كيف وصل الدين العام الأميركي إلى أكثر من 36 تريليون دولار؟

لامس مستويات تاريخية وسبَّب قلقاً كبيراً في الأسواق

لوحة إعلانية تعرض الدين الوطني الأميركي الحالي عند 36 تريليون دولار في واشنطن (رويترز)
لوحة إعلانية تعرض الدين الوطني الأميركي الحالي عند 36 تريليون دولار في واشنطن (رويترز)
TT

كيف وصل الدين العام الأميركي إلى أكثر من 36 تريليون دولار؟

لوحة إعلانية تعرض الدين الوطني الأميركي الحالي عند 36 تريليون دولار في واشنطن (رويترز)
لوحة إعلانية تعرض الدين الوطني الأميركي الحالي عند 36 تريليون دولار في واشنطن (رويترز)

تواصل الحكومة الفيدرالية الأميركية تراكم مستويات قياسية من الدين عاماً بعد عام، وسط مخاوف متزايدة بشأن الاستدامة المالية طويلة الأمد. إذ يبلغ إجمالي الدين الذي تدين به الولايات المتحدة للمقرضين 36.2 تريليون دولار - أرقام مايو (أيار) - وهو رقم يقترب من أعلى مستوياته التاريخية عند مقارنته بحجم الناتج الاقتصادي للبلاد - وهو مقياس أساسي لقدرة الحكومة على سداد التزاماتها المالية.

وقد هيمنت قضايا الدين والعجز السنوي على جانب كبير من النقاش السياسي حول مشروع «القانون الكبير والجميل» الذي يتبناه الرئيس دونالد ترمب والجمهوريون. ويتضمن المشروع تغييرات واسعة في السياسات الضريبية والهجرة، وتسعى الأغلبية الجمهورية إلى تمريره في الكونغرس قبل الرابع من يوليو (تموز). ووفقاً لتقديرات غير حزبية، من المرجّح أن يضيف هذا التشريع ما يقرب من 3 تريليونات دولار إلى الدين العام خلال السنوات العشر المقبلة، عند احتساب التكاليف المباشرة وفوائد التمويل المرتبط بها، وفق صحيفة «واشنطن بوست».

وفي سياق متصل، مدّد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت يوم الأربعاء صلاحية الوزارة في مواصلة إجراءات إدارة النقد الاستثنائية لمنع تجاوز سقف الدين الفيدرالي لما يقرب من شهر إضافي، حتى 24 يوليو (تموز).

متظاهرون يحتجون على تخفيضات في «ميديكيد» و«سناب» وائتمان ضريبة الطفل - واشنطن 13 مايو 2025 (رويترز)

هذا التسلسل المتواصل بين تراكم الدين، والمناقشات السياسية بشأن التشريعات الضريبية، والإجراءات المالية الاستثنائية للخزانة يعكس تعقيدات التحديات التي تواجهها الولايات المتحدة في إدارة استدامة ديونها العامة. فكيف يؤثر هذا الدين المتضخم على الاقتصاد الأميركي وعلى أداء الحكومة؟

1. ما هو الدين الوطني؟

يبلغ الدين الوطني الأميركي حالياً 36.2 تريليون دولار، وتقوم وزارة الخزانة بتحديث هذا الرقم بدقة تصل إلى آخر سنت يومياً. وظل الدين العام مستقراً نسبياً حتى أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لكنه بدأ في الارتفاع بشكل ملحوظ بعد التخفيضات الضريبية التي أقرها الرئيس جورج دبليو بوش عام 2001. وبعد عدة أشهر، شهدت الولايات المتحدة هجمات 11 سبتمبر (أيلول)، ودخلت في حربين طويلتين في العراق وأفغانستان، تم تمويلهما إلى حد كبير عبر العجز المالي.

كما ساهمت سياسات داخلية لاحقة في زيادة الدين، من بينها برامج التحفيز الاقتصادي عقب الأزمة المالية العالمية في 2008، إلى جانب تمديد التخفيضات الضريبية في عهد بوش. ثم جاءت حزمة التخفيضات الضريبية الكبيرة في عهد الرئيس ترمب عام 2017، تلاها إنفاق حكومي ضخم خلال جائحة «كورونا» في عهد ترمب والرئيس جو بايدن، مما أدى إلى قفزات حادة في مستوى الإنفاق الفيدرالي، وتم تمويل معظمها من خلال الاقتراض.

