«الرالي المزدوج»: الذهب والأسهم في قمم تاريخية تكسر قواعد الأسواق

المعدن الأصفر كسر حاجز الـ 4 آلاف دولار للمرة الأولى في التاريخ

عامل مصفاة يقوم بتكديس سبائك الذهب بعد إزالتها من المصبوبات في مصهر مصفاة في سيدني (أ.ف.ب)
عامل مصفاة يقوم بتكديس سبائك الذهب بعد إزالتها من المصبوبات في مصهر مصفاة في سيدني (أ.ف.ب)
TT

«الرالي المزدوج»: الذهب والأسهم في قمم تاريخية تكسر قواعد الأسواق

عامل مصفاة يقوم بتكديس سبائك الذهب بعد إزالتها من المصبوبات في مصهر مصفاة في سيدني (أ.ف.ب)
عامل مصفاة يقوم بتكديس سبائك الذهب بعد إزالتها من المصبوبات في مصهر مصفاة في سيدني (أ.ف.ب)

عندما تواجه الأسهم صعوبات، يهرع المستثمرون عادةً إلى الذهب. لكن الوضع مختلف هذه الأيام؛ إذ تشهد الأسواق المالية ظاهرة اقتصادية نادرة ومخالفة للتاريخ؛ حيث تُسجّل أسعار الذهب والأسهم الأميركية معاً مستويات قياسية.

هذا التقاطع يكسر العلاقة التاريخية المعهودة بين الذهب والأسهم، التي تفترض عادةً تحركهما في اتجاهين متعاكسين. فبينما ارتفع الذهب ارتفاعاً صاروخياً متخطياً حاجز 4 آلاف دولار للمرة الأولى في التاريخ، مسجلاً زيادة تتجاوز 50 في المائة هذا العام، صعد مؤشر الأسهم الأميركية الرئيسي «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 13 في المائة خلال عام 2025، ليبلغ قمماً جديدة. ولم يقتصر الارتفاع على الأسهم الأميركية فحسب، بل شمل أيضاً عملة «البتكوين» التي تجاوز سعرها 125 ألف دولار، في مستوى قياسي في الخامس من هذا الشهر.

وهو ما يرسم مشهداً جديداً في الأسواق المالية العالمية التي تمر بفترة ما يُسمى «ارتفاع كل شيء»؛ حيث ترتفع أصول الملاذ الآمن والمخاطرة في آنٍ واحد. ففي العادة، هناك علاقة عكسية بين الذهب (وهو ملاذ آمن) والأصول ذات المخاطر العالية مثل الأسهم والعملات الرقمية.

وكما يُقال، «يرتفع الذهب مع ازدياد القلق، وترتفع الأسهم مع ازدياد التفاؤل». بمعنى أنه عندما تزداد ضغوط التباطؤ الاقتصادي، وتنتشر مشاعر العزوف عن المخاطرة بين المستثمرين، ترتفع أسعار الذهب. وفي المقابل، عندما تزداد الرغبة في المخاطرة وسط توقعات التعافي الاقتصادي، تكتسب الأصول ذات المخاطر العالية، مثل الأسهم، زخماً.

مع ذلك، انكسر هذا النمط مؤخراً. ويعزو المحللون هذا الارتفاع المتزامن غير المعتاد إلى السيولة الهائلة التي سُحبت منذ جائحة «كوفيد-19»، وضعف الدولار الناجم عن توقعات بخفض إضافي لأسعار الفائدة الأميركية.

لقد تكررت ظاهرة «الصعود الثنائي» بين الذهب والأسهم 6 مرات في عام 2025 وحده، وهي إشارة لم تُشاهد بهذا الوضوح منذ الاضطرابات الاقتصادية في السبعينات. فما «القوى الخفية» التي تدفع هذا «الرالي المزدوج»، وماذا يعني للمستثمرين؟

عوامل رئيسية وراء «الرالي المزدوج»

يدفع هذا الصعود المتزامن عوامل اقتصادية وجيوسياسية متداخلة:

أولاً: ضعف الدولار ورهانات الفائدة الأميركية

انخفاض قيمة الدولار مقابل العملات الرئيسية يُعد دعماً مباشراً للذهب، لأن تسعيره يتم بالعملة الأميركية، ما يجعله أرخص للمشترين من حاملي العملات الأخرى. ويتجه الدولار الأميركي نحو أسوأ عام له منذ أكثر من 40 عاماً، بانخفاض قدره 10 في المائة منذ بداية العام.

