صندوق النقد يطالب لبنان باستكمال استراتيجية توزيع الخسائر وحماية صغار المودعين

أشاد بـ«مرونة الاقتصاد» ودعا إلى «إصلاحات طموحة»

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ملتقياً رئيس بعثة صندوق النقد الدولي (الوكالة الوطنية)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ملتقياً رئيس بعثة صندوق النقد الدولي (الوكالة الوطنية)
TT

صندوق النقد يطالب لبنان باستكمال استراتيجية توزيع الخسائر وحماية صغار المودعين

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ملتقياً رئيس بعثة صندوق النقد الدولي (الوكالة الوطنية)
رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام ملتقياً رئيس بعثة صندوق النقد الدولي (الوكالة الوطنية)

أشاد صندوق النقد الدولي بـ«مرونة الاقتصاد اللبناني»، رغم التداعيات الكبيرة للنزاع الإقليمي، مشدداً في الوقت ذاته على الحاجة الملحّة لتبني «إصلاحات شاملة وأكثر طموحاً» لتحقيق تعافٍ مستدام وجذب الدعم الدولي. كما شدد على الضرورة القصوى لاستكمال إصلاح القطاع المصرفي، وقال إن إقرار قانون حل المصارف خطوة إيجابية تحتاج إلى تعديلات فورية ليتوافق مع المعايير الدولية، وإلى وضع استراتيجية واضحة للاعتراف بالخسائر وتوزيعها وحماية صغار المودعين، محذراً في الوقت ذاته من مقاربة أقل طموحاً في مشروع موازنة 2026، ومن خطورة التراجع عن الرسوم على المحروقات.

هذا ما جاء في بيان صادر عن صندوق النقد الدولي في ختام زيارة قامت بها بعثة من الصندوق برئاسة إرنستو راميريز ريغو، إلى بيروت دامت أربعة أيام بين 22 سبتمبر (أيلول) و25 منه، ركّزت على مناقشة المستجدات الاقتصادية في البلاد والتقدم المحرز في خطة الإصلاحات الحكومية، ولا سيما ما يتعلق بقطاع المصارف ومشروع موازنة عام 2026.

وزير الاقتصاد عامر البساط أثناء اجتماعه بوفد بعثة صندوق النقد الدولي (إكس)

وقال راميريز ريغو، في البيان، إن الاقتصاد اللبناني أظهر «صموداً» ويشهد مؤخراً «انتعاشاً اقتصادياً جزئياً مدفوعاً بقوة سياحة المغتربين». ونوّه بأن السلطات اللبنانية حافظت على «انضباط مالي ونقدي محكم»، مما أدى إلى تراكم بعض الاحتياطيات الدولية الإضافية وتحقيق فائض مالي صغير.

كما رحب الفريق بخطوات إجرائية مهمة، منها إتمام تشكيل الهيئات التنظيمية في قطاعي الكهرباء والاتصالات، وتعزيز القدرات الإحصائية على المستوى المالي، وتطوير العمليات الرقمية للامتثال الضريبي.

ومع ذلك، أكد البيان أن استعادة النمو القوي والمستدام تتطلب تطبيق «إصلاحات طموحة وشاملة» لمعالجة «نقاط الضعف الهيكلية» التي تعيق إمكانات لبنان منذ سنوات، مشيراً إلى أن هذه الإصلاحات ضرورية أيضاً لجذب الدعم الدولي اللازم لمساعدة البلاد في إعادة بناء اقتصادها وإعمار المناطق المتضررة من الحرب.

