بنوك «وول ستريت» توظف عشرات كبار التنفيذيين بعد تراجع مخاوف الرسوم

تحسّن المعنويات الاقتصادية يشعل موجة اندماجات واكتتابات بعد ركود مطلع العام

لافتة شارع «وول ستريت» تظهر خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» تظهر خارج بورصة نيويورك (رويترز)
TT

بنوك «وول ستريت» توظف عشرات كبار التنفيذيين بعد تراجع مخاوف الرسوم

لافتة شارع «وول ستريت» تظهر خارج بورصة نيويورك (رويترز)
لافتة شارع «وول ستريت» تظهر خارج بورصة نيويورك (رويترز)

قامت بنوك «وول ستريت» بتوظيف عشرات كبار المديرين التنفيذيين في الأشهر الأخيرة، مدفوعة بتحسن المعنويات الاقتصادية الذي أطلق موجة من عمليات الاندماج والاكتتابات العامة الأولية بعد فترة ركود في وقت سابق من العام نتيجة المخاوف من تأثير الرسوم الجمركية الأميركية.

وتوضح موجة تغييرات الوظائف هذه، التي عادة ما تحدث في الربيع، كيف أن ارتفاع الثقة دفع البنوك إلى تعزيز كوادرها للتعامل مع موجة من صفقات الأعمال، وفق «رويترز».

وقال تروي رورباو، الرئيس التنفيذي المشارك للبنك التجاري والاستثماري في «جي بي مورغان»: «لقد كان صيفاً نشطاً في مجال الخدمات المصرفية الاستثمارية، ولكننا أيضاً نوظف بشكل استراتيجي على المدى الطويل في قطاعات ومناطق جغرافية نعتقد أنه يمكننا زيادة حصتنا فيها».

ويوم الجمعة، عيّن «جي بي مورغان» المخضرم جيري لي رئيساً عالمياً للخدمات المصرفية الاستثمارية، قادماً من منافسه «غولدمان ساكس». وقد أضاف البنك مؤخراً العديد من كبار المصرفيين في قطاعات التكنولوجيا والطاقة والدفاع، ووظف أكثر من 300 مصرفي بين يناير (كانون الثاني) وأبريل (نيسان) عبر وحدته المصرفية العالمية.

وقالت ميريديث دينيس، الشريك الإداري في شركة التوظيف المالي «بروسبكت روك بارتنرز»: «عندما كان من المفترض أن يبدأ موسم التوظيف بقوة، تسببت حالة عدم اليقين بشأن الرسوم الجمركية في زعزعة الأسواق وعدد من هذه البنوك، فقرروا التوقف مؤقتاً. ومع استقرار الأسواق، عاد التوظيف للانتعاش في يوليو (تموز)».

وعادةً ما يتلقى المسؤولون التنفيذيون في «وول ستريت» عروض العمل بين يناير وأبريل، بعد أسابيع من حصولهم على مكافآتهم السنوية، لكن موسم توظيف 2025 توقف بسبب إعلان الرسوم الجمركية التي أطلق عليها الرئيس ترمب اسم «يوم التحرير».

وتوقفت المحادثات المتعلقة بصفقات الاندماج والاستحواذ وأسواق رأس المال. وقال آلان جونسون، مؤسس شركة «جونسون أسوشيتس» للاستشارات التعويضية: «الرسوم الجمركية وضعت حداً حاسماً للتوظيف، وبدأت البنوك في تقليص حجمها».

ومع استئناف النشاط المصرفي الاستثماري في يونيو (حزيران)، ظهرت الوظائف الشاغرة المعلقة، وفقاً لمصرفيين وشركات توظيف.

وقال جوليان بيل، رئيس قسم الأميركتين في شركة التوظيف التنفيذي «شيفيلد هاورث»: «لم يتوقف العمل أبداً، فقد قدمنا عروضاً وأنهينا إجراءات التوظيف طوال العام، وما زلنا نعمل بجد... السوق نشطة في كل مكان».

ومن بين التعيينات العليا الأخيرة، الرئيسان المشاركان الجديدان لقسم الاندماج والاستحواذ في «سيتي غروب»، غييرمو بايغوال ودراغو رايكوفيتش، إضافة إلى بانكاج غويل، الرئيس المشارك للخدمات المصرفية الاستثمارية في قطاع التكنولوجيا، وجميعهم انتقلوا من «جي بي مورغان»، وتم توظيفهم بواسطة رئيس الخدمات المصرفية في «سيتي» فيسواس راغافان. وفي مكان آخر، أضاف «يو بي إس» تايلور هينريكس كرئيس لقسم الاندماج والاستحواذ في الأميركيتين، إلى جانب مجموعة من الإضافات الأخرى.