ويرتبط ضعف الدولار بتوقعات السوق بتخفيضات إضافية لأسعار الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي». ويتوقع المتعاملون تخفيضات جديدة لأسعار الفائدة الأميركية خلال الاجتماع المقبل لـ«الاحتياطي الفيدرالي» هذا الشهر، بعدما كان قد أقدم على خفض بمقدار 25 نقطة أساس في سبتمبر (أيلول).

ووفقاً لمجلس الذهب العالمي، فإن التوقعات بخفض الفائدة تخلق بيئة مواتية للذهب؛ حيث ترتفع جاذبيته على حساب الأصول التي تدر فائدة.

ثانياً: أسعار الفائدة الحقيقية السلبية

على الرغم من بقاء أسعار الفائدة الاسمية إيجابية، فإن أسعار الفائدة الحقيقية (أي المعدلة حسب التضخم) انزلقت إلى المنطقة السلبية في عام 2025. هذه البيئة مثالية للذهب الذي يزدهر عندما يكون العائد الحقيقي على النقد والسندات سلبياً. فالفائدة الحقيقية السلبية تُقلل من تكلفة الفرصة البديلة للاحتفاظ بالذهب الذي لا يدر عائداً، ما يجعله جذاباً، حتى في ظل استمرار صعود الأسهم مدعوماً بآفاق الأرباح القوية.

ثالثاً: تباين الأوضاع الاقتصادية العالمية

يقدم الاقتصاد العالمي في عام 2025 صورة معقدة من التباين الإقليمي، ففي حين تظهر الولايات المتحدة مرونة ملحوظة في أرباح الشركات ونمو الإنتاجية، تواجه اقتصادات كبرى أخرى تحديات هائلة:

  • الصين وروسيا: تواجه الصين مشكلات عميقة في سوق العقارات وانخفاضاً في الأرباح الاقتصادية، في حين تواجه روسيا عجزاً في الموازنة، ونزيفاً في العمالة بسبب الصراعات المستمرة.
  • أرباح الشركات الأميركية: في المقابل، تُعلن الشركات الأميركية عن نمو قوي في الأرباح يفوق التوقعات، ما يدعم استمرار سباق الأسهم. وهذا التباين هو ما يدفع البنوك المركزية في المناطق المتوترة إلى تكديس الذهب بوصفه مخزون أمان.

رابعاً: البنوك المركزية وجنون شراء الذهب

تواصل البنوك المركزية على مستوى العالم حملة شرائها للذهب بوتيرة غير مسبوقة، فدول مثل الصين تزيد احتياطياتها وسط حالة عدم اليقين العالمية، في حين تقوم دول، مثل بولندا، بتسريع عمليات الشراء مثل «تأمين» ضد خطر التضخم المفرط المحتمل نتيجة الصراعات الإقليمية.

ووفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي، أضافت البنوك المركزية 15 طناً إضافياً إلى احتياطيات الذهب العالمية في أغسطس (آب) يمثل هذا الشراء المؤسساتي تحولاً في النظرة إلى الذهب؛ فلم يعد مجرد مخزن تقليدي للقيمة، بل أصبح أداة استراتيجية للتحصين ضد عدم الاستقرار الجيوسياسي والاقتصادي.

مجوهرات ذهبية معروضة في نافذة في مانهاتن (أ.ف.ب)

4 آلاف دولار في الأفق

تجاوزت أسعار الذهب الحالية توقعات نهاية العام الصادرة عن كبرى بنوك الاستثمار العالمية. ويعزو مجلس الذهب العالمي الارتفاع الأخير إلى انتشار الخوف من تفويت الفرص بين المستثمرين المؤسسيين. وصرح جون ريد، كبير استراتيجيي السوق في المجلس، لصحيفة «فاينانشيال تايمز»: «بدأت صناديق التحوط التي لم تواكب ارتفاع أسعار الذهب بدخول السوق من خلال صناديق الاستثمار المتداولة في البورصة (ETFs)، ما عزّز الخوف من تفويت الفرص».