2. كيف يُقاس الدين الوطني؟

يفضل صانعو السياسات النظر إلى الدين كنسبة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، أي إجمالي الناتج الاقتصادي السنوي للبلاد. ويمثل الناتج المحلي الإجمالي القوي والمتنامي دليلاً على قدرة الحكومة الأميركية على سداد التزاماتها واقتراض المزيد عند الحاجة. ومع ذلك، فإن ارتفاع نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي قد يشير إلى احتمالية مواجهة الولايات المتحدة صعوبات في سداد ديونها مستقبلاً.

وما يثير قلق الاقتصاديين هو عدم اليقين بشأن موعد حدوث ذلك. فمعظم الدول، وفقاً للخبراء، غير قادرة على تحمل مستويات الدين التي تتحملها الولايات المتحدة. ونظراً لاعتماد معظم الاقتصاد العالمي على الدولار، تتمتع الولايات المتحدة بهامش أوسع للاقتراض. لكن إذا فقد المقرضون الثقة في قدرة الولايات المتحدة على سداد ديونها، فقد يترددون في تقديم تمويل إضافي، مما قد يترتب عليه عواقب اقتصادية خطيرة على الصعيد العالمي.

وقد سُجل أعلى مستوى لنسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي بعد الحرب العالمية الثانية خلال فترة توسع اقتصادي سريع. وبحسب مكتب الموازنة في الكونغرس، الهيئة غير الحزبية المختصة بالحسابات التشريعية، من المتوقع أن تكسر الولايات المتحدة هذا الرقم القياسي بحلول عام 2027.

مبنى الكابيتول الأميركي في واشنطن (رويترز)

3. مم يتكوّن الدين؟

ينقسم الإنفاق الفيدرالي إلى نوعين: الإنفاق التقديري والإنفاق الإلزامي.

يشمل الإنفاق التقديري الأموال المخصصة للوكالات الفيدرالية مثل وزارات الدفاع، والتعليم، والأمن الداخلي، والخدمات الصحية، وغيرها، ويُقرّه الكونغرس ويوقع عليه الرئيس سنوياً.

أما الإنفاق الإلزامي، فيشمل برامج مثل الضمان الاجتماعي، و«ميديكير»، و«ميديكيد»، بالإضافة إلى الرعاية الصحية للمحاربين القدامى.

4. ما هو «الإنفاق الإلزامي»؟

يمثّل الإنفاق الإلزامي الجزء الأكبر من الإنفاق الفيدرالي السنوي، ويعتمد عليه ملايين الأميركيين من خلال برامج مثل الضمان الاجتماعي، و«ميديكير»، و«ميديكيد»، وبرامج مكافحة الفقر مثل برنامج «سناب»، المعروف سابقاً بـ«كوبونات الطعام».

ولهذا السبب، غالباً ما تكون محاولات تقليص العجز غير شعبية سياسياً، لأن العديد من المقترحات يستهدف برامج حيوية تمس مستوى معيشة المواطنين.

شعار إدارة الضمان الاجتماعي الأميركية وعلم الولايات المتحدة يظهران في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

5. كيف نما الدين - أو تقلّص؟

يمثّل الدين البالغ 36.2 تريليون دولار تراكماً لعجز سنوي، وهو الفارق بين ما تجبيه الحكومة من إيرادات كالضرائب والرسوم، وما تنفقه سنوياً. ولعقود طويلة من القرن العشرين والحادي والعشرين، دأبت الولايات المتحدة على تسجيل عجز سنوي، وهو أمر لا يُعتبر سلبياً بالضرورة بحسب الاقتصاديين. فالاقتراض يوفر للدولة رأس مال تشغيلي لتمويل الاستثمارات، ويسمح بتوزيع تكلفة البرامج الضرورية والمكلفة على مدى سنوات، كما تفعل الأسر عند أخذ قرض عقاري أو كما يقترض صاحب مصنع لتوسعة أعماله.

