ترمب يربك الأسواق باحتمال طرحه المبكر لبديل باول

مخاوف من تقويض التدخلات السياسية استقلالية «الفيدرالي»

شاشات تعرض المؤتمر الصحافي لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بعد قرار لجنة السياسة النقدية (أرشيفية - رويترز)
شاشات تعرض المؤتمر الصحافي لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بعد قرار لجنة السياسة النقدية (أرشيفية - رويترز)
TT

ترمب يربك الأسواق باحتمال طرحه المبكر لبديل باول

شاشات تعرض المؤتمر الصحافي لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بعد قرار لجنة السياسة النقدية (أرشيفية - رويترز)
شاشات تعرض المؤتمر الصحافي لرئيس «الاحتياطي الفيدرالي» بعد قرار لجنة السياسة النقدية (أرشيفية - رويترز)

في تطور أثار تفاعلات واسعة في الأوساط الاقتصادية والمالية، كشفت تقارير إعلامية أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، قد يعلن مبكراً عن مرشحه المحتمل لرئاسة مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، رغم أن ولاية الرئيس الحالي، جيروم باول، تمتد حتى مايو (أيار) 2026. ورغم افتقار الخطوة لأي غطاء رسمي أو سند دستوري، فإن مجرد طرح الفكرة أعاد إلى الواجهة تساؤلات حسّاسة بشأن استقلالية البنك المركزي الأميركي، وأشعل المخاوف من تسييس القرارات النقدية.

ووفق ما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال»، يدرس ترمب الكشف عن اسم خليفة باول المحتمل بحلول سبتمبر (أيلول) أو أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، في خطوة اعتبرتها الأسواق بمثابة ضغط سياسي مبكر يهدف إلى توجيه السياسة النقدية نحو مزيد من التيسير، حتى ولو جاء ذلك على حساب مصداقية «الفيدرالي» بوصفه مؤسسة مستقلة. وهو ما انعكس فوراً على حركة الأسواق المالية، التي تنظر بريبة إلى أي محاولة للتأثير السياسي على صانعي القرار النقدي.

ويأتي ذلك في سياق استمرار الضغوط التي يمارسها ترمب على باول، الذي يتهمه بالتباطؤ في خفض أسعار الفائدة. فقد وجّه ترمب انتقادات متكررة في الآونة الأخيرة إلى سياسات «الفيدرالي»، وسبق أن لوّح بإقالة باول، فيما فُسِّر على أنه مسعى لفرض أجندة اقتصادية بديلة عبر قيادة موازية، أو ما يشبه «رئيس ظل» للبنك المركزي.

غير أن المحكمة العليا الأميركية كانت قد أصدرت، في يونيو (حزيران)، حكماً حاسماً يُكرّس استقلالية مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، ويمنع عزل أعضائه بدوافع سياسية، ما يعزز من احتمالات بقاء باول في منصبه حتى نهاية ولايته، ويقيد إلى حد كبير قدرة البيت الأبيض على التدخل في تركيبة القيادة النقدية.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» يتفقد ساعته لدى وصوله إلى اجتماع المجلس (أ.ف.ب)

الدولار تحت الضغط

لم تتأخر الأسواق في التعبير عن ردّ فعلها، إذ هبط مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية مقابل سلة من ست عملات رئيسية، إلى أدنى مستوياته منذ مارس (آذار) 2022، بعد أن خسر أكثر من 10 في المائة من قيمته منذ بداية العام. وإذا استمر هذا الاتجاه، فإن النصف الأول من عام 2025 قد يُسجّل أكبر تراجع في أداء الدولار منذ أوائل سبعينات القرن الماضي، أي منذ اعتماد نظام أسعار الصرف العائمة.

وكان من أبرز المؤشرات على تآكل الثقة النسبية في الدولار، صعود الفرنك السويسري إلى أعلى مستوياته في عقد من الزمن، وارتفاع اليورو والجنيه الإسترليني إلى مستويات غير مسبوقة منذ عام 2021.