ورفع «غولدمان ساكس»، يوم الاثنين، توقعاته لسعر الذهب في ديسمبر (كانون الأول) 2026 من 4300 إلى 4900 دولار للأونصة، مشيراً إلى تدفقات قوية من صناديق الاستثمار المتداولة الغربية، واحتمال زيادة مشتريات البنوك المركزية.

وكانت التقديرات السابقة تُشير إلى أنه إذا جرى تقويض استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» تحت ضغط من الرئيس دونالد ترمب، فقد ترتفع أسعار الذهب إلى 5 آلاف دولار. أما في أسوأ السيناريوهات، أي اهتزاز الثقة بـ«الاحتياطي الفيدرالي»، فقد يتجه المستثمرون إلى سحب أموالهم من سندات الخزانة الأميركية -بوصفها ملاذاً آمناً- وتحويلها إلى الذهب.

وتوقع بنك «إتش إس بي سي» في تقرير صدر في الثالث من الشهر الحالي أن ترتفع أسعار الذهب إلى ما يزيد على 4 آلاف دولار للأونصة على المدى القصير.

وتواصل أسواق الأسهم الرئيسية في الولايات المتحدة واليابان وكوريا الجنوبية تسجيل مستويات قياسية؛ حيث انتعش مؤشر «إم إس سي آي» العالمي، الذي يضم 3000 سهم من 47 سوقاً متقدمة وناشئة، بنسبة 18 في المائة منذ بداية العام، وبنسبة 34 في المائة تقريباً عن أدنى مستوى له في أبريل (نيسان). ويشير هذا إلى أن الارتفاع الأخير في أسعار الأسهم لا يقتصر على دول قليلة.

كذلك، فإنه وفقاً لبنك التسويات الدولية، سجل الائتمان المصرفي عبر الحدود في جميع أنحاء العالم رقماً قياسياً بلغ 34.7 تريليون دولار في الربع الأول من هذا العام. وقد تجاوز هذا الرقم القياسي السابق البالغ 33.6 تريليون دولار، الذي سجلته لجنة الخدمات المالية.

ويعكس هذا الارتفاع الكبير في القروض التي تقدمها البنوك العالمية للحكومات والشركات والمؤسسات المالية في جميع أنحاء العالم، ما يُشير إلى فيضان السيولة في الاقتصاد العالمي.

يتم عرض الأساور الذهبية في متجر للمجوهرات في مومباي (رويترز)

التاريخ يحمل إشارة تحذير

وعلى الرغم من المؤشرات الإيجابية، فإن الحركة المتزامنة للذهب والأسهم تثير قلقاً، فالمثال التاريخي الأبرز لهذه العلاقة القوية كان في أوائل السبعينات، وهي فترة سبقت اضطرابات اقتصادية كبيرة شملت الركود التضخمي وتخفيض قيمة العملة.

كما أن مؤشر الذهب إلى مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» اخترق مؤخراً قاعدة دعم استمرت أكثر من 4 سنوات، وتُشير تحليلات سابقة إلى أن مثل هذا الاختراق قد يمهّد لانطلاقة صعودية طويلة الأمد للذهب، قد تجعله يتفوق على الأسهم في النهاية.

ويبقى السؤال: هل نحن في مسار مختلف عن سبعينات القرن الماضي، أم أن هذا «الرالي المزدوج» يخبئ في طياته قلقاً أكبر؟


مقالات ذات صلة

أرباح «إكسترا» السعودية تقفز 10 % خلال الربع الأول

الاقتصاد أحد فروع متاجر «إكسترا» بالسعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

أرباح «إكسترا» السعودية تقفز 10 % خلال الربع الأول

ارتفعت أرباح «الشركة المتحدة للإلكترونيات (إكسترا)» السعودية، بنسبة 10 %، خلال الربع الأول من عام 2026، محققة 94.7 مليون ريال (25.2 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد صورة توضيحية تُظهر مضخة نفط وبراميل مطبوعة بالتقنية ثلاثية الأبعاد أمام رسم بياني للأسهم (رويترز)