وزير المالية ياسين جابر يلتقي وفد بعثة صندوق النقد الدولي (إكس)

الملف المصرفي: تقدم في القانون وحاجة إلى التقييم

في سياق مناقشة جهود إعادة تأهيل القطاع المصرفي، أشار فريق الصندوق إلى أن السلطات أحرزت تقدماً في وضع استراتيجية لمعالجة التحديات الحادة التي يواجهها القطاع. وقال: «أحرزت السلطات تقدماً في وضع استراتيجية لمواجهة التحديات الجسيمة التي يواجهها القطاع المصرفي. تعكس الموافقة الأخيرة على قانون تسوية أوضاع البنوك الجهود الحثيثة لجميع الجهات المعنية، وإن كان التشريع بحاجة إلى مزيد من الصقل. وقد اقترح فريق صندوق النقد الدولي تعديلات لمواءمته التامة مع المعايير الدولية، وضمان فاعلية عمليات إعادة هيكلة البنوك. وينبغي على السلطات مواصلة العمل على تطوير استراتيجية لتحديد الخسائر وتوزيعها، واستعادة قدرة القطاع المصرفي على الاستمرار بما يتوافق مع المعايير الدولية، وحماية صغار المودعين، واستدامة الدين العام».

ودعا الصندوق السلطات إلى مواصلة العمل على تطوير استراتيجية واضحة للاعتراف بالخسائر وتوزيعها، واستعادة جدوى القطاع المصرفي، مع التشديد على ضرورة أن تكون هذه الاستراتيجية متسقة مع «المعايير الدولية»، وتضمن «حماية صغار المودعين»، وتحافظ على «استدامة الدين العام».

موازنة 2026: دعوة لمقاربة أكثر طموحاً

وفيما يخص مشروع موازنة عام 2026 الذي أقرّه مجلس الوزراء، أعرب فريق الصندوق عن توقعه «مقاربة أكثر طموحاً» من تلك الواردة في المسودة المعتمدة.

- على صعيد الإيرادات: أقرّ الصندوق بصحة توجه الحكومة نحو توسيع القاعدة الضريبية وتحسين الامتثال، لكنه دعا إلى النظر في إصلاحات للسياسات الضريبية لخلق حيز مالي للإنفاق ذي الأولوية، وخاصة على إعادة الإعمار والحماية الاجتماعية. وفي المقابل، أعرب الصندوق عن «قلق جدي» إزاء التراجع عن فرض الضرائب الانتقائية على المحروقات (الرسوم الجمركية)، مما يثير تساؤلات حول قدرة الحكومة على تمويل نفقاتها.

- على صعيد النفقات والإطار المالي: طالب الصندوق بضرورة تسجيل جميع بنود الإنفاق المتوقعة، بما في ذلك النفقات الممولة خارجياً، بشفافية كاملة، مؤكداً أن قرارات الإنفاق يجب أن تتوافق مع التمويل المتاح. كما دعت البعثة إلى تسريع الجهود لاعتماد «إطار مالي متوسط المدى طموح»، وهو ما يعد ركيزة أساسية لاستعادة الاستدامة المالية واستدامة الدين.

استمرار الحوار والالتزام بالدعم

أكد الصندوق تطلعه إلى استمرار المناقشات مع السلطات اللبنانية بشأن هذه القضايا، لا سيما خلال الاجتماعات السنوية للصندوق المقرر عقدها في أكتوبر (تشرين الأول) 2025. واختتم البيان بتجديد التزام صندوق النقد الدولي بدعم لبنان في مساعيه لتطوير وتنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي شامل، بما يتفق مع سياسات الصندوق وولايته.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد يرحب بتعديلات قانون المصارف في لبنان ويعدّها «خطوة كبيرة»

الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

صندوق النقد يرحب بتعديلات قانون المصارف في لبنان ويعدّها «خطوة كبيرة»

رحب صندوق النقد الدولي بإقرار مجلس النواب اللبناني تعديلات على قانون معالجة أوضاع المصارف، واصفاً الخطوة بأنها «كبيرة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

مخاوف بمصر بشأن تداعيات ارتفاع الدين العام وسط تصاعد التوترات الإقليمية

على عكس خطط الحكومة المصرية التي تستهدف خفض الدين العام إلى 78 في المائة من الناتج الإجمالي، توقَّع"«صندوق النقد» بلوغ هذه النسبة 82.2 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
المشرق العربي رئيس الحكومة نواف سلام يتوسط وزير المال ياسين جابر ووزير الاقتصاد عامر البساط خلال الجلسة التشريعية بمجلس النواب (إعلام البرلمان)

لبنان يعدّل قانون المصارف المعلّق على تشريعات معالجة «الفجوة»

قضت التسوية التي اعتُمدت في إقرار «التعديلات»، وفق مسؤول مالي معني، بضرورة «مسايرة» تعليمات «صندوق النقد»، وحفظ الاستجابة لهواجس السلطة النقدية...

