مع بيع 3 مليارات جهاز... كيف حوَّل الـ«آيفون» ملامح الاقتصاد العالمي؟

محللون لـ«الشرق الأوسط»: جوهرة الإيرادات لشركة «أبل»... وصنع تحولات عميقة في حياة البشر

موديلات «آيفون 16 بلس» من شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة «أبل» تُعرض للبيع في أحد متاجر التجزئة (أ.ف.ب)
موديلات «آيفون 16 بلس» من شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة «أبل» تُعرض للبيع في أحد متاجر التجزئة (أ.ف.ب)
TT

مع بيع 3 مليارات جهاز... كيف حوَّل الـ«آيفون» ملامح الاقتصاد العالمي؟

موديلات «آيفون 16 بلس» من شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة «أبل» تُعرض للبيع في أحد متاجر التجزئة (أ.ف.ب)
موديلات «آيفون 16 بلس» من شركة التكنولوجيا الأميركية العملاقة «أبل» تُعرض للبيع في أحد متاجر التجزئة (أ.ف.ب)

لم يكن إعلان شركة «أبل» عن وصول مبيعات هواتف «آيفون» إلى 3 مليارات وحدة منذ إطلاقه عام 2007 مجرد رقم قياسي جديد في عالم التكنولوجيا؛ بل محطة فارقة تجسد حجم التحوُّل الذي أحدثه هذا الجهاز في الاقتصاد العالمي، وفي أسلوب حياة مليارات البشر؛ بل وفي موازين القوى بين الدول.

ومنذ اللحظة الأولى التي ظهر فيها «آيفون»، لم يعد الهاتف مجرد وسيلة اتصال؛ بل تحوّل إلى منصة متكاملة، جمعت بين الاتصالات والإنترنت والتطبيقات، لتفتح الباب واسعاً أمام اقتصاد رقمي موازٍ بأحجام تريليونية.

ومع استعداد الشركة لإطلاق النسخة 17 من سلسلة الـ«آيفون» اليوم، خلال حدثها السنوي في الولايات المتحدة، يعد الجهاز أحد أهم الاختراعات في تاريخ البشرية.

حقبة جديدة

عندما كشف ستيف جوبز قبل 18 عاماً عن «آيفون» أول مرة، وصفه بأنه «جهاز ثوري سيغيِّر كل شيء». رأى البعض في حينه أن هذا الوصف مبالغ فيه، ولكن السنوات اللاحقة أثبتت أن الهاتف الذكي لم يبدل فقط صناعة الهواتف؛ بل أطاح بأجهزة كانت راسخة، مثل الهواتف التقليدية والكاميرات الرقمية البسيطة وأجهزة تشغيل الموسيقى، ودمجهم في جهاز واحد، وأعاد صياغة علاقة الإنسان بالتقنية.

ولم يقتصر أثر «آيفون» على صناعة الأجهزة؛ بل أشعل سباقاً محموماً بين شركات التكنولوجيا لمجاراة مفهوم «الهاتف الذكي»، وهو ما أدى إلى إعادة تشكيل خريطة الصناعة العالمية، وصعود شركات جديدة وانهيار أخرى لم تستطع التكيف.

اقتصاد موازٍ

مع إطلاق الـ«آيفون»، نشأ اقتصاد جديد متكامل يقوم على التطبيقات والخدمات الرقمية؛ حيث تحوَّل متجر التطبيقات الذي أطلقته «أبل» عام 2008 إلى أكبر منصة تجارية من نوعها، محققاً إيرادات تتجاوز التريليونات، عبر أكثر من مليونَي تطبيق.

هذا الاقتصاد لم يقتصر على التطبيقات الترفيهية؛ بل شمل أيضاً الخدمات المالية، والتعليمية، والتجارية، وحتى الصحية، ما جعل الهاتف الذكي بوابة إلزامية لكل القطاعات تقريباً.

