اقتصادان متوازيان: الذكاء الاصطناعي يزدهر... وترمب يعيد بناء الجدران الجمركية

الشركات تبني المستقبل الرقمي والرئيس يستخدم قانون التجارة لعام 1962

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

اقتصادان متوازيان: الذكاء الاصطناعي يزدهر... وترمب يعيد بناء الجدران الجمركية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

من الصعب اليوم رسم خريطة دقيقة للاقتصاد الأميركي من دون التوقف عند مفارقةٍ غير مسبوقة: طفرة تكنولوجية تُعيد تشكيل النظام الاقتصادي العالمي، وسياسات تجارية قومية تُعيد إلى الأذهان روح القرن الماضي. فبينما تضخ الشركات مئات المليارات في الذكاء الاصطناعي، تتوسع إدارة الرئيس دونالد ترمب في تعريف «الأمن القومي» ليشمل كل شيء من الصلب إلى خزائن المطبخ، في محاولةٍ لتبرير موجة جديدة من الرسوم الجمركية. قد يكون الأمران صحيحين في آنٍ واحد: أن الرهانات على الذكاء الاصطناعي ستُسبب كارثة مالية، وأن الذكاء الاصطناعي سيُغير العالم. وفي الوقت نفسه، تضع سياسات ترمب التجارية الاقتصاد الأميركي أمام مفترق طرقٍ غير مأمون العواقب.

طفرة الذكاء الاصطناعي: اقتصاد جديد يولد من قلب الفقاعة

يشهد الاقتصاد الأميركي طفرة استثمارية غير مسبوقة في الذكاء الاصطناعي. فقد قفز الإنفاق الرأسمالي في هذا القطاع من أقل من 0.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022 إلى ما يُتوقَّع أن يصل إلى 2 في المائة في عام 2025، أي ما يعادل استثمار نحو 1800 دولار لكل أميركي في هذا المجال خلال عام واحد فقط. هذه الطفرة وحدها تُضيف ما يقارب نقطة مئوية كاملة إلى نمو الاقتصاد الأميركي، وتفسّر كيف حافظت الأسواق على زخمها رغم السياسات المتقلبة للإدارة.

سام ألتمان يتحدث في مناسبة لشركة «أوبن إيه آي» في سان فرانسيسكو بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

لكن هذا الازدهار يخفي داخله ملامح فقاعة متضخّمة. فمنذ إطلاق «تشات جي بي تي» في عام 2022، ارتفعت القيمة السوقية للأسهم الأميركية بنحو 21 تريليون دولار، وجاء 75 في المائة من عوائد مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» من أسهم مرتبطة بالذكاء الاصطناعي. وعلى سبيل المثال، أضاف إعلان صفقة استثمار جديدة بقيمة 100 مليار دولار بين شركتَي «أوبن إيه آي» و«إنفيديا»، نحو 160 مليار دولار إلى القيمة السوقية للأخيرة في يوم واحد، لترتفع قيمتها الإجمالية بما يقارب 4 تريليونات دولار خلال ثلاث سنوات. هذه الأرقام تُثير إعجاب المؤمنين بقدرة الذكاء الاصطناعي على تحويل الاقتصاد، لكنها تُنذر أيضا بتكرار سيناريو فقاعة «الدوت كوم» في أواخر التسعينيات. فحينها ضخّ المستثمرون المليارات في شركات لم تحقق أرباحاً فعلية، وانهار مؤشر «ناسداك» بنسبة 75 في المائة من ذروته إلى قاعه.

متداول ببورصة نيويورك (رويترز)

يقول محللون إن التاريخ اليوم يُعيد نفسه بصيغ جديدة. فشركات مثل «مايكروسوفت» و«أمازون» و«ألفابت» تستثمر عشرات المليارات في شركات ناشئة مثل «أوبن إيه آي» و«آنثروبيك»، التي تُنفق معظم أموالها لشراء خدمات الحوسبة السحابية من تلك الشركات نفسها. وتنقل صحيفة «واشنطن بوست» عن مدير صندوق التحوط، دوغ كاس، قوله إن «صناعة الذكاء الاصطناعي تشتري إيراداتها الخاصة بطريقة دائرية»، مشبهاً الوضع بما كان يُعرف في فقاعة الإنترنت بـ«الرحلة ذهاباً وإياباً».

