وزراء النقل يناقشون مستقبل السكك الحديدية في الخليج والشرق الأوسط

أكدوا أهمية التجارة والاستدامة عبر تطوير البنية التحتية نحو الاستدامة

جانب من الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)
TT

وزراء النقل يناقشون مستقبل السكك الحديدية في الخليج والشرق الأوسط

جانب من الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)
جانب من الجلسة الحوارية (الشرق الأوسط)

شدَّد وزراء النقل في السعودية والبحرين والأردن وسوريا، على المكانة الاستراتيجية للسكك الحديدية، كركيزة رئيسية للتنمية الاقتصادية، وتعزيز الربط الإقليمي والدولي، مؤكدين الدور الحيوي لهذا القطاع في دعم الاستدامة البيئية وتطوير البنية التحتية للنقل، بالإضافة إلى تعزيز حركة التجارة والركاب والبضائع بين الدول، وأهمية توحيد القوانين واللوائح، وتطوير الكوادر الفنية والتقنية لضمان أفضل استغلال للشبكات الحالية، وتحقيق النجاح للمشاريع المستقبلية.

وجاءت تصريحات الوزراء خلال جلسة حوارية وزارية بعنوان «استراتيجيات تطوير السكك الحديدية الوطنية: مواءمة مشاريع البنية التحتية مع الرؤى الاقتصادية طويلة المدى»، ضمن فعاليات النسخة الثانية من المؤتمر والمعرض الدولي السعودي للخطوط الحديدية الذي افتتح أعماله يوم الأحد، في الرياض، بمشاركة نخبة عالمية واسعة لتبادل الرؤى وأحدث التقنيات في القطاع، نحو مستقبل مستدام.

وأكد وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي، المهندس صالح الجاسر، أن السكك الحديدية تُعد عنصراً بالغ الأهمية؛ حيث تلعب دوراً مهماً في التنمية الاقتصادية، والاستدامة البيئية، وربط الشبكات، كما تؤدي عدداً من الأدوار الحيوية.

وقال إن استراتيجية الوزارة تعتمد على نموذج تخطيط متكامل لجميع وسائل النقل، لتحقيق أفضل تصميم ممكن، وتحسين الربط بين مختلف وسائل النقل؛ مشيراً إلى أن السكك الحديدية تعتبر أحد العناصر الرئيسية لهذه الاستراتيجية؛ حيث يتم توجيه نحو 50 في المائة من تمويل الحكومة المخصص للاستراتيجية إلى شبكة السكك الحديدية، ما يعكس أهمية هذا القطاع.

وأشار إلى أن الوزارة تعمل مع دول مجلس التعاون الخليجي، لتوحيد المواصفات الفنية، وتصاميم البنية التحتية، وأنظمة الإشارات، وإجراءات التشغيل والسلامة. ولفت إلى أن هذا التعاون أسفر عن إنشاء هيئة السكك الحديدية لدول مجلس التعاون التي بدأت تدريجياً ببناء حضورها، لجمع الجميع معاً، ودفع تنفيذ البرامج الطموحة التي تقوم بها الدول جميعها.

وأكد المهندس الجاسر أن المملكة تلعب دوراً رئيسياً؛ ليس فقط في الربط الإقليمي؛ بل أيضاً في الربط العالمي؛ مشيراً إلى اتصال السعودية أو قربها من 8 دول، والعمل معها بشكل أحادي وثنائي ومتعدد الأطراف لضمان تكامل الشبكات، مع الإشارة إلى مشروع سكك الحديد لدول مجلس التعاون، ومشاريع مثل «الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا» (آي إم إي سي) كمثال على التعاون الدولي الناجح.

ولفت إلى أهم المشاريع الجاري العمل عليها، منها شبكة مجلس التعاون الخليجي التي ستربط جميع دول الخليج، ومضاعفة خط التعدين في المملكة لتغطية مناطق صناعة التعدين، إضافة إلى مشروع الجسر البري الذي يُعد أحد أكبر المشاريع في المنطقة، وسيكون مشروعاً محورياً لصناعة السكك الحديدية، ليس فقط في السعودية بل في المنطقة، وسيمتد تأثيره إلى صناعة اللوجستيات العالمية.

