«منتدى الاستثمار السوري - السعودي 2025»... نحو شراكة اقتصادية مستدامة

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: الحدث شارة البدء في إعمار البلاد وتعزيز شراكاتها مع الدول العربية

TT

«منتدى الاستثمار السوري - السعودي 2025»... نحو شراكة اقتصادية مستدامة

صورة جماعية بين المسؤولين السعوديين والسوريين في دمشق (واس)
صورة جماعية بين المسؤولين السعوديين والسوريين في دمشق (واس)

يعكس انعقاد «منتدى الاستثمار السوري - السعودي 2025» في العاصمة السورية دمشق يوم الخميس؛ بناءً على توجيهات ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، حرص المملكة على دعم جهود إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي والتنمية في سوريا الجديدة، نحو شراكة اقتصادية مستدامة.

ووصل، صباح الأربعاء، وفد سعودي يترأسه وزير الاستثمار خالد الفالح، إلى دمشق، وبمشاركة أكثر من 120 مستثمراً، في زيارة تشهد توقيع عشرات الاتفاقيات بمليارات الدولارات. وكان في استقبال الوفد، وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور محمد نضال الشعار، ووزير الطاقة المهندس محمد البشير، ووزير الاتصالات والتقنية عبد السلام هيكل.

كما كان في استقبال الوفد سفير خادم الحرمين الشريفين لدى سوريا فيصل المجفل، وأعضاء السفارة، وعدد من المسؤولين من القطاعين الحكومي والخاص.

ويُعقد المنتدى بناءً على توجيهات الأمير محمد بن سلمان، الذي أعلنت عنه وزارة الاستثمار السعودية يوم الثلاثاء، والذي يستهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية واستكشاف فرص التعاون الاستثماري المشترك.

صنع فيحاء

وخلال الزيارة، وضع الفالح مع الوفد المرافق، حجر الأساس لمشروع مصنع فيحاء للإسمنت الأبيض في مدينة عدرا الصناعية بريف دمشق، والذي سيكون جاهزاً خلال الأشهر المقبلة، وهو أحد استثمارات المملكة بعد زيارات استثمارية عدة إلى دمشق.

وفي تصريحات صحافية، أوضح الفالح عقب تدشين المصنع، أن هناك عشرات الشركات ⁧‫السعودية‬⁩ عازمة على الاستثمار في عدة قطاعات بسوريا‬⁩، مؤكدًا على إهتمام بلاده بالاستثمار في البلاد بقطاعات البناء وتقنية المعلومات والطاقة وكذلك الصناعة والزراعة. واستطرد قائلاً: «سنعلن غداً (الخميس) عن حجم الاستثمارات المخطط لها في السوق السورية».

وتبلغ قيمة استثمارات المصنع حوالي 100 مليون ريال، بطاقة إنتاجية نحو 150 ألف طن أسمنت أبيض سنوياً، مع توفير 130 فرصة عمل مباشرة وأكثر من ألف غير مباشرة.

وزير الاستثمار مع عدد من المسؤولين السوريين خلال وضع حجر الأساس لمصنع الفيحاء (سانا)

وأشار مختصون اقتصاديون إلى توجيهات ولي العهد السعودي، المستمرة لدعم دمشق، التي وصفوها بأنها بلاد «عطشى للاستثمارات» بسبب الدمار الكبير الذي خلفته الحرب، ولفتوا إلى أن الأمير محمد بن سلمان «ينظر اليوم بعين الفائدة لسوريا»، بينما رأوا في المنتدى إعلان شارة البدء بإعمار البلاد وبداية نهضتها وتعزيز شراكاتها مع الدول العربية، وفي مقدمها المملكة.

إعادة إعمار سوريا

ويأتي انعقاد المنتدى في وقت تقدر تقارير أممية تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بـ400 مليار دولار، بينما الأرقام الرسمية تقدر التكلفة بـ600 مليار دولار؛ وذلك بسبب ما خلّفته الحرب التي استمرت نحو 14 عاماً من دمار كبير في مساحات واسعة من البلاد، وبعد أكثر من 8 أشهر على تسلم الإدارة السورية الجديدة مقاليد السلطة في البلاد بقيادة الرئيس أحمد الشرع، عقب إسقاط نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي.

كما قادت السعودية جهوداً دبلوماسية رفيعة المستوى لرفع العقوبات المفروضة على سوريا، التي تكللت بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفعها أثناء زيارته الأخيرة إلى الرياض، بعد مناقشة الأمر مع الأمير محمد بن سلمان، وفي وقت تعاني فيه البلاد أزمات خانقة في المجالات كافة، خصوصاً الاقتصادي والمالي والتجاري والزراعي والطاقة.