يقول الرئيس التنفيذي للاستثمار في «سنشري فاينانشال»، فيجاي فاليشا، لـ«الشرق الأوسط»، إن شركة «أبل»: «نجحت في تأسيس اقتصاد موازٍ قائم على تطبيقاتها وخدماتها الرقمية. فمع كل جهاز جديد تبيعه، تنمو إيرادات الخدمات المرتبطة به، سواء عبر (Apple Pay) أو (iCloud) أو (+Apple TV)، وهو ما يرسخ اعتماد المستهلكين على منظومة متكاملة تصعب مغادرتها».

ويشرح بأن «الشركة سجلت خلال الربع الثالث من 2025 إيرادات قياسية في قطاع الخدمات، بلغت 27.4 مليار دولار، بزيادة 13.3 في المائة عن العام السابق»، مؤكداً أن «أبل» استطاعت أن تجعل من هاتفها «أكثر من مجرد جهاز؛ بل بوابة لاقتصاد كامل».

إعادة تشكيل موازين القوى

لم يقتصر أثر الهواتف الذكية على الشركات والأفراد؛ بل انعكس على الدول والاقتصادات. وهنا توضح رئيسة استراتيجيات الاستثمار في «ساكسو بنك»، تشارو تشانانا، في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أن بيع 3 مليارات «آيفون» يعادل في قيمته الاقتصادية «الناتج المحلي لدولة متوسطة الحجم».

وتضيف: «الاقتصادات المتقدمة حصدت الحصة الأكبر من أرباح المنصات الرقمية، ولكن تلك الناشئة كانت الأكثر ديناميكية في استغلال التحول، من خلال الشمول المالي والمدفوعات الرقمية وتوسيع نطاق ريادة الأعمال».

وتشير إلى أن الهند على سبيل المثال؛ حيث تبلغ نسبة انتشار الهواتف الذكية 76 في المائة، شهدت طفرة في المدفوعات الرقمية عبر نظام (UPI) الذي سجل أكثر من 130 مليار معاملة في العام المالي 2024، وهو الرقم الأعلى عالمياً. أما في أفريقيا جنوب الصحراء، فقد بلغت قيمة المعاملات عبر الأموال المحمولة 912 مليار دولار في عام 2023، ما أتاح لملايين الأشخاص دخول النظام المالي دون المرور عبر البنوك التقليدية.

هذه التحولات، وفق تشانانا: «أعادت صياغة دور الاقتصادات الناشئة في النظام العالمي، وسمحت لها بالقفز على مراحل من التنمية لم تكن ممكنة في السابق».

السعودية حاضنة لشركات التقنية

ويمكن تطبيق ذلك على الخطوات التي اتخذتها السعودية من خلال تعزيز مكانتها بوصفها من المراكز الدولية البارزة، وحاضنة إقليمية لنمو الشركات الناشئة، وتحولها إلى مقر للشركات الناشئة في قطاع التقنية، والتي استفادت من التحولات التي صنعها الـ«آيفون» عبر وصول شركات ناشئة إلى قيمة سوقية تتجاوز حاجز المليار دولار، ويُعد هذا مؤشراً على النجاح والتميّز في عالم ريادة الأعمال.

ويأتي هذا التحوّل في الاستفادة من البنية التحتية التقنية التي وفرتها الرياض للشركات التي تعتمد على التكنولوجيا المتقدمة، مثل الذكاء الاصطناعي، والتقنية المالية، والتجارة الإلكترونية التي تنطلق عملياتها من الأجهزة الذكية.

شعار شركة التكنولوجيا الأميركية «أبل» في أحد متاجر التجزئة (أ.ف.ب)

صناعة الثروات ورواد الأعمال

ومن رحم الهواتف الذكية، وُلدت ثروات هائلة وأجيال جديدة من رواد الأعمال. يؤكد فاليشا أن «الخدمات المالية عبر الهواتف والتطبيقات المتنقلة خفّضت الحواجز أمام تأسيس الأعمال. ففي كينيا مثلاً، أظهرت الدراسات أن مستخدمي الأموال المحمولة أكثر ميلاً بنسبة 10 في المائة لأن يصبحوا أصحاب مشاريع خاصة، ما يبرز دور الهاتف الذكي في تمكين ريادة الأعمال».