من جانبه، أكد وزير المواصلات والاتصالات البحريني، الشيخ عبد الله آل خليفة، أن مملكة البحرين، -كونها جزيرة- تم ربطها برياً بالسعودية منذ عام 1986، مضيفاً أن هذا الربط البري أصبح أساسياً للتنمية الاقتصادية في البحرين، وأن السعودية تُعد اليوم أحد أكبر شركائها التجاريين، مع أهمية تعزيز العمل الذي تقوم به «هيئة جسر الملك فهد».

وأوضح أن هذا الربط عزز التنمية الاقتصادية والسياحة، وحسَّن حركة البضائع والركاب، مؤكداً أن تعزيز هذا الربط من خلال الجسر الثاني (جسر الملك حمد) الجاري مناقشته بين البحرين والسعودية، يحمل أهمية كبيرة للركاب، وربط السكك الحديدية.

وأضاف أن تطوير خط سكة حديد سيرتبط بشبكة سكك الحديد لدول مجلس التعاون الخليجي الأكبر؛ سيدعم الشراكة الاستراتيجية مع الشركاء الإقليميين، حتى قبل اكتمال شبكة السكك الحديدية. وأكد الوزير أن المشروع يحمل بُعدين أساسيين: الأول ربط البحرين بالسعودية عبر «جسر الملك حمد»، والثاني الربط مع دولة قطر، وهو مشروع حيوي بالقدر نفسه، مع التنسيق الوثيق مع قطر لإكمال تطوير «جسر البحرين- قطر» الذي سيتضمن أيضاً سكة حديدية تربط شبكة السكك الحديدية لدول مجلس التعاون مع مقر دولة قطر، مع الإشارة إلى طول الجسر الذي يبلغ نحو 40 كيلومتراً، منها 18 كيلومتراً من الجسور، و22 كيلومتراً من الجزر المستصلحة.

وأعرب عن تطلعه الكبير لتطوير المشروعين بشكل متوازٍ، مؤكداً أن كلا المشروعين سيكونان أساسيين لتعزيز الربط داخل دول مجلس التعاون الخليجي، مشدداً على أهمية الإطار التنظيمي وتوحيد القوانين واللوائح، مع الإشارة إلى اعتماد قانون خليجي موحد للنقل البري الدولي بقيادة السعودية، وبإشراف المهندس الجاسر الذي يخلق إطاراً تشريعياً موحداً، ويعزز الربط، ويجنب أي غموض في التشريعات الوطنية بين الدول الست الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي، مع التأكيد على أن التعاون الوثيق بين الجهات المنظمة والمشغِّلين أمر بالغ الأهمية، وأن إنشاء هيئة السكك الحديدية لدول مجلس التعاون يمثل قلب هذا التعاون.

بدوره، أكد وزير النقل الأردني، الدكتور نضال القطامين، أن هذا المؤتمر يُعد دليلاً واضحاً على التقدم الذي تحققه السعودية نحو «رؤية 2030»، مضيفاً أن تقدم السعودية بسرعة في قطاع السكك الحديدية يمثل فرصة ممتازة للأردن للربط مع السكك الحديدية بالمملكة، والتي تصل حالياً إلى حدود الأردن؛ مشيراً إلى أن هذا الربط سيمكِّن الأردن من التوسع لاحقاً نحو الشمال إلى سوريا، ثم إلى تركيا وأوروبا، وأن وجود شبكة قادرة على الربط بين الشمال الغربي والشرق والجنوب سيمكن الأردن من الاستفادة من البدائل المختلفة للنقل التي قد يرغب فيها.