انخفاض أسعار النفط يهوي بأسهم الطاقة في أميركا وأوروبا عقب هدنة إيران

تراجعت أسهم الطاقة الأميركية والأوروبية، يوم الأربعاء، مع انخفاض أسعار النفط، بعد إعلان وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد سياح يقفون أمام مكتب صرافة في إسطنبول (رويترز)

تركيا... «هدنة إيران» تقفز بالأسهم 4 % وتنعش الليرة

قادت أسهم البنوك وشركات الطيران ارتفاعاً تجاوز 4 في المائة بالسوق التركية، فيما كانت الليرة على طريق تسجيل مكاسب يومية نادرة يوم الأربعاء.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول )
الاقتصاد مستثمر يتابع شاشة الأسهم في السوق المالية السعودية بالرياض (أ.ف.ب)

هدنة الحرب تقفز ببورصات الخليج في التداولات المبكرة

قفزت أسواق الأسهم الخليجية خلال التعاملات المبكرة، الأربعاء، مدفوعة بتحسن معنويات المستثمرين، عقب إعلان ترمب التوصل إلى اتفاق هدنة لمدة أسبوعين مع إيران.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

هدنة الأسبوعين تقفز بالعقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، الأربعاء، حيث تنفس المستثمرون الصعداء بعد إعلان الولايات المتحدة وإيران اتفاقاً على وقف إطلاق نار لمدة أسبوعين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

شركة النفط النيجيرية تُصدر أول شحنة من خام «كاوثورن» الجديد

شركة النفط الوطنية النيجيرية (NNPC) وهي شركة حكومية (رويترز)
شركة النفط الوطنية النيجيرية (NNPC) وهي شركة حكومية (رويترز)
TT

شركة النفط النيجيرية تُصدر أول شحنة من خام «كاوثورن» الجديد

شركة النفط الوطنية النيجيرية (NNPC) وهي شركة حكومية (رويترز)
شركة النفط الوطنية النيجيرية (NNPC) وهي شركة حكومية (رويترز)

أعلنت شركة النفط الوطنية النيجيرية (NNPC)، وهي شركة نفط حكومية، الأربعاء، أنها صدّرت أول شحنة من خام «كاوثورن» الخفيف الجديد إلى هولندا.

وتهدف الشركة إلى تعزيز الإنتاج وتنويع مصادر صادراتها، في إطار جهود نيجيريا لرفع الإنتاج بعد سنوات من نقص الاستثمار وسرقة النفط والاضطرابات التشغيلية.

وأوضحت أنه تم شحن نحو 950 ألف برميل من سفينة التخزين والتفريغ العائمة (FSO) التابعة لشركة «كاوثورن»، والواقعة قبالة «بوني» في ولاية «ريفرز» التي تدعم الإنتاج من منطقة التنقيب عن النفط رقم 18.

يأتي هذا الإطلاق في أعقاب إضافات حديثة، مثل خام «نيمبي» وخام «أوتاباتي»، وذلك في إطار ما وصفته شركة النفط الوطنية النيجيرية، باستراتيجية أوسع لتوسيع محفظة نيجيريا من مزيج النفط القابل للتصدير.

وتظهر بيانات منظمة «أوبك» أن نيجيريا أنتجت نحو 1.4 مليون برميل يومياً في مارس (آذار)، وهو أقل بكثير من طاقتها الإنتاجية.

وقال الرئيس التنفيذي لشركة النفط، بشير بايو أوغولاري، إن هذا التطور يدعم أهداف الحكومة لرفع إنتاج النفط الخام إلى 3 ملايين برميل يومياً بحلول عام 2030.

وتعتمد نيجيريا على صادرات النفط مصدراً رئيسياً لعائداتها من العملات الأجنبية.