العودة إلى الخريطة الاستثمارية

ووصف نائب رئيس اتحاد غرف التجارة السورية، رئيس غرفة تجارة دمشق، عصام زهير الغريواتي، الوفد السعودي بأنه «أهم وأكبر وفد من دولة عربية شقيقة، وهي الأكبر اقتصادياً عربياً وخليجياً، ووقفت مع الشعب السوري من بداية ثورته المباركة عام 2011».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال الغريواتي: «المنتدى هو الأهم على صعيد الأحداث الاقتصادية السورية بعد التحرير وانطلاق الاقتصاد السوري وبدء إلغاء العقوبات ولو بصورة مرحلية».

نائب رئيس اتحاد غرف التجارة السورية رئيس غرفة تجارة دمشق عصام زهير الغريواتي (الشرق الأوسط)

وأضاف: «المستثمرون السعوديون لم يروا سوريا منذ 14 عاماً، وغابت البلاد عن خريطة استثماراتهم وأعمالهم التجارية والصناعية والخدمية بفعل الوضع السابق في ظل نظام الأسد، واليوم تبدأ مرحلة وصفحة جديدتان من التعاون الاقتصادي بين البلدين يتوقع أن تكون الأكبر والأوسع على مستوى المنطقة والعالم العربي لأسباب عدة ومجموعة مقدمات، أولها التطور الكبير المتسارع للشركات السعودية حجماً وتمويلاً وانتشاراً وتصديراً، والأهم من ذلك وجود وفورات مالية ومادية تبحث عن توظيفات جديدة في أسواق ناشئة».

تطوير التشريعات

وبيّن أن سوريا اليوم التي توقّف وتجمّد الاستثمار فيها طيلة الفترة الماضية، زراعياً وصناعياً وتجارياً وخدمياً وتقنياً، وهي فرص هائلة وواسعة وغير محدودة وذات ريعية مرتفعة ومجالات تصدير كبيرة.

والأمر المهم في المنتدى، من وجهة نظر الغريواتي، هو إيمان وحرص وثقة القيادة السعودية السياسية والاقتصادية بدعم سوريا اقتصادياً عبر دخول الاستثمارات السعودية بصورة مباشرة أو بمشاركات سورية مختلفة، والأهم من ذلك كله قناعة المملكة، بأن دمشق استعادت عافيتها، واقتصادها نهض من كبوته الطويلة، ولا مجال للتراجع أو الالتفات للماضي.

وأوضح، أن «البوصلة اليوم نحو الاقتصاد السوري الذي طوّر تشريعاته وألغى تعقيدات الاستثمار وحدَّث أنظمة تجارته الخارجية، وألغى تقييدات تداول القطع الأجنبي، وتحول بسرعة مذهلة نحو اقتصاد السوق الحرة التنافسي، وهو اليوم يملك أهم خريطة استثمارية وتجارية على مستوى المنطقة».

وختم الغريواتي بالقول: «إننا ننظر كمجتمع أعمال خاص وكغرف تجارة سورية لهذا الحدث المهم بكونه إعلان شارة البدء بإعمار سوريا، وبداية نهضتها وتعزيز شراكاتها مع الدول العربية الشقيقة، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية التي نتطلع أن تكون رائدة العمل الاقتصادي في سوريا».

القوة الشرائية

بدوره، قال نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية، نائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقاً، محمد الحلاق، إن واقع الاقتصاد السوري «صعب»؛ نتيجة ضعف القوة الشرائية، بسبب ضعف التوظيفات المالية للعاملين في الاقتصاد.

نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية نائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقاً محمد الحلاق (الشرق الأوسط)

وأوضح الحلاق لـ«الشرق الأوسط»، أن المطلوب اليوم للنهوض بواقع الاقتصاد السوري هو «إعادة دوران عجلة الإنتاج بسرعة من أجل خلق فرص عمل، وهذا ما نطلبه من المنتدى، بأن يكون هناك تشاركية حقيقية بالمعلومة وخطوات جادة لإنجاح هذه الأعمال».

وبعدما أشار الحلاق إلى أن التجار يفكرون دائماً في كيفية الحصول على نتائج، أبان أنه من أجل الحصول على نتائج يجب رفع كمية الصادرات عن طريق إقامة معارض متخصصة للمنتجات السورية في السعودية مدعومة من حكومة المملكة وتعزيز مكانة تلك المنتجات وخلق الطلب عليها؛ كون الأمور بين البلدين تسير باتجاهات إيجابية كبيرة».

وأكمل أنه وبمجرد حصول الطلب على المنتجات سيصبح هناك إنتاج الذي يحتاج إلى توظيف والتوظيف سيؤدي إلى زيادة القوة الشرائية التي ستعزز من مكانة الاقتصاد السوري بشكل أعلى.