6. كيف تعامل الرؤساء الديمقراطيون والجمهوريون مع الدين القومي؟

يتراكم العجز السنوي مع مرور الوقت، ونادراً ما جعل صانعو السياسات تقليص الدين أولوية قصوى. آخر مرة حققت فيها الحكومة الأميركية إيرادات تفوق إنفاقها كانت بين عامي 1998 و2001، حين أجرى الرئيس بيل كلينتون والكونغرس الجمهوري إصلاحات في برامج الرعاية الاجتماعية. ومنذ ذلك الحين وحتى عام 2024، تساوى عدد السنوات التي حكم فيها رؤساء ديمقراطيون وجمهوريون. وخلال هذه الفترة، زاد الجمهوريون الدين بمقدار 7.6 تريليون دولار، في حين زاده الديمقراطيون بنحو 15 تريليون دولار.

بايدن يُشاهد ترمب لدى وصوله لحفل تنصيبه رئيساً للولايات المتحدة في الكابيتول - 20 يناير 2025 (رويترز)

7. من يقرض الولايات المتحدة؟

هناك نوعان من الدين العام: الدين الذي يملكه الجمهور، والدين الذي تدين به الحكومة لنفسها. يمثل الدين الذي يملكه الجمهور - أي الأفراد والمؤسسات الذين يقرضون الحكومة عبر شراء السندات - الجزء الأكبر من الدين. أما الدين الداخلي، فيبرز في صورة قروض وزارة الخزانة من صندوق الضمان الاجتماعي لتغطية التزامات أخرى، مما يعني وجوب إعادة سداد تلك الأموال للصندوق مع الفوائد.

8. ما هي الدول التي تملك ديوناً أميركية؟

يركز معظم الاقتصاديين على الدين العام المملوك من قبل الجمهور، لأنه المصدر الأساسي الذي تلجأ إليه الحكومة لتمويل العجز. ويمكن للحكومات والشركات والمواطنين الأجانب أيضاً شراء الديون الأميركية، مما يوفر لهم العديد من الفوائد. فالولايات المتحدة تُعد أكبر اقتصاد في العالم ولها سجل حافل في سداد التزاماتها، لذا تُعتبر سندات الخزانة الأميركية استثماراً موثوقاً، رغم أن وكالة «موديز»، إحدى أبرز وكالات التصنيف الائتماني، خفّضت تصنيف الحكومة الأميركية الشهر الماضي.

ثانياً، عندما تتاجر الدول الأخرى مع الولايات المتحدة، فإنها تبيع منتجات أو خدمات وتتلقى دولارات مقابلها. وغالباً ما يكون من الأسهل على الحكومات أو البنوك المركزية إعادة استثمار تلك الدولارات في سندات الخزانة الأميركية بدلاً من تحويلها إلى عملات أخرى.

ثالثاً، يعد امتلاك ديون أميركية جزءاً من العلاقات الدبلوماسية. إذ لدى الولايات المتحدة مصلحة في الحفاظ على علاقات إيجابية مع المقرضين، لذا فإن شراء سندات الخزانة يُعد وسيلة لتعزيز الروابط الثنائية.

9. كيف يؤدي بعض الدَّين إلى المزيد من الديون؟

مع ارتفاع الدين القومي، يتعين على الولايات المتحدة دفع مبالغ أكبر للحفاظ على قدرتها على الاقتراض، ويتم ذلك بطريقتين:

أولاً، ترتفع التكاليف الإجمالية للفوائد؛ فمثلاً، فائدة بنسبة 2 في المائة على 100 دولار تعادل دولارين، لكن فائدة 2 في المائة على 1000 دولار تعادل 20 دولاراً. ثانياً، أسعار الفائدة ليست ثابتة. فعندما تزداد ديون الولايات المتحدة، يطالب المستثمرون بعوائد أعلى، مما يرفع أسعار الفائدة. وبالتالي، فإن معدل الفائدة الذي كان 2 في المائة عندما كان الدين أقل - مثل عام 2013 - ارتفع الآن إلى أكثر من 4 في المائة لجذب المقرضين. كما تلعب عوامل الاقتصاد العالمي دوراً كبيراً في تحديد أسعار الفائدة.

10. ما هي عواقب الدين القومي المتزايد؟

تتزايد تكاليف الفوائد مع ارتفاع الدين، مما يؤدي إلى تنافس هذه التكاليف مع الإنفاق على أولويات أخرى. ففي السنة المالية 2024، أنفقت الحكومة الأميركية على خدمة الدين مبالغ تفوق ما صرفته على وزارة الدفاع، أو حتى التكلفة الإجمالية المجمعة لوزارات شؤون المحاربين القدامى والتعليم، بالإضافة إلى الاعتمادات الضريبية القابلة للاسترداد وبرامج مكافحة الفقر. وبزيادة تكاليف الفوائد، تقل الموارد المالية المتاحة للحكومة الفيدرالية لإنفاقها على مجالات أخرى.