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد مركبات في أحد ميادين دمشق (رويترز)

صندوق النقد الدولي يوافق على برنامج مساعدات فنية لسوريا

أعلن صندوق النقد الدولي، الثلاثاء، عن موافقته على برنامج مساعدات فنية واسع النطاق لسوريا التي مزقتها الحرب، حيث تعمل الحكومة الجديدة على إعادة بناء الاقتصاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا تعتبر الحكومة تقرير «الصندوق» شهادة على الأداء الاقتصادي (رويترز)

تمويل جديد من «صندوق النقد» يحصّن الاقتصاد المصري من الاضطرابات المتصاعدة

تعول مصر على صرف التمويل الجديد من «صندوق النقد الدولي» لتحصين الاقتصاد من الاضطرابات المتصاعدة في المنطقة.

أحمد عدلي (القاهرة)

أسهم الصين تترقب التحفيز... واليوان قرب قمة 3.5 سنة

شاشة تعرض حركة الأسواق المالية على جسر بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسواق المالية على جسر بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
TT

أسهم الصين تترقب التحفيز... واليوان قرب قمة 3.5 سنة

شاشة تعرض حركة الأسواق المالية على جسر بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)
شاشة تعرض حركة الأسواق المالية على جسر بمدينة شنغهاي الصينية (أ.ف.ب)

أنهت الأسهم الصينية تعاملات الجمعة بأداء متباين، إذ استقرَّ مؤشر شنغهاي تقريباً، بينما حقَّقت الأسهم القيادية مكاسب محدودة، في وقت ارتفعت فيه سوق هونغ كونغ بدعم من آمال اتخاذ بكين إجراءات مالية إضافية لدعم ثاني أكبر اقتصاد في العالم. وفي سوق العملات، واصل اليوان إظهار قوة لافتة قرب أعلى مستوياته في 3 أعوام ونصف العام، مستفيداً من ضعف الدولار، لكن البنك المركزي الصيني يواصل إرسال إشارات بأنَّه يفضِّل ارتفاعاً تدريجياً للعملة بدلاً من صعود سريع أحادي الاتجاه.

وأغلق مؤشر شنغهاي المركب مستقراً عند 3905.20 نقطة، بينما ارتفع مؤشر CSI300 للأسهم القيادية 0.6 في المائة. وعلى مدار الأسبوع، خسر شنغهاي 0.6 في المائة، بينما تراجع CSI300 بنسبة 1 في المائة.

وكان من أبرز مؤشرات الحذر انخفاض قيمة تداولات الأسهم الصينية من الفئة «أ» إلى 1.88 تريليون يوان، أي نحو 279.75 مليار دولار، وهو أدنى مستوى منذ 7 أبريل (نيسان).

وفي المقابل، ارتفع مؤشر «تشاينكست» للشركات الناشئة 1.4 في المائة، بينما أغلق مؤشر «ستار 50» الذي تهيمن عليه شركات التكنولوجيا دون تغير يذكر.

وتشير هذه التَّحرُّكات إلى أنَّ المستثمرين لا يزالون مترددين في بناء مراكز كبيرة في الأسهم الصينية، رغم الحديث الرسمي المتزايد عن إمكانية تقديم دعم اقتصادي إضافي.

وقال نائب وزير المالية الصيني، لياو مين، إن الصين ستطبق إجراءات إضافية للسياسة المالية وفقاً لتطور الأوضاع الاقتصادية، في إشارة أعادت ملف التحفيز إلى صدارة اهتمامات الأسواق. لكن رد فعل الأسهم ظلَّ محدوداً، وهو ما يعكس اتساع الفجوة بين توقعات المستثمرين بشأن التحفيز وبين ما يرونه ضرورياً لإحداث تحول ملموس في الاقتصاد.