الحلاق أعرب عن طموح في أن يكون هناك تشاركية حقيقية، واستخدام المكننة والآليات الأفضل العملية؛ من أجل تخفيض النفقات قدر الإمكان على المعامل والشركات السورية لرفع القدرة التنافسية.

ومن وجهة نظر الحلاق، فإن زيادة فرص الاستثمار لشركات سعودية في سوريا سيؤدي إلى خلق فرص عمل وزيادة الإنتاجية باتجاه التصدير.

التحويلات المالية

ومن أجل خلق تلك التشابكات يجب، وفقاً للحلاق، اتخاذ خطوة سريعة تتمثل بإقامة بنك سعودي - سوري مشترك يكون له قاعدتان في سوريا والسعودية من أجل إتمام عملية التحويلات المالية من خلال المصرفين.

وتابع أن سوريا فيها فرص استثمارية كبيرة جداً على الصعد كافة (السياحة والتجارة والصناعة والزراعة والمصارف والتأمين وتداول الأسهم)، وتعد اليوم من أكثر دول العالم التي لديها فرص استثمارية، لكن مناخ الاستثمار في حاجة إلى إعادة توجيه بالاتجاه الصحيح، لافتاً إلى أن هذا المناخ يتحسن عندما يكون هناك استثمارات.

«السعودية هي من أوائل الدول التي أتت للاستثمار في سوريا، ومن أوائل الدول المرشحة للاستفادة من هذه الاستثمارات، ومن المهم أن يترجم هذا الأمر على الأرض، ولا يكون عبارة عن لقاءات وتبادل كروت فقط، فنحن نريده مفتاحاً حقيقياً ينعكس إيجاباً على البلدين»، وفقاً للحلاق الذي رأى أن الخطوة الأولى التي يمكن أن نعملها حتى نترجم هذه العلاقة بقوة على أرض الواقع هي موضوع إقامة المصرف المشترك.

وتطرق الحلاق إلى توجيهات ولي العهد السعودي لدعم سوريا الجديدة على الصعد كافة. وقال: «الأمير محمد بن سلمان اليوم لا يتصرف مع دمشق كعلاقة ندية، هو يرعى سوريا وهذه اللقاءات الاقتصادية، وهو لا يعمل على مبدأ أربح منك وأنت تربح مني، إنما على مبدأ أن سوريا يجب أن نرعاها ونحتضنها، وأن يكون لنا دور فيها من أجل أن نتحول يوماً ما إلى وحدة اقتصادية».

وأضاف: «هو ينظر اليوم بعين الفائدة لسوريا أكثر ما ينظر بعين الفائدة للسعودية، وهو يرى دمشق كأنها بلده ويقدم لها ما يستطيع من دعم».

وسألت «الشرق الأوسط» الحلاق، إن كانت لديه معطيات عما يحتاج إليه الاقتصاد السوري من حجم استثمارات إجمالي في المرحلة المقبلة، فأجاب: «مهما أتت استثمارات، سوريا سوف تستوعبها لأنها في حاجة إليها، وتعدّ سوقاً عطشى للاستثمارات».


مقالات ذات صلة

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)
الاقتصاد مقر «المجموعة السعودية» في مركز الملك عبد الله المالي (الشرق الأوسط)

«السعودية للأبحاث والإعلام»: مواصلة إعادة هيكلة الأصول ودعم التوسع الاستثماري

أعلنت «المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام» (SRMG) نتائجها المالية لعام 2025، حيث بلغت إيراداتها 2.673 مليار ريال (712.8 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد وزير المالية السعودي يتحدث في إحدى جلسات قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

وزير المالية السعودي: اضطراب النفط قد يتجاوز أزمة «كوفيد» إذا استمرت الحرب

حذر وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، من تداعيات اقتصادية عالمية قد تفوق في شدتها أزمة جائحة «كوفيد-19»، وذلك في حال استمرار النزاع مع إيران.

«الشرق الأوسط» (ميامي)
الاقتصاد الرميان يتحدث خلال مشاركته في قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الرميان: «صندوق الاستثمارات» يرسّخ استراتيجية طويلة الأجل ويستعد لمرحلة جديدة

أكد محافظ صندوق الاستثمارات العامة، ياسر الرميان، أن الاقتصاد السعودي يواصل الحفاظ على متانته واستقراره، مدعوماً بسياسات مالية وهيكلية قوية.

مساعد الزياني (ميامي)
خاص عدد من المركبات تستكمل إجراءات العبور في جسر الملك فهد الرابط بين السعودية والبحرين (واس)

خاص السعودية تكسر حصار مضيق هرمز بمنظومة ربط عابرة للقارات

كشفت السعودية عن تفوق منظومتها للنقل التي تحولت إلى رئة بديلة وشريان حياة يضمن استدامة تدفق التجارة العالمية في مواجهة تعطل مضيق هرمز الحيوي.

ساره بن شمران (الرياض)

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.