وعلى الرغم من تحسن التوظيف بعد التوقف الذي أحدثته الرسوم الجمركية، إلا أنه لا يزال أقل من السنوات الأكثر نشاطاً في العقد الماضي، وفقاً لآلان جونسون.

وبينما بقي التوظيف في مناصب المديرين التنفيذيين الكبار مستقراً، بدأت البنوك في توظيف المزيد من الموظفين المبتدئين في أغسطس (آب)، وفقاً لتوم راغلاند، المؤسس والرئيس التنفيذي لشركة التوظيف في الخدمات المالية «هاريسون-راش غروب».

وأشار إلى زيادة قدرها 200 في المائة في الرسائل الواردة وغير المطلوبة من البنوك الاستثمارية التي تبحث عن مساعدين ونواب رئيس - عادةً وظائف للمبتدئين - في الأسبوع المنتهي في 13 أغسطس، وهو انتعاش مقارنةً بالنصف الأول من العام عندما تلقت الشركة أوامر توظيف أقل بنسبة 30 في المائة للوظائف المبتدئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2024.

وتبدو البنوك الاستثمارية الصغيرة (Boutique) متفائلة بشكل خاص، فقد أعلنت «إيفركور» في أواخر يوليو عن صفقة لشراء بنك «روبي وارشو» الاستثماري البريطاني الصغير مقابل 196 مليون دولار، ما يرفع عدد موظفيها إلى أكثر من 400 مصرفي في تسعة بلدان في أوروبا والشرق الأوسط وأفريقيا.

وقالت شركة «لازارد» في يوليو إنها وظّفت 14 مديراً تنفيذياً في عام 2025 كجزء من استراتيجية للوصول إلى هدف مضاعفة الإيرادات بحلول عام 2030. ووفقاً لـ «جونسون أسوشيتس»، كانت المجالات الأخرى التي شهدت نشاطاً توظيفياً هي إدارة الثروات والائتمان الخاص. وأضاف آلان جونسون أن إيرادات الخدمات المصرفية الاستثمارية كان من المتوقع أن ترتفع بنسبة 20 في المائة هذا العام قبل أبريل، لكن هذا الهدف لم يعد قابلاً للتحقيق، فبدأت البنوك في تعزيز فرقها للعام المقبل.

وقالت دينيس إن أحدث قرارات التوظيف مدعومة بعدد من الصفقات التي تم إغلاقها، مضيفة: «الكثير من الناس تحدثوا عن بناء مجموعة ضخمة من الصفقات المحتملة في الربع الرابع من عام 2024، وبعد ذلك، أصبح من الصعب تنفيذ الصفقات بسبب عدم اليقين في السوق بالنصف الأول من عام 2025. إذا لم تكن لديك صفقات مغلقة، فلن يكون لديك تمويل لتوظيف أشخاص».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد يوحّد صفوف الديمقراطيين ويقودهم إلى انتصار انتخابي واسع

الاقتصاد ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)

الاقتصاد يوحّد صفوف الديمقراطيين ويقودهم إلى انتصار انتخابي واسع

نجح الحزب الديمقراطي الأميركي في تحويل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة إلى محور جامع لحملته الانتخابية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

وادي السيليكون يخسر رهان الـ600 مليون دولار في انتخابات الكونغرس الأميركي

لم تنجح مئات الملايين من الدولارات التي ضخها كبار المستثمرين في قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة في إنقاذ المرشحين الجمهوريين من خسائر انتخابية واسعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار (أ.ب)

الدولار يتراجع بعد الانتخابات الأميركية مع تحسن شهية المخاطرة

واصل الدولار تراجعه أمام العملات الرئيسية، يوم الخميس، عقب الفوز الواسع للديمقراطيين في انتخابات التجديد النصفي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
الاقتصاد متعاملان في بورصة نيويورك (أرشيفية - أ.ب)

«وول ستريت» تتفاعل إيجاباً مع نتائج الانتخابات... وضغوط على شركات ماسك وترمب

ارتفعت الأسهم الأميركية بقوة في تعاملات الأربعاء مع محاولة المستثمرين تحديد الشركات والقطاعات المستفيدة والمتضررة من الخسائر المدوية للحزب الجمهوري.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)

