كيف وصل الدين العام الأميركي إلى أكثر من 36 تريليون دولار؟

لامس مستويات تاريخية وسبَّب قلقاً كبيراً في الأسواق

لوحة إعلانية تعرض الدين الوطني الأميركي الحالي عند 36 تريليون دولار في واشنطن (رويترز)
لوحة إعلانية تعرض الدين الوطني الأميركي الحالي عند 36 تريليون دولار في واشنطن (رويترز)
TT

كيف وصل الدين العام الأميركي إلى أكثر من 36 تريليون دولار؟

لوحة إعلانية تعرض الدين الوطني الأميركي الحالي عند 36 تريليون دولار في واشنطن (رويترز)
لوحة إعلانية تعرض الدين الوطني الأميركي الحالي عند 36 تريليون دولار في واشنطن (رويترز)

تواصل الحكومة الفيدرالية الأميركية تراكم مستويات قياسية من الدين عاماً بعد عام، وسط مخاوف متزايدة بشأن الاستدامة المالية طويلة الأمد. إذ يبلغ إجمالي الدين الذي تدين به الولايات المتحدة للمقرضين 36.2 تريليون دولار - أرقام مايو (أيار) - وهو رقم يقترب من أعلى مستوياته التاريخية عند مقارنته بحجم الناتج الاقتصادي للبلاد - وهو مقياس أساسي لقدرة الحكومة على سداد التزاماتها المالية.

وقد هيمنت قضايا الدين والعجز السنوي على جانب كبير من النقاش السياسي حول مشروع «القانون الكبير والجميل» الذي يتبناه الرئيس دونالد ترمب والجمهوريون. ويتضمن المشروع تغييرات واسعة في السياسات الضريبية والهجرة، وتسعى الأغلبية الجمهورية إلى تمريره في الكونغرس قبل الرابع من يوليو (تموز). ووفقاً لتقديرات غير حزبية، من المرجّح أن يضيف هذا التشريع ما يقرب من 3 تريليونات دولار إلى الدين العام خلال السنوات العشر المقبلة، عند احتساب التكاليف المباشرة وفوائد التمويل المرتبط بها، وفق صحيفة «واشنطن بوست».

وفي سياق متصل، مدّد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يوم الأربعاء صلاحية الوزارة في مواصلة إجراءات إدارة النقد الاستثنائية لمنع تجاوز سقف الدين الفيدرالي لما يقرب من شهر إضافي، حتى 24 يوليو (تموز).

متظاهرون يحتجون على تخفيضات في «ميديكيد» و«سناب» وائتمان ضريبة الطفل - واشنطن 13 مايو 2025 (رويترز)

هذا التسلسل المتواصل بين تراكم الدين، والمناقشات السياسية بشأن التشريعات الضريبية، والإجراءات المالية الاستثنائية للخزانة يعكس تعقيدات التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في إدارة استدامة ديونها العامة. فكيف يؤثر هذا الدين المتضخم على الاقتصاد الأميركي وعلى أداء الحكومة؟

1. ما هو الدين الوطني؟

يبلغ الدين الوطني الأميركي حالياً 36.2 تريليون دولار، وتقوم وزارة الخزانة بتحديث هذا الرقم بدقة تصل إلى آخر سنت يومياً. وظل الدين العام مستقراً نسبياً حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لكنه بدأ في الارتفاع بشكل ملحوظ بعد التخفيضات الضريبية التي أقرها الرئيس جورج دبليو بوش عام 2001. وبعد عدة أشهر، شهدت الولايات المتحدة هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، ودخلت في حربين طويلتين في العراق وأفغانستان، تم تمويلهما إلى حد كبير عبر العجز المالي.

كما ساهمت سياسات داخلية لاحقة في زيادة الدين، من بينها برامج التحفيز الاقتصادي عقب الأزمة المالية العالمية في 2008، إلى جانب تمديد التخفيضات الضريبية في عهد بوش. ثم جاءت حزمة التخفيضات الضريبية الكبيرة في عهد الرئيس ترمب عام 2017، تلاها إنفاق حكومي ضخم خلال جائحة «كورونا» في عهد ترمب والرئيس جو بايدن، مما أدى إلى قفزات حادة في مستوى الإنفاق الفيدرالي، وتم تمويل معظمها من خلال الاقتراض.

