«منتدى الاستثمار السوري - السعودي 2025»... نحو شراكة اقتصادية مستدامة

مختصون لـ«الشرق الأوسط»: الحدث شارة البدء في إعمار البلاد وتعزيز شراكاتها مع الدول العربية

TT

«منتدى الاستثمار السوري - السعودي 2025»... نحو شراكة اقتصادية مستدامة

صورة جماعية بين المسؤولين السعوديين والسوريين في دمشق (واس)
صورة جماعية بين المسؤولين السعوديين والسوريين في دمشق (واس)

يعكس انعقاد «منتدى الاستثمار السوري - السعودي 2025» في العاصمة السورية دمشق يوم الخميس؛ بناءً على توجيهات ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان، حرص المملكة على دعم جهود إعادة الإعمار والنهوض الاقتصادي والتنمية في سوريا الجديدة، نحو شراكة اقتصادية مستدامة.

ووصل، صباح الأربعاء، وفد سعودي يترأسه وزير الاستثمار خالد الفالح، إلى دمشق، وبمشاركة أكثر من 120 مستثمراً، في زيارة تشهد توقيع عشرات الاتفاقيات بمليارات الدولارات. وكان في استقبال الوفد، وزير الاقتصاد والصناعة الدكتور محمد نضال الشعار، ووزير الطاقة المهندس محمد البشير، ووزير الاتصالات والتقنية عبد السلام هيكل.

كما كان في استقبال الوفد سفير خادم الحرمين الشريفين لدى سوريا فيصل المجفل، وأعضاء السفارة، وعدد من المسؤولين من القطاعين الحكومي والخاص.

ويُعقد المنتدى بناءً على توجيهات الأمير محمد بن سلمان، الذي أعلنت عنه وزارة الاستثمار السعودية يوم الثلاثاء، والذي يستهدف تعزيز العلاقات الاقتصادية واستكشاف فرص التعاون الاستثماري المشترك.

صنع فيحاء

وخلال الزيارة، وضع الفالح مع الوفد المرافق، حجر الأساس لمشروع مصنع فيحاء للإسمنت الأبيض في مدينة عدرا الصناعية بريف دمشق، والذي سيكون جاهزاً خلال الأشهر المقبلة، وهو أحد استثمارات المملكة بعد زيارات استثمارية عدة إلى دمشق.

وفي تصريحات صحافية، أوضح الفالح عقب تدشين المصنع، أن هناك عشرات الشركات ⁧‫السعودية‬⁩ عازمة على الاستثمار في عدة قطاعات بسوريا‬⁩، مؤكدًا على إهتمام بلاده بالاستثمار في البلاد بقطاعات البناء وتقنية المعلومات والطاقة وكذلك الصناعة والزراعة. واستطرد قائلاً: «سنعلن غداً (الخميس) عن حجم الاستثمارات المخطط لها في السوق السورية».

وتبلغ قيمة استثمارات المصنع حوالي 100 مليون ريال، بطاقة إنتاجية نحو 150 ألف طن أسمنت أبيض سنوياً، مع توفير 130 فرصة عمل مباشرة وأكثر من ألف غير مباشرة.

وزير الاستثمار مع عدد من المسؤولين السوريين خلال وضع حجر الأساس لمصنع الفيحاء (سانا)

وأشار مختصون اقتصاديون إلى توجيهات ولي العهد السعودي، المستمرة لدعم دمشق، التي وصفوها بأنها بلاد «عطشى للاستثمارات» بسبب الدمار الكبير الذي خلفته الحرب، ولفتوا إلى أن الأمير محمد بن سلمان «ينظر اليوم بعين الفائدة لسوريا»، بينما رأوا في المنتدى إعلان شارة البدء بإعمار البلاد وبداية نهضتها وتعزيز شراكاتها مع الدول العربية، وفي مقدمها المملكة.