وقال وي خون تشونغ، استراتيجي الاقتصاد الكلي لمنطقة آسيا والمحيط الهادئ في «بي إن واي»، إن الاقتصاد الصيني لا يزال يواجه صعوبةً في اكتساب الزخم، مشيراً إلى أنَّ الأداء الضعيف للأسهم رغم تصريحات وزارة المالية يعني أنَّ توقعات الدعم الحكومي مرتفعة بالفعل.

وبالنسبة إلى المستثمرين، لم يعد الإعلان عن إمكانية تقديم مزيد من الدعم كافياً في حدِّ ذاته. فالسوق تبحث عن أدلة على أنَّ الإجراءات المالية ستنتقل فعلياً إلى الاستهلاك والاستثمار والائتمان، وتؤدي إلى تعافي الطلب المحلي.

وتزداد أهمية هذه المسألة بعد سلسلة من بيانات يوليو (تموز) التي أظهرت ضعفاً في الإنتاج الصناعي ومبيعات التجزئة والإقراض، ما عزَّز المخاوف من أنَّ التعافي لا يزال يفتقر إلى محرِّك داخلي قوي.

وتبدو السياسة المالية مرشحة لتحمل جزء أكبر من مسؤولية دعم النشاط الاقتصادي، خصوصاً في ظلِّ حرص السلطات النقدية على الموازنة بين دعم النمو والحفاظ على استقرار العملة وهوامش ربح البنوك.

وفي هونغ كونغ، كانت الصورة أكثر إيجابية، إذ ارتفع مؤشر هانغ سينغ 1.2 في المائة، كما صعدت أسهم التكنولوجيا 1.4 في المائة.

واستفادت أسهم المعادن غير الحديدية في الصين من ارتفاع الذهب، ليصعد مؤشر فرعي للقطاع 2.7 في المائة. وجاء ارتفاع المعدن النفيس مدعوماً بضعف الدولار والاضطرابات في أسواق السندات الأميركية بعد تدخل وزارة الخزانة الأميركية عبر زيادة عمليات إعادة شراء السندات.

اليوان يواصل الصعود

وفي سوق العملات، تداول اليوان بالقرب من أقوى مستوياته منذ فبراير (شباط) 2023، وبلغ في السوق المحلية نحو 6.7221 يوان للدولار، مرتفعاً 0.06 في المائة. وكان قد سجَّل في الجلسة السابقة 6.7203 يوان للدولار، وهو أعلى مستوى في 3 أعوام ونصف العام.

وإذا حافظ اليوان على مكاسبه، فإنَّه يتَّجه إلى تسجيل الأسبوع الثامن على التوالي من الارتفاع أمام الدولار، بمكاسب أسبوعية تقارب 0.3 في المائة. كما أصبح مرتفعاً بنحو 4 في المائة منذ بداية العام.

لكن «بنك الشعب الصيني» لا يبدو راغباً في السماح للعملة بالارتفاع بسرعة كبيرة. فقد حدَّد السعر المرجعي اليومي عند 6.7817 يوان للدولار، وهو أضعف بمقدار 555 نقطة من تقديرات «رويترز» البالغة 6.7262.

ومنذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2025، دأب البنك المركزي على تحديد أسعار مرجعية أضعف من توقعات السوق، وهي سياسة يفسِّرها المتعاملون بوصفها محاولةً للحدِّ من قوة اليوان المفرطة والحفاظ على استقرار سوق الصرف.