2. كيف يُقاس الدين الوطني؟

يفضل صانعو السياسات النظر إلى الدين كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، أي إجمالي الناتج الاقتصادي السنوي للبلاد. ويمثل الناتج المحلي الإجمالي القوي والمتنامي دليلاً على قدرة الحكومة الأميركية على سداد التزاماتها واقتراض المزيد عند الحاجة. ومع ذلك، فإن ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي قد يشير إلى احتمالية مواجهة الولايات المتحدة صعوبات في سداد ديونها مستقبلاً.

وما يثير قلق الاقتصاديين هو عدم اليقين بشأن موعد حدوث ذلك. فمعظم الدول، وفقاً للخبراء، غير قادرة على تحمل مستويات الدين التي تتحملها الولايات المتحدة. ونظراً لاعتماد معظم الاقتصاد العالمي على الدولار، تتمتع الولايات المتحدة بهامش أوسع للاقتراض. لكن إذا فقد المقرضون الثقة في قدرة الولايات المتحدة على سداد ديونها، فقد يترددون في تقديم تمويل إضافي، مما قد يترتب عليه عواقب اقتصادية خطيرة على الصعيد العالمي.

وقد سُجل أعلى مستوى لنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بعد الحرب العالمية الثانية خلال فترة توسع اقتصادي سريع. وبحسب مكتب الموازنة في الكونغرس، الهيئة غير الحزبية المختصة بالحسابات التشريعية، من المتوقع أن تكسر الولايات المتحدة هذا الرقم القياسي بحلول عام 2027.

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن (رويترز)

3. مم يتكوّن الدين؟

ينقسم الإنفاق الفيدرالي إلى نوعين: الإنفاق التقديري والإنفاق الإلزامي.

يشمل الإنفاق التقديري الأموال المخصصة للوكالات الفيدرالية مثل وزارات الدفاع، والتعليم، والأمن الداخلي، والخدمات الصحية، وغيرها، ويُقرّه الكونغرس ويوقع عليه الرئيس سنوياً.

أما الإنفاق الإلزامي، فيشمل برامج مثل الضمان الاجتماعي، و«ميديكير»، و«ميديكيد»، بالإضافة إلى الرعاية الصحية للمحاربين القدامى.

4. ما هو «الإنفاق الإلزامي»؟

يمثّل الإنفاق الإلزامي الجزء الأكبر من الإنفاق الفيدرالي السنوي، ويعتمد عليه ملايين الأميركيين من خلال برامج مثل الضمان الاجتماعي، و«ميديكير»، و«ميديكيد»، وبرامج مكافحة الفقر مثل برنامج «سناب»، المعروف سابقاً بـ«كوبونات الطعام».

ولهذا السبب، غالباً ما تكون محاولات تقليص العجز غير شعبية سياسياً، لأن العديد من المقترحات يستهدف برامج حيوية تمس مستوى معيشة المواطنين.

شعار إدارة الضمان الاجتماعي الأميركية وعلم الولايات المتحدة يظهران في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

5. كيف نما الدين - أو تقلّص؟

يمثّل الدين البالغ 36.2 تريليون دولار تراكماً لعجز سنوي، وهو الفارق بين ما تجبيه الحكومة من إيرادات كالضرائب والرسوم، وما تنفقه سنوياً. ولعقود طويلة من القرن العشرين والحادي والعشرين، دأبت الولايات المتحدة على تسجيل عجز سنوي، وهو أمر لا يُعتبر سلبياً بالضرورة بحسب الاقتصاديين. فالاقتراض يوفر للدولة رأس مال تشغيلي لتمويل الاستثمارات، ويسمح بتوزيع تكلفة البرامج الضرورية والمكلفة على مدى سنوات، كما تفعل الأسر عند أخذ قرض عقاري أو كما يقترض صاحب مصنع لتوسعة أعماله.

6. كيف تعامل الرؤساء الديمقراطيون والجمهوريون مع الدين القومي؟

يتراكم العجز السنوي مع مرور الوقت، ونادراً ما جعل صانعو السياسات تقليص الدين أولوية قصوى. آخر مرة حققت فيها الحكومة الأميركية إيرادات تفوق إنفاقها كانت بين عامي 1998 و2001، حين أجرى الرئيس بيل كلينتون والكونغرس الجمهوري إصلاحات في برامج الرعاية الاجتماعية. ومنذ ذلك الحين وحتى عام 2024، تساوى عدد السنوات التي حكم فيها رؤساء ديمقراطيون وجمهوريون. وخلال هذه الفترة، زاد الجمهوريون الدين بمقدار 7.6 تريليون دولار، في حين زاده الديمقراطيون بنحو 15 تريليون دولار.