إعادة إعمار سوريا

ويأتي انعقاد المنتدى في وقت تقدر تقارير أممية تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بـ400 مليار دولار، بينما الأرقام الرسمية تقدر التكلفة بـ600 مليار دولار؛ وذلك بسبب ما خلّفته الحرب التي استمرت نحو 14 عاماً من دمار كبير في مساحات واسعة من البلاد، وبعد أكثر من 8 أشهر على تسلم الإدارة السورية الجديدة مقاليد السلطة في البلاد بقيادة الرئيس أحمد الشرع، عقب إسقاط نظام بشار الأسد أواخر العام الماضي.

كما قادت السعودية جهوداً دبلوماسية رفيعة المستوى لرفع العقوبات المفروضة على سوريا، التي تكللت بإعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب رفعها أثناء زيارته الأخيرة إلى الرياض، بعد مناقشة الأمر مع الأمير محمد بن سلمان، وفي وقت تعاني فيه البلاد أزمات خانقة في المجالات كافة، خصوصاً الاقتصادي والمالي والتجاري والزراعي والطاقة.

العودة إلى الخريطة الاستثمارية

ووصف نائب رئيس اتحاد غرف التجارة السورية، رئيس غرفة تجارة دمشق، عصام زهير الغريواتي، الوفد السعودي بأنه «أهم وأكبر وفد من دولة عربية شقيقة، وهي الأكبر اقتصادياً عربياً وخليجياً، ووقفت مع الشعب السوري من بداية ثورته المباركة عام 2011».

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، قال الغريواتي: «المنتدى هو الأهم على صعيد الأحداث الاقتصادية السورية بعد التحرير وانطلاق الاقتصاد السوري وبدء إلغاء العقوبات ولو بصورة مرحلية».

نائب رئيس اتحاد غرف التجارة السورية رئيس غرفة تجارة دمشق عصام زهير الغريواتي (الشرق الأوسط)

وأضاف: «المستثمرون السعوديون لم يروا سوريا منذ 14 عاماً، وغابت البلاد عن خريطة استثماراتهم وأعمالهم التجارية والصناعية والخدمية بفعل الوضع السابق في ظل نظام الأسد، واليوم تبدأ مرحلة وصفحة جديدتان من التعاون الاقتصادي بين البلدين يتوقع أن تكون الأكبر والأوسع على مستوى المنطقة والعالم العربي لأسباب عدة ومجموعة مقدمات، أولها التطور الكبير المتسارع للشركات السعودية حجماً وتمويلاً وانتشاراً وتصديراً، والأهم من ذلك وجود وفورات مالية ومادية تبحث عن توظيفات جديدة في أسواق ناشئة».

تطوير التشريعات

وبيّن أن سوريا اليوم التي توقّف وتجمّد الاستثمار فيها طيلة الفترة الماضية، زراعياً وصناعياً وتجارياً وخدمياً وتقنياً، وهي فرص هائلة وواسعة وغير محدودة وذات ريعية مرتفعة ومجالات تصدير كبيرة.

والأمر المهم في المنتدى، من وجهة نظر الغريواتي، هو إيمان وحرص وثقة القيادة السعودية السياسية والاقتصادية بدعم سوريا اقتصادياً عبر دخول الاستثمارات السعودية بصورة مباشرة أو بمشاركات سورية مختلفة، والأهم من ذلك كله قناعة المملكة، بأن دمشق استعادت عافيتها، واقتصادها نهض من كبوته الطويلة، ولا مجال للتراجع أو الالتفات للماضي.

وأوضح، أن «البوصلة اليوم نحو الاقتصاد السوري الذي طوّر تشريعاته وألغى تعقيدات الاستثمار وحدَّث أنظمة تجارته الخارجية، وألغى تقييدات تداول القطع الأجنبي، وتحول بسرعة مذهلة نحو اقتصاد السوق الحرة التنافسي، وهو اليوم يملك أهم خريطة استثمارية وتجارية على مستوى المنطقة».

