ترمب وباول... اشتباك علني نادر يتراجع فيه تهديد الإقالة

الرئيس الأميركي تفقد أعمال التجديد لمبنى «الفيدرالي» وطالب مجدداً بخفض الفائدة

ترمب خلال جولته في مبنى الاحتياطي الاتحادي في واشنطن وإلى جواره باول يراجع جدول الإنفاق (أ.ب)
ترمب خلال جولته في مبنى الاحتياطي الاتحادي في واشنطن وإلى جواره باول يراجع جدول الإنفاق (أ.ب)
TT

ترمب وباول... اشتباك علني نادر يتراجع فيه تهديد الإقالة

ترمب خلال جولته في مبنى الاحتياطي الاتحادي في واشنطن وإلى جواره باول يراجع جدول الإنفاق (أ.ب)
ترمب خلال جولته في مبنى الاحتياطي الاتحادي في واشنطن وإلى جواره باول يراجع جدول الإنفاق (أ.ب)

اشتبك الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول خلال زيارة لمقر الاحتياطي الفيدرالي، الخميس، في مواجهة علنية نادرة بين رئيس أميركي ورئيس بنك مركزي.

تشاجر الرجلان، اللذان ارتديا خوذتين بيضاوين صلبتين أثناء تفقدهما أعمال تجديد مقر الاحتياطي الفيدرالي في مارينر إس إيكليس في واشنطن، في تصريحات تلفزيونية حول تكاليف المشروع.

ترمب والسيناتور تيم سكوت وباول يتجولون خلال زيارة الرئيس مبنى الاحتياطي الفيدرالي (أ.ب)

قال ترمب بعد لحظات من إشارته لباول ليظهر في منتصف إطار الكاميرا: «ننظر في الأمر، ويبدو أنه نحو 3.1 مليار دولار، وقد ارتفع قليلاً أو كثيراً. لذا؛ فإن 2.7 أصبح الآن 3.1».

هزّ باول رأسه وقاطع الرئيس، قائلاً إنه «لم يكن على علم» بأن تكلفة المشروع قد ارتفعت عن تقدير البنك المركزي البالغ 2.5 مليار دولار.

قال ترمب وهو يُخرج ورقة من جيبه بينما كانا يقفان جنباً إلى جنب في ممرّ بإطار خشبي مكشوف ومعدات بناء: «لقد ظهرت للتو».

من جهته، أخبر باول ترمب أن الرقم الأعلى الذي ذكره يشمل تجديدات مبنى مارتن، الواقع على الجانب الآخر من الطريق من موقع البناء، والذي اكتمل قبل خمس سنوات.

السيناتور تيم سكوت وترمب وباول برفقة راسل فوت في الخلفية خلال الزيارة (أ.ب)

وتمثل زيارة ترمب تكثيفاً كبيراً لهجماته على رئيس البنك المركزي. بدأ الرئيس وكبار مسؤولي الإدارة في الأسابيع الأخيرة باستخدام مشروع البناء، الذي تجاوز الميزانية المخصصة له بمقدار 700 مليون دولار، واجهةً جديدةً لانتقاد الاحتياطي الفيدرالي وباول. وقال الاحتياطي الفيدرالي إن تجاوز التكاليف يعود بشكل كبير إلى ضرورة الحفاظ على مبنى تاريخي عمره قرابة 90 عاماً، بدلاً من البدء في بناء مقر جديد من الصفر.

كما تأتي زيارة ترمب لمقر الاحتياطي الفيدرالي قبل أقل من أسبوع من اجتماع صناع السياسات التسعة عشر في البنك المركزي لعقد اجتماع لمدة يومين لتحديد أسعار الفائدة، حيث من المتوقع على نطاق واسع أن يتركوا سعر الفائدة القياسي للبنك المركزي في نطاق 4.25 في المائة -4.50 في المائة.