وقال كريستوفر وونغ، استراتيجي العملات في «أو سي بي سي بنك»، إنَّ هذا النهج يتَّسق مع تفضيل السلطات ارتفاعاً تدريجياً بدلاً من حركة صعود أحادية الاتجاه. ويرى أنَّ ضعف الدولار وتحويل المصدرين إيراداتهم إلى اليوان سيظلان عاملين داعمين للعملة، لكن السياسة الرسمية ستحدُّ على الأرجح من أي ارتفاع سريع. وهنا تظهر معادلة حساسة أمام بكين، فاليوان الأقوى يمكن أن يدعم الثقة في الأصول الصينية ويخفض تكلفة الواردات، لكنه قد يقلص في الوقت نفسه القدرة التنافسية للمصدرين في مرحلة يعتمد فيها الاقتصاد بدرجة كبيرة على الطلب الخارجي لتعويض ضعف الاستهلاك المحلي.

ويتجه اهتمام المستثمرين الآن إلى الولايات المتحدة، خصوصاً خطاب رئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش خلال ندوة «جاكسون هول»، الأسبوع المقبل. وأي إشارات جديدة بشأن التضخم ومسار أسعار الفائدة الأميركية يمكن أن تؤثر مباشرة في الدولار والعوائد الأميركية، وبالتالي في اتجاه اليوان وتدفقات رؤوس الأموال إلى الأسواق الصينية.

وبذلك تدخل الأسواق الصينية المرحلة المقبلة بين قوتين متعاكستين: توقعات بمزيد من التحفيز المالي تدعم الأسهم، وضعف مستمر في الطلب المحلي يمنع المستثمرين من الاندفاع نحو المخاطرة.

أما اليوان، فقد تحوَّل إلى إحدى أبرز نقاط القوة في المشهد المالي الصيني، لكن بكين تبدو مصممةً على أن يبقى صعوده محسوباً، بما يحافظ على التوازن بين استقرار العملة ودعم الصادرات والنمو.


اقتصاد اليورو يتسارع رغم ضغوط الطاقة

الضاحية المالية في مدينة فرانكفورت الألمانية (إ.ب.أ)
الضاحية المالية في مدينة فرانكفورت الألمانية (إ.ب.أ)
TT

اقتصاد اليورو يتسارع رغم ضغوط الطاقة

الضاحية المالية في مدينة فرانكفورت الألمانية (إ.ب.أ)
الضاحية المالية في مدينة فرانكفورت الألمانية (إ.ب.أ)

سجل النشاط الاقتصادي في منطقة اليورو خلال أغسطس (آب) أقوى وتيرة نمو منذ نوفمبر (تشرين الثاني)، مدفوعاً بتحسُّن واضح في الطلبات الجديدة وانتعاش قطاع التصنيع وعودة نمو الصادرات للمرة الأولى منذ أكثر من أربع سنوات. وتقدم البيانات دليلاً جديداً على قدرة اقتصاد المنطقة على الصمود أمام اضطرابات الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، لكنها في الوقت نفسه تعزز احتمالات استمرار البنك المركزي الأوروبي في تشديد السياسة النقدية.

وارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز غلوبال» المركب لمديري المشتريات في منطقة اليورو إلى 52.1 نقطة في أغسطس، مقابل 52 نقطة في يوليو (تموز)، متجاوزاً توقعات اقتصاديين استطلعت «رويترز» آراءهم عند 51.7 نقطة. وتشير أي قراءة أعلى من 50 نقطة إلى نمو النشاط. وتكتسب هذه النتيجة أهمية خاصة بعدما نما اقتصاد منطقة اليورو 0.4 في المائة في الربع الثاني، إذ تشير إلى استمرار الزخم خلال الربع الثالث رغم الحرب في الشرق الأوسط والاضطرابات التي أصابت سلاسل الإمداد ودفعت أسعار الطاقة إلى الارتفاع. وكان التحول الأبرز في قطاع التصنيع، فقد قفز مؤشر مديري المشتريات الصناعي إلى 52.8 نقطة من 51.9 نقطة، مسجلاً أعلى مستوى في أكثر من أربع سنوات، ومتجاوزاً توقعات السوق البالغة 51.8 نقطة.