وختم الغريواتي بالقول: «إننا ننظر كمجتمع أعمال خاص وكغرف تجارة سورية لهذا الحدث المهم بكونه إعلان شارة البدء بإعمار سوريا، وبداية نهضتها وتعزيز شراكاتها مع الدول العربية الشقيقة، وفي مقدمها المملكة العربية السعودية التي نتطلع أن تكون رائدة العمل الاقتصادي في سوريا».

القوة الشرائية

بدوره، قال نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية، نائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقاً، محمد الحلاق، إن واقع الاقتصاد السوري «صعب»؛ نتيجة ضعف القوة الشرائية، بسبب ضعف التوظيفات المالية للعاملين في الاقتصاد.

نائب رئيس جمعية العلوم الاقتصادية نائب رئيس غرفة تجارة دمشق سابقاً محمد الحلاق (الشرق الأوسط)

وأوضح الحلاق لـ«الشرق الأوسط»، أن المطلوب اليوم للنهوض بواقع الاقتصاد السوري هو «إعادة دوران عجلة الإنتاج بسرعة من أجل خلق فرص عمل، وهذا ما نطلبه من المنتدى، بأن يكون هناك تشاركية حقيقية بالمعلومة وخطوات جادة لإنجاح هذه الأعمال».

وبعدما أشار الحلاق إلى أن التجار يفكرون دائماً في كيفية الحصول على نتائج، أبان أنه من أجل الحصول على نتائج يجب رفع كمية الصادرات عن طريق إقامة معارض متخصصة للمنتجات السورية في السعودية مدعومة من حكومة المملكة وتعزيز مكانة تلك المنتجات وخلق الطلب عليها؛ كون الأمور بين البلدين تسير باتجاهات إيجابية كبيرة».

وأكمل أنه وبمجرد حصول الطلب على المنتجات سيصبح هناك إنتاج الذي يحتاج إلى توظيف والتوظيف سيؤدي إلى زيادة القوة الشرائية التي ستعزز من مكانة الاقتصاد السوري بشكل أعلى.

الحلاق أعرب عن طموح في أن يكون هناك تشاركية حقيقية، واستخدام المكننة والآليات الأفضل العملية؛ من أجل تخفيض النفقات قدر الإمكان على المعامل والشركات السورية لرفع القدرة التنافسية.

ومن وجهة نظر الحلاق، فإن زيادة فرص الاستثمار لشركات سعودية في سوريا سيؤدي إلى خلق فرص عمل وزيادة الإنتاجية باتجاه التصدير.

التحويلات المالية

ومن أجل خلق تلك التشابكات يجب، وفقاً للحلاق، اتخاذ خطوة سريعة تتمثل بإقامة بنك سعودي - سوري مشترك يكون له قاعدتان في سوريا والسعودية من أجل إتمام عملية التحويلات المالية من خلال المصرفين.

وتابع أن سوريا فيها فرص استثمارية كبيرة جداً على الصعد كافة (السياحة والتجارة والصناعة والزراعة والمصارف والتأمين وتداول الأسهم)، وتعد اليوم من أكثر دول العالم التي لديها فرص استثمارية، لكن مناخ الاستثمار في حاجة إلى إعادة توجيه بالاتجاه الصحيح، لافتاً إلى أن هذا المناخ يتحسن عندما يكون هناك استثمارات.

«السعودية هي من أوائل الدول التي أتت للاستثمار في سوريا، ومن أوائل الدول المرشحة للاستفادة من هذه الاستثمارات، ومن المهم أن يترجم هذا الأمر على الأرض، ولا يكون عبارة عن لقاءات وتبادل كروت فقط، فنحن نريده مفتاحاً حقيقياً ينعكس إيجاباً على البلدين»، وفقاً للحلاق الذي رأى أن الخطوة الأولى التي يمكن أن نعملها حتى نترجم هذه العلاقة بقوة على أرض الواقع هي موضوع إقامة المصرف المشترك.