مقالات ذات صلة

تباطؤ الخدمات الأميركية مع تصاعد ضغوط الأسعار

الاقتصاد يتجمع الناس مع بدء المحكمة العليا دورتها الجديدة في مبنى الكابيتول بواشنطن (أ.ب)

تباطؤ الخدمات الأميركية مع تصاعد ضغوط الأسعار

تباطأ نشاط قطاع الخدمات في الولايات المتحدة خلال سبتمبر (أيلول)، مع استمرار قوة الطلب المحلي في الضغط على سلاسل الإمداد ودفع أسعار مدخلات الشركات إلى الارتفاع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار بورصة نيويورك على أحد مداخلها بالولايات المتحدة (رويترز)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية تتراجع مع التقاط أسهم التكنولوجيا الأنفاس

تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، خلال تعاملات الاثنين، مع التقاط أسهم التكنولوجيا الأنفاس بعد بلوغها مستويات قياسية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مدخل وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

ارتفاع عوائد السندات الأميركية يضع واشنطن أمام خيارات صعبة

تتحمل الحكومة الأميركية تكاليف اقتراض متزايدة، في حين تتقلص أمامها الخيارات السهلة للحد من هذه التكاليف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض بواشنطن (رويترز)

وزيرة المالية الهندية: مفاوضات اتفاق التجارة مع أميركا بلغت مرحلة الجمود

قالت وزيرة المالية الهندية نيرمالا سيثارامان، يوم الاثنين، إن مفاوضات اتفاق التجارة بين الهند والولايات المتحدة وصلت إلى مرحلة من الجمود.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد منصة النفط الضخمة «فورتيس ألفا» واحدة من أوائل المنصات في بحر الشمال (أباتشي)

إضراب عمال «بحر الشمال» يهدد إمدادات النفط والوقود البريطانية

أيَّد أكثر من 160 عاملاً بحرياً لدى شركة «أباتشي» الأميركية بأغلبية ساحقة تنفيذ إضراب عن العمل خلال أكتوبر (تشرين الأول).

«الشرق الأوسط» (لندن)

مصر توقع مع «شيفرون» اتفاقية للتنقيب عن الغاز والنفط باستثمارات 88 مليون دولار

خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
TT

مصر توقع مع «شيفرون» اتفاقية للتنقيب عن الغاز والنفط باستثمارات 88 مليون دولار

خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)

وقّعت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» وشركة «شيفرون» العالمية اتفاقية جديدة للبحث عن الغاز الطبيعي والزيت الخام واستغلالهما في منطقة لوتس البحرية بالبحر المتوسط، باستثمارات حدها الأدنى 88 مليون دولار، تشمل حفر بئرين استكشافيتين وإعادة معالجة بيانات سيزمية ثلاثية الأبعاد.

وشهد وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي مراسم توقيع الاتفاقية، التي تأتي في إطار جهود الوزارة لتوسيع نطاق أعمال البحث والاستكشاف وطرح مناطق جديدة أمام شركات النفط والغاز العالمية.

ووقع الاتفاقية العضو المنتدب التنفيذي لـ«إيجاس» سيد سليم، ومدير الاستكشاف في «شيفرون» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبحر المتوسط أندرو ديجان، بحضور مدير «شيفرون» في مصر تشانا كوروكولا وعدد من قيادات الوزارة و«إيجاس».

وتقع منطقة لوتس البحرية على بُعد نحو 200 كيلومتر من ساحل البحر المتوسط، وتتراوح أعماق المياه فيها بين 2000 و2800 متر، ولم تشهد المنطقة من قبل حفر آبار استكشافية عميقة، ما يفتح مجالاً أمام استكشاف موارد جديدة من الغاز الطبيعي والزيت الخام.

وقال بدوي إن توسيع خريطة البحث والاستكشاف يمثل محوراً رئيسياً في استراتيجية الوزارة لزيادة الإنتاج المحلي من البترول والغاز، مشيراً إلى استمرار العمل على طرح مناطق جديدة أمام الشركات العالمية والاستفادة من البيانات الجيولوجية والسيزمية المتاحة، إلى جانب تنفيذ برامج جديدة للمسح السيزمي في مناطق واعدة.