بايدن يُشاهد ترمب لدى وصوله لحفل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة في الكابيتول - 20 يناير 2025 (رويترز)

7. من يقرض الولايات المتحدة؟

هناك نوعان من الدين العام: الدين الذي يملكه الجمهور، والدين الذي تدين به الحكومة لنفسها. يمثل الدين الذي يملكه الجمهور - أي الأفراد والمؤسسات الذين يقرضون الحكومة عبر شراء السندات - الجزء الأكبر من الدين. أما الدين الداخلي، فيبرز في صورة قروض وزارة الخزانة من صندوق الضمان الاجتماعي لتغطية التزامات أخرى، مما يعني وجوب إعادة سداد تلك الأموال للصندوق مع الفوائد.

8. ما هي الدول التي تملك ديوناً أميركية؟

يركز معظم الاقتصاديين على الدين العام المملوك من قبل الجمهور، لأنه المصدر الأساسي الذي تلجأ إليه الحكومة لتمويل العجز. ويمكن للحكومات والشركات والمواطنين الأجانب أيضاً شراء الديون الأميركية، مما يوفر لهم العديد من الفوائد. فالولايات المتحدة تُعد أكبر اقتصاد في العالم ولها سجل حافل في سداد التزاماتها، لذا تُعتبر سندات الخزانة الأميركية استثماراً موثوقاً، رغم أن وكالة «موديز»، إحدى أبرز وكالات التصنيف الائتماني، خفّضت تصنيف الحكومة الأميركية الشهر الماضي.

ثانياً، عندما تتاجر الدول الأخرى مع الولايات المتحدة، فإنها تبيع منتجات أو خدمات وتتلقى دولارات مقابلها. وغالباً ما يكون من الأسهل على الحكومات أو البنوك المركزية إعادة استثمار تلك الدولارات في سندات الخزانة الأميركية بدلاً من تحويلها إلى عملات أخرى.

ثالثاً، يعد امتلاك ديون أميركية جزءاً من العلاقات الدبلوماسية. إذ لدى الولايات المتحدة مصلحة في الحفاظ على علاقات إيجابية مع المقرضين، لذا فإن شراء سندات الخزانة يُعد وسيلة لتعزيز الروابط الثنائية.

9. كيف يؤدي بعض الدَّين إلى المزيد من الديون؟

مع ارتفاع الدين القومي، يتعين على الولايات المتحدة دفع مبالغ أكبر للحفاظ على قدرتها على الاقتراض، ويتم ذلك بطريقتين:

أولاً، ترتفع التكاليف الإجمالية للفوائد؛ فمثلاً، فائدة بنسبة 2 في المائة على 100 دولار تعادل دولارين، لكن فائدة 2 في المائة على 1000 دولار تعادل 20 دولاراً. ثانياً، أسعار الفائدة ليست ثابتة. فعندما تزداد ديون الولايات المتحدة، يطالب المستثمرون بعوائد أعلى، مما يرفع أسعار الفائدة. وبالتالي، فإن معدل الفائدة الذي كان 2 في المائة عندما كان الدين أقل - مثل عام 2013 - ارتفع الآن إلى أكثر من 4 في المائة لجذب المقرضين. كما تلعب عوامل الاقتصاد العالمي دوراً كبيراً في تحديد أسعار الفائدة.

10. ما هي عواقب الدين القومي المتزايد؟

تتزايد تكاليف الفوائد مع ارتفاع الدين، مما يؤدي إلى تنافس هذه التكاليف مع الإنفاق على أولويات أخرى. ففي السنة المالية 2024، أنفقت الحكومة الأميركية على خدمة الدين مبالغ تفوق ما صرفته على وزارة الدفاع، أو حتى التكلفة الإجمالية المجمعة لوزارات شؤون المحاربين القدامى والتعليم، بالإضافة إلى الاعتمادات الضريبية القابلة للاسترداد وبرامج مكافحة الفقر. وبزيادة تكاليف الفوائد، تقل الموارد المالية المتاحة للحكومة الفيدرالية لإنفاقها على مجالات أخرى.