وتطرق الحلاق إلى توجيهات ولي العهد السعودي لدعم سوريا الجديدة على الصعد كافة. وقال: «الأمير محمد بن سلمان اليوم لا يتصرف مع دمشق كعلاقة ندية، هو يرعى سوريا وهذه اللقاءات الاقتصادية، وهو لا يعمل على مبدأ أربح منك وأنت تربح مني، إنما على مبدأ أن سوريا يجب أن نرعاها ونحتضنها، وأن يكون لنا دور فيها من أجل أن نتحول يوماً ما إلى وحدة اقتصادية».

وأضاف: «هو ينظر اليوم بعين الفائدة لسوريا أكثر ما ينظر بعين الفائدة للسعودية، وهو يرى دمشق كأنها بلده ويقدم لها ما يستطيع من دعم».

وسألت «الشرق الأوسط» الحلاق، إن كانت لديه معطيات عما يحتاج إليه الاقتصاد السوري من حجم استثمارات إجمالي في المرحلة المقبلة، فأجاب: «مهما أتت استثمارات، سوريا سوف تستوعبها لأنها في حاجة إليها، وتعدّ سوقاً عطشى للاستثمارات».


مقالات ذات صلة

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

خاص رحلة تسلق جبال في تنومة جنوب السعودية

القطاع الخاص يقود قاطرة الاستثمار السياحي في السعودية بـ58 مليار دولار

أصبح القطاع الخاص لاعباً أساسياً في دفع عجلة السياحة السعودية، مسهماً بنحو 219 مليار ريال من إجمالي الاستثمارات الملتزم بها في القطاع.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد عدد من الحاويات في ميناء الملك عبدالعزيز (واس)

دعم لوجستي... السعودية تمدِّد إعفاء الحاويات في ميناء الملك عبد العزيز والجبيل التجاري

أعلنت «الهيئة العامة للموانئ (موانئ)» عن إطلاق مبادرة تمديد فترة الإعفاء للحاويات الفارغة الواردة عبر ميناء الملك عبد العزيز بالدمام وميناء الجبيل التجاري.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز» نقلاً عن مصدر مطلع، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

خاص بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

بعد عام من قرارات ولي العهد لتنظيم السوق العقارية بالرياض، انخفضت قيمة الصفقات 64 في المائة مقارنة بالفترة نفسها قبل صدور القرارات.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد افتتاح قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» في ميامي (الشرق الأوسط)

الجدعان في قمة ميامي: الاقتصاد السعودي مرن وقادر على إدارة الأزمات

تصدرت الرؤية السعودية مشهد التحولات الاقتصادية في انطلاق قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار» بميامي، وسط تأكيدات على قدرة اقتصاد المملكة على إدارة الأزمات.

مساعد الزياني (ميامي)

النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
TT

النفط يقفز مع دخول الحوثيين خط المواجهة... وبرنت يقترب من 117 دولاراً

ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)
ناقلة نفط خام ترفع علم هونغ كونغ تحمل حوالي 200 ألف برميل من الوقود ذي المنشأ الروسي، متجهة إلى كوبا (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط ارتفاعاً ملحوظاً، يوم الاثنين، مع تصاعد الأزمة في الشرق الأوسط ودخول المتمردين الحوثيين في اليمن خط المواجهة المباشرة، وسط مخاوف متزايدة من تدخل بري أميركي قد يستهدف المنشآت الحيوية للطاقة في إيران.

ومع دخول الصراع أسبوعه الخامس، أعلن الحوثيون استهداف مواقع استراتيجية في إسرائيل بصواريخ كروز وطائرات مسيرّة، مما أثار قلقاً دولياً من اتساع رقعة الحرب لتشمل البحر الأحمر؛ الممر الذي أعادت السعودية توجيه جزء كبير من صادراتها النفطية إليه لتجنب مضيق هرمز الذي أغلقته طهران فعلياً.

قفزة في العقود الآجلة

دفعت هذه التطورات أسعار الخام إلى أعلى مستوياتها منذ بدء الحملة العسكرية الأميركية الإسرائيلية ضد إيران. وقفزت العقود الرئيسية بأكثر من 3 في المائة، حيث اقترب سعر خام برنت من 117 دولاراً للبرميل (تحديداً 116.15 دولار)، بينما ارتفع خام غرب تكساس الوسيط بنسبة 3 في المائة ليصل إلى 102.61 دولار للبرميل.

