الاقتصاد العالمي أمام «صدمة ثالثة» هذا العام... فهل يحتمل؟

الحرب الإسرائيلية - الإيرانية ترفع المخاطر في المنطقة... وأسواق الطاقة «تراقب» مضيق هرمز

‏رجال الإطفاء يحاولون إخماد حريق في حافلة عقب هجوم صاروخي من ‏‏إيران‏‏ على إسرائيل (رويترز)
‏رجال الإطفاء يحاولون إخماد حريق في حافلة عقب هجوم صاروخي من ‏‏إيران‏‏ على إسرائيل (رويترز)
TT

الاقتصاد العالمي أمام «صدمة ثالثة» هذا العام... فهل يحتمل؟

‏رجال الإطفاء يحاولون إخماد حريق في حافلة عقب هجوم صاروخي من ‏‏إيران‏‏ على إسرائيل (رويترز)
‏رجال الإطفاء يحاولون إخماد حريق في حافلة عقب هجوم صاروخي من ‏‏إيران‏‏ على إسرائيل (رويترز)

بينما تتسارع وتيرة الحرب بين إسرائيل وإيران، تقف أسواق الطاقة عند مفترق طرق، حيث تتحول الصراعات العسكرية إلى اختبارات قاسية لاستقرار الإمدادات النفطية، في ظل تنامي المخاوف من نقص قد يلهب أسعار النفط ويقلب مشهد الاقتصاد العالمي رأساً على عقب.

وفي خضم هذه التوترات الجيوسياسية، تبدو المخاطر أكثر تعقيداً من مجرد ارتفاع مؤقت للأسعار، إذ تتداخل تداعياتها مع ضعف الاقتصاد العالمي، واحتمالات حدوث أزمة تضخم تقيد تحركات البنوك المركزية... وكل الأنظار الآن تتجه إلى مضيق هرمز، نقطة الضغط في معادلة الطاقة العالمية.

هذه المخاوف التي تم استعراضها في ندوة نظمتها وحدة الأبحاث «بي إم آي»، التابعة لمجموعة «فيتش سوليوشنز»، تطرح تساؤلات ملحة حول مستقبل الأسعار، ومدى قدرة الأسواق على امتصاص الصدمات المتلاحقة، لا سيما أن الصراع الحالي يمكن توصيفه بأنه ثالث أزمة خلال ستة أشهر فقط. خلال الندوة التي شاركت فيها «الشرق الأوسط»، أوضحت المديرة المساعدة لأبحاث النفط والغاز لدى الوحدة، إيما ريتشاردز، أن أسعار خام برنت سجلت قفزات قوية فور بدء الهجمات، مسجلةً زيادة بلغت نحو 13 في المائة خلال تداولات الجمعة، لكنها تراجعت لاحقاً لتستقر عند زيادة بنحو 6 في المائة مقارنةً بمستويات ما قبل الضربة. وأرجعت الاستقرار إلى أن الهجمات كانت مصممة لإحداث اضطراب في سوق الطاقة المحلية الإيرانية دون تعطيل الأسواق الدولية.

وأشارت إلى أن الأسواق باتت معتادة على هذا النوع من الهجمات التي لم تكن تؤثر بشكل كبير على الأسعار. لكنها لفتت إلى أنها قد تكون مدمرة لإيران، خصوصاً فيما يتعلق بالبنية التحتية للغاز الطبيعي، نظراً لاعتماد الدولة بشكل كبير على الغاز في مزيج الطاقة المحلي، وسط نقص الاحتياطيات الاستراتيجية لديها.

ورغم هذا التأثير، أوضحت أن الضرر سيبقى محصوراً داخل إيران، مع احتمال تأثير محدود على أسواق مثل العراق وتركيا، وأن الأضرار التي لحقت بمنشآت تخزين النفط وتكريره تستهدف السوق المحلية الإيرانية وليس التصدير، مما يُبقي الأسواق العالمية بمنأى عن تداعيات كبيرة.

سيناريو أسعار النفط

وبيّنت أن السوق تفترض أن إسرائيل ستواصل هذه الاستراتيجية بتجنب استهداف منشآت إنتاج وتصدير النفط، وأن هذه الهجمات لم تكن كافية لدفع إيران إلى اتخاذ خطوة بوقف التجارة عبر مضيق هرمز.

وعن توقعات الأسعار، أكدت ريتشاردز أن السيناريو الأساسي لا يُظهر تأثيراً كبيراً مقارنةً بالتوقعات السنوية الأصلية لخام برنت، مرجحةً استمرار هذا النوع من الهجمات المتبادلة بين إيران وإسرائيل على المدى القريب، مما يُبقي الأسعار مرتفعة قليلاً ضمن نطاق يتراوح بين 70 و80 دولاراً للبرميل خلال الأسابيع المقبلة، دون إحداث اضطراب مادي في الإنتاج أو الصادرات الإقليمية. وقد يحدث بعض الاضطرابات البسيطة، لكنها لن تكون مؤثرة بشكل كبير على الأسعار. وفي حال تراجع التصعيد، من المتوقع عودة الأسعار إلى نطاق 60 إلى 70 دولاراً للبرميل.