وأوضح الوزير أهمية الموقع الجغرافي للأردن على البحر الأحمر؛ مشيراً إلى أن التوجه نحو البحر الأبيض المتوسط يعد اختراقاً استراتيجياً مهماً؛ سواء عبر مصر أو تركيا مروراً بسوريا، أو من خلال مشروع «آي إم إي سي» المنتظر، مختتماً بأن إدراك أهمية شبكات السكك الحديدية أصبح ضرورياً اليوم؛ حيث تعتبر وسيلة نقل مهمة تكمل بقية وسائل النقل، مع التأكيد على أن تنفيذ هذه الشبكة سيكون له تأثير كبير على الاقتصاد الأردني والدول المجاورة.

من ناحيته، أكد وزير النقل السوري الدكتور يعرب سليمان أن هناك كليات متخصصة للدراسات العليا في مجالات الهندسة التقنية، والهندسة الكهربائية، والميكاترونيات، وتكنولوجيا المعلومات. وأضاف أن سوريا تمتلك أيضاً المعهد الفني للسكك الحديدية في حلب، المرتبط ارتباطاً وثيقاً بالسكك الحديدية السورية، والذي يضم 5 تخصصات رئيسية تشمل القطارات، والتنقل والنقل، والإشارات، والتسويق والأعمال المدنية، مع قدرة استيعابية تصل إلى 160 طالباً سنوياً، ولكن المتوسط الحالي للاستفادة من المعهد يبلغ نحو 60 طالباً سنوياً.

وأكد الوزير الحاجة الملحة لتطوير هذه المنشآت؛ مشيراً إلى أهمية التعاون الفني مع الدول المجاورة والشركات المتقدمة في مجال السكك الحديدية في المنطقة، مثل السكك الحديدية السعودية، والأردنية، والتركية، موضحاً أن التعاون بدأ فعلاً مع الأردن لإدارة سكة حديد الحجاز، وتنفيذ برامج تدريبية للكوادر، كما تم بدء التعاون الفني مع السكك الحديدية التركية؛ حيث استقبلت تركيا عدداً من وفود العاملين بالسكك الحديدية السورية للتدريب وتطوير المهارات.

وأكد ضرورة استمرار هذه الجهود بدعم المانحين الدوليين، وكذلك بمساندة السكك الحديدية في الدول المجاورة، لتعزيز قدرات القطاع الفني والتقني في سوريا، والارتقاء به إلى مستويات أكثر تطوراً وكفاءة.


مقالات ذات صلة

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

الاقتصاد ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز» نقلاً عن مصدر مطلع، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

بعد عام من قرارات ولي العهد لتنظيم السوق العقارية بالرياض، انخفضت قيمة الصفقات 64 في المائة مقارنة بالفترة نفسها قبل صدور القرارات.

محمد المطيري (الرياض)
خاص سيارة في أحد المواقف الذكية التابعة لمشروع «مواقف الرياض» (أمانة منطقة الرياض)

خاص «مواقف الرياض»... تحول ذكي يرفع القيمة الاقتصادية للعاصمة

تواصل مدينة الرياض تطوير منظومة مواقف السيارات ضمن توجهات رفع كفاءة البنية التحتية الحضرية، وتحسين تجربة التنقل، في خطوة تهدف إلى تنظيم المواقف، وتقليل الازدحام

دانه الدريس (الرياض)
الاقتصاد 1.046.016 مسافراً خلال فترة تنفيذ خطة المناقلة عبر 7.650 رحلة في جميع الصالات (واس)

«مطار الرياض» يُنفِّذ أكبر عملية مناقلة لصالاته

نجح مطار الملك خالد الدولي بالعاصمة السعودية الرياض في تنفيذ مشروع مناقلة الصالات التشغيلية، الذي جرى خلال الفترة بين 16 و25 فبراير (شباط) الحالي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد إحدى طائرات «طيران الرياض» تحلق في سماء العاصمة السعودية (صندوق الاستثمارات العامة)

«طيران الرياض» تعلن القاهرة ثاني وجهاتها الإقليمية

تعلن «طيران الرياض» اختيار القاهرة ثاني وجهاتها الإقليمية وثالث وجهاتها الدولية بعد دبي ولندن، ضمن خطتها التوسعية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.