خريطة الإمداد العالمية تُعاد صياغتها... والبوصلة تتجه نحو السعودية

إحدى سفن الحاويات في موانئ السعودية (واس)
إحدى سفن الحاويات في موانئ السعودية (واس)
TT

خريطة الإمداد العالمية تُعاد صياغتها... والبوصلة تتجه نحو السعودية

إحدى سفن الحاويات في موانئ السعودية (واس)
إحدى سفن الحاويات في موانئ السعودية (واس)

في وقت تعيش فيه سلاسل الإمداد العالمية لحظة إعادة تَشكُّل غير مسبوقة، مدفوعةً بتصاعد التوترات الجيوسياسية واضطرابات الممرات الحيوية، وفي مقدمتها أزمة مضيق هرمز، برزت السعودية بصفتها أحد أبرز اللاعبين في إعادة تموضع التدفقات التجارية، مستندةً إلى موقع جغرافي فريد يربط بين الشرق والغرب، وبنية تحتية لوجيستية متقدمة عززتها مستهدفات «رؤية 2030»؛ مما يجعلها وجهة رئيسة لاستثمارات الشركات العالمية في هذا المجال.

هذا الواقع الجديد لم يعد مجرد استجابة ظرفية للأزمة، بل تحول فرصةً استراتيجيةً تستقطب كبرى الشركات اللوجيستية العالمية الباحثة عن مراكز أعلى أماناً وموثوقية.

ويرى مختصون أنه مع ازدياد الاعتماد على موانئ البحر الأحمر السعودية وتفعيل مسارات بديلة للنقل، فإن «المملكة تؤكد حضورها محوراً رئيسياً في خريطة الإمداد الدولية، وقاعدة انطلاق لمرحلة جديدة من الاستثمارات اللوجيستية العابرة للحدود».

مركز لوجيستي عالمي

وقال خبير ومستشار الخدمات اللوجيستية، نشمي الحربي، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأزمات الكبرى تُعيد رسم خرائط الاستثمار، وإن مضيق هرمز ليس استثناءً... «فقد بدأت السفن التجارية تلجأ بشكل متصاعد إلى موانئ البحر الأحمر السعودية بصفتها بديلاً عملياً وآمناً، في تحول لوجيستي يعكس مرونة البنية التحتية للمملكة».

هذا التحول العملي يبعث برسالة واضحة إلى الشركات اللوجيستية العالمية، بأن السعودية «ليست مجرد سوق استهلاكية، بل هي مركز لوجيستي عالمي، وهو ما تستهدفه (رؤية 2030)»؛ وفق الحربي، الذي يؤكد أن «المملكة تحولت شريانَ حياة لدول الجوار، عبر تفعيل استراتيجية التكامل اللوجيستي الخليجي، وأصدرت توجيهات استثنائية بتسهيلات جمركية وإعفاءات من الرسوم لمرور البضائع المتجهة إلى الأسواق الخليجية عبر أراضيها».

ووفق خبير الخدمات اللوجيستية، فإن «الشركات العالمية تبحث دائماً عن بيئة قابلة للتنبؤ والثقة، وما قدمته المملكة خلال هذه الأزمة أثبت أنها تمتلك هذه المعادلة».

وأكمل أن الرياض تمتلك ميزة جغرافية استراتيجية فريدة: «واجهتان بحريتان (الخليج العربي والبحر الأحمر). وهذا ما جعلها تتفوق في هذه الأزمة على كثير من دول الجوار».

خط الأنابيب

وكشف عن ارتفاع صادرات ميناء ينبع على البحر الأحمر إلى 3.8 مليون برميل يومياً، بالاستفادة من «خط الأنابيب شرق - غرب» الذي تبلغ طاقته نحو 7 ملايين برميل يومياً، وهو خط أُنشئ في ثمانينات القرن الماضي تحديداً لهذا الغرض، ويعدّه كبار المختصين اليوم «ضربة عبقرية».

وعلى صعيد التكامل الإقليمي، وُقِّعت اتفاقيات ربط لوجيستي فورية مع «ميناء الشارقة» والموانئ العُمانية والكويتية، لتحويل تدفقات الشحن من بحر العرب إلى موانئ البحر الأحمر السعودية ثم نقلها براً، مبيناً أن «هذه المرونة التشغيلية مما يميز المملكة عن غيرها».

وتوقع الحربي في المرحلة المقبلة «إعادة هيكلة سلاسل الإمداد؛ لأن الأزمة الراهنة تُشكّل منعطفاً حقيقياً في مسيرة التكامل اللوجيستي الخليجي، ونحن نشهد ميلاد مسارات أعلى مرونة وقدرة على التكيف».