وذكرت أن الخطر الأكبر يكمن في احتمالية التصعيد العسكري الذي قد يؤدي إلى صراع أوسع، مما قد يدفع الأسعار إلى نطاق بين 100 و150 دولاراً للبرميل، رغم أن هذا النطاق يعتمد على كيفية تطور النزاع. وأكدت أن الأزمة قد تؤثر حتى في ظل السيناريو الأساسي من خلال خفض التجارة مع إيران بسبب المخاطر، أو التأثير على تدفقات التجارة إذا حاولت إيران مضايقة ناقلات النفط في مضيق هرمز، وفي حال تطور الصراع إلى هجمات على منشآت الإنتاج والتصدير أو فرض حصار كامل على المضيق، فإن الأسعار ستتجه نحو مستويات ثلاثية الأرقام.

تعويض الخسائر

وأشارت إلى أن نحو 25 إلى 30 في المائة من تجارة النفط البحرية تمر عبر مضيق هرمز سنوياً، وأن إغلاقه سيحرم الأسواق من أكثر من 15 مليون برميل يومياً، وهو ما يعادل خسائر الطلب خلال ذروة جائحة كورونا. وأكدت أن البدائل محدودة، إذ لا يمكن نقل إلا 3 إلى 4 ملايين برميل يومياً عبر أنابيب السعودية والإمارات.

وأضافت أن بعض الدول قد تضطر للسحب من احتياطاتها الاستراتيجية سريعاً، في ظل غياب طاقة فائضة كافية لتعويض الخسائر، مشيرةً إلى أن إنتاج النفط الصخري الأميركي لن يغطي الفجوة في المدى القريب، وأن فرض حصار على المضيق سيؤدي إلى انهيار سريع في السوق.

«صدمة ثالثة»

من جهته، حذَّر كبير الاقتصاديين في «بي إم آي»، سيدريك شهاب، من أن التوترات الحالية تمثل «الصدمة الثالثة» للاقتصاد العالمي خلال ستة أشهر، بعد صدمات الرسوم الجمركية وتقلبات الأسواق المالية، معتبراً أن الأزمة قد تتحول إلى «صدمة طاقة» تضرب اقتصادات التصنيع وتزيد معدلات التضخم عالمياً.

وأوضح أن خطورة الأزمة تتضاعف بسبب دخول الاقتصاد العالمي هذه المرحلة من موقع ضعف، مع تراجع مؤشرات مديري المشتريات في عدة أسواق رئيسية إلى ما دون 50 نقطة، وهو ما يعكس انكماش الأنشطة الاقتصادية قبل التصعيد الأخير. وأشار إلى أن تأثير صدمة أسعار النفط على التضخم والنمو يعتمد على استمرار الاضطرابات.

وحسب تقديرات «بي إم آي»، فإن كل ارتفاع بنسبة 10 في المائة في أسعار النفط يضيف ما بين 0.3 و0.4 نقطة مئوية إلى معدلات التضخم، بينما يؤدي وصول الأسعار إلى 120 دولاراً، إلى إضافة 1.2 نقطة مئوية، مع خفض النمو العالمي بنحو 0.2 نقطة مئوية.

وفي حال بلوغ الأسعار 150 دولاراً للبرميل، توقع شهاب تباطؤ الاقتصاد العالمي إلى أقل من 2 في المائة، مع ارتفاع معدلات التضخم إلى أكثر من 5 في المائة، واصفاً ذلك بأنه سيكون «كارثياً للاقتصاد العالمي».

أسعار النفط والرسوم الجمركية

وأشار إلى أن المخاطر قد تكون أكبر بالنسبة إلى الاقتصاد الأميركي مقارنةً بغيره، لأن الولايات المتحدة تواجه صدمة تضخمية مزدوجة من ارتفاع أسعار النفط والرسوم الجمركية، مما يهدد بتقييد قدرة مجلس الاحتياطي الفيدرالي على خفض أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة.

وحذر شهاب من أن الدول ذات العجز المزدوج ستكون الأكثر تعرضاً للمخاطر، خصوصاً في الأسواق الناشئة التي تعتمد على استيراد الطاقة، مشيراً إلى أن آسيا تضم عدداً كبيراً من هذه الدول، إلى جانب اقتصادات أخرى مثل باكستان وسريلانكا وجامايكا.