مقالات ذات صلة

بيسنت «الممتعض» لترمب: التحقيق الجنائي ضد باول أحدث فوضى ويهدد استقرار الأسواق

الاقتصاد بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)

بيسنت «الممتعض» لترمب: التحقيق الجنائي ضد باول أحدث فوضى ويهدد استقرار الأسواق

أعرب وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، للرئيس دونالد ترمب عن امتعاضه الشديد من التحقيق الجنائي الذي يستهدف رئيس الاحتياطي الفيدرالي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)

رؤساء سابقون لـ«الاحتياطي الفيدرالي» يُدينون التحقيق الجنائي مع باول

أصدر جميع رؤساء البنوك المركزية الأميركية السابقين الأحياء بياناً مشتركاً ينتقدون فيه التحقيق الجنائي مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

قلق في «وول ستريت» مع اهتزاز ثوابت استقلالية «الفيدرالي»

أبدت «وول ستريت» قلقاً، يوم الاثنين، مع تصاعد التوترات بين البيت الأبيض والاحتياطي الفيدرالي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد لارس كلينغبايل يتحدث للصحافيين قبل اجتماع الحزب البرلماني السنوي في برلين 9 يناير 2026 (د.ب.أ)

وزير مالية ألمانيا: استقلالية البنوك المركزية «خط فاصل واضح»

أكد وزير المالية الألماني، لارس كلينغبايل، الاثنين، أن استقلالية البنوك المركزية تُعد «خطاً فاصلاً واضحاً» بالنسبة له.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
الاقتصاد ريك ريدر من «بلاك روك» خلال قمة استثمارية في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

ريدر من «بلاك روك» رابع المرشحين لخلافة باول على طاولة ترمب

ذكرت شبكة «فوكس بيزنس»، نقلاً عن مصادر لم تسمّها في الإدارة الأميركية، أن الرئيس دونالد ترمب سيجري هذا الأسبوع مقابلة مع ريك ريدر.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )

بيسنت «الممتعض» لترمب: التحقيق الجنائي ضد باول أحدث فوضى ويهدد استقرار الأسواق

بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)
بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)
TT

بيسنت «الممتعض» لترمب: التحقيق الجنائي ضد باول أحدث فوضى ويهدد استقرار الأسواق

بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)
بيسنت يتحدث خلال مؤتمر صحافي للكشف عن الموقع الإلكتروني الرسمي لحسابات ترمب في وزارة الخزانة (أرشيفية - رويترز)

كشفت مصادر مطلعة لـ«أكسيوس» أن وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، أعرب للرئيس دونالد ترمب، في اتصال هاتفي متأخر يوم الأحد، عن امتعاضه الشديد من التحقيق الفيدرالي الذي يستهدف رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، محذراً من أن هذه الخطوة «تسببت في فوضى» قد تعصف بالاستقرار المالي.

اضطراب الأسواق وردود الفعل

ولم تتأخر تداعيات هذه المخاوف؛ إذ شهدت الأسواق، يوم الاثنين، تراجعاً في قيمة الدولار، بينما ارتفعت عوائد السندات وأسعار الذهب، وسط قلق المستثمرين من التدخل السياسي في استقلالية البنك المركزي.

وفي تصعيد غير مسبوق، خرج باول في بيان فيديو نادر ليلة الأحد، نافياً ارتكاب أي مخالفات فيما يتعلق بتكاليف ترميم مقر البنك في واشنطن. واتهم باول إدارة ترمب بـ«تسييس وزارة العدل» انتقاماً منه لعدم خفض أسعار الفائدة بالسرعة التي طلبها الرئيس، قائلاً: «التهديد بالملاحقة الجنائية هو نتيجة لعملنا بناءً على مصلحة الجمهور لا تفضيلات الرئيس».

«تحرك منفرد» وصدع في الإدارة

وتشير التقارير إلى أن مكتب المدعية العامة في واشنطن، جانين بيرو، أطلق التحقيق دون إخطار مسبق لوزارة الخزانة أو كبار المسؤولين في البيت الأبيض أو حتى القيادة المركزية لوزارة العدل. ووصف مصدر بالإدارة تحرك بيرو بأنه «خروج عن النص».

من جانبه، حاول ترمب النأي بنفسه عن تفاصيل التحقيق، مصرحاً لشبكة «إن بي سي»: «لا أعرف شيئاً عن مذكرات الاستدعاء»، لكنه لم يترك الفرصة دون مهاجمة باول، قائلاً: «إنه ليس جيداً في إدارة الفيدرالي، وليس جيداً في تشييد المباني».