وتابع أن الأزمات تُجبِر على الابتكار، مع توقعاته بقفزة في اعتماد منظومات التتبع الذكي وإدارة المخاطر في سلاسل الإمداد السعودية.

وأكد أن دول الخليج باتت تدرك أن حجم هذه الأزمة يتطلب تفكيراً جديداً، و«لا أحد يتوقع عودة الأوضاع إلى ما كانت عليه قبل النزاع»، موضحاً أن المملكة كانت تعمل على بنيتها اللوجيستية وفق «رؤية 2030» قبل الأزمة الحالية التي «أثبتت صحة هذا التوجه وعجّلت تحقيقه»، وأن القطاع اللوجيستي في البلاد مُقبل على مرحلة نمو وتمركز عالمي غير مسبوقة.

القدرة التشغيلية

من جانبه، أوضح الخبير في التحول الرقمي والخدمات اللوجيستية، زيد الجربا، أن المملكة برزت «ليس فقط بوصفها تمتلك موقعاً استثنائياً، بل بصفتها دولة نجحت في تحويل الجغرافيا إلى استراتيجية من حيث القدرة التشغيلية، وإلى نفوذ لوجيستي متصاعد»، مؤكداً أنه في الوقت الذي كان فيه كثيرون ينظرون إلى اضطرابات مضيق هرمز من زاوية المخاطر، «كانت الرياض تبني، بهدوء ووضوح، واقعاً مختلفاً: مساراتٌ بديلة، وموانئُ أعلى جاهزية، ومطاراتٌ أكبر قدرة، وربطٌ لوجيستيٌ يمنح المنطقة مساحة أوسع للحركة وأقل عرضة للاختناق».

وأضاف أن «الميزة السعودية لا تكمن فقط في أنها تطل على الخليج العربي والبحر الأحمر معاً، بل في أنها تملك القدرة العملية على الربط بينهما، وهذه ليست ميزة جغرافية فقط، بل ميزة استراتيجية نادرة».

وطبقاً للجربا، فالبضائع الآتية عبر موانئ البحر الأحمر «يمكن أن تتحرك عبر شبكة النقل داخل المملكة نحو أسواق الخليج، والعكس صحيح، وهنا تظهر السعودية ليس بوصفها طرفاً في المشهد اللوجيستي، بل بصفتها جسراً يعيد وصل المشهد بعضه ببعض».

وبين أنه في الأزمات اللوجيستية «لا يكون البحر وحده ساحة الحلول، فكلما زادت المخاطر على الممرات البحرية، ارتفعت قيمة الشحن الجوي والربط متعدد الوسائط... وهنا أيضاً، لم تكن المملكة غائبة عن المشهد، فالمطارات السعودية، بقدراتها المتنامية في مناولة الشحن وتوسعة البنية التحتية، أصبحت جزءاً من المرونة التشغيلية التي تحتاجها المنطقة».

سوق الطيران

وتطرق أيضاً إلى لجوء عدد من شركات الطيران الخليجية إلى الاستفادة من مطارات المملكة؛ «مما يعكس حقيقة مهمة، هي أن الرياض لم تعد فقط سوقاً كبيرة للطيران والخدمات، بل أصبحت منصة تشغيلية قادرة على دعم الحركة الإقليمية عندما تصبح الحاجة إلى البدائل أكبر إلحاحاً».

وأبان الجربا أن جميع تلك العوامل تجعل المملكة «محط أنظار الشركات اللوجيستية العالمية، التي تنوي الاستثمار في هذا المجال مع بروز الجهود السعودية خلال الأزمة الحالية، وميزتها التنافسية الفريدة التي تتمثل في موقعها الجغرافي الذي يربط بين قارات العالم، وامتلاكها واجهتين بحريتين على الخليج العربي والبحر الأحمر، إلى جانب بنية تحتية متقدمة تشمل موانئَ حديثة وشبكاتِ نقل متكاملة وخطوطَ أنابيب استراتيجية».

واستطرد: «عززت السياسات الحكومية المرنة، مثل التسهيلات الجمركية وتسريع الإجراءات، من جاذبية السوق، مدعومة بإطار استراتيجي واضح تقوده (الرؤية) السعودية؛ مما يجعل البلاد بيئة موثوقة وقابلة للتوسع للشركات الباحثة عن الاستقرار والكفاءة في إدارة سلاسل الإمداد».