أما بالنسبة إلى السياسة النقدية الأميركية، فرأى أن الأسواق لا تزال تتوقع خفضين للفائدة هذا العام، لكنه شدد على أن الخيارات أمام «الفيدرالي» أصبحت أكثر تعقيداً في ظل التوتر بين عوامل التضخم والنمو. وختم بالقول إنه في حال ضعف الدولار فإن ذلك يتطلب ارتفاع اليورو والين، وهو أمر صعب بسبب تباطؤ اقتصادات أوروبا وآسيا، لافتاً إلى أن «الأساسيات الاقتصادية» تظل هي العامل الحاسم في تحديد اتجاه العملات.


مقالات ذات صلة

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

شؤون إقليمية أشخاص يسيرون بجانب مجسم رمزي لصاروخ إيراني بأحد شوارع طهران في مشهد يعكس تصاعد الخطاب العسكري والتعبئة الداخلية بالتزامن مع المفاوضات الجارية حول اتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لإنهاء الحرب (رويترز)

بعد 6 أشهر… الصراع مع إيران يؤول إلى جمود مكلف

آلت الحرب مع إيران، بعد ستة أشهر، إلى حالة جمود مكلفة. فبعد ستة أشهر على الهجوم الذي شنته القوات الأميركية والإسرائيلية على إيران وأسفر عن مقتل المرشد الإيراني.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية الدخان يتصاعد في طهران بعد غارة جوية

6 تداعيات لـ6 أشهر من حرب إيران

بعد ستة أشهر على بدء الولايات المتحدة وإسرائيل شن ضربات على إيران تحولت الحرب التي وصفها الرئيس دونالد ترمب بأنها «نزهة صغيرة» إلى مأزق يلقى رفضاً واسعاً

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ بارون ترمب يتابع والده الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال فعالية داخلية ضمن مراسم التنصيب في «كابيتال وان أرينا» بواشنطن 20 يناير 2025 (أ.ب) p-circle 01:09

«الخدمة السرية» تحقق في فيديو إيراني يهدد بارون ترمب

أكدت «الخدمة السرية» الأميركية أنها على علم بأن وسائل إعلام حكومية إيرانية بثت مقطع فيديو يبدو أنه يهدد حياة بارون ترمب، الابن الأصغر للرئيس الأميركي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي صورة تجمع نتنياهو وزوجته سارة في مركز انتخابي لحزب الليكود بالقدس يوم 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب)

نتنياهو يكشف أن إيران حاولت اغتيال أحد أبنائه

كشف رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، مساء الاثنين، أن إيران حاولت اغتيال أحد أبنائه.

نظير مجلي (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يهم بالصعود إلى طائرة «إير فورس وان» في بريطانيا (رويترز)

تشكيك أميركي في صدقية إسرائيل حول خطة إيرانية لاغتيال ترمب

شكك مسؤولون أميركيون في صحة معلومات مخابراتية إسرائيلية عن تهديد إيراني باستهداف طائرة «إير فورس وان» التي كانت ستقل الرئيس دونالد من تركيا الشهر الماضي.

علي بردى (واشنطن)

في أقوى إشارة من نوعها... وارش يفتح الباب أمام رفع الفائدة الأميركية

رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)
TT

في أقوى إشارة من نوعها... وارش يفتح الباب أمام رفع الفائدة الأميركية

رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)
رئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش لدى وصوله إلى مقر انعقاد اجتماعات جاكسون هول بولاية وايومنغ الأميركية (أ.ف.ب)

وجه رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، كيفن وارش، أقوى إشارة حتى الآن إلى احتمال الحاجة لرفع أسعار الفائدة إذا استمر التضخم فوق المستوى المستهدف، مؤكداً أن البنك المركزي سيكون أمامه «عمل يتعين القيام به» ما لم يقتنع صناع السياسة بأن الضغوط السعرية الأساسية تتجه بوضوح وبسرعة كافية نحو هدف 2 في المائة.

وجاءت تصريحات وارش، الجمعة، خلال أول خطاب رئيسي له في ندوة «جاكسون هول» الاقتصادية منذ توليه رئاسة «الفيدرالي»، لتمنح الأسواق بعض الإجابات عن موقفه من التضخم، وإن تجنب تقديم جدول زمني لرفع الفائدة أو صياغة مسار محدد للسياسة النقدية.

وقال وارش: «يجب أن نكون واثقين بأن التضخم الأساسي يتحرك نحو هدفنا، بوضوح وبسرعة كافية. وإلا فسيكون أمامنا عمل يتعين القيام به. هذه وظيفتنا ومهمتنا والتكليف الذي يجب أن نلتزم به». وتكتسب هذه الرسالة أهمية كبيرة بعدما أبقى «الفيدرالي» سعر الفائدة دون تغيير في نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة منذ ديسمبر (كانون الأول)، في وقت لم يظهر فيه التضخم تقدماً كافياً نحو هدف البنك المركزي.