الخزانة الأميركية تلمّح إلى تغييرات في أحجام مزادات السندات

فتحت وزارة الخزانة الأميركية الباب أمام إعادة هيكلة أحجام مزادات سندات الدين الحكومية، بعدما عدّلت صياغة توجيهاتها بشأن الإصدارات المستقبلية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

قطاع الخدمات في روسيا يقترب من الركود خلال أكتوبر

موظفون يعملون في مطعم «سكريبكا» في موسكو (رويترز)
موظفون يعملون في مطعم «سكريبكا» في موسكو (رويترز)
TT

قطاع الخدمات في روسيا يقترب من الركود خلال أكتوبر

موظفون يعملون في مطعم «سكريبكا» في موسكو (رويترز)
موظفون يعملون في مطعم «سكريبكا» في موسكو (رويترز)

اقترب قطاع الخدمات في روسيا من حالة الركود خلال أكتوبر (تشرين الأول)، مع تسجيل ارتفاع طفيف للغاية في حجم الإنتاج، وتراجع الطلبيات الجديدة للمرة الأولى في ثلاثة أشهر، وفقاً لمسح للأعمال نُشرت نتائجه الخميس.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز غلوبال» لمديري المشتريات في قطاع الخدمات الروسي إلى 50.1 نقطة في أكتوبر، مقارنة بـ51.3 نقطة في سبتمبر (أيلول). وتشير القراءة فوق مستوى 50 نقطة إلى النمو، فيما تعكس القراءة دونه الانكماش، وفق «رويترز».

وتراجعت الأعمال الجديدة للمرة الأولى في ثلاثة أشهر، في حين انخفض الطلب على الصادرات بوتيرة حادة ومتسارعة. وأشارت «ستاندرد آند بورز غلوبال» إلى أن تراجع الطلب الدولي كان ثالث أكبر انخفاض منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022.

وفي المقابل، عاد التوظيف إلى تسجيل نمو بعد ثمانية أشهر من تقليص الوظائف، وإن كان معدل التوظيف الجديد محدوداً. كما تراجعت الأعمال المتراكمة مجدداً، مسجلة الانخفاض السادس خلال الأشهر السبعة الماضية، مع إتاحة ضعف تدفق الطلبات الجديدة للشركات إنجاز طلبيات سابقة.

وعلى صعيد الأسعار، اشتدت الضغوط التضخمية خلال الشهر، إذ تسارعت وتيرة ارتفاع تكاليف مدخلات الإنتاج للمرة الأولى في ثلاثة أشهر، فيما رفعت الشركات أسعار البيع بأسرع وتيرة في ثمانية أشهر، في محاولة لتحميل العملاء جزءاً من التكاليف المرتفعة.

كذلك، تراجعت ثقة الشركات للشهر الثاني على التوالي في أكتوبر، لتبقى دون متوسط مستوياتها المسجلة منذ بداية عام 2026، وأقل بكثير من متوسطها التاريخي، في ظل استمرار حالة عدم اليقين الاقتصادي وتأثيرها على توقعات الشركات.


الاقتصاد يوحّد صفوف الديمقراطيين ويقودهم إلى انتصار انتخابي واسع

ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)
ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)
TT

الاقتصاد يوحّد صفوف الديمقراطيين ويقودهم إلى انتصار انتخابي واسع

ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)
ردود فعل متابعين لنتائج انتخابات مجلس الشيوخ الأميركي في تكساس خلال حفل أقامه الديمقراطيون في ميشيغان (إ.ب.أ)

نجح الحزب الديمقراطي الأميركي في تحويل الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة إلى محور جامع لحملته الانتخابية، متجاوزاً جانباً من خلافاته الداخلية بين التيار المعتدل والجناح التقدمي، في استراتيجية ساعدته على تحقيق انتصار واسع في انتخابات التجديد النصفي، وانتزاع السيطرة على مجلسي الكونغرس وعدد كبير من مناصب حكام الولايات.

وبحسب تحليل نشرته صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن العامل الأبرز وراء هذا التحول كان قدرة المرشحين الديمقراطيين على توحيد خطابهم حول القدرة على تحمل تكاليف المعيشة، مع تحميل سياسات الرئيس دونالد ترمب مسؤولية الضغوط التي تواجه الأسر الأميركية، بدلاً من الانجرار إلى القضايا الثقافية والاجتماعية التي أضعفت الحزب في استحقاقات انتخابية سابقة.

وتكشف نتائج استطلاع للناخبين أجرته وكالة «أسوشييتد برس» وشبكات تلفزيونية أميركية، أن 89 في المائة من المشاركين اعتبروا تكلفة المعيشة عاملاً رئيسياً أو مهماً في تحديد خياراتهم الانتخابية، مع تصدر ارتفاع أسعار الوقود والغذاء قائمة المخاوف.