ويضيف أن «منصات مثل (أوبر) و(إنستغرام) و(سنابشات) لم تكن لترى النور لولا انتشار الهواتف الذكية، وهو ما أسس لصناعات جديدة بالكامل. كما ازدهر ما يعرف باقتصاد المبدعين الذي تتوقع (غولدمان ساكس) أن تصل قيمته إلى 480 مليار دولار بحلول 2027، بفضل المحتوى الرقمي المدفوع والاشتراكات».

أما تشانانا، فترى أن الموجة المقبلة من ريادة الأعمال ستكون عند تقاطع الهواتف الذكية مع تقنيات الذكاء الاصطناعي والمدفوعات الفورية، مشيرة إلى أن «التكامل بين هذه المجالات سيطلق جيلاً جديداً من المشاريع الصغيرة ورواد الأعمال؛ خصوصاً في الأسواق الناشئة».

«آيفون» قلب «أبل» المالي

ورغم توسع «أبل» في منتجات وخدمات متعددة، يبقى «آيفون» هو القلب النابض لنجاحها المالي. ففي الربع الثالث بلغت إيرادات الشركة نحو 94 مليار دولار، نصفها تقريباً من مبيعات «آيفون» وحده. وتشير التوقعات إلى أن الربع المقبل قد يشهد تجاوز الإيرادات 101 مليار دولار، مع استمرار ارتفاع الطلب على أحدث طراز من الهاتف.

ويعلِّق فاليشا: «لا يقترب أي منتج آخر من هذه الأرقام، فحتى مع جمع مبيعات أجهزة (ماك) و(آيباد) والخدمات، يظل (آيفون) متفرداً. وقد مكّن الشركة من بناء منظومة متكاملة بين الأجهزة والبرمجيات والخدمات، عززت ولاء المستخدمين ودفعتهم للترقية المستمرة».

أما تشانانا، فترى أن «(آيفون) ليس مجرد منتج ناجح؛ بل هو المحرك الاقتصادي الذي مكّن (أبل) من أن تصبح الشركة الأعلى قيمة سوقية في العالم أكثر من مرة، وأن تواصل ريادتها رغم المنافسة الشرسة».

تصاميم وأنواع هاتف الـ«آيفون» المتوقع إطلاقها اليوم في حدث «أبل» (الشرق الأوسط)

أداة لإعادة صياغة العالم

ومع بلوغ «آيفون» محطة 3 مليارات جهاز، بات واضحاً أن الجهاز لم يكن مجرد ابتكار تقني؛ بل أداة لإعادة صياغة العالم. فقد غيّر ملامح الاقتصاد عبر خلق اقتصاد رقمي موازٍ، وأعاد تشكيل الخريطة الجيوسياسية بين الدول، وأطلق موجات جديدة من ريادة الأعمال والثروات. وكذلك أصبح جزءاً لا يتجزأ من حياة الأفراد اليومية، من التواصل الفوري إلى العمل والتعليم والتسوق والترفيه.

وتختم تشانانا بالقول: «إن استمرار ريادة (أبل) سيتوقف على قدرتها على دمج الذكاء الاصطناعي في منظومتها، وتحويل قاعدة مستخدمي (آيفون) إلى منصات جديدة للخدمات. ولكن المؤكد أن الثورة التي بدأها هذا الجهاز لم تصل بعد إلى خط النهاية».


مقالات ذات صلة

بشكل صحيح وآمن... ما أفضل طريقة لتنظيف سماعات «إيربودز»؟

تكنولوجيا شخص يحمل سماعات أذن «إيربودز» (رويترز)

بشكل صحيح وآمن... ما أفضل طريقة لتنظيف سماعات «إيربودز»؟

يلاحظ كثير من مستخدمي سماعات الأذن، خاصة «إيربودز»، مع مرور الوقت تراكم طبقة صفراء أو بنية خفيفة على أطراف السيليكون، أو الشبكات المعدنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا أصبح «شات جي بي تي» متاحاً داخل «CarPlay» عبر تفاعل صوتي فقط يتناسب مع بيئة القيادة (شاترستوك)

«شات جي بي تي» يرافقك أثناء القيادة… عبر «CarPlay» من «أبل»