وحسب مؤشر أسعار نفقات الاستهلاك الشخصي، المقياس المفضل لدى «الفيدرالي»، بلغ التضخم 3.7 في المائة على أساس سنوي في يوليو (تموز). وقال وارش إن التقدم المحقق في خفض التضخم خلال العامين الماضيين كان «متواضعاً»، وإن البيانات الأخيرة لا تشير إلى تحسن جوهري في الاتجاهات الأساسية للأسعار. ولفت إلى أن نحو نصف مكونات سلة السلع والخدمات في مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي ترتفع حالياً بمعدل سنوي يتجاوز 3 في المائة. ورغم أن هذه النسبة أقل مما سجل خلال موجة التضخم التي أعقبت جائحة «كوفيد-19»، فإنها تظل أعلى من المعدلات التي كانت سائدة قبل الجائحة.

هذه القراءة دفعت وارش إلى الاقتراب أكثر من طرح إمكانية تشديد السياسة النقدية، خصوصاً بعدما أقر بأن الظروف المالية الحالية لا تبدو مقيدة بدرجة كبيرة للنشاط الاقتصادي. وقال إن الاقتصاد الأميركي لا يزال يظهر قدرة على الصمود، وإن أسواق الائتمان والقروض لا تقدم سوى «إشارات قليلة» إلى أن السياسة النقدية الحالية تمارس قيوداً قوية. ويمكن أن تشكل هذه الملاحظة أساساً لحجة داخل «الفيدرالي» مفادها أن سعر الفائدة الحالي ليس مرتفعاً بما يكفي لإعادة التضخم إلى الهدف.

وأكد وارش أيضاً أن أسعار الفائدة قصيرة الأجل تظل «الأداة الرئيسية» لتحقيق التفويض المزدوج للبنك المركزي، والمتمثل في استقرار الأسعار ودعم سوق العمل، وهو تصريح يكتسب أهمية بعدما ركز في الأشهر الأولى من رئاسته على مراجعة الإطار الأوسع للسياسة النقدية والتغيرات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد.

وكان وارش قد شكل 5 فرق عمل لدراسة قضايا طويلة الأجل، من بينها التحولات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي. لكنه شدد على أن توصيات هذه الفرق ستصدر لاحقاً ولن يكون لها تأثير على القرارات المطلوبة في الظروف الحالية، في محاولة للفصل بين إعادة التفكير في مستقبل السياسة النقدية وبين الحاجة الفورية للتعامل مع التضخم.

واستجابت الأسواق سريعاً للرسالة. فقد رفع المتعاملون احتمالات زيادة الفائدة في اجتماع «الفيدرالي» يومي 15 و16 سبتمبر (أيلول) إلى نحو 50 في المائة، مقارنة بنحو 40 في المائة في وقت سابق الجمعة. وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات أسعار الفائدة، إلى أعلى مستوى له في نحو شهر، فيما وسعت الأسهم الأميركية مكاسبها بشكل طفيف.

وقبل الخطاب، كانت الأسواق تمنح احتمالاً بنحو الثلث لرفع الفائدة الشهر المقبل، في حين كانت احتمالات حدوث زيادة بحلول اجتماع 8 و9 ديسمبر تتجاوز 90 في المائة.

ويعكس تحول التسعير في الأسواق إدراك المستثمرين أن النقاش داخل «الفيدرالي» لم يعد يدور فقط حول المدة التي يجب أن تبقى فيها الفائدة مرتفعة، وإنما حول ما إذا كانت هناك حاجة إلى تشديد إضافي. وكان اجتماع يوليو قد كشف بالفعل عن انقسام متزايد، بعدما عارض ثلاثة من صناع السياسة قرار الإبقاء على الفائدة دون تغيير، مفضلين تشديد السياسة النقدية.

ورغم لهجته الأكثر صرامة، حرص وارش على عدم إلزام البنك المركزي بمسار مسبق. وأكد أن تصريحاته لا ينبغي تفسيرها باعتبارها «توجيهاً مستقبلياً»، كما رفض تقديم ما يسميه المستثمرون «دالة رد فعل» تحدد مسبقاً كيفية استجابة «الفيدرالي» لمختلف البيانات الاقتصادية.

ويرى وارش أن مثل هذه الالتزامات قد لا تكون مناسبة أو قابلة للتطبيق بدقة في بيئة اقتصادية سريعة التغير. لكنه شدد في الوقت نفسه على أهمية أن يحصل البنك المركزي على إشارات سوقية «واضحة وغير مصفاة قدر الإمكان» عند تحديد السياسة النقدية. وتأتي هذه الملاحظة في وقت تحظى فيه العلاقة بين السياسة النقدية وأسواق السندات باهتمام متزايد، إلا أن وارش لم يتطرق مباشرة إلى تدخلات وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت الأخيرة في الأسواق.