كواليس «مارالاغو» وأصابع الاتهام

وتتجه الأنظار داخل الإدارة إلى بيل بولت، مدير الوكالة الفيدرالية لتمويل الإسكان؛ حيث يعتقد مسؤولون أنه كان المحرك وراء دفع وزارة العدل لفتح هذا التحقيق. ورغم نفي بولت هذه المزاعم، تشير المصادر إلى أن «الضوء الأخضر» لبيرو قد يكون جاء نتيجة اجتماع عُقد الأسبوع الماضي بين ترمب وبولت في نادي «مارالاغو».

العواقب السياسية

لقد أدى هذا التحقيق إلى نتائج عكسية لما كانت تخطط له الإدارة؛ فبينما كان بيسنت يأمل في استقالة باول مبكراً لإفساح المجال لمرشح جديد، يرى مراقبون أن باول بات الآن «أكثر تمسكاً بمنصبه» للدفاع عن نفسه.

وعلى الصعيد البرلماني، أعلن السيناتور الجمهوري توم تيليس، العضو البارز في لجنة الخدمات المصرفية، اعتزامه عرقلة أي إجراء لتعيين بديل لباول طالما استمر هذا التحقيق، مشككاً في مصداقية وزارة العدل.


رؤساء سابقون لـ«الاحتياطي الفيدرالي» يُدينون التحقيق الجنائي مع باول

صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)
TT

رؤساء سابقون لـ«الاحتياطي الفيدرالي» يُدينون التحقيق الجنائي مع باول

صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)
صورة مركَّبة لترمب وباول (أ.ف.ب)

أصدر جميع رؤساء البنوك المركزية الأميركية السابقين الأحياء بياناً مشتركاً ينتقدون فيه التحقيق الجنائي مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول، قائلين يوم الاثنين، إن خطوة وزارة العدل «لا مكان لها» في البلاد.

وجاء في البيان، الذي وقّعه أيضاً قادة اقتصاديون أميركيون سابقون آخرون: «إن التحقيق الجنائي المزعوم مع رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول هو محاولة غير مسبوقة لاستخدام الهجمات القضائية لتقويض استقلاليته».

وفي هذا الوقت، أعلنت السيناتورة ليزا موركوفسكي، دعمها خطة زميلها الجمهوري توم تيليس، لعرقلة مرشحي الرئيس دونالد ترمب لمجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، وذلك بعد أن هددت وزارة العدل بتوجيه اتهامات إلى باول.

وكتبت موركوفسكي على منصة «إكس»: «المخاطر جسيمة للغاية بحيث لا يمكن تجاهلها: إذا فقد مجلس الاحتياطي الفيدرالي استقلاليته، فسيتأثر استقرار أسواقنا والاقتصاد ككل».

وتُعد موركوفسكي من قلة من الجمهوريين المقربين من ترمب الذين أبدوا استعدادهم للتصويت ضد رغباته في مجلس الشيوخ في بعض الأحيان، حيث يتمتع حزبه بأغلبية 53-47.

وقالت النائبة عن ولاية ألاسكا إنها تحدثت في وقت سابق من يوم الاثنين، مع باول، الذي صرّح، يوم الأحد، بأن البنك المركزي الأميركي تلقى مذكرات استدعاء الأسبوع الماضي، وصفها بأنها «ذريعة» تستهدف بدلاً من ذلك تحديد أسعار الفائدة من «الاحتياطي الفيدرالي» بناءً على السياسة النقدية وليس بناءً على تفضيلات ترمب.

ووصفت موركوفسكي تهديد وزارة العدل بأنه «ليس أكثر من محاولة إكراه»، مضيفةً أنه ينبغي على الكونغرس التحقيق مع الوزارة إذا كان يعتقد أن التحقيق مع «الاحتياطي الفيدرالي» كان مبرراً بشأن تجاوزات تكاليف التجديد، التي وصفتها بأنها «ليست غير مألوفة».

من جانبه، دعا السيناتور الأميركي كيفن كرامر، العضو الجمهوري في لجنة الخدمات المصرفية بمجلس الشيوخ والناقد لرئيس مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، إلى إنهاء سريع للتحقيق الفيدرالي مع رئيس البنك المركزي، مشيراً إلى الحاجة إلى استعادة الثقة بالمؤسسة.