وأضاف أن إجراءات الدولة لسداد مستحقات شركاء الاستثمار أسهمت في تعزيز الثقة بقطاع البترول المصري، ودفع الشركات إلى زيادة استثماراتها واستئناف برامج البحث والاستكشاف، بما يسمح بتكثيف أعمال حفر الآبار وتنمية الحقول وتسريع تنفيذ مشروعات الإنتاج.

وأشار الوزير إلى أن الوزارة تعمل على طرح مزيد من الفرص الاستثمارية في البحر المتوسط والصحراء الغربية والدلتا وخليج السويس وسيناء وجنوب مصر، بالتوازي مع برامج المسح السيزمي الجارية والمخطط لها، بهدف توفير بيانات أحدث وأكثر دقة عن التراكيب الجيولوجية وتحديد الفرص الواعدة.

وتعكس الاتفاقية استمرار «شيفرون» في الاستثمار في أنشطة البحث والاستكشاف في مصر، إذ تعمل الشركة حالياً في ست مناطق بحرية للبحث عن الغاز والبترول، تشمل نرجس وشمال الضبعة ولوتس وشمال غربي أتول وشمال سيميان، إلى جانب منطقة شمال كليوباترا البحرية في غرب المتوسط التي تشارك فيها مع «شل».

وشهدت أعمال «شيفرون» في مناطق امتيازها بالبحر المتوسط مؤشرات استكشافية واعدة، من بينها كشف نرجس للغاز، بينما أظهرت أعمال حفر بئر «فيلوكس» في منطقة شمال كليوباترا البحرية مؤخراً مؤشرات واعدة على وجود النفط الخام.


فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

اقترحت فرنسا وألمانيا أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تتيح له التحرك بسرعة للرد على الدول التي تلحق ضرراً باقتصاده، في مسعى لتعزيز قدرة التكتل على مواجهة عالم تتحول فيه التجارة بصورة متزايدة إلى أداة للضغط الاقتصادي.

ودعت باريس وبرلين، في وثيقة مشتركة نُشرت الاثنين، إلى تعزيز أدوات الدفاع التجاري الأوروبية وتسريع استخدامها في مواجهة ما وصفته بـ«التشوهات السوقية المنهجية والمستمرة»، التي تهدد الاقتصاد الأوروبي وقاعدته الصناعية وتؤدي إلى خسائر واسعة في الوظائف.

ولا تستهدف المبادرة دولة بعينها، إلا أن الممارسات التي حددتها الوثيقة، ومنها الإغراق والدعم واسع النطاق والقيود على قابلية تحويل العملات، تتطابق مع انتقادات أوروبية متكررة للصين.

وتأتي الوثيقة قبل عشرة أيام من قمة يعقدها قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل لمناقشة الاختلالات التجارية مع الصين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على التكتل لتقليل اعتماده على شركاء تجاريين محددين وحماية قاعدته الصناعية.

تحرك خلال أيام

وقال مسؤولون ألمان إن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى أداة تتمتع بقوة مماثلة للرسوم الجمركية الأميركية بموجب المادة 301، أو القيود الصينية على صادرات المعادن الحيوية، بما يسمح له بالرد على الإجراءات التي تضر بمصالحه الاقتصادية.

ودعت فرنسا وألمانيا المفوضية الأوروبية إلى طرح أداتين جديدتين في أقرب وقت، تركز الأولى على تنويع مصادر الإمدادات وتأمين الأمن الاقتصادي، من خلال الحد من اعتماد الشركات الأوروبية على مصدر واحد لبعض السلع الحيوية.

أما الأداة الثانية، فتستهدف الحد من وصول دول إلى السوق الأوروبية الموحدة إذا أخلّت بظروف المنافسة العادلة عبر وسائل سياسية أو اقتصادية، من دون تحديد مسبق للحالات التي يمكن أن تؤدي إلى تفعيلها أو نوع الإجراءات التي ستُتخذ.

واقترحت الوثيقة أن يتم اعتماد أي مقترح من المفوضية لتفعيل إجراءات مضادة ضد دولة أخرى ما لم تعارضه أغلبية مؤهلة من دول الاتحاد، وهو شرط أقل صرامة من بعض الإجراءات التجارية الأخرى.

وقال مسؤولون في الحكومة الألمانية إن المفوضية ينبغي أن تكون قادرة على تفعيل الإجراءات الجديدة بسرعة، بما قد يعني التحرك خلال أيام.