وقال مايكل ميتكالف، رئيس أبحاث الأسواق في «ستيت ستريت»: «ما يثير الانتباه هو أن اتجاه الدولار بات هيكلياً في حالة تراجع... فحتى في ظل الاضطرابات الجيوسياسية، لم يعد قادراً على تحقيق مكاسب تُذكر».

يعتقد المستثمرون والمحللون أن خليفة باول سيشارك الرئيس على الأرجح التوجه الحمائمي نفسه، مما يثير تكهنات بأن أسعار الفائدة قد تنخفض في نهاية المطاف بوتيرة أسرع وأعمق مما تتوقعه الأسواق حالياً. كما أن الاختيار المبكر قد يُربك الأسواق بإجبارها على مراقبة تعليقات باول وخليفته على السياسة النقدية.

تداعيات على السياسة النقدية

يتزامن هذا التراجع في قيمة الدولار مع تزايد التوقعات بأن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي» قد يبدأ قريباً في خفض أسعار الفائدة، وربما في اجتماعه المقبل نهاية يوليو (تموز).

فقد ارتفع احتمال تنفيذ هذا الخفض إلى نحو 25 في المائة، مقارنة بـ12.5 في المائة فقط قبل أسبوع، حسب أداة «فيد ووتش». إلا أن المفارقة تكمن في أن هذا التغيير في التوقعات لا يرتبط فقط بفتور بعض المؤشرات الاقتصادية، بل يتأثر كذلك بالضغوط السياسية المكشوفة التي تُمارَس على البنك المركزي.

فترمب لا يُخفي رغبته في تعيين رئيس أكثر مرونة في السياسة النقدية، يدعم أجندة خفض الفائدة وتحفيز النمو. ويرى مراقبون أن ذلك يشكل محاولة مباشرة للتأثير على مسار السياسة النقدية قبل الأوان.

ويؤكد بن بينيت، محلل الاستثمار في «ليغال آند جنرال»، أن «مجرد وجود فكرة عن رئيس ظلّ لـ(الفيدرالي) قبل انتهاء ولاية باول، يضع المؤسسة في موقف بالغ الحساسية، ويقوّض الثقة في حيادها واستقلالها».

أسواق الأسهم تنتعش بحذر

على الجانب الآخر، تلقّت الأسواق المالية، مرحلياً، احتمالات خفض الفائدة بترحيب حذر، إذ سجّل مؤشر «إم إس سي آي» العالمي للأسهم مستوى قياسياً جديداً، وارتفعت مؤشرات الأسهم الأوروبية والآسيوية.

فقد قفز مؤشر «نيكي» الياباني بنسبة 1.5 في المائة ليبلغ أعلى مستوياته منذ يناير (كانون الثاني)، بينما ارتفع مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي بنسبة 0.2 في المائة، وسجلت المؤشرات الإقليمية الأخرى مكاسب متفاوتة.

لكن هذا الانتعاش يبقى محفوفاً بالحذر، إذ إن المحفّز الآني لارتفاع الأسهم، وهو توقع خفض الفائدة، قد يتحول لاحقاً إلى عبء ثقيل إذا ما ترافق مع ضعف الدولار وزيادة الضغوط التضخمية.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» أثناء الإدلاء بشهادته أمام لجنة مجلس الشيوخ للشؤون المصرفية (أ.ف.ب)

ويرى محللون أن هذا المشهد يذكّر بمرحلة الارتباك التي أعقبت إعلان «الموازنة المصغرة» لحكومة ليز تراس في المملكة المتحدة عام 2022، حين أدت سياسة مالية غير منسقة إلى انهيار الثقة في الجنيه الإسترليني وارتفاع حاد في عوائد السندات.

الذهب يستفيد من ضعف الدولار

في سوق المعادن، استفاد الذهب من التراجع المتواصل للدولار، حيث ارتفع سعر الذهب الفوري بنسبة 0.2 في المائة ليصل إلى 3,339.38 دولار للأوقية، فيما زادت العقود الآجلة الأميركية بنسبة 0.3 في المائة إلى 3352.30 دولار.