كما نما الإنتاج الصناعي بأسرع وتيرة في 54 شهراً. وقال كريس ويليامسون، كبير اقتصاديي الأعمال لدى «ستاندرد آند بورز غلوبال ماركت إنتليجنس»، إن التصنيع أصبح مجدداً «النجم الأفضل أداء»، بينما لعب قطاع الخدمات دوراً داعماً بعد الضعف الذي شهده خلال الربع الثاني. ولا يعكس انتعاش المصانع عاملاً واحداً فقط، فقد دفعت اضطرابات سلاسل التوريد المرتبطة بالشرق الأوسط الشركات إلى بناء مخزونات احترازية؛ ما عزز الإنتاج والطلبات.

وفي الوقت نفسه، ظهرت مؤشرات على زيادة الطلب على المنتجات التكنولوجية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي والمعدات المستفيدة من ارتفاع الإنفاق الدفاعي، وهو اتجاه يقدم دعماً ملحوظاً للصناعة الألمانية.

والأكثر أهمية أن الطلب الأساسي نفسه أظهر تحسناً؛ فقد ارتفعت الطلبات الجديدة بأسرع وتيرة في 40 شهراً، فيما نمت طلبات التصدير، التي تشمل التجارة بين دول منطقة اليورو، للمرة الأولى منذ اندلاع الحرب الروسية - الأوكرانية في فبراير (شباط) 2022. وتشكل عودة الصادرات للنمو إشارة مهمة لاقتصاد أوروبي عانى طويلاً من ضعف التجارة العالمية وارتفاع تكاليف الطاقة وفقدان بعض قدرته التنافسية الصناعية.

أما قطاع الخدمات، فحافظ على زخمه بعد انتعاش يوليو، إذ استقر مؤشره عند 51.7 نقطة، مخالفاً توقعات كانت تشير إلى تباطؤ النشاط.

• تحسن سوق العمل

كما انتقل التحسن إلى سوق العمل، فقد زاد التوظيف الإجمالي للمرة الأولى هذا العام، واستأنفت شركات التصنيع التوظيف بعد أكثر من ثلاث سنوات من تقليص العمالة، بينما سجل قطاع الخدمات أسرع نمو للوظائف في ثمانية أشهر.

هذه المؤشرات الإيجابية تحمل، مع ذلك، جانباً أكثر تعقيداً بالنسبة إلى السياسة النقدية. فالاقتصاد الأقوى يقلل الحاجة إلى دعم نقدي، فيما يظل التضخم عند مستويات مرتفعة تاريخياً رغم ظهور إشارات على انحسار ضغوط الأسعار. وأظهر المسح تباطؤ نمو تكاليف المدخلات إلى أدنى مستوى في ستة أشهر، بينما تراجع تضخم أسعار البيع إلى أدنى مستوى في خمسة أشهر. لكن قوة النمو وعودة الشركات إلى التوظيف قد تمنح البنك المركزي الأوروبي مساحة للاستمرار في تشديد السياسة.

وترى الأسواق بالفعل احتمالاً يتجاوز 90 في المائة لرفع أسعار الفائدة في سبتمبر (أيلول)، كما تسعر رفعاً واحداً على الأقل قبل نهاية العام. وكان استطلاع سابق لـ«رويترز» قد أظهر توقعات بأن ينفذ البنك المركزي الأوروبي ثاني زيادة للفائدة هذا العام خلال الشهر المقبل. وانعكست هذه المعادلة على سوق السندات؛ فقد انخفض عائد السندات الألمانية لأجل عشر سنوات بشكل طفيف إلى 3.2445 في المائة يوم الجمعة، بعدما سجل في وقت سابق من الأسبوع أعلى مستوى في 15 عاماً.

ومع ذلك، يتجه العائد للارتفاع بنحو 5 نقاط أساس خلال الأسبوع، مسجلاً ثاني زيادة أسبوعية متتالية. وبلغ عائد السندات الألمانية لأجل 30 عاماً نحو 3.7572 في المائة، بينما تراجع عائد السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، إلى 2.8233 في المائة.

