34 دولار، بعد ارتفاعه بنسبة 1.3 في المائة في اليوم السابق. أما الين، الذي كان على وشك بلوغ 160 يناً للدولار في الجلسة السابقة، فقد استقرَّ عند 158.57 ين.

وفي أسواق المعادن النفيسة، ارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة تقارب 0.8 في المائة ليصل إلى نحو 4684 دولاراً للأونصة.


غاز آسيا بذروة 3 سنوات... وصدمة تعطيل منشآت قطر تمتد لـ2027

عامل ينقل أسطوانة غاز البترول المسال مملوءة من مستودع في مومباي (د.ب.أ)
عامل ينقل أسطوانة غاز البترول المسال مملوءة من مستودع في مومباي (د.ب.أ)
TT

غاز آسيا بذروة 3 سنوات... وصدمة تعطيل منشآت قطر تمتد لـ2027

عامل ينقل أسطوانة غاز البترول المسال مملوءة من مستودع في مومباي (د.ب.أ)
عامل ينقل أسطوانة غاز البترول المسال مملوءة من مستودع في مومباي (د.ب.أ)

سجل مؤشر الغاز الطبيعي المسال لآسيا (JKM) مستويات قياسية هي الأعلى منذ ثلاث سنوات، مدفوعاً بتداعيات الهجمات الإيرانية التي أدت إلى خروج 17 في المائة من طاقة قطر التصديرية عن الخدمة. ووفقاً لبيانات «بلاتس»، بلغ سعر المؤشر المرجعي لليابان وكوريا 22.73 دولار لكل مليون وحدة حرارية بريطانية.

وعلى الرغم من تراجع طفيف في الأسعار اليومية بنسبة 10.5 في المائة، فإن كينيث فو، مدير تسعير الغاز المسال العالمي في «ستاندرد آند بورز غلوبال»، أكد أن التأثير المستقبلي للأضرار التي لحقت بـ«خطوط الإنتاج» القطرية بدأ يظهر بوضوح في أسواق العقود الآجلة حتى عام 2027.

وأوضح فو أن المشترين تجنبوا في البداية صفقات السوق الفورية على أمل تعافي الإمدادات القطرية بحلول الربع الثاني من العام، إلا أن حجم الدمار في منشآت رأس لفان القطرية حطّم هذه الفرضيات، مما دفع المستهلكين إلى العودة بقوة لتأمين احتياجاتهم من السوق الفورية وعبر منحنى العقود الآجلة.

وتشير التقارير إلى أن الأسواق الآسيوية بدأت تظهر رغبة شديدة في تأمين «غطاء شتوي» مبكر، مما أدى إلى ارتفاع أسعار المشتقات المالية لمؤشر الغاز الطبيعي المسال لآسيا للربعين الثالث والرابع من عام 2026 وفصل الشتاء، وسط مخاوف من طول أمد الإصلاحات.

وكان وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لشركة «قطر للطاقة»، سعد الكعبي، قد صرّح لـ«رويترز» بأن الهجمات الإيرانية ألحقت أضراراً بالغة بخطين من أصل 14 خطاً لإنتاج الغاز المسال، بالإضافة إلى منشأة لتحويل الغاز إلى سوائل، مؤكداً أن عمليات الإصلاح ستؤدي إلى توقف 12.8 مليون طن سنوياً من الغاز المسال لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.