«أرامكو» تحقق أرباحاً تتجاوز التوقعات... وتواصل التوسع في مشاريع الغاز

الناصر: الأداء المالي القوي يعكس القدرة على التكيّف مع تغيرات السوق

مستودعات تخزين في منشأة نفطية لأرامكو (أرشيفية - رويترز)
مستودعات تخزين في منشأة نفطية لأرامكو (أرشيفية - رويترز)
TT

«أرامكو» تحقق أرباحاً تتجاوز التوقعات... وتواصل التوسع في مشاريع الغاز

مستودعات تخزين في منشأة نفطية لأرامكو (أرشيفية - رويترز)
مستودعات تخزين في منشأة نفطية لأرامكو (أرشيفية - رويترز)

سجلت شركة «أرامكو السعودية» أداءً قوياً في الربع الثالث من عام 2025؛ إذ تجاوز صافي دخلها المعدل ما قيمته 104.9 مليار ريال (28.0 مليار دولار) متفوقاً على توقعات المحللين، بدعم من ارتفاع المبيعات ونمو الإيرادات الأخرى. وفي الوقت الذي حافظت فيه الشركة على وتيرة توزيعات أرباح قوية بلغت 80.12 مليار ريال (21.37 مليار دولار) -وهو ما وصفه الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» أمين الناصر بأنه «تأكيد على استقرار الشركة المالي والتزامها بتحقيق عوائد مستدامة للمساهمين»- واصلت الشركة توسّعها في مشاريع الغاز مع اقتراب عدد من المشاريع الكبرى من الدخول في مرحلة التشغيل.

وسجلت الشركة تراجعاً طفيفاً في أرباحها للربع الثالث من عام 2025 بنسبة 2.3 في المائة إلى 101 مليار ريال (26.94 مليار دولار)، متأثرةً بانخفاض أسعار النفط الخام والمنتجات المكررة والكيميائية، حسب النتائج المالية الصادرة يوم الثلاثاء. ورغم التراجع، فاقت أرباح الشركة توقعات المحللين البالغة 88.8 مليار ريال، مما يعكس قوة الأداء التشغيلي وقدرتها على الحفاظ على مستويات ربحية مرتفعة في ظل تقلبات السوق.

كما حافظت «أرامكو» على توزيعات أرباح قوية بإجمالي 80.12 مليار ريال للربع الثالث، منها 79.3 مليار ريال توزيعات أساسية، و0.82 مليار ريال توزيعات مرتبطة بالأداء، وهو المستوى نفسه المسجّل في الفصول الأربعة السابقة، وذلك بما يتماشى مع سياستها الهادفة إلى تحقيق توزيعات أرباح مستدامة ومتزايدة.

وتم احتساب هذه الأرباح المرتبطة بالأداء على أساس 70 في المائة من التدفقات النقدية الحرة لمجموعة الشركة لعام 2024. وذلك بعد خصم توزيعات الأرباح الأساسية وأي مبالغ أخرى بما فيها الاستثمارات الخارجية، وفق إعلان الشركة إلى السوق المالية السعودية (تداول).

الإيرادات والتكاليف

انخفضت إيرادات الشركة بنسبة 7.3 في المائة إلى 386.17 مليار ريال (102.98 مليار دولار)، نتيجة تراجع أسعار النفط الخام والمنتجات المكررة والكيميائية، فيما قابله جزئياً ارتفاع في كميات المبيعات من هذه المنتجات.

وسجل صافي الدخل المعدل 104.9 مليار ريال (28.0 مليار دولار) خلال الربع الثالث من عام 2025، مقارنة بـ104.0 مليار ريال (27.7 مليار دولار) في الربع الثالث من عام 2024، و92 مليار ريال في الربع السابق من 2025.

وأوضحت «أرامكو» أن التحسن في صافي الدخل المعدل جاء نتيجة نمو الإيرادات الأخرى المرتبطة بالمبيعات وانخفاض التكاليف التشغيلية، رغم زيادة ضرائب الدخل والزكاة.

وتراجعت التكاليف التشغيلية إلى 224.6 مليار ريال (59.9 مليار دولار) مقابل 240.1 مليار ريال (64 مليار دولار) في الربع الثاني، نتيجة انخفاض كميات النفط الخام المشتراة، رغم ارتفاع أسعار وكميات المنتجات المكررة والكيميائية المشتراة جزئياً.