«شات جي بي تي» يصل إلى «CarPlay» كتجربة صوتية فقط، مع قدرات محدودة، في خطوة نحو دمج الذكاء الاصطناعي بالقيادة اليومية.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا يقدّم تحديث «iOS 26.4» تحسينات عملية على التطبيقات الأساسية دون تغييرات جذرية في تجربة النظام (د.ب.أ)

«أبل» تطلق «iOS 26.4» بتحسينات واسعة… لكن أين «سيري»؟

تحديث «iOS 26.4» يقدم تحسينات يومية وميزات ذكاء اصطناعي محدودة بينما تأجل إطلاق النسخة المطورة من «سيري» المنتظرة لاحقاً.

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا رئيس شركة «أبل» تيم كوك خلال أحد المؤتمرات السنوية للشركة (إ.ب.أ)

«أبل» في عامها الخمسين… قصة شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية

مسيرة «أبل» خلال 50 عاماً تعكس قدرة استثنائية على الابتكار وإعادة الابتكار، من مرآب صغير إلى شركة أعادت تشكيل التكنولوجيا العالمية.

نسيم رمضان (لندن)
الاقتصاد يظهر شعار شركة «أبل» على مبنى في حي مانهاتن بمدنية نيويورك الأميركية (د.ب.أ)

تيم كوك: «التفكير المختلف» سرّ نجاح «أبل»

أكد تيم كوك، الرئيس التنفيذي لشركة «أبل»، أن مسيرة الشركة على مدى نصف قرن «أثبتت أن الابتكار الحقيقي يبدأ بفكرة جريئة ورؤية مختلفة للعالم».

«الشرق الأوسط» (الرياض)

النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط الخام «المادي» (Physical Oil) مستويات قياسية تاريخية، حيث اقتربت من حاجز الـ150 دولاراً للبرميل، متجاوزة بكثير أسعار العقود الآجلة «الورقية» المتداولة في البورصات. ويعكس هذا الانفجار السعري أزمة إمدادات خانقة ناتجة عن تداعيات الحرب، التي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، مما وضع المصافي العالمية في مواجهة مباشرة مع نقص مادي حاد في البراميل الجاهزة للتسليم.

تسببت الأزمة الراهنة في توقف ما لا يقل عن 12 مليون برميل يومياً من النفط القادم من الشرق الأوسط، وهو ما يعادل نحو 12 في المائة من إجمالي الإمدادات العالمية. هذا الإغلاق الفعلي للمضيق دفع بأسعار عقود «برنت» الآجلة للوصول إلى 119.50 دولار للبرميل الشهر الماضي (وهو أعلى مستوى منذ 2022). لكن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة المرة التي تواجهها المصافي؛ إذ إن العقود الآجلة الحالية هي لتسليم شهر يونيو (حزيران)، بينما تحتاج المصافي إلى النفط «الآن».

وفي مؤشر على حجم الكارثة، أظهرت بيانات «إل إس إي سي» أن السعر الفعلي لخام «فوراتيس» بحر الشمال قفز يوم الثلاثاء إلى 146.09 دولار للبرميل. وهذا الرقم لا يمثل فقط سعراً قياسياً جديداً، بل إنه يكسر الرقم التاريخي المسجل في عام 2008 (147.50 دولار للبرميل لبرنت) بالنظر إلى طبيعة العلاوات السعرية الحالية، ليصبح الأعلى على الإطلاق لهذا الخام.

خزانات النفط والمنشآت في مجمع يوسو الصناعي الوطني في كوريا الجنوبية (أ.ف.ب)

النفط «الآن» وليس غداً

ويؤكد عدي إمسيروفيتش، أحد كبار تجار النفط المخضرمين، أن المحرك الأساسي لهذه القفزات هو حالة «الذعر» بشأن التوفر المادي للشحنات. ويقول: «عندما يكون هناك نقص حقيقي وملموس، لا يفكر المتعاملون في تسليمات يوليو (تموز) أو عقود يونيو الورقية، بل يتركز تفكيرهم على تأمين النفط فوراً».