وأصرّ ترمب أيضاً على ضرورة خفض أسعار الفائدة بشكل كبير لتحفيز أكبر اقتصاد في العالم وخفض تكاليف خدمة الدين. وصرح يوم الخميس بأنه «يتمنى» أن يخفض باول أسعار الفائدة.

مخاوف المستثمرين

وقد أثار الخلاف بين الرئيس والاحتياطي الفيدرالي مخاوف متزايدة بين المستثمرين، الذين يعدّون استقلالية البنك المركزي في وضع السياسة النقدية أمراً حيوياً لدور الولايات المتحدة في قلب التمويل العالمي.

وأشارت المحكمة العليا إلى أن البيت الأبيض لا يحق له إقالة باول أو أيٍّ من حكام الاحتياطي الفيدرالي الستة الآخرين نتيجةً للخلافات حول السياسة النقدية. لكن بعض المحللين أشاروا إلى أن ترمب قد يستخدم مشروع التجديد ذريعةًٍ لإقالة باول «بسببٍ وجيه».

أعمال تجديد مبنى الاحتياطي الفيدرالي في العاصمة واشنطن (أ.ف.ب)

«لا توترات»

عندما سأل أحد الصحافيين ترمب عما سيفعله إذا تجاوز مدير أحد مشاريعه الإنشائية الميزانية، أجاب بصراحة: «بشكل عام، ماذا سأفعل؟ سأقيله». وضحك باول بينما ضربه ترمب على ذراعه قائلاً: «لا أريد أن يكون الأمر شخصياً».

وفي نهاية الجولة القصيرة، امتنع ترمب عن توجيه انتقادات مباشرة للمشروع. وعندما سأله الصحافيون ما إذا كان يرى سوء إدارة، تردّد وقال إنه رأى «وضعاً فاخراً جداً»، لكنه يفهم أن الإجراءات الأمنية والحاجة إلى البناء في الطابق السفلي، تتطلب تكاليف عالية.

وقال ترمب: «انظروا، هناك دائماً من يطلق الأحكام بعد فوات الأوان، لا أريد أن أكون ذلك الشخص»، مضيفاً: «أريد فقط مساعدتهم على إنهاء المشروع».

من جهته، قال عضو مجلس الشيوخ تيم سكوت، حليف ترمب وجمهوري من ساوث كارولاينا، إنه يعتقد أن المشروع «باهظ التكلفة للغاية».

وأكد ترمب أنه «لم يكن هناك توترات» مع باول خلال اللقاء، وامتنع عن الكشف عن تفاصيل مناقشتهما حول أسعار الفائدة، مشيراً إلى فترة الصمت التي يفرضها الاحتياطي الفيدرالي قبل اجتماعه الأسبوع المقبل.

وقال ترمب: «أعتقد أننا عقدنا اجتماعاً جيداً». كما أشار إلى أنه لا يرى في تجاوزات التكاليف سبباً كافياً لإقالة باول من منصبه. أضاف: «لا أريد أن أضع هذا الأمر في تلك الفئة»، وتابع: «أريد فقط أن يحدث شيء واحد، بسيط جداً: يجب أن تنخفض أسعار الفائدة».

«لا يزال أمامه طريق طويل»

في وقت لاحق، اتخذ ترمب لهجة أكثر تصالحية، حيث كتب على موقع «تروث سوشيال» إنه «شرف عظيم» له أن يزور الموقع مع باول.

وكتب: «لا يزال أمامه طريق طويل، وكان من الأفضل لو لم يبدأ العمل فيه، لكن هذا هو الوضع، ونأمل أن يتم الانتهاء منه في أقرب وقت ممكن... إن تجاوزات التكلفة كبيرة، ولكن على الجانب الإيجابي، فإن بلدنا في حالة جيدة للغاية ويمكنه تحمل أي شيء تقريباً - حتى تكلفة هذا المبنى!».