وتُشير تقديرات إلى أن تكلفة بناء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي ستبلغ 3 تريليونات دولار بحلول عام 2028، نصفها سيموَّل من التدفقات النقدية الداخلية لشركات التكنولوجيا العملاقة. ومع ذلك، بدأ بعضها بالفعل في جمع الديون لتغطية الإنفاق المتسارع. وتنقل الصحيفة عن المستثمر هاريس كوبرمان قوله إن «الجميع يعلم أن الأرقام لا تُصدق، لكن لا أحد يعلم أن الجميع يعلم ذلك».

ترمب يتحدث مع الصحافيين... 5 أكتوبر 2025 (إ.ب.أ)

ترمب يعيد تعريف الأمن القومي... بالخشب والأثاث

في الجهة الأخرى من المشهد، يُواصل الرئيس ترمب دفع الاقتصاد الأميركي في اتجاهٍ مختلف تماماً. فبينما تندفع الشركات إلى بناء المستقبل الرقمي، يُعيد البيت الأبيض رسم حدود «الأمن القومي» لتشمل منتجاتٍ مثل الأخشاب وخزائن المطابخ وأحذية التزلج! وبالفعل، يستخدم ترمب قانون التجارة لعام 1962 - المعروف بالبند 232 - لفرض تعريفات جمركية تحت شعار حماية الأمن القومي، وهي آلية قانونية أقل عرضة للطعن القضائي من الرسوم «التبادلية» بين الدول.

في الأشهر الأخيرة، أعلن الرئيس عن ضرائب جديدة على منتجات الأخشاب والمعادن الصناعية، وفتح تحقيقات تستهدف الأجهزة الطبية والروبوتات الصناعية والطائرات من دون طيار. ووفقاً لوزارة التجارة، يجري 9 تحقيقات جديدة قد تفضي إلى رسوم إضافية خلال العام المقبل.

داعمو سياسات ترمب، من أمثال نيك إياكوفيلا من تحالف «أميركا المزدهرة»، يقولون: «إنها ليست مجرد حماية تجارية، بل محاولة لإعادة توطين الصناعات الاستراتيجية داخل الولايات المتحدة». لكن معارضي ترمب يرون أن هذا التوسّع في مفهوم الأمن القومي يقترب من السخرية، إذ يصعب تبرير إدراج الأثاث أو خزائن المطبخ كمنتجات تمس الدفاع الوطني.

بحسب تقارير، فقد استخدم ترمب حتى الآن «البند 232» في 19 مرة، أي أكثر من جميع الرؤساء الأميركيين الذين سبقوه منذ 1962 مجتمعين تقريباً. وتراهن إدارته على أن المحكمة العليا ستُقرّ دستورية هذه الإجراءات في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، للبت في الدعاوى المرفوعة ضدها في هذا الشأن.

غير أن هذه السياسة تأتي في وقتٍ تُظهر فيه البيانات أن الرسوم الجمركية خفّضت الناتج المحلي الأميركي بنحو 0.4 في المائة، مقارنة بما كان سيكون عليه من دونها، وأدت إلى تباطؤ التوظيف وارتفاع معدل البطالة بين الشباب إلى 10.5 في المائة، وهي نسبة لم تُسجَّل منذ عقد، بحسب أرقام رسمية.

قوتان متناقضتان... واقتصاد على حافة التحوّل

تبدو الولايات المتحدة اليوم وكأنها تعيش في اقتصادين متوازيين: اقتصادٌ رقمي ينفجر بالنمو، وآخر واقعي يئنّ تحت وطأة الرسوم والقيود. في الأول، تُحرّك شركات مثل «إنفيديا» و«مايكروسوفت» الأسواق العالمية، وتبني مراكز بيانات تفوق في تكلفتها بعض ميزانيات الدول. وفي الثاني، تتقلص الصناعات التقليدية التي تُعوِّل عليها إدارة ترمب لتحقيق ما تصفه بـ«الاستقلال الاقتصادي الوطني».

بحسب الصحيفة نفسها، تُظهر بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس أن استثمارات الذكاء الاصطناعي لا تُولّد وظائف كافية لتعويض التراجع في القطاعات الأخرى. فبناء مراكز البيانات الضخمة يتطلب رأسمالاً هائلاً، لكنه يوظّف أعداداً محدودة نسبياً. هذا ما يجعل طفرة الذكاء الاصطناعي تُفاقم التفاوت الاقتصادي بدلاً من تخفيفه.