وتبقى منطقة اليورو معرضة أيضاً لموجة ارتفاع العوائد العالمية، وإن كانت المخاوف المالية أقل حدة من الولايات المتحدة؛ فقد عادت عوائد سندات الخزانة الأميركية إلى الارتفاع سريعاً بعد أن وفر تدخل وزارة الخزانة دعماً قصير الأجل فقط للأسواق؛ ما أعاد المخاوف المتعلقة بالدين والتضخم إلى الواجهة.

• مخاطر إضافية

ويشكل النفط خطراً إضافياً على السيناريو الأوروبي؛ فقد دفعت حالة الجمود بين الولايات المتحدة وإيران أسعار الخام إلى الارتفاع مجدداً، وتداول خام برنت قرب 93.32 دولار للبر، متجهاً إلى ثاني مكسب أسبوعي متتالٍ. وقد يؤدي استمرار النفط عند مستويات مرتفعة إلى إعادة تغذية التضخم الأوروبي من بوابة الطاقة والنقل والإنتاج، وهو ما قد يعقد مهمة البنك المركزي الأوروبي أكثر.

وتبدو منطقة اليورو لذلك أمام مفارقة اقتصادية لافتة؛ فقوة المصانع وتحسن الطلب والصادرات يمنحان الاقتصاد قدرة أكبر على مواجهة الصدمات، لكن هذه المرونة نفسها، بالتزامن مع ارتفاع النفط، قد تدفع أسعار الفائدة إلى البقاء مرتفعة لفترة أطول. ورغم الأرقام الإيجابية، تراجعت ثقة الشركات بشأن الاثني عشر شهراً المقبلة، وظلَّت دون متوسطها التاريخي. ولذلك سيبقى الاختبار الحقيقي في الأشهر المقبلة هو ما إذا كان الانتعاش الصناعي قادراً على الاستمرار بعد زوال أثر بناء المخزونات، وما إذا كانت عودة الصادرات ستتحول إلى اتجاه مستدام. وفي حال تحقق ذلك، فقد يدخل اقتصاد منطقة اليورو مرحلة نمو أقوى، ولكن بثمن يتمثل في سياسة نقدية أكثر تشدداً وتكاليف اقتراض أعلى لفترة أطول.


الرقائق تقود أسهم كوريا للصعود

متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)
متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)
TT

الرقائق تقود أسهم كوريا للصعود

متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)
متداولون أمام شاشة تعرض حركة الأسهم والعملات في العاصمة الكورية الجنوبية سيول (أ.ب)

أنهت الأسهم الكورية الجنوبية تعاملات الجمعة على ارتفاع بدعم من شركات أشباه الموصلات، مستفيدة من تحسن نظيراتها الأميركية وقوة بيانات الصادرات. لكن هذه المكاسب لم تكن كافية لمنع السوق من تسجيل خسارة أسبوعية، في وقت تزداد فيه تقلبات الأسهم المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بينما واصل المستثمرون الأجانب البيع وارتفعت عوائد السندات المحلية. وأغلق مؤشر «كوسبي» مرتفعاً 60.37 نقطة، أو 0.88 في المائة، عند 6912.95 نقطة، لكنه أنهى الأسبوع منخفضاً بنحو 0.9 في المائة. يأتي ذلك بعد قفزة أسبوعية بلغت 11.5 في المائة في الأسبوع السابق، كانت الأكبر منذ أوائل مايو (أيار)، وأنهت سبعة أسابيع متتالية من الخسائر. ويعكس التراجع الأسبوعي درجة الحساسية التي باتت تميز سوق سيول تجاه التحركات العالمية في قطاع التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي. وظل مؤشر التقلبات عند مستوى مرتفع بلغ 58 نقطة يوم الجمعة، مقارنة بأدنى مستوى في شهرين عند 55 نقطة سجله الأسبوع الماضي.

