تعيينات قادة بنوك «الاحتياطي الفيدرالي» تضعه تحت المجهر

ترمب يوسع نفوذه داخل «المركزي» مع استقالة بوستيك واقتراب نهاية ولاية باول

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

تعيينات قادة بنوك «الاحتياطي الفيدرالي» تضعه تحت المجهر

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

باتت العملية الدورية لإعادة تعيين رؤساء البنوك الإقليمية الـ12 التابعة لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، التي تُجرى عادة بهدوء كل بضع سنوات، محور اهتمام مزداد، وسط مخاوف من تحوّلها إلى أحدث ساحة مواجهة بشأن استقلالية البنك المركزي الأميركي، في ظل مساعي الرئيس دونالد ترمب لزيادة نفوذه على قرارات أسعار الفائدة والسياسات النقدية الأخرى.

فعلى الرغم من أن هذه العملية، التي تُجرى مرتين كل عقد، عادة ما تمر دون جدل وينتهي الأمر بإعادة تعيين الرؤساء الحاليين بموافقة أغلبية مجلس المحافظين في واشنطن، فإن الإعلان المفاجئ يوم الأربعاء عن استقالة رافاييل بوستيك، رئيس بنك أتلانتا الاحتياطي الفيدرالي، بعد فترة وجيزة من بدء مراجعة إعادة التعيين، سلّط الضوء على العملية بأكملها؛ خصوصاً بعد نحو شهرين فقط من محاولة ترمب تعزيز نفوذه داخل المؤسسة من خلال مساعيه لإقالة عضوة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» ليزا كوك، وفق «رويترز».

دونالد ترمب وجيروم باول يتحدثان أثناء جولة في مبنى مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» - 24 يوليو 2025 (رويترز)

كما يقترب ترمب من ترشيح مرشحه الخاص لرئاسة النظام الكامل لـ«الاحتياطي الفيدرالي»، مع انتهاء ولاية الرئيس الحالي جيروم باول في مايو (أيار) المقبل.

وفي حالة بنك أتلانتا، كما هي الحال في البنوك الإقليمية الـ11 الأخرى، يختار مجلس الإدارة المحلي خليفة لبوستيك، لكن القرار يتطلب مصادقة أغلبية مجلس المحافظين السبعة - وهي الجهة التي تتركز فيها جهود ترمب لتوسيع نفوذه. ويُذكر أن ثلاثة من الأعضاء السبعة الحاليين عيّنهم الرئيس السابق جو بايدن، فيما عيّن ترمب الثلاثة الآخرين، بينهم عضو انضم حديثاً من فريقه الاقتصادي بالبيت الأبيض عقب استقالة مفاجئة لأحد المحافظين.

باول، الذي لم يسلم من انتقادات ترمب، انضم لـ«الاحتياطي الفيدرالي» خلال إدارة أوباما، ورقّاه ترمب لاحقاً إلى رئاسة البنك المركزي، قبل أن يعيده بايدن إلى المنصب ذاته.

ولا يزال من غير الواضح مدى نية إدارة ترمب التدخل بعمق في عملية إعادة التعيين المقررة استكمالها قبل فبراير (شباط)، موعد انتهاء الولايات الحالية.

تغيير جوهري

عادةً ما تُعدّ إعادة تعيين رؤساء البنوك الإقليمية إجراءً شكلياً إلى حد كبير، إذ يخضع المرشحون لعمليات تقييم وتوظيف تشمل مراجعات وطنية للمواهب. إلا أن رأياً قانونياً أُعدّ خلال الولاية الأولى لترمب، يرى أن لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي» سلطة واسعة لاستبدال رؤساء البنوك الإقليمية، ما قد يشكّل الخطوة التالية في مساعي ترمب لزيادة تأثيره على البنك المركزي.

ويشارك 5 من رؤساء البنوك الإقليمية سنوياً في التصويت على قرارات أسعار الفائدة ضمن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة، وهي جزء أساسي من هيكل صنع القرار في البنك المركزي، وأحد أبرز محاور انتقادات ترمب للمؤسسة. كما تضطلع البنوك الإقليمية بدور رقابي على المؤسسات المصرفية ضمن نطاقها الجغرافي، وتقود جانباً مهماً من أبحاث «الاحتياطي الفيدرالي».

وتُعد استقلالية البنك المركزي في تحديد أسعار الفائدة بعيداً عن التدخلات السياسية المباشرة - بما في ذلك التهديد بالإقالة لأسباب تتعلق بالسياسات - من المبادئ الراسخة في الاقتصاد الحديث، مدعومة بأدلة تُظهر أن الأداء الاقتصادي يتراجع كلما تآكل هذا الاستقلال.