ولم يقتصر نجاح الرسالة الاقتصادية على المرشحين المحسوبين على التيار التقدمي، بل تبناها أيضاً المعتدلون، وإن اختلفت مقترحات الطرفين لمعالجة الأزمة. وبهذا، استطاع الحزب تقديم خطاب انتخابي مشترك رغم استمرار الخلافات بشأن توجهاته السياسية والاقتصادية.

تحالف انتخابي يتجاوز الانقسامات

ومن العوامل التي ساعدت الديمقراطيين على توسيع قاعدة دعمهم اختيار مرشحين يتمتعون بحضور محلي وقدرة على استقطاب الناخبين المستقلين؛ خصوصاً في الولايات التي ظل الجمهوريون يهيمنون عليها لعقود.

ووفق الصحيفة، اعتمد الحزب على شخصيات من خلفيات مهنية واجتماعية متنوعة، بينهم أطباء وممرضون ورجال دين ومزارعون وقادة نقابيون ومعلمون وعسكريون سابقون، في محاولة لاستعادة ثقة شرائح من الطبقة العاملة ابتعدت عن الديمقراطيين في انتخابات سابقة.

كما عادت مجموعات انتخابية كانت قد دعمت ترمب في انتخابات 2024 إلى الاقتراع لمصلحة الديمقراطيين، ومن بينها الشباب والناخبون من أصول لاتينية، في تحول عكس هشاشة التحالف الانتخابي الذي ساعد الرئيس الأميركي على العودة إلى البيت الأبيض.

وامتد هذا التحول إلى ولايات ذات توجه جمهوري راسخ، إذ حقق الديمقراطيون مكاسب في تكساس وكانساس وساوث كارولاينا، مستفيدين من التركيز على الأعباء المعيشية والاعتراض على السياسات التجارية وتداعيات الحرب على إيران، التي رفعت تكاليف الوقود والأسمدة وأثقلت كاهل قطاعات واسعة؛ خصوصاً في المناطق الريفية.

وفي تكساس، تمكن المرشحان الديمقراطيان جيمس تالاريكو وجينا هينوجوسا من تحقيق اختراق سياسي لافت، عبر خطاب ركّز على القدرة على تحمل تكاليف المعيشة ومكافحة الفساد والحد من نفوذ أصحاب المليارات، في ولاية لم يحقق فيها الديمقراطيون فوزاً على مستوى المناصب التنفيذية منذ عام 1994.


وادي السيليكون يخسر رهان الـ600 مليون دولار في انتخابات الكونغرس الأميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
TT

وادي السيليكون يخسر رهان الـ600 مليون دولار في انتخابات الكونغرس الأميركي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث خلال اجتماع بالبيت الأبيض مع مسؤولين تنفيذيين في قطاع التكنولوجيا حول الذكاء الاصطناعي يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

لم تنجح مئات الملايين من الدولارات التي ضخّها كبار المستثمرين في قطاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة في إنقاذ المرشحين الجمهوريين من خسائر انتخابية واسعة، بعدما حقق الديمقراطيون انتصارات كبيرة في انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، في نتيجة كشفت حدود النفوذ المالي لوادي السيليكون أمام تحولات المزاج الانتخابي الأميركي.

ووفق تقرير نشرته صحيفة «فاينانشال تايمز»، أنفق مليارديرات من قطاع التكنولوجيا أكثر من 600 مليون دولار لدعم المرشحين الجمهوريين، في واحدة من أكثر الحملات الانتخابية تكلفة في تاريخ الولايات المتحدة، لكن هذه الأموال لم تنجح في ترجيح كفة مرشحيهم، مع تصاعد المخاوف الشعبية من التوسع في استخدام الذكاء الاصطناعي ونفوذ شركات التكنولوجيا الكبرى.

وكان إيلون ماسك، الرئيس التنفيذي لشركتي «تسلا» و«سبايس إكس»، أبرز الممولين، إذ تجاوز إنفاقه 470 مليون دولار على سباقات انتخابية لمجلسي الشيوخ والنواب. وذهب نحو نصف هذا المبلغ لدعم المرشح الجمهوري كين باكستون في ولاية تكساس، الذي خسر أمام الديمقراطي جيمس تالاريكو.