وكانت شركات الرقائق المحرك الرئيسي لمكاسب الجلسة، إذ ارتفع سهم «سامسونغ إلكترونيكس» 3.87 في المائة، بينما صعد سهم «إس كيه هاينكس» 2.31 في المائة، بعد ارتفاع مؤشر فيلادلفيا لأشباه الموصلات في الولايات المتحدة 0.5 في المائة. ويكتسب أداء الشركتين أهمية كبيرة للسوق الكورية بالنظر إلى وزنهما في المؤشر ودورهما المحوري في سلسلة توريد أشباه الموصلات العالمية.

كما أصبحت «إس كيه هاينكس» تحديداً من أبرز المستفيدين من الطلب على رقائق الذاكرة المتقدمة المستخدمة في أنظمة الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات. وحصل قطاع التكنولوجيا على دعم إضافي من بيانات التجارة. فقد أظهرت الأرقام ارتفاع صادرات كوريا الجنوبية بنسبة 56 في المائة خلال أول 20 يوماً من أغسطس (آب)؛ ما يقدم إشارة إيجابية بشأن الطلب الخارجي ويعزز أهمية دورة أشباه الموصلات بالنسبة إلى الاقتصاد الكوري المعتمد بدرجة كبيرة على الصادرات.

كما يترقب المستثمرون تحركات «سامسونغ إلكترونيكس»، التي تعتزم عقد اجتماع لمجلس إدارتها لمناقشة حزمة جديدة لعوائد المساهمين. وقد تصبح أي زيادة في توزيعات الأرباح أو عمليات إعادة شراء الأسهم عاملاً إضافياً لدعم السهم وجاذبية السوق أمام المستثمرين.

لكن الصورة الأوسع كانت أقل قوة مما يوحي به صعود المؤشر؛ فمن أصل 904 أسهم متداولة، ارتفع 193 سهماً فقط، مقابل تراجع 683 سهماً؛ ما يكشف أن المكاسب تركزت بدرجة كبيرة في عدد محدود من الشركات الكبرى.

وتراجعت «إل جي إنرجي سوليوشن» لصناعة البطاريات 4.05 في المائة، بينما انخفض سهم «هيونداي موتور» 0.60 في المائة، و«كيا» 0.15 في المائة. كما خسر سهم «بوسكو هولدينغز» 3.58 في المائة، وتراجعت «سامسونغ بيولوجيكس» 1.46 في المائة. واستمر المستثمرون الأجانب في اتخاذ موقف حذر؛ إذ سجلوا صافي مبيعات للأسهم بقيمة 175.9 مليار وون، ما يعادل نحو 126.9 مليون دولار.

ويشير ذلك إلى أن صعود الجلسة لم يكن مصحوباً بعودة قوية لرؤوس الأموال الخارجية. وفي سوق العملات، قدم ضعف الدولار دعماً للوون، الذي ارتفع 0.69 في المائة إلى 1386.5 وون للدولار، مقارنة مع إغلاق سابق عند 1396 وون. ويشكل ارتفاع العملة المحلية عاملاً إيجابياً من ناحية تقليص تكلفة الواردات، لكنه قد يحد جزئياً من المكاسب التي تحققها الشركات المصدرة عند تحويل إيراداتها الخارجية إلى العملة المحلية.

في المقابل، ارتفعت تكاليف الاقتراض. وصعد عائد سندات الخزانة الكورية لأجل ثلاث سنوات 3.3 نقطة أساس إلى 3.855 في المائة، بينما ارتفع عائد السندات لأجل عشر سنوات 3.8 نقطة أساس إلى 4.372 في المائة. وتأتي هذه التحركات في وقت تؤكد فيه السلطات الكورية مراقبتها للمخاطر في أسواق المال والعملات والسندات والعقارات. وقال وزير المالية إن السلطات ستقيّم عوامل الخطر بصورة استباقية وستتحرك سريعاً عند الحاجة، بينما أكد نائب محافظ بنك كوريا الجديد أن قرارات السياسة النقدية ستُتخذ «بحذر شديد» وبمرونة، مع مراعاة عوامل من بينها الآثار الجانبية لرفع أسعار الفائدة.