وقال ليف ميناند، أستاذ القانون في جامعة كولومبيا، خلال ندوة بمعهد «بيترسون» للاقتصاد الدولي الشهر الماضي: «إن الإطاحة الناجحة برؤساء البنوك الإقليمية والتأثير على اختيار خلفائهم، قد تُحدث تغييراً حقيقياً في كيفية صياغة السياسة النقدية».

ويرى أن مثل هذا التحرك قد يفتح الباب أمام نزاع قانوني معقد يشمل ليس فقط الرؤساء الإقليميين، بل أيضاً العشرات من رجال الأعمال والمصرفيين وأعضاء المجتمع المحلي الذين يخدمون في مجالس إداراتهم. ومع ذلك، لا يبدو أن ترمب متردد في دفع هذه الحدود.

وتُعد قضية ليزا كوك أول محاولة من نوعها من قبل رئيس أميركي لإقالة عضو في مجلس «الاحتياطي الفيدرالي». وقد اشتهر ترمب بانتقاداته اللاذعة لباول ومطالباته المتكررة بخفض أسعار الفائدة. وتُنظر القضية حالياً أمام المحكمة العليا الأميركية، التي سبق أن أقرت بأن هيكل «الاحتياطي الفيدرالي» يميزه عن الهيئات المستقلة الأخرى التي سُمح للرئيس بإقالة قادتها. ومن المتوقع عقد جلسة استماع في يناير (كانون الثاني) المقبل.

العملية قيد التنفيذ

يُعدّ رؤساء البنوك الإقليمية فئة مختلفة داخل هيكل «الاحتياطي الفيدرالي»، وقد يكونون أكثر عرضة للإقالة «وفق الإرادة»، بينما يواصل ترمب تعيين حلفائه في مجلس المحافظين.

وأوضح مسؤول رفيع في إدارة ترمب خلال ولايته الأولى، أن «سلطة مجلس المحافظين في عزل رؤساء البنوك الإقليمية تنسجم مع الدستور والنصوص القانونية، فالمجلس، بصفته جهة التعيين، يمتلك أيضاً حق الإقالة». وأضاف أن خضوع رؤساء البنوك الإقليمية لإقالة محتملة لا يهدد الهيكل الذي أقرّه الكونغرس لحماية استقلالية النظام الفيدرالي ككل.

رافاييل بوستيك رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في أتلانتا (أرشيفية - رويترز)

وبعيداً عن استقالة بوستيك، لا يُتوقع أن يتغير الكثير على المدى القريب، خصوصاً إذا احتفظت كوك بمنصبها. ويبلغ بوستيك 59 عاماً، وهو أول رئيس بنك إقليمي من أصول أفريقية، ولا يزال بعيداً أكثر من 5 سنوات عن سن التقاعد الإلزامي. لكن مواقفه الداعية للعدالة الاقتصادية والاجتماعية جعلته هدفاً لانتقادات المحافظين الذين يرونه رمزاً لما يسمونه «البنك المركزي الواعي». كما خضع العام الماضي لتدقيق من مكتب المفتش العام لـ«الاحتياطي الفيدرالي» بشأن تداولات مالية شخصية أثارت تساؤلات حول تضارب المصالح.

وعند سؤاله عن عملية إعادة التعيينات الجارية، قال باول للصحافيين عقب اجتماع السياسة الأخير: «نحن في منتصف هذه العملية وسنُكملها في الوقت المناسب».

ومن المتوقع أن يعود أحدث المعيّنين من قبل ترمب، العضو ستيفن ميران، إلى البيت الأبيض في أوائل 2026. ولم يُعرف بعد مدى استعداد نائبة رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» ميشيل بومان، وعضو المجلس كريستوفر والر، وهما من المقرّبين لترمب، للمضي في إقالة أي من الرؤساء الحاليين.

ويضم رؤساء البنوك الإقليمية الـ12 مزيجاً متنوعاً من كبار التنفيذيين السابقين في شركات مثل «غولدمان ساكس» و«ماكينزي»، ومسؤولين صعدوا من داخل منظومة «الاحتياطي الفيدرالي»، واقتصاديين وأكاديميين من خلفيات جمهورية وديمقراطية. وتُظهر سجلات البنك أن التصويت الأخير لإعادة تعيين الرؤساء في يناير 2021 تم بالإجماع، كما جرت العادة في العقود الماضية.

ومع احتمال مغادرة باول منصبه عند انتهاء ولايته، واستعداد نائب الرئيس فيليب جيفرسون لمواجهة القرار ذاته في سبتمبر (أيلول) 2027، يُتوقع أن يزداد الضغط السياسي على المؤسسة.

ويرى ديريك تانغ، المحلل في شركة التنبؤ الاقتصادي «إل إتش ماير»، أن جميع الرؤساء الإقليميين الحاليين سيُعاد تعيينهم في الجولة المقبلة، لكنه حذّر من أن «تهديد الإقالة سيبقى قائماً».