وفي ملف آخر بالغ الحساسية، قال وارش إن توقعات التضخم لا تزال مستقرة في الوقت الراهن، لكنه شدد على ضرورة مراقبتها عن كثب. وأكد أن من مسؤولية «الفيدرالي» منع توقعات المستهلكين والشركات للأسعار من الانفلات؛ لأن فقدان الثقة في قدرة البنك المركزي على إعادة التضخم إلى 2 في المائة قد يجعل المهمة أكثر صعوبة وكلفة.

وهذا ما يجعل بيانات أغسطس (آب) المقبلة حاسمة. فمن المقرر صدور أرقام البطالة ونمو الوظائف والتضخم الاستهلاكي في أوائل سبتمبر، وستشكل آخر مجموعة كبيرة من المؤشرات قبل اجتماع البنك المركزي. فإذا أظهرت البيانات استمرار قوة الاقتصاد وسوق العمل بالتزامن مع ثبات التضخم عند مستويات مرتفعة، فقد تتعزز الحجج المؤيدة لرفع الفائدة إلى نطاق 3.75 إلى 4 في المائة. أما إذا ظهرت علامات واضحة على تباطؤ النشاط أو سوق العمل، فقد يصبح القرار أكثر تعقيداً.

ويبدو أن الرسالة الأساسية من «جاكسون هول» هي أن وارش لا يريد منح الأسواق مساراً مضموناً للفائدة، لكنه في الوقت نفسه لم يعد يخفي قلقه من ضعف التقدم في مكافحة التضخم.

وبين اقتصاد لا يزال متماسكاً، وأسواق ائتمان لا تبدو مقيدة، وتضخم يفوق الهدف منذ أكثر من خمس سنوات، أصبح خيار رفع الفائدة مطروحاً بصورة أكثر وضوحاً. وهكذا ينتقل الاختبار الآن من خطاب «جاكسون هول» إلى بيانات أغسطس. فإذا أكدت الأرقام أن التضخم لا يتحرك نحو 2 في المائة «بسرعة كافية»، فإن عبارة وارش بأن أمام «الفيدرالي عملاً يتعين القيام به» قد تتحول سريعاً من تحذير للأسواق إلى قرار فعلي برفع تكلفة الاقتراض.


«هيئة العقار» لـ«الشرق الأوسط»: اهتمام كبير من المستثمرين الدوليين بالسوق السعودية

TT

«هيئة العقار» لـ«الشرق الأوسط»: اهتمام كبير من المستثمرين الدوليين بالسوق السعودية

مشاركون في معرض العقارات السعودية الفاخرة بلندن يستمعون إلى شرح حول أحد المشروعات (الشرق الأوسط)
مشاركون في معرض العقارات السعودية الفاخرة بلندن يستمعون إلى شرح حول أحد المشروعات (الشرق الأوسط)

تدخل السوق العقارية السعودية مرحلة جديدة من الانفتاح على رؤوس الأموال الدولية، مدفوعة بالتنظيمات الجديدة لتملك غير السعوديين للعقار وتحديد النطاقات الجغرافية المشمولة بالتملك، في خطوة تعزز مساعي المملكة لترسيخ موقعها وجهةً عالمية للاستثمار العقاري، وسط اهتمام متزايد من المستثمرين الدوليين والصناديق الاستثمارية.

وتتطلع جهات حكومية وعدد من شركات التطوير العقاري لجذب مستثمرين للسوق السعودي من خلال المشاركة في النسخة الأولى من «معرض العقارات السعودية الفاخرة»، وذلك بشراكة استراتيجية مع الهيئة العامة للعقار، وبمشاركة عدد من المطورين العقاريين السعوديين، إلى جانب مستثمرين ومكاتب عائلية ومختصين في القطاع من بريطانيا والأسواق الدولية.

وقال تيسير المفرج، المتحدث الرسمي للهيئة العامة للعقار، إن مشاركة الهيئة في معرض العقارات السعودية الفاخرة تأتي انطلاقاً من دورها في رفع مستوى الوعي بالمنظومة العقارية الجديدة، ولا سيما نظام تملك غير السعوديين للعقار، الذي أُقر أخيراً في المملكة، إلى جانب التعريف بالنطاقات الجغرافية الخاصة بالتملك.

وأوضح المفرج في حديث لـ«الشرق الأوسط» أن الحضور في المعرض يتجاوز التعريف بالنظام إلى التواصل المباشر مع المستثمرين والإجابة عن استفساراتهم، وتوضيح المسار الذي يمر به المستفيد، سواء كان مشترياً أو مستثمراً أو وسيطاً عقارياً، وصولاً إلى إتمام التعاملات المرتبطة بتملك غير السعوديين.