ولم تقتصر الخسائر على تكساس، إذ خسر مرشحون جمهوريون آخرون في سباقات مجلس الشيوخ بولايات متأرجحة، إلى جانب عدد من مرشحي الحزب لمجلس النواب، رغم الدعم المالي الكبير الذي تلقوه من المليارديرات وشركات التكنولوجيا.

ونقلت الصحيفة عن مسؤول سياسي شارك في تنسيق إنفاق قطاع التكنولوجيا خلال الأشهر التي سبقت الانتخابات قوله إن «المال لم ينجح»، مشيراً إلى أن ماسك أنفق نحو نصف مليار دولار وخسر جميع السباقات التي تدخل فيها.

الذكاء الاصطناعي في قلب المعركة

ولم تكن الأموال وحدها محور المواجهة الانتخابية؛ فقد تحولت المخاوف من التوسع في مراكز البيانات والبنية التحتية اللازمة لتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي إلى قضية مؤثرة في خيارات الناخبين.

وأظهر استطلاع للناخبين بعد التصويت أجرته شبكة «إن بي سي» أن غالبية المشاركين اعتبروا مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي عاملاً مهماً أو رئيسياً في تحديد خياراتهم الانتخابية.

كما حقق مرشحون ديمقراطيون معارضون للتوسع في إنشاء مراكز البيانات انتصارات لافتة، مستفيدين من تنامي الاعتراضات على استهلاك هذه المنشآت للطاقة والموارد، وتأثيرها في المجتمعات المحلية.

وبحسب «فاينانشال تايمز»، تزامنت هذه المخاوف مع استياء الناخبين من ارتفاع التضخم وتداعيات الحرب على إيران، وهو ما أسهم في اتساع التحول الانتخابي لمصلحة الديمقراطيين، وأضعف قدرة الإنفاق السياسي لقطاع التكنولوجيا على التأثير في النتائج.

وامتد الإنفاق إلى عدد من أبرز المستثمرين والشركات في القطاع؛ إذ ضخ المستثمران في رأس المال المغامر مارك أندريسن وبن هورويتز أكثر من 90 مليون دولار في الانتخابات، بينما أنفق مؤسسا منصة العملات المشفرة «جيميني»، كاميرون وتايلر وينكلفوس، أكثر من 5 ملايين دولار.

كما قدم غريغ بروكمان، الشريك المؤسس لشركة «أوبن إيه آي»، وزوجته آنا، تبرعات بقيمة 25 مليون دولار لكل من منظمة «ماغا إنك» واللجنة السياسية «ليدينغ ذا فيوتشر»، التي تدعم التوسع في الذكاء الاصطناعي.

وفي سباق آخر، أنفقت لجنة «فيرشيك»، المدعومة من قطاع العملات المشفرة، أكثر من 50 مليون دولار على إعلانات تستهدف المرشح الديمقراطي شيرود براون، أحد أبرز منتقدي القطاع، في محاولة لمنع عودته إلى مجلس الشيوخ، لكنها لم تنجح في تحقيق هدفها.

ضغوط تنظيمية تلوح في الأفق

ولا تتوقف تداعيات النتائج عند خسارة المرشحين المدعومين من قطاع التكنولوجيا، إذ تواجه الشركات احتمال زيادة الضغوط التنظيمية مع انتقال السيطرة إلى الديمقراطيين في الكونغرس.

وأشارت الصحيفة إلى أن عشرات المبادرات الرامية إلى تجميد إنشاء مراكز البيانات أُقرت في مناطق مختلفة من الولايات المتحدة، بالتزامن مع تصاعد الاعتراضات الشعبية على التوسع في هذه المنشآت.

كما بدأ قياديون ديمقراطيون الدعوة إلى استخدام الأغلبية الجديدة في الكونغرس لاستدعاء مسؤولي شركات الذكاء الاصطناعي للإدلاء بشهاداتهم تحت القسم خلال العام المقبل، في خطوة قد تفتح جبهة جديدة بين المشرعين وشركات التكنولوجيا الكبرى.

ومع ذلك، فإن حجم الأموال التي ضخها هؤلاء المليارديرات يظل محدوداً مقارنة بثرواتهم الشخصية. وتوضح الصحيفة أن إنفاق ماسك يعادل، نسبة إلى ثروته، تبرع شخص يمتلك مليون دولار بنحو 400 دولار فقط.

وبعد اتضاح حجم الانتصار الديمقراطي، حذف ماسك منشوراً عبر منصة «إكس» كان قد دعا فيه الناخبين إلى التصويت للجمهوريين، في إشارة رمزية إلى إخفاق رهان وادي السيليكون الانتخابي.