هذا التهافت المادي أدى إلى اتساع الفجوة بين «برنت المؤرخ - وهو المعيار المادي للشحنات الفورية - وبين عقود برنت الآجلة لشهر يونيو بمقدار 20 دولاراً كاملة، وهو فارق استثنائي يظهر حجم التوتر في الجزء الأقرب للتسليم من منحنى الأسعار.

سباق المصافي وأزمة المشتقات

المصافي الأوروبية والآسيوية، التي وجدت نفسها محرومة فجأة من النفط الخليجي، دخلت في منافسة محمومة للحصول على البدائل من خامات أفريقيا وبحر الشمال. ولم يتوقف الأمر عند الخام؛ بل امتدت النيران إلى أسعار المشتقات المكررة في أوروبا التي سجلت مستويات وصفت بالمرعبة:

وقود الطائرات: حوّم عند 226.40 دولار للبرميل، مقترباً من ذروته التاريخية المسجلة في منتصف مارس (آذار).

الديزل: استقر عند 203.59 دولار للبرميل، وهو رقم يقل قليلاً عن مستويات 2022 القياسية لكنه يضغط بقوة على قطاعات النقل والصناعة.

من جانبه، أشار مصرف «مورغان ستانلي» في تقرير حديث إلى أن السوق حالياً تتسابق للحصول على «براميل فورية قابلة للاستخدام». ويرى محللو البنك أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة «التدافع المحموم» لتأمين براميل نفطية فورية قابلة للاستخدام الفني في المصافي.

وحسب التقرير، فإن المصافي لا تستطيع الانتظار حتى وصول شحنات بديلة قد تستغرق أسابيع للدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما جعل «البرميل الموجود الآن» أغلى من أي وقت مضى، بغض النظر عن سعره في بورصات العقود الآجلة.

ولفت التقرير الانتباه إلى ظاهرة تقنية تسمى «الباكورديشن الحاد»؛ حيث يظهر الإجهاد بشكل صارخ في الجزء الأقرب من المؤشر القياسي للمشكلة المادية المباشرة.

ويشرح محللو «مورغان ستانلي» أن الفجوة التي اتسعت إلى 20 دولاراً بين برنت «المادي» و«الورقي» هي «صافرة إنذار» تشير إلى أن الأسواق لم تعد تثق باستمرارية تدفق الإمدادات، وهي تعوض النقص الفوري بأي تكلفة كانت.


صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

حذَّر صندوق النقد الدولي من أنَّ الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بات يُشكِّل «اختباراً قاسياً» لاستقرار الأسواق الناشئة، حيث تسبب في عكس مسار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية؛ نتيجة الحساسية المفرطة للمستثمرين غير المصرفيِّين تجاه الأزمات.

وأوضح الصندوق في فصل تحليلي ضمن «تقرير الاستقرار المالي العالمي» لعام 2026، قبل انطلاق اجتماعات الربيع الخاصة بصندوق النقد والبنك الدوليَّين، التي تنعقد الأسبوع المقبل، أنَّ اعتماد الدول الناشئة المتزايد على «المقرضين غير المصرفيين» ضاعف من وطأة هذه الصدمات، مما جعل هروب الاستثمارات أسرع وأكثر حدة مما كان عليه في فترات التمويل المصرفي التقليدي.

وكانت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قالت لـ«رويترز»، الاثنين، إن الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي.

وقد تسببت الحرب في أسوأ اضطراب على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية، حيث توقف إنتاج ملايين البراميل من النفط؛ بسبب الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحن خُمس إنتاج النفط والغاز في العالم. وحتى لو تمَّ حلُّ النزاع سريعاً، فمن المتوقع أن يخفِّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي ويرفع توقعاته للتضخم، وفقاً لما صرَّحت به غورغييفا لـ«رويترز».