وأشار إلى أن منصة «عقارات السعودية» تمثل قناة رئيسية للتعاملات العقارية المرتبطة بالنظام، موضحاً أن الهيئة تعمل من خلال مشاركتها على تعريف المستثمرين بـ«رحلة العميل» وآليات التعامل مع المنصة، بما يوفر صورة أكثر وضوحاً للراغبين في دخول السوق السعودية والاستفادة من الفرص المتاحة فيها.

اهتمام الصناديق الدولية

ولم تقتصر مشاركة الهيئة على جناحها في المعرض، إذ نظمت على هامشه سلسلة من ورش العمل والجلسات والطاولات المستديرة الموجهة بصورة مباشرة إلى المستثمرين، بالتعاون مع عدد من الجهات الحكومية ومؤسسات القطاع الخاص في السعودية.

وكشف المفرج عن تنظيم طاولة مستديرة خصصت للمستثمرين من الصناديق الاستثمارية الدولية، بمشاركة مجلس الأعمال السعودي البريطاني، في مؤشر على الاهتمام المتنامي باستقطاب رؤوس الأموال المؤسسية إلى القطاع العقاري السعودي، بالتوازي مع توسيع قاعدة المستثمرين المستهدفين من التنظيمات الجديدة.

وقال إن هذه اللقاءات أتاحت فرصة للحوار المباشر مع المستثمرين والاستماع إلى استفساراتهم بشأن آليات التملك والفرص المتاحة وطبيعة السوق، في وقت تشهد فيه البيئة التنظيمية للقطاع تحولات تستهدف تعزيز الشفافية ورفع جاذبية السوق أمام المستثمرين من داخل المملكة وخارجها.

جانب من معرض العقارات السعودية الفاخرة الذي انطلق في العاصمة البريطانية لندن (الشرق الأوسط)

الرياض وجدة... ومكة والمدينة

وحسب المفرج، أظهرت مشاركة الهيئة مستوى مرتفعاً من الاهتمام بنظام تملك غير السعوديين، سواء من جانب المستثمرين أو زوار المعرض والباحثين عن عقارات في المملكة.

ولفت إلى أن الاهتمام لا يتركز على الرياض وجدة فحسب، بل يمتد إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة، اللتين تحظيان باهتمام خاص بالنظر إلى مكانتهما الدينية وطبيعة الطلب العقاري فيهما.

وقال: «لمسنا أثراً كبيراً جداً في رفع الوعي من المستثمرين والزوار وحتى الباحثين عن العقارات في المملكة»، مشيراً إلى أن الاستفسارات شملت المدن الرئيسية، وفي مقدمتها الرياض وجدة، إضافة إلى مكة المكرمة والمدينة المنورة.

وتكتسب هذه التحركات أهمية مع سعي السعودية إلى توسيع مساهمة القطاع العقاري في الاقتصاد وتنويع قنوات الاستثمار، بالتزامن مع المشروعات الكبرى والتوسع الحضري والنمو السكاني والاقتصادي الذي تشهده مدن المملكة.

«وجهة للاستثمار العقاري في العالم»

ووصف المفرج مستوى الإقبال على المعرض بأنه مرتفع، مشيراً إلى حضور لافت للمستثمرين ووسائل الإعلام والمؤثرين، وهو ما اعتبره انعكاساً للتحول الذي تشهده صورة السوق العقارية السعودية لدى المستثمرين من الخارج.

وقال إن ما شهده المعرض «يدل فعلياً على أن المملكة العربية السعودية أصبحت وجهة للاستثمار العقاري في العالم»، لافتاً إلى وجود رغبة كبيرة لدى المستثمرين والباحثين عن العقارات، سواء لأغراض الاستثمار أو التملك والسكن.

ويأتي الاهتمام الدولي بالقطاع في مرحلة تشهد فيها السوق العقارية السعودية إعادة تشكيل واسعة لمنظومتها التنظيمية والاستثمارية، مع انتقال التركيز من مجرد توفير الفرص العقارية إلى بناء بيئة أكثر وضوحاً للمستثمر، تبدأ من معرفة المناطق المتاحة للتملك وتمتد إلى الإجراءات والمنصات التي تمر عبرها العملية الاستثمارية.

ويرى المفرج أن توقيت المعرض يتزامن مع هذه التحولات، ما جعله منصة لرفع الوعي بالتنظيمات الجديدة والتواصل المباشر مع المستثمرين، مؤكداً أن الفعالية جاءت «في وقت وزمان مناسب جداً»، وأسهمت في التعريف بنظام التملك في المملكة.

ويعكس الحضور المتزايد للمستثمرين الدوليين تحولاً أوسع في السوق السعودية، إذ لم تعد الفرص العقارية مرتبطة بالطلب المحلي وحده، بل باتت المملكة تسعى إلى تقديم قطاعها العقاري بوصفه إحدى قنوات جذب الاستثمار الدولي، مستفيدة من الإصلاحات التنظيمية والمشروعات الكبرى والتحولات التي تشهدها المدن السعودية في إطار مستهدفات «رؤية السعودية 2030».