تهديدات ترمب وجزيرة خرج

وما زاد من قلق الأسواق هي تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب لصحيفة «فاينانشال تايمز»، التي أبدى فيها رغبته في «السيطرة على النفط في إيران»، ملوّحاً بإمكانية الاستيلاء على جزيرة خرج، وهي محطة تصدير النفط الحيوية لإيران. وقال ترمب: «ربما نسيطر على جزيرة خرج وربما لا، لدينا خيارات كثيرة.. لكن هذا سيعني بقاءنا هناك لفترة».

مخاوف الإمدادات وتكاليف التأمين

ويرى محللون أن قدرة الحوثيين على تعطيل الملاحة عبر مضيق باب المندب، الذي يمر عبره نحو 12 في المائة من التجارة العالمية، تمثل المخاطر الأبرز حالياً. وأشار كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في مجموعة «بيبرستون» المالية، إلى أن الخلل في الإمدادات مقترناً بارتفاع حاد في تكاليف التأمين قد يدفع أسعار النفط لمستويات أعلى، خاصة وأن الصدمة الحالية لم تعد تقتصر على النفط وحده، بل تمتد لتشمل البتروكيميائيات والأسمدة.

ويأتي هذا التصعيد بعد فترة من الهدوء النسبي الأسبوع الماضي، عقب قرار ترمب تأجيل الهجوم على البنية التحتية للطاقة في إيران لمنح فرصة للمفاوضات، إلا أن التطورات الميدانية الأخيرة أعادت ملف «أمن الإمدادات» إلى الواجهة من جديد.


الدولار يتماسك مع ترقب الأسواق لحرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط

 أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
TT

الدولار يتماسك مع ترقب الأسواق لحرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط

 أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)
أوراق نقدية من فئة الدولار (رويترز)

استقر الدولار الأميركي بشكل عام يوم الاثنين، متجهاً نحو تحقيق أقوى مكاسبه الشهرية منذ يوليو (تموز)، وسط مخاوف المستثمرين من تداعيات حرب طويلة الأمد في الشرق الأوسط، مما أدى إلى انخفاض الين إلى ما دون مستوى 160 ينًا الحرج، وإثارة مخاوف من التدخلات الاقتصادية.

وقد شهدت الأسواق اضطراباً هذا الشهر بعد أن أدى الصراع فعلياً إلى إغلاق مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنحو خُمس تدفقات النفط والغاز العالمية، مما دفع خام برنت نحو أكبر ارتفاع شهري له، وأثار شكوكاً حول توقعات أسعار الفائدة.

امتدت الحرب، التي اندلعت إثر الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط)، إلى مختلف أنحاء الشرق الأوسط، مع تزايد المخاوف من هجوم بري ودخول الحوثيين الموالين لإيران إلى اليمن يوم السبت، مما زاد من حدة التوتر.

من جهتها، أعلنت باكستان استعدادها لاستضافة «محادثات جادة» لإنهاء الصراع في الأيام المقبلة، رغم تأكيد طهران استعدادها للرد في حال شنت الولايات المتحدة عملية برية.

لم تتأثر آراء المستثمرين بشكل كبير بتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن واشنطن أجرت محادثات «مباشرة وغير مباشرة» مع إيران، وأن قادتها الجدد كانوا "معقولين للغاية".

وأدى ذلك إلى ارتفاع الدولار مع لجوء المستثمرين إلى الملاذات الآمنة هذا الشهر. وبلغ سعر اليورو 1.1512 دولار، متجهاً نحو انخفاض بنسبة 2.5 في المائة في مارس (آذار)، وهو أضعف انخفاض شهري له منذ يوليو.