في المقابل، تُفاقم سياسات ترمب التجارية الكلفة المعيشية وتُضعف ثقة المستثمرين العالميين في استقرار بيئة الأعمال الأميركية. ومع ذلك، تُخفي الطفرة التكنولوجية مفعول هذه السياسات مؤقتاً. فأسواق المال - المخدَّرة بنشوة الأرباح الهائلة - تتجاهل إشارات الإنذار. لكن التاريخ المالي، كما يقول كوبرمان، «يميل إلى التناغم»، فكما حدث في فقاعة السكك الحديدية البريطانية في القرن التاسع عشر أو فقاعة الإنترنت، ينتهي الحفل دائماً بانفجار. وفي حين تُظهر تقديرات «جي بي مورغان» أن شركات الذكاء الاصطناعي تُشكّل 90 في المائة من نمو الإنفاق الرأسمالي الأميركي في السنوات الأخيرة، يُحذّر خبراء من أن هذا التركّز يجعل الاقتصاد هشاً أمام أي تصحيح حاد في السوق. ويُقدّر بعض المحللين أن الصناعة تحتاج إلى إيرادات تفوق 480 مليار دولار سنوياً لتبرير استثمارات عام 2025 وحده، وهو رقم يبدو بعيد المنال في الأجل القصير.

بين الثورة والفقاعة

ويقول داريو أمودي، مؤسس شركة «آنثروبيك»، إن الذكاء الاصطناعي قد «يعالج السرطان ويُنهي الفقر ويُحقق السلام العالمي». لكن الباحثة ساشا لوتشيوني تُحذّر من أن «بيت الورق سيبدأ بالانهيار» لأن حجم الأموال المنفقة لا يتناسب مع العوائد المتوقعة. وفي مكانٍ ما بين التفاؤل الكوني والتشاؤم المالي، تقف إدارة ترمب بسياستها الحمائية لتزيد الصورة تعقيداً. فبينما تُراهن شركات التكنولوجيا على عولمة الذكاء الاصطناعي، يُعيد البيت الأبيض بناء جدران جمركية تحت شعار «الأمن القومي». وفي المحصلة، قد تكون الولايات المتحدة على أعتاب واحد من أعظم التحولات الاقتصادية في تاريخها. لكن إن كان من درسٍ من فقاعة الإنترنت أو من انهيار السكك الحديدية في القرن التاسع عشر، فهو أن الثورات التكنولوجية تُغيّر العالم فعلاً لكنها نادراً ما تُغيّره من دون فوضى. الذكاء الاصطناعي سيصنع المستقبل، نعم. لكنه قد يُفجّر الحاضر أيضاً.


مقالات ذات صلة

الهجرة ومكافحة الجريمة والإرهاب محور مباحثات مغربية - ألمانية

شمال افريقيا الوزير ناصر بوريطة سيبحث مع الوفد الألماني قضايا تتعلق بالهجرة والتعاون الاقتصادي والثنائي ومحاربة الجريمة (أ.ف.ب)

الهجرة ومكافحة الجريمة والإرهاب محور مباحثات مغربية - ألمانية

أعرب وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول عن رغبته في تكثيف التعاون مع المغرب في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد محافظ «بنك كندا» تيف ماكليم يسير خارج المبنى في أوتاوا (رويترز)

«بنك كندا المركزي» يثبّت الفائدة... ويلمح لتغييرات طفيفة

أبقى «بنك كندا المركزي» على سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في اجتماعه يوم الأربعاء، تماشياً وتوقعات الأسواق...

«الشرق الأوسط» (أوتاوا)
الاقتصاد سيارات معدة للتصدير في ميناء ليانيينغانغ شرق الصين (أ.ف.ب)

الصين تُعلّق تراخيص المركبات ذاتية القيادة بعد عطل في خدمة «بايدو»

علقت الصين إصدار تراخيص جديدة للمركبات ذاتية القيادة بعد توقف مفاجئ لسيارات الأجرة الآلية «أبولو جو» التابعة لشركة «بايدو» في ووهان الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد شعار شركة «ديب سيك» على شاشة أحد الهواتف الذكية (رويترز)

شركات التكنولوجيا الصينية تتسابق للحصول على رقائق «هواوي»

ارتفع الطلب على رقائق «أسند 950» من شركة «هواوي» الصينية بشكل كبير، بعد إطلاق نموذج الذكاء الاصطناعي «في 4» من «ديب سيك».

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس) p-circle 00:47

شهباز شريف: سددنا 3.5 مليار دولار من الديون بفضل دعم السعودية «المحوري»

أعرب رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، عن امتنانه العميق وتقديره البالغ للسعودية، قيادةً وحكومةً، لدورها الحاسم في مساندة بلاده.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.