4 تريليونات دولار تحت التهديد

وكشف التقرير أن تدفقات المَحافظ الاستثمارية إلى الأسواق الناشئة شهدت قفزةً هائلةً بمقدار 8 أضعاف منذ الأزمة المالية العالمية، لتصل قيمتها التراكمية إلى نحو 4 تريليونات دولار بحلول عام 2025. وأصبحت الديون هي المحرك الأساسي، حيث تمثل التزامات ديون المَحافظ حالياً 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، ارتفاعاً من 9 في المائة فقط في عام 2006. ويقدِّم المستثمرون غير المصرفيين - مثل صناديق التحوط وصناديق الاستثمار المشترك - نحو 80 في المائة من هذا الرأسمال، وهي نسبة تضاعفت عمّا كانت عليه قبل 20 عاماً.

آليات الهروب

ويشرح التحليل الفني للصندوق كيف تتحوَّل التوترات الجيوسياسية إلى نزوح مالي؛ فعندما ترتفع مخاطر الحرب، يرتفع مؤشر الخوف العالمي (VIX). وتؤدي زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في هذا المؤشر (وهو ما يشبه القفزة التي حدثت عند رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في 2022) إلى خروج تدفقات ديون تعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفصلي للدول الناشئة.

وتعدّ صناديق الاستثمار المشترك وصناديق التحوط الأكثر تأثراً، حيث تتراجع حيازاتها من الأوراق المالية للأسواق الناشئة بنسبة تصل إلى 1.3 في المائة فور وقوع الصدمة، نظراً لاستخدامها «الرافعة المالية» التي تضطرها للبيع السريع لتغطية هوامش المخاطرة.

الصناديق السلبية و«الائتمان الخاص»

ونبّه الصندوق إلى خطر «الاستراتيجيات المعتمدة على المؤشرات»، حيث تقوم الصناديق السلبية وصناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) بتعديل مَحافظها آلياً؛ مما يؤدي إلى «عمليات بيع متزامنة» تزيد من وطأة تراجع الأسعار. كما سلّط الضوء على قطاع «الائتمان الخاص» الذي نما 5 أضعاف ليصل حجمه ما بين 50 و100 مليار دولار، ووصفه الصندوق بالقطاع «المعتم» الذي تفتقر بياناته للشفافية، مما يصعّب على صانعي السياسات رصد الثغرات المالية قبل انفجارها.

توصيات لحماية الاستقرار المالي

وفي ظلِّ استمرار حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب، دعا صندوق النقد الحكومات في الأسواق الناشئة إلى تبني استراتيجيات دفاعية تشمل: تعزيز الهوامش المالية؛ حيث إن الدول التي تمتلك احتياطات نقدية وافرة ومؤسسات قوية تعاني بنسبة أقل من تخارج الأموال، والسماح للعملات بالتحرك لامتصاص الصدمات، مع تدخلات محدودة في سوق الصرف عند الضرورة القصوى، ومحاكاة سيناريوهات صدمات اقتصادية قاسية لضمان قدرة المؤسسات المالية على الصمود أمام التوقف المفاجئ للتمويل الخارجي.


صندوق التنمية الزراعية السعودي يضخ 1.7 مليار دولار لتعزيز الأمن الغذائي

موَّل الصندوق مشاريع زراعية بـ7.1 مليون دولار لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي (واس)
موَّل الصندوق مشاريع زراعية بـ7.1 مليون دولار لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي (واس)
TT

صندوق التنمية الزراعية السعودي يضخ 1.7 مليار دولار لتعزيز الأمن الغذائي

موَّل الصندوق مشاريع زراعية بـ7.1 مليون دولار لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي (واس)
موَّل الصندوق مشاريع زراعية بـ7.1 مليون دولار لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي (واس)

يواصل صندوق التنمية الزراعية السعودي خطواته المتسارعة لتعزيز الأمن الغذائي، واستدامة القطاع الزراعي في المملكة، عبر رفع معدلات الاكتفاء الذاتي وتعزيز المخزون الاستراتيجي.

وتأتي هذه التحركات ضمن استراتيجية شاملة توازن بين تمويل الإنتاج المحلي وسلاسل الإمداد، وبين البرامج الخارجية لاستيراد المنتجات المستهدفة والاستثمار الزراعي العابر للحدود.