انتعاش الأسواق اليابانية مع إعلان وقف إطلاق النار في إيران

ساعية بريد تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في طوكيو (رويترز)
ساعية بريد تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في طوكيو (رويترز)
TT

انتعاش الأسواق اليابانية مع إعلان وقف إطلاق النار في إيران

ساعية بريد تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في طوكيو (رويترز)
ساعية بريد تمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في طوكيو (رويترز)

قفز متوسط أسهم الشركات الكبرى في اليابان بأكبر قدر له في عام، بينما ارتفعت سندات البلاد وعملتها الأربعاء، حيث أدى اتفاق وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران إلى انخفاض حاد في أسعار النفط الخام وخفف من المخاوف من تباطؤ اقتصادي.

وارتفع مؤشر نيكي 225 بنسبة 5.39 في المائة ليصل إلى 56.308.42 نقطة، مسجلاً ارتفاعاً لليوم الرابع على التوالي، ومحققاً أعلى مستوى إغلاق له منذ 2 مارس (آذار) الماضي. وانخفض عائد السندات الحكومية اليابانية القياسية بمقدار 4 نقاط أساسية إلى 2.365 في المائة بعد أن سجل أعلى مستوى له في 27 عاماً الثلاثاء.

وبعد أكثر من خمسة أسابيع من بدء الولايات المتحدة وإسرائيل قصفهما الجوي لإيران، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب موافقته على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، وذلك قبيل الموعد النهائي الذي حدده لطهران لإعادة فتح ممر مضيق هرمز الحيوي لنقل النفط.

وصف المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني الاتفاق بأنه انتصار، مدعياً أن ترمب قد قبل بشروط إيران لوقف إطلاق النار.

وقال شينغو إيدي، كبير استراتيجيي الأسهم في معهد أبحاث «إن إل آي»، إن دور باكستان وسيطاً بين الولايات المتحدة وإيران يضفي على الاتفاق مصداقية؛ ما يسهِم في تفاؤل السوق. وأضاف إيدي: «تشير التقارير إلى أن باكستان طلبت من إيران رفع الحصار عن مضيق هرمز، ويبدو أن الحصار قد رُفع بالفعل. ويتزايد الأمل في أنه إذا استمر الوضع على هذا المنوال لأكثر من أسبوعين، فقد يتحول الأمر فعلياً إلى وقف إطلاق نار حقيقي».

وانخفضت العقود الآجلة للنفط الخام الأميركي بأكثر من 19 في المائة في وقت ما إلى ما دون 100 دولار للبرميل، بينما ارتفع الين إلى أعلى مستوى له في أكثر من أسبوعين عند 158.05 ين للدولار. ويُعدّ الاقتصاد الياباني عرضة بشكل خاص لتقلبات أسعار النفط؛ نظراً لاعتماده الكبير على الطاقة المستوردة.

وكان ارتفاع مؤشر نيكي الأربعاء هو الأكبر منذ 10 أبريل (نيسان) 2025، حين قفز المؤشر بنسبة 9 في المائة عقب تراجع ترمب عن خطته الضخمة لفرض تعريفات جمركية في «يوم التحرير».

وشهدت عوائد سندات الحكومة اليابانية ارتفاعاً ملحوظاً خلال الأزمة، مع تزايد المخاوف من أن تدفع ضغوط التضخم «بنك اليابان» إلى تسريع وتيرة رفع أسعار الفائدة؛ ما يُجبر الحكومة على توسيع نطاق التحفيز الاقتصادي.

وأظهرت بيانات مجموعة بورصة لندن أن مقايضات أسعار الفائدة الأربعاء أشارت إلى احتمال يقارب 52 في المائة لرفع «بنك اليابان» أسعار الفائدة هذا الشهر، بانخفاض عن نحو 60 في المائة في وقت سابق من هذا الأسبوع.

وكانت الشركات العاملة في قطاع أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، الذي يشهد طلباً هائلاً على الطاقة، من بين أبرز الرابحين في سوق الأسهم اليابانية. أما في القطاعات الفرعية لمؤشر توبكس، فقد كان قطاعا التعدين والشحن الأكثر انخفاضاً.