وقال هان تان، كبير محللي الأسواق في شركة «نيمو موني»، إن سعر الذهب من المرجح أن يواصل التداول ضمن نطاق يتراوح بين 3000 و3500 دولار للأوقية، في ظل الغموض المستمر بشأن توقيت خفض الفائدة المرتقب من جانب «الفيدرالي».


مقالات ذات صلة

الأوروبيون يُعِدُّون «تدابير مضادة» في مواجهة «ابتزاز» ترمب

أوروبا وزير المالية الألماني لارس كلينغبيل (يسار) خلال مؤتمر صحافي مع وزير الاقتصاد الفرنسي رولان ليسكور في برلين (إ.ب.أ) play-circle

الأوروبيون يُعِدُّون «تدابير مضادة» في مواجهة «ابتزاز» ترمب

أعلن وزير الاقتصاد الألماني، اليوم (الاثنين)، أن الأوروبيين يُعدُّون تدابير مضادة، رداً على ما وصفه بأنه «ابتزاز» الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)

دعوات في ألمانيا تحث الاتحاد الأوروبي على وقف واردات الطاقة الأميركية

دعت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر الألماني، كاتارينا دروجه، الاتحاد الأوروبي لأن يدرس وقف واردات الطاقة من الولايات المتحدة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الولايات المتحدة​ جنود دنماركيون ينزلون من السفينة في ميناء نوك - غرينلاند (أ.ف.ب) play-circle

ترمب: «العالم غير آمن» ما دامت أميركا لا تسيطر على غرينلاند

حذَّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب رئيس الوزراء النرويجي في منشور، الاثنين، بأن العالم لن يكون آمناً ما لم تسيطر الولايات المتحدة على جزيرة غرينلاند.

«الشرق الأوسط» (أوسلو)
آسيا رئيس ‌كازاخستان قاسم جومارت توكاييف مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب وزوجته ميلانيا عقب لقاء على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بنيويورك 25 سبتمبر 2019 (حساب توكاييف عبر «إكس») play-circle

رئيس كازاخستان يوافق على الانضمام إلى «مجلس السلام» لغزة

نقلت وكالات أنباء عن ‌السكرتير الصحافي ​للرئيس ‌الكازاخستاني قاسم جومارت توكاييف قوله إن الرئيس ‌تلقّى دعوة ‍للانضمام إلى «مجلس السلام» الخاص بغزة.

«الشرق الأوسط» (آستانة)
الاقتصاد نموذج مصغر مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد لترمب وعلمي الاتحاد الأوروبي وغرينلاند وكلمة «الرسوم الجمركية» (رويترز)

حرب تجارية تلوح بالأفق... أوروبا تتأهب للرد على رسوم ترمب

دخلت العلاقات التاريخية عبر الأطلسي في نفق مظلم هو الأخطر منذ عقود، مع تسارع وتيرة المواجهة بين إدارة الرئيس دونالد ترمب والاتحاد الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

أميركا واليابان تضيّقان خيارات الاستثمارات الضخمة

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)
TT

أميركا واليابان تضيّقان خيارات الاستثمارات الضخمة

رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)
رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي بجوار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تحيي الجنود على متن حاملة طائرات في بحر اليابان العام الماضي (أ.ف.ب)

أفاد مصدران مطلعان لوكالة «رويترز» بأن اليابان والولايات المتحدة اختارتا عدداً من المشاريع مرشحين أوليين ضمن خطة طوكيو الاستثمارية في الولايات المتحدة بقيمة 550 مليار دولار، بما في ذلك مشروع مرتبط بمجموعة «سوفت بنك».

وأضاف المصدران، يوم الاثنين، أن الحكومتين كثّفتا مناقشاتهما لاختيار المشاريع الأولية ضمن خطة الاستثمار، التي تم الاتفاق عليها، وذلك جزءاً من اتفاقية طوكيو مع واشنطن لخفض الرسوم الجمركية على الصادرات اليابانية إلى الولايات المتحدة.