الصين تراهن على «الروبوتات البشرية» قبل نضج السوق

روبوتات بشرية في سباق 100 متر عدو بدورة الألعاب الروبوتية المقامة بالعاصمة الصينية بكين (أ.ب)
روبوتات بشرية في سباق 100 متر عدو بدورة الألعاب الروبوتية المقامة بالعاصمة الصينية بكين (أ.ب)
TT

الصين تراهن على «الروبوتات البشرية» قبل نضج السوق

روبوتات بشرية في سباق 100 متر عدو بدورة الألعاب الروبوتية المقامة بالعاصمة الصينية بكين (أ.ب)
روبوتات بشرية في سباق 100 متر عدو بدورة الألعاب الروبوتية المقامة بالعاصمة الصينية بكين (أ.ب)

تراهن الصين على أن الروبوتات البشرية ستكون واحدة من الصناعات التي تعيد تشكيل اقتصادها وسوق العمل خلال العقد المقبل، لكن الواقع الحالي يكشف فجوة كبيرة بين الطموح والقدرة الفعلية لهذه الآلات على العمل بكفاءة خارج العروض الاستعراضية والمهام البسيطة؛ ففي مراكز التدريب الصينية، يجري إنفاق ملايين الدولارات على تعليم الروبوتات كيفية فرز الصناديق وتعبئة المنتجات وإعداد القهوة، لكن الأداء لا يزال بطيئاً ومحدوداً.

وفي أحد مراكز التدريب بمدينة ليوتشو، يمكن للمدرب المبتدئ أن يحتاج إلى مئات المحاولات للحصول على حركة واحدة قابلة للاستخدام، بينما لا تزال الروبوتات عاجزة عن التكيف بسهولة عندما تتغير الإضاءة أو زاوية الرؤية أو الأدوات أو بيئة العمل. وهنا تظهر المشكلة الأساسية؛ وهي أن الصين تمتلك بعضاً من أفضل سلاسل توريد الروبوتات في العالم، لكنها لم تحل بعد معضلة «العقل» الذي يجعل هذه الآلات قادرة على التصرف بمرونة مثل الإنسان، بحسب تقرير لـ«رويترز».

وقال تانغ وينبين، المؤسس المشارك والرئيس التنفيذي لشركة «يوانلي لينغجي»، إن «معدل ذكاء هذه الروبوتات منخفض للغاية»، مضيفاً أن كثيراً مما يظهر في العروض العامة ليس سوى «رقص مقنع بالعمل».

• صناعة تسبق طلبها

يبلغ عدد شركات الروبوتات البشرية في الصين أكثر من 150 شركة، وهو رقم يتجاوز عدد العلامات التجارية الصينية للسيارات الكهربائية. وفي العام الماضي، شحنت الصناعة نحو 20 ألف روبوت بشري عالمياً، استحوذت الشركات الصينية على 95 في المائة منها، وفق تقديرات «بنك أوف أميركا غلوبال ريسيرش».

وتتوقع الصين إنتاج أكثر من 100 ألف روبوت بشري هذا العام، بينما يتوقع «بنك أوف أميركا» أن تصل الشحنات العالمية السنوية إلى 1.2 مليون وحدة بحلول 2030.

لكن هذه الأرقام تخفي سؤالاً اقتصادياً أكثر حساسية: «من يشتري هذه الروبوتات اليوم، ولماذا؟». وحتى الآن، يعتمد جانب كبير من الطلب على المشتريات الحكومية والدعم، وليس على الشركات التي توصلت إلى جدوى اقتصادية واضحة من استخدامها.

وأظهرت بيانات المشتريات العامة أن الحكومات الوطنية والإقليمية والمحلية أنفقت ما لا يقل عن 230 مليون دولار على الروبوتات البشرية والمعدات المرتبطة بها خلال النصف الأول من العام، مقارنة بـ62 مليون دولار قبل عام، و6 ملايين دولار فقط في الفترة نفسها من 2024.

كما تخطط «ستيت غريد» لإنفاق نحو مليار دولار على روبوتات بشرية وكلاب آلية وأنظمة ثنائية الذراع لصيانة الشبكات وفحص المحطات، فيما تستهدف شنتشن إنشاء مجمع صناعي للروبوتات بقيمة 15 مليار دولار يضم أكثر من 1200 شركة بحلول العام المقبل.

• تكرار نموذج

السيارات الكهربائية الاستراتيجية الصينية مألوفة؛ فقد استخدمت بكين نهجاً مشابهاً في السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية، من دعم قطاع استراتيجي، وزيادة الطاقة الإنتاجية سريعاً، وإشعال منافسة محلية قوية، ثم دفع الأسعار إلى الانخفاض حتى تظهر مجموعة محدودة من الشركات القادرة على المنافسة عالمياً.