وقال المتحدث الرسمي لصندوق التنمية الزراعية، حبيب الشمري، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إن ما يقوم به الصندوق يأتي ضمن استراتيجيته المتوافقة مع الاستراتيجية الوطنية للزراعة واستراتيجية الأمن الغذائي، موضحاً أن الصندوق يواصل دعمه وتشجيعه لاستخدام التقنيات الحديثة في مشاريع القطاع الزراعي، للحفاظ على الموارد الطبيعية وتحسين الإنتاجية الزراعية.

وأضاف الشمري أن التقنيات تسهم في توفير الاحتياجات في قطاعات البيئة والطاقة والمياه؛ إذ صرف صندوق التنمية الزراعية في 2024 أكثر من 1.2 مليار ريال (300 مليون دولار) للمشاريع التي تستخدم التقنيات الحديثة؛ حيث ساهمت في الحفاظ على الموارد المائية بتوفير ما يقارب 4 ملايين متر مكعب من المياه، وساهم في خفض استهلاك الطاقة بنحو 330 ألف ميغاواط/ ساعة.

ومن مزايا التقنية المستخدمة في قطاع الزراعة، وفقاً للشمري، تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري، من خلال تحسين كفاءة الاستهلاك، وذلك ضمن «مبادرة السعودية الخضراء»؛ إذ موَّل الصندوق مشاريع زراعية بما قيمته 26.6 مليون ريال (7.1 مليون دولار) لدعم التشجير وزيادة الغطاء النباتي، كاشفاً أن الصندوق ساهم في حماية التنوع الحيوي والبيولوجي للبيئة، من خلال تمويل برامج تدعم تطوير تربية النحل وإنتاج العسل، وتنمية زراعة الورد والمحاصيل البعلية، إضافة إلى قروض تجاوزت قيمتها 12 مليون ريال لتمويل مشاتل مركزية.

وبلغت موافقات القروض التي قدَّمها الصندوق حتى نهاية عام 2025 نحو 6.47 مليار ريال (1.72 مليار دولار)، حسب المتحدث الرسمي الذي أشار إلى أنه جرى خلال العام المنصرم توقيع مذكرة تفاهم مع الصندوق الدولي للتنمية الزراعية (إيفاد) في روما، بهدف دعم التنمية الريفية الزراعية المستدامة، وتبادل الخبرات، بما يسهم في رفع كفاءة العمل التنموي وتحقيق الاستدامة في القطاع الزراعي.

ولفت الشمري إلى أهمية هذه الاتفاقيات التي تنعكس على القطاع الزراعي، ومنها عدد من الاتفاقيات مع بعض الجهات المحلية، مثل مدينة جازان للصناعات الأساسية والتحويلية، وذلك بهدف تعزيز التكامل في مجال الفرص الاستثمارية في القطاع الغذائي، وتعظيم الاستفادة من البرامج التي يقدمها الصندوق للمستثمرين والمزارعين، في سبيل تعزيز وتحقيق الأمن الغذائي.

كما قام الصندوق بإبرام اتفاقية مع المركز الوطني للنخيل والتمور، لتعزيز واستدامة قطاع النخيل والتمور والصناعات التحويلية، من خلال تمويل التكاليف التشغيلية لشراء التمور، وتوفير حلول تمويلية مبتكرة تناسب احتياجات القطاع، وكذلك مع هيئة تطوير محمية الإمام عبد العزيز بن محمد الملكية، بهدف التعاون المشترك في مجالات تنمية الغطاء النباتي، واستدامة الأنظمة البيئية، ودعم المجتمعات المحلية داخل نطاق المحمية.

وفي خطوة لتعزيز قطاع الثروة الحيوانية، أبرم الصندوق اتفاقية مع شركة «الراعي الوطنية للمواشي» لتمويل مشروع تربية أغنام في منطقة حائل بقيمة تبلغ 1.106 مليار ريال (295 مليون دولار)، وبتكلفة استثمارية إجمالية تصل إلى مليارَي ريال (533 مليون دولار). كما وقَّع اتفاقية مع مركز الإسناد والتصفية (إنفاذ) لتنظيم آليات بيع العقارات المحجوزة وتسخير الخبرات المتاحة بين الجانبين.