ووفقاً للمصدرين، اللذين طلبا عدم الكشف عن هويتهما لأن المحادثات غير علنية، فإن الجانبين يهدفان إلى إضفاء الطابع الرسمي على المشروع الأول قبل الزيارة المقررة لرئيس الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي إلى الولايات المتحدة في الربيع.

كما أفادت أربعة مصادر بأن مشروعاً ضخماً للبنية التحتية، تشارك فيه مجموعة «سوفت بنك» في بناء مركز بيانات، من بين المشاريع المختارة. وتشمل حزمة الاستثمار اليابانية أسهماً وقروضاً وضمانات قروض من وكالتي اليابان الحكومية، بنك اليابان للتعاون الدولي وشركة «نيبون» للتأمين على الصادرات والاستثمار.

وعقدت اليابان والولايات المتحدة أربعة اجتماعات للجنة الاستشارية منذ ديسمبر (كانون الأول) لمناقشة المشاريع المحتملة، بمشاركة وزارة التجارة ووزارة الطاقة الأميركيتين، ومن اليابان، وزارات الخارجية والمالية والصناعة، بالإضافة إلى بنك اليابان للتعاون الدولي وشركة «نيبون» للتأمين على الصادرات والاستثمار.

وأضافت المصادر أن المحادثات قد بدأت بالفعل مع البنوك اليابانية الكبرى، التي قد تنضم إلى بنك اليابان للتعاون الدولي في تمويل المشاريع. وبناءً على مدخلات اللجنة الاستشارية؛ سترفع لجنة الاستثمار، برئاسة وزير التجارة الأميركي، توصياتها إلى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي سيتخذ القرار النهائي.

وفي حين أن صدور حكم من المحكمة العليا الأميركية بشأن شرعية التعريفات الجمركية العالمية التي فرضها ترمب بات وشيكاً، صرّحت طوكيو بأنها تعتزم المضي قدماً في مبادرة الاستثمار بغض النظر عن النتيجة، مؤكدةً أنها مصممة لبناء سلاسل إمداد رئيسية مشتركة تعود بالنفع على كلا البلدين.


دعوات في ألمانيا تحث الاتحاد الأوروبي على وقف واردات الطاقة الأميركية

تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)
تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)
TT

دعوات في ألمانيا تحث الاتحاد الأوروبي على وقف واردات الطاقة الأميركية

تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)
تعهّد الاتحاد الأوروبي العام الماضي بشراء طاقة أميركية بـ750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية ترمب ومن بينها الغاز الطبيعي المسال (إكس)

دعت رئيسة الكتلة البرلمانية لحزب الخضر الألماني، كاتارينا دروجه، الاتحاد الأوروبي لأن يدرس وقف واردات الطاقة من الولايات المتحدة، وذلك في ظل الخلاف بشأن المطالب الأميركية بالسيادة على غرينلاند.

وقالت دروجه، في تصريحات تلفزيونية: «هذا الاعتماد يمثل خطراً على صعيد السياسة الاقتصادية وسياسة الطاقة».

كان الاتحاد الأوروبي قد تعهّد، في صيف العام الماضي، في إطار الاتفاق التجاري مع الولايات المتحدة، بشراء طاقة أميركية بقيمة 750 مليار دولار حتى نهاية فترة ولاية الرئيس دونالد ترمب، ومن بينها الغاز الطبيعي المسال. وقالت دروجه: «من وجهة نظري، ينبغي إعادة النظر تحديداً في هذا القرار».

وأوضحت دروجه أن ترمب لم يعد يقبل حدود الدول الأخرى، مشيرة في ذلك إلى الهجوم الأميركي على فنزويلا، وإلى إعلانه نيته وضع غرينلاند تحت السيطرة الأميركية.

وقالت دروجه: «بصفتنا الاتحاد الأوروبي، نحن بحاجة، الآن، إلى وضوح مفاده أننا لن نقبل مثل هذا التصرف من جانب ترمب»، مضيفة أن ذلك يعني إبداء الاستعداد لاتخاذ إجراءات مضادة، وفي الوقت نفسه الحفاظ على اليد الممدودة لإتاحة استمرار الحوار.