لكن إنشاء الأداة الجديدة سيظل بحاجة إلى موافقة حكومات دول الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.

«نهاية السذاجة التجارية»

وقال مستشار للرئاسة الفرنسية إن تحرك الاتحاد أصبح ملحاً، معتبراً أن الاختلالات التجارية مع بعض الشركاء أصبحت غير مستدامة، ومؤكداً رغبة باريس وبرلين في استخدام أدوات مكافحة الإغراق القائمة في أسرع وقت ممكن.

وقال المستشار للصحافيين إن فرنسا وألمانيا «حريصتان جداً على وضع حد للسذاجة في التجارة».


الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
TT

الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)

طالب يتابع حصته الدراسية عبر فصل افتراضي، ومريض يحصل على استشارة طبية من منزله، ومستفيد يصل إلى وثيقته الرسمية عبر هاتفه... تفاصيل تختصر كيف أصبحت الخدمات الحكومية الرقمية جزءاً من الحياة اليومية في السعودية. ومع سهولة الوصول إليها، تبرز أهمية استمرارها، فالتعلّم والرعاية وإنجاز المعاملات احتياجات يومية تتطلّب جاهزية تحافظ على توافر الخدمة وتمكّن المستفيد من الاعتماد عليها عند الحاجة.

وفي ظل الأوضاع السياسية الراهنة في المنطقة وما يرتبط بها من مستجدات أمنية، تبرز أهمية هذا الاستعداد في دعم انتظام الحياة اليومية. ومن هنا، يتجاوز الصمود الرقمي مجرد إتاحة الخدمات إلكترونياً، إلى قدرة الجهات الحكومية على مواصلة تقديمها والتعامل مع الاحتياجات المتغيرة، بالاستناد إلى إدارة المخاطر والتخطيط لاستمرارية الأعمال.

طالب يتابع دروسه في منصة رقمية (الشرق الأوسط)

فما الذي تحقق حتى اليوم؟

تدعم هيئة الحكومة الرقمية هذا المسار عبر 3 خدمات مترابطة؛ تشمل تصنيف المنصات حسب أهميتها وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة لخدماتها، وتسجيل نسب توافر الخدمات الرقمية، وتنظيم الإبلاغ عن الانقطاعات عند الحاجة. وتساعد هذه الأدوات الجهات على المحافظة على استمرارية خدماتها، من خلال تحديد الأولويات، ومتابعة التوافر، وتوضيح مسؤوليات الإبلاغ، وفق «التقرير السنوي لهيئة الحكومة الرقمية».

وبالتوازي مع أدوات الجاهزية، بلغت نتيجة مؤشر نضج التجربة الرقمية لعام 2026 نسبة 87.06 في المائة، بعد تقييم 59 منصة. وبين جودة التجربة التي يقيسها المؤشر واستمرارية الأعمال التي تنظمها الضوابط والخدمات، يمتد العمل من تسهيل استخدام المنصة إلى دعم قدرتها على تقديم خدماتها.

المخاطر في صلب التخطيط

تبدأ المعالجة التنظيمية من «ضوابط إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، التي تستهدف التعامل مع المخاطر بصورة استباقية، من خلال بناء نظام لإدارتها وتحسينه باستمرار. وفي جانب استمرارية الأعمال، تتناول الضوابط بناء النظام وتفعيله، والتحقق من فاعليته، ومواصلة تطويره.

وتضع هذه المتطلبات إدارة المخاطر ضمن دورة العمل المؤسسي، فلا تنتهي المهمة بإعداد الخطة، بل تشمل التحقق من فاعليتها وتحسينها. ويرتبط ذلك مباشرة بمواكبة المتغيرات، إذ يصبح الاستعداد عملية مستمرة ترتبط بطريقة إدارة الخدمات، لا إجراء يُستدعى في ظرف بعينه.

ومن هنا، يكتسب الربط بين المخاطر واستمرارية الأعمال أهميته؛ من خلال فهم ما قد يؤثر في الخدمة، وتنظيم الاستعداد للتعامل معه، وتوجيه الموارد والإجراءات نحو الأعمال ذات الأولوية.

للخدمة أولوية ووقت

وعلى مستوى التطبيق، تتيح «خدمة تصنيف المنصات والتطبيقات الحكومية» للجهات تصنيف منصاتها وتطبيقاتها، وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة للخدمات الرقمية، حسب مستوى أهميتها وأثر انقطاعها.