وقال: «في نهاية المطاف، يملك مجلس المحافظين سلطة إقالة أي رئيس بنك إقليمي، وحقيقة أن هذه المسألة أصبحت تحت المجهر تمثل بحد ذاتها إشارة مقلقة إلى أن استقلالية (الاحتياطي الفيدرالي) لم تعد في مأمن».


مقالات ذات صلة

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

الاقتصاد ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي

«الشرق الأوسط» (هيوستن)
الاقتصاد عامل يدهن الجدران الخارجية لمبنى يعرض وظائف لدى فريق «لوس أنجليس دودجرز» وسط مدينة لوس أنجليس (رويترز)

القطاع الخاص الأميركي يضيف وظائف أكثر من المتوقع في مارس

أظهرت بيانات صادرة عن شركة «إيه دي بي»، المختصة في إدارة الرواتب، الأربعاء، أن نمو التوظيف في القطاع الخاص الأميركي تجاوز التوقعات في مارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة من خارج مقر المفوضية الأوروبية في بروكسل ببلجيكا 26 فبراير 2026 (رويترز)

واشنطن: العقوبات الأوروبية على شركات التقنية الأميركية أكبر عائق للتعاون الاقتصادي

قال مسؤول رفيع في وزارة الخارجية الأميركية إن الغرامات الأوروبية على الشركات الأميركية باتت تمثل «أكبر مصدر للاحتكاك» في العلاقات.

«الشرق الأوسط» (أمستردام)
الاقتصاد لافتة «نحن نوظف» معروضة خارج متجر «تارغت» في إنسنيتاس بكاليفورنيا (رويترز)

أدنى مستوى منذ شهور... تراجع فرص العمل في أميركا بـ300 ألف وظيفة

تراجع عدد فرص العمل في الولايات المتحدة إلى 6.9 مليون خلال فبراير (شباط)، في مؤشر إضافي على تباطؤ سوق العمل الأميركية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.


بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
TT

بين وعود ترمب وهواجس «هرمز»... الأسواق العالمية تعبر «مارس الأسود» بـ«انتعاش واسع»

متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)
متداولون يقدمون عروضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

شهدت الأوساط المالية العالمية، يوم الأربعاء، تحولاً دراماتيكياً في المعنويات، حيث تحولت حمى البيع التي سيطرت على شهر مارس (آذار) إلى «طوفان من الشراء».

وجاء هذا التحول مدفوعاً بتصريحات متفائلة من البيت الأبيض تشير إلى قرب نهاية الصراع في إيران، مما أدى إلى موجة صعود جماعي في بورصات آسيا وأوروبا و«وول ستريت»، فيما سجلت أسعار الطاقة تراجعاً ملحوظاً، رغم بقاء حالة الحذر من تعقيدات «ما بعد الحرب».

فقد أشعل الرئيس الأميركي دونالد ترمب شرارة التفاؤل بتصريحاته من المكتب البيضاوي، مؤكداً أن العمليات العسكرية في إيران قد تنتهي «قريباً جداً»، ربما في غضون أسبوعين أو ثلاثة. ومع إعلان البيت الأبيض عن خطاب مرتقب لترمب للأمة فجر الخميس (01:00 بتوقيت غرينتش)، سارعت الأسواق إلى تسعير نهاية قريبة للأزمة.

ورغم أن الأسواق تفاعلت إيجاباً، فإن تصريح ترمب بأن القوات الأميركية لن تعمل على «فتح مضيق هرمز» وترك المهمة لدول أخرى، أثار تساؤلات حول أمن الملاحة المستقبلي، خاصة أن خُمس تجارة النفط العالمية يمر عبر هذا الشريان الحيوي.

متداول يقدم عرضاً في قاعة تداول خيارات مؤشر «ستاندرد آند بورز» في بورصة شيكاغو للخيارات العالمية (أ.ف.ب)

آسيا وأوروبا... انتفاضة خضراء

في آسيا، كان المشهد احتفالياً بامتياز؛ حيث قاد مؤشر «كوسبي» في سيول الارتفاعات بقفزة تجاوزت 8 في المائة، مدعوماً بصعود صاروخي لأسهم «سامسونغ» (13 في المائة) و«إس كيه هاينكس» (11 في المائة)، فيما أغلق مؤشر «نيكي» الياباني مرتفعاً بنسبة 5.2 في المائة.

وانتقلت العدوى الإيجابية إلى أوروبا، حيث ارتفع مؤشر «ستوكس 600» بنحو 2.1 في المائة. وكان قطاع الطيران والمصارف الرابح الأكبر؛ فقفزت أسهم «إير فرانس» بنسبة 7.9 في المائة و«لوفتهانزا» بنسبة 6.7 في المائة، مستفيدة من هبوط أسعار الوقود. كما شهدت الأسواق اليونانية خبراً إيجابياً بعودتها إلى مؤشر «إم إس سي آي» للأسواق المتقدمة بحلول مايو (أيار) 2027، مما دفع بورصة أثينا للصعود بنسبة 3.4 في المائة.