ويُصر ترمب على أن الولايات المتحدة ستضم غرينلاند، وهو ما يرفضه، بشدة، الشركاء الأوروبيون في حلف شمال الأطلسي «ناتو».

كان ترمب قد أعلن، السبت، فرض رسوم عقابية على ألمانيا ودول أخرى بالحلف، في ضوء هذا الخلاف.


الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)
رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)
TT

الهند تقترح مبادرة لربط العملات الرقمية لدول «بريكس» لكسر هيمنة الدولار

رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)
رجل يتحدث من هاتفه أثناء مروره بجانب شعار البنك الاحتياطي الهندي داخل مقرّه في مومباي (رويترز)

أفاد مصدران بأن البنك المركزي الهندي قد اقترح على دول الـ«بريكس» ربط عملاتها الرقمية الرسمية لتسهيل التجارة عبر الحدود ومدفوعات السياحة، في خطوة من شأنها أن تساعد في تقليل الاعتماد على الدولار الأميركي وسط تصاعد التوترات الجيوسياسية العالمية.

ووفقاً للمصدرين، اللذين طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لعدم تخويلهما التصريح لوسائل الإعلام، أوصى بنك الاحتياطي الهندي الحكومة بإدراج مقترح ربط العملات الرقمية للبنوك المركزية على جدول أعمال قمة الـ«بريكس» لعام 2026. ومن المقرر أن تستضيف الهند القمة في وقت لاحق من هذا العام، وفق «رويترز».

وفي حال تبني التوصية، سيكون هذا أول طرح رسمي لفكرة ربط العملات الرقمية للبنوك المركزية بين دول الـ«بريكس»، التي تضم، من بين أعضائها، البرازيل، وروسيا، والهند، والصين وجنوب أفريقيا.

وقد تثير هذه المبادرة تحفظات الولايات المتحدة، التي سبق أن حذَّرت من أي خطوات تهدف إلى تجاوز الدولار في المعاملات الدولية. وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وصف تحالف الـ«بريكس» سابقاً بأنه «معادٍ لأميركا»، ملوحاً بفرض رسوم جمركية على أعضائه.

ويُعدّ اقتراح بنك الاحتياطي الهندي بربط العملات الرقمية للبنوك المركزية في دول الـ«بريكس» لتمويل التجارة والسياحة عبر الحدود طرحاً غير مسبوق؛ إذ لم يُنشر من قبل.

بناء الجسور

يستند المقترح إلى إعلان صدر خلال قمة الـ«بريكس» لعام 2025 في ريو دي جانيرو، دعا إلى تعزيز قابلية التشغيل البيني بين أنظمة الدفع في الدول الأعضاء، بما يسهم في جعل المعاملات العابرة للحدود أكثر كفاءة وسلاسة.

وكان بنك الاحتياطي الهندي قد أبدى اهتماماً علنياً بربط الروبية الرقمية الهندية بالعملات الرقمية للبنوك المركزية في دول أخرى؛ بهدف تسريع المعاملات الدولية وتعزيز استخدام العملة الهندية على المستوى العالمي. وفي الوقت نفسه، أكد البنك أن جهوده الرامية إلى توسيع نطاق استخدام الروبية لا تهدف إلى تشجيع التخلي عن الدولار الأميركي.

ورغم أن أياً من دول الـ«بريكس» لم تطلق عملتها الرقمية للبنك المركزي بشكل كامل، فإن الدول الخمس الرئيسية في المجموعة تنفذ حالياً مشاريع تجريبية في هذا المجال.

وقد استقطبت الروبية الرقمية الهندية، المعروفة باسم «الروبية الإلكترونية»، نحو 7 ملايين مستخدم من الأفراد منذ إطلاقها في ديسمبر (كانون الأول) 2022، في حين تعهدت الصين بتوسيع الاستخدام الدولي لليوان الرقمي.