ويضع ذلك طبيعة الخدمة وأثرها أساساً لترتيب الأولويات، فالمنصات لا تُعامل باعتبارها متطابقة في متطلبات الاستمرارية. ويُضاف إلى التصنيف هدف زمني للاسترداد، يحدد ما تستهدف ترتيبات الاستمرارية تحقيقه.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في نقل التخطيط من الحديث العام عن الجاهزية إلى متطلبات مرتبطة بخدمة محددة وأهميتها. فالاهتمام لا ينحصر في وجود المنصة، وإنما يشمل موقع خدماتها ضمن أولويات الجهة وما يتطلبه دعم استمراريتها.

التوافر تحت المتابعة

وإذا كان التصنيف يحدد الأولوية فإن خدمة «نسبة توافرية الخدمات» تتيح للجهات الحكومية تسجيل نسب توافر خدماتها الرقمية المقدمة إلى المستفيدين، بهدف متابعة مدى الالتزام. وبذلك يصبح توافر الخدمة جانباً موثقاً في المتابعة، إلى جانب تصنيف المنصة التي تقدمها.

وعند الحاجة إلى الإبلاغ، تتيح «خدمة الإبلاغ عن انقطاع الخدمات الحكومية الرقمية» مساراً محدداً للجهات الحكومية؛ يبدأ بتعيين فريق الأزمة من قِبل قائد تقنية المعلومات في الجهة، ليتولى الفريق مسؤولية تقديم البلاغات.

صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي تظهر سيدة تحصل على علاج عبر الإنترنت (تطمين)

وهنا تتضح الصلة بين الخدمات الثلاث؛ فالتصنيف يحدد الأهمية وأوقات الاسترداد المستهدفة، والتسجيل يوفّر بيانات التوافر، والإبلاغ يحدد قناة التواصل والمسؤول عنها. وتتكامل هذه الوظائف في تنظيم استمرارية الخدمات، من التخطيط والمتابعة إلى التعامل مع الحالات التي تستدعي الإبلاغ.

دليلان يساندان التطبيق

وتساند هذه الأدوات إصدارات إرشادية، من بينها دليلان يتصلان مباشرة بإدارة المخاطر وموثوقية التعاملات: «الدليل الاسترشادي لإدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، و«الدليل الاسترشادي لمكافحة الاحتيال الرقمي».

ويدعم دليل إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال الجهات الحكومية في تطبيق المتطلبات التنظيمية ذات الصلة، وتحسين الممارسات الداعمة للخدمات المقدمة إلى المستفيدين. وبذلك تقترن الضوابط بمرجعية استرشادية تساعد الجهات على الانتقال من فهم المتطلبات إلى تطبيقها.

أما دليل مكافحة الاحتيال الرقمي فيضيف جانباً يتصل بأمان التعاملات، من خلال دعم منهجية لإدارة المخاطر وتعزيز الجهود الوطنية للحد من الاحتيال الرقمي. فاستمرارية الوصول إلى الخدمة وموثوقية استخدامها احتياجان متكاملان؛ الأول يتصل بإتاحتها، والآخر بالعناية بالتعامل الذي يجري من خلالها.

حضور في ملتقى الحكومة الرقمية (واس)

جاهزية تواكب احتياجات الناس

وتكشف هذه الأدوات عن مضمون عملي للصمود الرقمي؛ تصنيف يربط الاستعداد بأهمية الخدمة، وبيانات تتيح متابعة توافرها، ومسؤوليات محددة للإبلاغ، وضوابط وأدلة تساند التطبيق. وهي تفاصيل تنظيمية وتشغيلية، لكن أثرها يرتبط مباشرة بقدرة الناس على متابعة شؤونهم.

وعند العودة إلى الطالب في فصله الافتراضي، والمريض الذي يتلقى استشارته، والمستفيد الذي يصل إلى وثيقته، تتضح الغاية من هذا العمل: أن تقترن سهولة الخدمة بجاهزية تدعم استمرارها. فالثقة بالخدمات الرقمية تبدأ من تجربة استخدامها، وتستند إلى ما وراءها من تخطيط ومتابعة؛ لتبقى احتياجات الناس في صلب الاستعداد، وتمضي الحياة رقمياً.