قلق في «وول ستريت» مع اهتزاز ثوابت استقلالية «الفيدرالي»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

قلق في «وول ستريت» مع اهتزاز ثوابت استقلالية «الفيدرالي»

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

أبدت «وول ستريت» قلقاً، يوم الاثنين، مع تصاعد التوترات بين البيت الأبيض و«الاحتياطي الفيدرالي»، وهما مؤسستان في واشنطن اعتاد المستثمرون اعتبار استقلاليتهما أمراً مفروغاً منه.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة عن أعلى مستوى له على الإطلاق، بينما ارتفعت أسعار الذهب وغيرها من الاستثمارات التي عادةً ما تحقق أداءً جيداً في أوقات القلق، كما تراجع الدولار الأميركي مقابل اليورو والفرنك السويسري وعملات أخرى، وسط مخاوف من احتمال تراجع استقلالية «الاحتياطي الفيدرالي» في تحديد أسعار الفائدة لمكافحة التضخم، وفق «وكالة أسوشيتد برس».

كما انخفض مؤشر «داو جونز» الصناعي 432 نقطة، أو 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، بينما بقي مؤشر «ناسداك» المركب دون تغيير يُذكر.

وتأتي هذه التحركات في الأسواق المالية بعد أن استدعت وزارة العدل الأميركية مجلس الاحتياطي الفيدرالي، مهددة بتوجيه اتهامات جنائية لرئيسه جيروم باول بشأن شهادته حول أعمال التجديد الجارية في مقرّ المجلس.

وفي بيان مصوّر نُشر، يوم الأحد، وصف باول التحقيق بأنه «ذريعة» تهدف إلى ممارسة مزيد من النفوذ على أسعار الفائدة التي يسعى الرئيس ترمب إلى خفضها بشكل كبير، مؤكداً أن تحديد أسعار الفائدة يتم «بناءً على أفضل تقييم لدينا لما يخدم المصلحة العامة، وليس اتباعاً لرغبات الرئيس».

وفي مقابلة مع قناة «إن بي سي نيوز» يوم الأحد، أصر الرئيس ترمب على أنه لم يكن على علم بالتحقيق الجاري مع باول، وقال عند سؤاله عن احتمال أن يكون الهدف الضغط على باول: «لا، لم يخطر ببالي مجرد القيام بذلك بهذه الطريقة».

وتنتهي ولاية باول رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي في مايو (أيار) المقبل، وقد أشار مسؤولون في إدارة ترمب إلى احتمال تعيين بديل له هذا الشهر. كما سعى ترمب إلى إقالة ليزا كوك، عضو مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي.

ويشهد المجلس خلافاً حاداً مع البيت الأبيض حول أسعار الفائدة؛ إذ كثيراً ما دعا ترمب إلى خفضها بشكل كبير لجعل الاقتراض أرخص للأسر والشركات الأميركية، ما قد يمنح الاقتصاد دفعة قوية.

وقد خفض «الاحتياطي الفيدرالي» سعر الفائدة الرئيسي ثلاث مرات، العام الماضي، وأشار إلى إمكانية المزيد من التخفيضات هذا العام، إلا أن وتيرة خفضه كانت بطيئة؛ ما دفع ترمب لإطلاق لقب «فات الأوان» على باول.

ويعمل «الاحتياطي الفيدرالي» تقليدياً بشكل مستقل عن الأجهزة السياسية في واشنطن، ويتخذ قراراته بشأن أسعار الفائدة دون الخضوع للأهواء السياسية؛ ما يمنحه حرية اتخاذ إجراءات غير شعبية ضرورية لصحة الاقتصاد على المدى الطويل، مثل الإبقاء على أسعار مرتفعة للسيطرة على التضخم.

وفي «وول ستريت»، تكبدت أسهم الشركات المالية بعضاً من أكبر الخسائر بعد مسعى منفصل من ترمب لفرض سقف بنسبة 10 في المائة على أسعار بطاقات الائتمان لمدة عام؛ ما قد يقلص أرباح شركات بطاقات الائتمان.

وانخفض سهم «كابيتال وان فاينانشال» بنسبة 6 في المائة، وخسر سهم «أميركان إكسبريس» 4 في المائة.

وفي سوق السندات، ارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات إلى 4.19 في المائة من 4.18 في المائة في نهاية، يوم الجمعة.

على الصعيد العالمي، ارتفعت مؤشرات الأسهم في معظم أنحاء أوروبا، وقفزت الأسهم بنسبة 1.4 في المائة في هونغ كونغ و1.1 في المائة في شنغهاي، مسجلةً اثنين من أكبر المكاسب العالمية، عقب تقارير تفيد بأن القادة الصينيين يعدّون المزيد من الدعم للاقتصاد.