وسعى بنك الاحتياطي الهندي إلى تعزيز اعتماد الروبية الإلكترونية عبر إتاحة المدفوعات غير المتصلة بالإنترنت، وتمكين برمجة تحويلات الدعم الحكومي، والسماح لشركات التكنولوجيا المالية بتوفير محافظ للعملات الرقمية.

وأشار أحد المصدرين إلى أن نجاح ربط العملات الرقمية لدول الـ«بريكس» يتطلب معالجة عدد من القضايا الأساسية، من بينها تطوير تكنولوجيا قابلة للتشغيل البيني، ووضع أطر حوكمة واضحة، وإيجاد آليات لتسوية اختلالات أحجام التجارة بين الدول الأعضاء.

وحذَّر المصدر من أن تردد بعض الدول في تبني منصات تكنولوجية طورتها دول أخرى قد يؤدي إلى تأخير تنفيذ المقترح، مؤكداً أن إحراز تقدم ملموس يستلزم توافقاً واسعاً بشأن التكنولوجيا والأطر التنظيمية.

وأضاف المصدران أن إحدى الأفكار المطروحة لمعالجة اختلالات التجارة المحتملة تتمثل في استخدام اتفاقيات مقايضة العملات الأجنبية الثنائية بين البنوك المركزية. ولفتا إلى أن محاولات سابقة بين روسيا والهند لزيادة التجارة بالعملات المحلية واجهت صعوبات، بعدما راكمت روسيا أرصدة كبيرة من الروبية الهندية ذات الاستخدام المحدود؛ ما دفع البنك المركزي الهندي لاحقاً إلى السماح باستثمار تلك الأرصدة في السندات المحلية.

وأوضح المصدر الآخر أن من بين المقترحات المطروحة إجراء تسويات أسبوعية أو شهرية للمعاملات عبر اتفاقيات المقايضة.

طريق طويل

تأسست مجموعة الـ«بريكس» عام 2009 على يد البرازيل، وروسيا، والهند والصين، قبل أن تنضم إليها جنوب أفريقيا لاحقاً. ومنذ ذلك الحين، توسعت المجموعة بانضمام دول جديدة، من بينها الإمارات العربية المتحدة، وإيران وإندونيسيا.

وعادت الـ«بريكس» إلى واجهة الاهتمام العالمي في ظل تصاعد الخطاب التجاري للرئيس الأميركي دونالد ترمب وتهديداته بفرض تعريفات جمركية، بما في ذلك تحذيرات موجهة إلى الدول المنضمة إلى المجموعة. وفي الوقت ذاته، عززت الهند تقاربها مع كل من روسيا والصين، في ظل مواجهتها لتوترات تجارية مع الولايات المتحدة.

وقد واجهت محاولات سابقة لتحويل الـ«بريكس» قوةً اقتصادية موازنة تحديات عدة، من بينها فكرة إنشاء عملة موحدة للمجموعة، وهي مبادرة طُرحت من قِبل البرازيل ثم جرى التراجع عنها لاحقاً.

ورغم تراجع الزخم العالمي للعملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية مع تنامي استخدام العملات المستقرة، تواصل الهند الترويج للروبية الإلكترونية بوصفها بديلاً أكثر أماناً وخضوعاً للتنظيم.

وكان نائب محافظ بنك الاحتياطي الهندي، تي رابي شانكار، قد صرح الشهر الماضي بأن العملات الرقمية للبنوك المركزية «لا تنطوي على الكثير من المخاطر المرتبطة بالعملات المستقرة». وأضاف أن العملات المستقرة، إلى جانب تسهيل المدفوعات غير المشروعة والتحايل على ضوابط الرقابة، تثير مخاوف جدية تتعلق بالاستقرار النقدي والسياسة المالية والوساطة المصرفية والمرونة النظامية.

وذكرت «رويترز» في سبتمبر (أيلول) الماضي أن الهند تخشى أن يؤدي الانتشار الواسع للعملات المستقرة إلى تفتيت منظومة المدفوعات الوطنية وإضعاف بنيتها التحتية للمدفوعات الرقمية.