وبلغ سعر الجنيه الإسترليني 1.32585 دولار، دون تغيير يُذكر خلال اليوم، ولكنه يتجه نحو انخفاض بنسبة 1.7 في المائة هذا الشهر. بلغ مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة العملة الأميركية مقابل ست عملات أخرى، 100.14 في بداية التداولات.

وصرّح كريس ويستون، رئيس قسم الأبحاث في شركة «بيبرستون»، بأن «اللافت للنظر هو سرعة تغير الاحتمالات. فقبل أسبوعين فقط، كان يُنظر إلى إرسال قوات أميركية برية إلى إيران على أنه احتمال ضعيف. لكن هذا الوضع تغيّر بشكل واضح، مما يُعزز ضرورة أن تبقى الأسواق منفتحة على جميع الاحتمالات. وتتمثل الاستراتيجية في بيع الأسهم عند ارتفاع أسعار المخاطر والحفاظ على تحوّطات ضد التقلبات».

التركيز على النفط

في الوقت الراهن، ينصبّ تركيز السوق بشكل أساسي على أسعار النفط، حيث استقرت العقود الآجلة لخام برنت عند 114.6 دولار للبرميل، بزيادة قدرها 58 في المائة تقريباً في مارس، مسجلةً بذلك أقوى ارتفاع شهري لها على الإطلاق.

وقال براشان نيوناها، كبير استراتيجيي أسعار الفائدة في شركة «تي دي» للأوراق المالية، «إن اتجاه الدولار من الآن فصاعدًا يعتمد ببساطة على أسعار النفط. فمع اتجاه أسعار النفط، يتجه الدولار».

أدت أسعار النفط المرتفعة إلى تجدد المخاوف من التضخم، ما دفع العقود الآجلة لأسعار الفائدة الأميركية إلى البدء في تسعير مخاطر رفع الاحتياطي الفيدرالي لأسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا العام، وهو تحول حاد عن بداية هذا العام عندما كان المتداولون يراهنون على خفضين محتملين لأسعار الفائدة في عام 2026.

في الوقت نفسه، يُولي المستثمرون اهتماماً متزايداً للتداعيات الاقتصادية طويلة الأجل لحرب مطولة.

وقال مارك تشاندلر، كبير استراتيجيي السوق في «بانوكبيرن كابيتال ماركتس»: «تجد البنوك المركزية نفسها في موقف بالغ الصعوبة: إذ تواجه أسعاراً تُشير إلى تشديد السياسة النقدية، بينما تُشير مؤشرات النمو إلى ضرورة توخي الحذر. إنها علامة فارقة للركود التضخمي، وقد ظهرت قبل أن يكون معظم المستثمرين مستعدين لها».

عودة الين الضعيف إلى دائرة الضوء

ارتفع الين الياباني إلى 159.77 ين للدولار بعد أن سجل 160.47 ين في وقت سابق من الجلسة، وهو أضعف مستوى له منذ يوليو (تموز) 2024 عندما تدخلت طوكيو آخر مرة في أسواق العملات.

وقد جاء هذا التراجع في ظل تصعيد اليابان لتهديدها بالتدخل في سوق الين، وإشارتها إلى أن المزيد من الانخفاضات في قيمة العملة قد يبرر رفع أسعار الفائدة على المدى القريب. وقد انخفض الين بأكثر من 2 في المائة في مارس وسط مخاوف من ارتفاع أسعار النفط.

وقال كبير مسؤولي السياسة النقدية في اليابان، أتسوكي ميمورا، إن السلطات قد تضطر إلى اتخاذ خطوات حاسمة إذا استمرت المضاربات في سوق العملات. بينما صرّح محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، بأن البنك المركزي سيراقب عن كثب تحركات الين وتأثيرها على الاقتصاد والأسعار.

وفيما يتعلق بالعملات الأخرى، انخفض الدولار الأسترالي بنسبة 0.3 في المائة ليصل إلى 0.6851 دولار أميركي، متجهاً نحو تسجيل انخفاض شهري بنسبة 3.8 في المائة، وهو أكبر انخفاض له منذ ديسمبر (كانون الأول) 2024. كما انخفض الدولار النيوزيلندي بنسبة 0.4 في المائة ليصل إلى 0.57275 دولار أميركي، مسجلاً انخفاضاً بنسبة 4.4 في المائة في مارس.