وكانت الشركات العاملة في مجال أشباه الموصلات والذكاء الاصطناعي، الذي يشهد طلباً هائلاً على الطاقة، من بين الشركات الأكثر ربحاً في سوق الأسهم اليابانية. وكانت شركة «كيوكسيا» القابضة لصناعة الرقائق الإلكترونية أكبر الرابحي«ن في مؤشر نيكي، حيث ارتفعت أسهمها بنسبة 18.6 في المائة، تلتها شركة «فوروكاوا إلكتريك» بنسبة 17.6 في المائة، ثم شركة «أدفانتست» التي قفزت بنسبة 13.6 في المائة. وفي المقابل، تراجعت أسهم شركة «إنبكس» للتنقيب عن النفط بنسبة 6.2 في المائة، متصدرةً قائمة الخاسرين، تلتها شركة «إيديميتسو كوسان» بانخفاض قدره 5.9 في المائة، ثم شركة «كاواساكي كيسن» للشحن البحري بانخفاض قدره 3.9 في المائة.

وقالت ماكي ساودا، استراتيجية الأسهم في شركة «نومورا» للأوراق المالية: «لا يزال من غير الواضح ما إذا كانت أسعار النفط الخام والإمدادات ستعود إلى مستويات ما قبل النزاع». وأضافت: «بالنظر إلى هذا الغموض المستمر، أعتقد أن هناك احتمالاً كبيراً لتراجع الأسعار بعد هذا الارتفاع الحاد».

• تكالب على الأسهم الأجنبية

في غضون ذلك، استثمر المستثمرون اليابانيون في الأسهم الأجنبية في مارس (آذار) بأكبر قدر منذ نحو عام، حيث عزز ضعف الين مؤخراً وانخفاض أسعار الأسهم نسبياً بسبب حرب الشرق الأوسط إقبال المستثمرين. ووفقاً لوزارة المالية اليابانية، بلغت صافي مشتريات المستثمرين المحليين من الأسهم الأجنبية 2.22 تريليون ين (14.04 مليار دولار). وكانت هذه أكبر عملية شراء شهرية صافية لهم منذ إعلان الولايات المتحدة عن فرض رسوم جمركية في «يوم التحرير» في أبريل (نيسان) 2025، حين اشتروا أسهماً بقيمة 3.27 تريليون ين.

وقال محللون في بنك «باركليز» في مذكرة: «أسهمت تدفقات حسابات التوفير الفردية اليابانية الجديدة (نيسا) في زيادة شراء الأسهم الأجنبية». و«برنامج نيسا» هو برنامج استثماري حكومي ياباني معفى من الضرائب في سوق الأسهم، ومُخصص للأفراد، ويهدف إلى تحويل الأموال النقدية للأسر، التي تُقدر بتريليونات الينات، إلى استثمارات في سوق الأسهم.كما باع المستثمرون المحليون سندات أجنبية بقيمة 4.12 تريليون ين، في أكبر عملية بيع صافية شهرية لهم منذ عملية التخارج الصافية التي بلغت 4.13 تريليون ين في أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

واشترت حسابات الصناديق الائتمانية أسهماً أجنبية بقيمة 1.3 تريليون ين تقريباً الشهر الماضي، بينما باعت سندات طويلة الأجل بقيمة صافية بلغت 601.4 مليار ين. وفي الوقت نفسه، استثمرت شركات إدارة الصناديق الائتمانية والحسابات المصرفية 828.3 مليار ين و226.3 مليار ين على التوالي في الأسهم الأجنبية.

وأظهرت بيانات منفصلة من «بنك اليابان» أن المستثمرين اليابانيين تخلّوا عن سندات أميركية بقيمة صافية بلغت 3.42 تريليون ين في فبراير (شباط)، وهو أعلى مستوى شهري منذ يونيو (حزيران) 2022. كما تخلّوا عن سندات أوروبية بقيمة 173.3 مليار ين في الشهر نفسه، وباعوا سندات فرنسية وألمانية بقيمة 270.14 مليار ين و131.73 مليار ين على التوالي، لكنهم أضافوا سندات إيطالية بقيمة صافية بلغت 158.07 مليار ين خلال تلك الفترة.