تدفقات نقدية

بلغت التدفقات النقدية التشغيلية 135.4 مليار ريال (36.1 مليار دولار)، مقابل 132.1 مليار ريال في الربع الثالث من 2024. كما ارتفعت التدفقات النقدية الحرة إلى 88.4 مليار ريال (23.6 مليار دولار) من 82.5 مليار ريال (22 مليار دولار).

وخصّصت الشركة 47.1 مليار ريال للنفقات الرأسمالية خلال الربع، منها 34 مليار ريال لقطاع التنقيب والإنتاج، في حين بلغت النفقات المخصصة لقطاع التكرير والكيميائيات والتسويق 11.65 مليار ريال، مقارنة بـ9.5 مليار ريال قبل عام.

أداء مالي قوي

وأكد الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو»، أمين الناصر، أن نتائج الربع الثالث تعكس متانة الأداء المالي للشركة رغم تقلبات أسعار الطاقة. وقال: «أثبت أداء الشركة مجدّداً قدرتها على التكيّف مع حقائق السوق الجديدة، حيث عملنا على زيادة الإنتاج بتكلفة إضافية طفيفة، وواصلنا توريد النفط والغاز والمنتجات المرتبطة بهما بشكل موثوق، وهو ما أسهم في الأداء المالي القوي ونمو الأرباح الفصلية».

الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو» أمين الناصر (مبادرة منتدى الاستثمار)

وأضاف الناصر أن الشركة تواصل تعزيز قدراتها في قطاع التنقيب والإنتاج مع اقتراب عدد من مشاريع النفط والغاز الكبرى من الدخول في مرحلة التشغيل، مؤكداً أن «أرامكو» ماضية في تنفيذ استراتيجيتها للنمو المعزّز للقيمة والاستفادة من التقنيات الحديثة والذكاء الاصطناعي لتطوير أعمالها.

جذب المستثمرين

ومن جهته، قال النائب التنفيذي للرئيس، كبير الإداريين الماليين في «أرامكو»، زياد المرشد، إن القدرة الاستثنائية للشركة وإمكاناتها على زيادة الإنتاج بسرعة واغتنام فرص ارتفاع الطلب أسهمت في تحقيق أداء قوي خلال الربع الثالث، حيث ارتفع صافي الدخل المعدل بنسبة 14 في المائة والتدفقات النقدية الحرة بنسبة 55 في المائة مقارنة بالربع السابق.

وأضاف: «استقطب إصدار الشركة الأخير من الصكوك بقيمة 3.0 مليار دولار اهتماماً واسعاً من مؤسسات استثمارية دولية رائدة. كما أتمّت (أرامكو) صفقة مشروع المعالجة والنقل في الجافورة مع ائتلاف من المستثمرين الأجانب، مما يؤكد ثقة المستثمرين بمتانة المركز المالي للشركة واستراتيجيتها الطويلة الأجل».

مستهدف الغاز

وفي قطاع الغاز، واصلت «أرامكو» تعزيز أعمالها الآمنة والموثوقة والعالية الكفاءة، مسجلة إجمالي إنتاج من المواد الهيدروكربونية بلغ 13.3 مليون برميل مكافئ نفطي يومياً خلال الربع الثالث من عام 2025. وخلال الفترة، رفعت الشركة مستهدف نمو الطاقة الإنتاجية لغاز البيع من أكثر من 60 في المائة إلى نحو 80 في المائة.

ومع هذا النمو، توقّعت «أرامكو»، في تقرير نتائج أعمال الربع الثالث، أن يتجاوز إنتاج السوائل المصاحبة العالية القيمة مليون برميل يومياً، ليصل إجمالي الغاز والسوائل المصاحبة إلى نحو 6 ملايين برميل مكافئ نفطي يومياً بحلول عام 2030.

كما حققت الشركة تقدماً في مشاريعها الكبرى لتوسيع أعمال الغاز، إذ استمرت أعمال الإنشاء في المرحلة الأولى من معمل الغاز في الجافورة، المتوقع اكتماله في عام 2025، مع استهداف إنتاج غاز بيع مستدام يبلغ 2.0 مليار قدم مكعبة قياسية يومياً بحلول عام 2030.

وتقدّمت أيضاً أعمال الإنشاء في معمل الغاز في رأس تناقيب ضمن برنامج تطوير حقل المرجان، والمتوقع اكتماله في 2025، ليسهم في زيادة طاقة معالجة الغاز الخام بواقع 2.6 مليار قدم مكعبة قياسية يومياً من حقلي المرجان والظلوف. كذلك تتواصل أعمال توسعة معمل الغاز في الفاضلي، مما سيضيف طاقة معالجة تبلغ 1.5 مليار قدم مكعبة قياسية يومياً بحلول عام 2027.