مؤشر «داكس» الألماني في بورصة فرانكفورت (رويترز)

كما ارتفعت السندات الحكومية في بريطانيا وأوروبا على نحو متسارع، ما دفع العوائد إلى التراجع. وانخفضت عوائد السندات البريطانية والألمانية لأجل 10 سنوات لليوم الثالث على التوالي، لتصل إلى أدنى مستوياتها في أسبوعين قبل أن تقلص بعض خسائرها، فيما تراجعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار أربع نقاط أساس إلى 4.27 في المائة.

تذبذب «برميل الحرب»

لم تكن أسعار النفط العالمية بمعزل عن ضجيج الطائرات وصداها في أروقة السياسة؛ فقد عاش الذهب الأسود يوماً عاصفاً من التداولات المتذبذبة، ليهبط خام برنت دون حاجز الـ100 دولار للبرميل متراجعاً بنسبة 5 في المائة للمرة الأولى منذ أكثر من أسبوع قبل أن يقلص خسائره ويسجل 102.88 دولار للبرميل، بانخفاض قدره 1.05 في المائة.

لكن رغم انخفاض عقود نفط برنت قرب 100 دولار للبرميل، فإن هذا التراجع لا يعكس نظرة مؤسسات مالية كبرى ومسؤولين إقليميين وعالميين لمسار أسعار النفط في 2026.

فالتقديرات الصادرة من عدة جهات ترجح سيناريوهات صعود حاد، قد تدفع الخام إلى مستويات غير مسبوقة تصل إلى 200 دولار للبرميل، في حال استمرار إغلاق مضيق هرمز لبضعة أسابيع أخرى وغياب حل فوري للأزمة. فيما تتمسك إدارة ترمب وحدها بالتوقعات الهبوطية للخام هذا العام.

وكالة الطاقة تحذر

وحذرت وكالة الطاقة الدولية من أن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط تتصاعد وتطول أوروبا. وقال رئيس الوكالة فاتح بيرول إن اضطرابات إمدادات النفط من الشرق الأوسط سترتفع خلال أبريل (نيسان)، وستطول أوروبا مع تراجع الإمدادات نتيجة إغلاق مضيق هرمز.

وأضاف بيرول: «فاقد النفط في أبريل سيكون ضعف الخسارة في مارس، إلى جانب فقدان إمدادات الغاز الطبيعي المسال... المشكلة الأكبر حالياً هي نقص وقود الطائرات والديزل. نرى ذلك في آسيا، لكن قريباً، أعتقد في أبريل أو مايو، سيصل التأثير إلى أوروبا»، وفق «رويترز».

متداول عملات يتفاعل بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) (أ.ب)

الذهب يتنفس الصعداء

لم تكن سوق المعادن النفيسة بعيدة عن موجة التفاؤل التي اجتاحت الأسواق؛ فقد قفزت أسعار الذهب بنسبة 2 في المائة لتلامس أعلى مستوياتها في أسبوعين عند 4755.50 دولار للأوقية، مستفيدة من تراجع مؤشر الدولار وهبوط عوائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات. يأتي هذا الارتفاع بمثابة رحلة استشفاء للمعدن الأصفر بعد أن سجل في مارس الماضي أسوأ أداء شهري له منذ نحو 17 عاماً، بفعل الضغوط التضخمية الهائلة والرهانات على سياسات نقدية متشددة.

ويرى المحللون أن تحول السردية في السوق من الذهب كتحوط ضد التضخم إلى الذهب كملاذ آمن تأثر مباشرة بتلميحات الرئيس ترمب حول قرب نهاية الحرب؛ حيث أدى احتمال خفض التصعيد إلى تقليل تكلفة الفرصة البديلة لحيازة السبائك التي لا تدر عائداً.

ورغم القفزة الحالية، ظل المستثمرون في حالة ترقب لخطاب البيت الأبيض المرتقب.

شاشة تعرض معلومات مالية في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

تأثير الحرب على «الفيدرالي» وقرارات الفائدة

أعادت هذه التطورات ترتيب أوراق السياسة النقدية الأميركية؛ فبعد أن كان المستثمرون قد استبعدوا تماماً أي خفض للفائدة هذا العام بسبب التضخم الناتج عن الحرب، عادت الآمال مجدداً لإمكانية التيسير النقدي إذا ما انتهى الصراع بسرعة. وتترقب الأسواق الآن بيانات الوظائف غير الزراعية ومبيعات التجزئة للحصول على قراءة أدق لمدى صمود الاقتصاد الأميركي في وجه صدمة الطاقة الإيرانية.