الزيارات الرئاسية إلى الاحتياطي الفيدرالي نادرة للغاية، وكانت آخر زيارة علنية له عندما حضر جورج دبليو بوش حفل تنصيب بن برنانكي، رئيس الاحتياطي الفيدرالي خلال الأزمة المالية العالمية عام 2008. وانضم إلى ترمب مدير مكتب الإدارة والموازنة راسل فوت، وعضوا مجلس الشيوخ الجمهوريان توم تيليس وتيم سكوت؛ ونائب رئيس موظفي الرئيس، جيمس بلير؛ ومدير وكالة تمويل الإسكان الفيدرالية ويليام بولت؛ والمستشار العام لمكتب الإدارة الموازنة، مارك باوليتا؛ والمسؤول في اللجنة الوطنية للتخطيط العام، ستيوارت ليفينباخ.


مقالات ذات صلة

الفيدرالي يواجه «هشاشة الثقة»... صدمة الطاقة تهدد استقرار توقعات التضخم

الاقتصاد مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

الفيدرالي يواجه «هشاشة الثقة»... صدمة الطاقة تهدد استقرار توقعات التضخم

يواجه مسؤولو البنك الاحتياطي الفيدرالي تحدياً مع ارتفاع توقعات الأسر التضخمية بالتوازي مع ارتفاع أسعار البنزين وانتقال الشك إلى أسواق السندات

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد يصطف الآلاف خارج مكتب مؤقت لإعانات البطالة أنشأته وزارة العمل في ولاية كنتاكي (أرشيفية - رويترز)

ارتفاع طفيف في طلبات إعانة البطالة الأميركية الأسبوع الماضي

ارتفعت طلبات إعانة البطالة الجديدة في الولايات المتحدة بشكل طفيف الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار استقرار سوق العمل.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد سبائك وعملات ذهبية موضوعة على طاولة بشركة «برو أوروم» لتجارة المعادن النفيسة في ميونيخ (د.ب.أ)

الذهب يهبط بأكثر من 1 % مع تقييم الأسواق لفرص وقف إطلاق النار

هبطت أسعار الذهب، يوم الخميس، متأثرةً بازدياد التوقعات برفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة هذا العام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد بيسنت يدلي بتصريح صحافي عقب اجتماعات مع وفد صيني (أ.ف.ب)

ثورة بيسنت النقدية... الاستعانة بنموذج بنك إنجلترا لإخضاع «الفيدرالي»

يدرس وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، مقترحات لإعادة هيكلة جذرية للعلاقة التاريخية التي تربط وزارة الخزانة بالاحتياطي الفيدرالي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ميران يغادر اجتماع اللجنة الفيردالية للسوق المفتوحة الاسبوع الماضي (أ.ف.ب)

ميران المقرب من ترمب يتمسك بخفض الفائدة الأميركية رغم صدمة أسعار النفط

قال محافظ الاحتياطي الفيدرالي، ستيفن ميران، إنه من السابق لأوانه استخلاص استنتاجات حول كيفية تأثير ارتفاع أسعار النفط على الاقتصاد الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
TT

استئناف تصدير النفط من كركوك عبر خط الأنابيب العراقية - التركية

حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)
حقل نفط «الزبير» بالقرب من مدينة البصرة العراقية (رويترز)

قال مدير عام شركة تسويق المنتجات النفطية (سومو) العراقية، الاثنين، إنه تم استئناف تصدير النفط من حقول كركوك عبر خط الأنابيب العراقي - التركي إلى ميناء «جيهان» وكذلك عبر الطرق البرية.

وأضافت الشركة: «ندرس العروض المقدمة من بعض شركات النقل البحرية المحلية والعالمية لنقل النفط عبر المنافذ الحدودية الجنوبية».

ودعت الشركة وزارة النفط العراقية، إلى ضرورة تكثيف الجهود لغرض تصدير النفط والمنتجات النفطية.


ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».