وفي أكتوبر (تشرين الأول)، أتمّت «أرامكو» صفقة تأجير وإعادة تأجير حقوق التطوير والاستخدام لمعمل الغاز في الجافورة ومعمل فصل الغاز الطبيعي المسال في الريّاس إلى شركتها التابعة «الجافورة لنقل ومعالجة الغاز» لمدة 20 عاماً، وباعت 49 في المائة من حقوق الملكية في الشركة إلى ائتلاف من المستثمرين الدوليين بقيادة صناديق تديرها «غلوبال إنفراستركتشر بارتنرز» التابعة لـ«بلاك روك»، مقابل متحصلات بيع مقدّمة قدرها 41.8 مليار ريال (11.1 مليار دولار) نقداً، على أن تحتفظ أرامكو بالملكية الكاملة للمرافق والسيطرة التشغيلية عليها، وفق التقرير.

وفي تعليق له، قال الرئيس الأول لإدارة الأصول في «أرباح كابيتال»، محمد الفراج، لـ«الشرق الأوسط»، إنه تماشياً مع استراتيجيتها للنمو المعزز للقيمة، أعلنت «أرامكو» تعديل مستهدف نمو الطاقة الإنتاجية لغاز البيع، ليرتفع إلى نحو 80 في المائة بحلول عام 2030 مقارنة بعام 2021، مستفيدة من مشاريع عملاقة، مثل «الجافورة للغاز غير التقليدي»، التي جرى إتمام صفقة مشاريع المعالجة والنقل فيها بقيمة 41.8 مليار ريال (11.1 مليار دولار). وأوضح أن هذا التوسع «يهدف إلى رفع إجمالي الغاز والسوائل المصاحبة المتوقع إلى نحو 6 ملايين برميل من المكافئ النفطي يومياً».

وحول تأمين الربحية المستقبلية، ذكر الفراج أنه يبرز التقدم في التوسع الاستراتيجي بقطاع التكرير والكيميائيات والتسويق من خلال الاستثمار الأولي وتأسيس شركة «فوجيان سينوبك» و«أرامكو للتكرير والبتروكيميائيات المحدودة»، الذي يعكس الشراكة الاستراتيجية مع «سينوبك»، ويدعم توسع «أرامكو» في السوق الآسيوية، بالإضافة إلى الاستثمار المخطط له في شركة «هيوماين»، حيث يُتوقع أن تعمل هذه الاستثمارات على دعم استمرار نمو التدفقات النقدية الحرة وربحية الشركة في الأرباع المقبلة.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد جانب من معرض ومؤتمر «إيجبس 2026» المنعقد في القاهرة (إكس)

مصر وقبرص توقِّعان اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز

وقَّعت مصر وقبرص اتفاقية إطارية للتعاون في مجال الغاز، خلال معرض «إيجبس 2026» يوم الاثنين، المنعقد في القاهرة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد محطة للتزود بالوقود في بكين تابعة لشركة «بتروتشاينا» الصينية (رويترز)

«بتروتشاينا»: إمدادات النفط والغاز عبر مضيق هرمز تمثل 10 % من عملياتنا

قال رئيس مجلس إدارة شركة «بتروتشاينا»، عملاق النفط المملوك للدولة في الصين، يوم الاثنين، إن أعمال تكرير النفط والغاز الطبيعي في الشركة تعمل بشكل طبيعي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شاحنات وقود متوقفة على مدرج مطار أوكلاند في نيوزيلندا (رويترز)

نيوزيلندا تدرس تأمين إمدادات الوقود مع وكالة الطاقة الدولية

تدرس نيوزيلندا استخدام خياراتها لدى وكالة الطاقة الدولية، كضمانة ضد أي نقص محتمل في إمدادات الوقود مستقبلاً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد تسببت حرب إيران في خروج تدفقات أجنبية بقيمة 4 مليارات دولار من مصر حتى الآن وتراجع الجنيه 9 % مما يزيد ضغوط التضخم على مصر (رويترز)

«إتش سي»: ضغوط تضخمية وتراجع للجنيه وسط تثبيت متوقع للفائدة في مصر

قالت شركة «إتش سي» القابضة للاستثمار، إن الوضع الخارجي للاقتصاد المصري أظهر مؤشرات قوية قبل اندلاع حرب إيران، مما «خفّف من حدة الصدمات الخارجية نسبياً».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.