الذهب يسجل أكبر انخفاض شهري منذ 2008 نتيجة قوة الدولار وتضخم الطاقة

امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
TT

الذهب يسجل أكبر انخفاض شهري منذ 2008 نتيجة قوة الدولار وتضخم الطاقة

امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)
امرأة هندية تعرض قطعة مجوهرات ذهبية في متجر مجوهرات في بنغالور (أ.ف.ب)

تراجعت أسعار الذهب، يوم الاثنين، حيث أدى ارتفاع أسعار الطاقة إلى تأجيج المخاوف من التضخم وتراجع التوقعات بخفض أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي هذا العام.

انخفض سعر الذهب الفوري بنسبة 0.6 في المائة إلى 4466.99 دولار للأونصة بحلول الساعة 02:38 بتوقيت غرينتش. كما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم أبريل (نيسان) بنسبة 0.6 في المائة إلى 4496.30 دولار.

وقد خسر الذهب أكثر من 15 في المائة هذا الشهر، مسجلاً أكبر انخفاض شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008، مع ارتفاع قيمة الدولار الأميركي. وارتفعت قيمة العملة بأكثر من 2 في المائة منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).

وقال نيكولاس فرابيل، الرئيس العالمي للأسواق المؤسسية في شركة «إي بي سي»: «يكمن السبب الرئيسي وراء ضعف أداء الذهب في التحول الكبير في توقعات أسعار الفائدة... وقد تأثر الدولار الأميركي بذلك، وبما أن توقعات الذهب كانت مرتبطة أيضاً بأسعار الفائدة، مع توقعات بانخفاض سعر الفائدة في ظل رئيس جديد لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، فقد كان لذلك أثر سلبي على الذهب«.

ويرى المتداولون الآن أن فرص خفض سعر الفائدة الأميركي هذا العام ضئيلة، حيث تهدد أسعار الطاقة المرتفعة بتغذية التضخم العام والحد من نطاق التيسير النقدي. ويتناقض هذا مع التوقعات بخفض سعر الفائدة مرتين قبل بدء النزاع.

وبينما يعزز التضخم عادةً جاذبية الذهب كأداة تحوط، فإن ارتفاع أسعار الفائدة يؤثر سلباً على الطلب على هذا المعدن الذي لا يدرّ عائداً. وارتفع سعر خام برنت فوق 115 دولاراً للبرميل بعد أن شن الحوثيون اليمنيون هجمات على إسرائيل خلال عطلة نهاية الأسبوع، مما وسّع نطاق الحرب الدائرة وزاد من حدة التضخم. وكان العقد قد ارتفع بنسبة 60 في المائة في مارس، مسجلاً بذلك ارتفاعاً شهرياً قياسياً.

وصرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مقابلة مع صحيفة «فاينانشال تايمز» نُشرت يوم الأحد، بأنه يريد «السيطرة على النفط في إيران» وقد يستولي على مركز التصدير في جزيرة خرج.

وقال فرابيل: «أشارت تحركات أسعار الذهب الأسبوع الماضي إلى رد فعل على عمليات البيع المفرط، واحتمال انعكاس الانخفاضات الأخيرة. ومع ذلك، يحتاج هذا إلى تأكيد من خلال تحركات الأسعار هذا الأسبوع. ونظرًا للتدفق السريع للأخبار، فمن الأسهل توقع تقلبات في الأسعار».

وانخفض سعر الفضة الفوري بنسبة 1.3 في المائة إلى 68.67 دولار للأونصة. وارتفع سعر البلاتين الفوري بنسبة 0.3 في المائة إلى 1868.11 دولار، وارتفع سعر البلاديوم بنسبة 1 في المائة إلى 1391 دولاراً.