لكن الاختلاف هذه المرة أن السيارات الكهربائية والألواح الشمسية كانت تقنيات أكثر نضجاً عندما بدأت الصين توسعها الكبير، بينما لا تزال الروبوتات البشرية في مرحلة مبكرة، وتعاني من مشكلات في الموثوقية والذكاء والمهارة والتكلفة. ولهذا تعتبر ليزي لي، الباحثة في الاقتصاد الصيني بـ«معهد سياسات جمعية آسيا»، أن الهدر ليس مجرد نتيجة جانبية للنموذج الصناعي الصيني، بل جزء من آلية اكتشاف الشركات الأقوى... إلا أنها حذرت من أن فائض الطاقة الإنتاجية «سهل الإنشاء وصعب التفكيك».

وقد تبدأ عملية دمج واسعة في القطاع بدءاً من أواخر 2026 أو 2027، عندما يقل الدعم وتتجه السلطات إلى تركيز مواردها على اللاعبين الأكثر قدرة على البقاء.

• أين الجدوى الاقتصادية؟

في المصانع، تظل الروبوتات الصناعية التقليدية أكثر كفاءة في كثير من المهام؛ فهي أسرع وأسهل في البرمجة وأكثر موثوقية من الروبوتات البشرية، خصوصاً في خطوط الإنتاج المتكررة. وفي مصنع «شاومي» للسيارات الكهربائية في بكين، تتم أتمتة نحو 91 في المائة من عمليات التجميع، باستخدام مئات الروبوتات الصناعية التقليدية. كما تقول «جيلي» إن الأذرع الروبوتية والمركبات الآلية لا تزال تتولى المهام الرئيسية في خطوط الإنتاج، رغم اختبارها روبوتات بشرية في مهام فرز المواد ونقل الصناديق.

ويرى محللون أن الاستخدام الأقرب للجدوى في الأجل القصير سيكون في المهام الخطرة والمتكررة والمنظمة، وليس في الأعمال العامة التي تحتاج إلى حدس بشري. ويظهر بعض التطبيقات التجارية المبكرة في الصيدليات، حيث تستخدم شركة «غالْبوت» روبوتات لاختيار المنتجات من الأرفف وتجهيز الطلبات. وتقول الشركة إن معدل نجاحها يتجاوز 95 في المائة، لكن هذه التطبيقات تظل محدودة ومصممة لمهام متكررة في بيئات شبه منظمة.

لكن التحدي الأكبر قد لا يكون في بناء جسم الروبوت، بل في تدريبه؛ فالروبوت البشري يحتاج إلى ما يسمى نماذج «الرؤية - اللغة - الحركة»، التي يجب أن ترى العالم وتفهمه، ثم تحول ذلك إلى حركة دقيقة. وهذه النماذج أصعب بكثير من النماذج اللغوية التي تشغل روبوتات المحادثة. وبحسب تقديرات قطاعية، لا يتوفر حالياً سوى نحو 500 ألف ساعة من بيانات التدريب عالية الجودة، بينما قد تحتاج الصناعة إلى نحو 100 مليون ساعة للوصول إلى مستوى حقيقي من الذكاء الفيزيائي. وهذا يفسر اندفاع الصين إلى بناء قواعد ضخمة من الروبوتات ومراكز التدريب؛ فكل روبوت إضافي يعني مزيداً من البيانات التي يمكن استخدامها لتحسين النماذج.

• فقاعة أم استثمار استراتيجي؟

الأسواق المالية دخلت أيضاً في موجة الحماس، فقد قفز سهم «يونيتري» بأكثر من 5 أضعاف في أول يوم تداول في شنغهاي هذا الشهر، قبل أن يتراجع لاحقاً، ما أثار مخاوف بشأن تضخم التقييمات. ويرى بعض المؤسسين والمستثمرين أن القطاع يشبه «فقاعة»، لكنهم في الوقت نفسه لا يستبعدون أن يخرج منها عدد محدود من الشركات الصينية القوية، كما حدث في السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية. وتتراجع الأسعار بالفعل بسرعة؛ إذ تتوقع «مورغان ستانلي» انخفاض متوسط سعر الروبوت البشري بنحو 15 في المائة هذا العام، بينما هبطت أسعار تأجير روبوتات العروض الراقصة إلى ما بين 440 و600 دولار يومياً مقارنة بنحو 1500 دولار سابقاً. ومع ذلك، قد تستفيد الصين حتى من الانهيارات المستقبلية في السوق؛ فإذا فشلت شركات عديدة، فستبقى سلاسل التوريد والمكونات وخبرات التصنيع داخل البلاد، ما قد يمنح الشركات الناجية ميزة يصعب على المنافسين الأجانب مجاراتها.

ولهذا فإن رهان الصين على الروبوتات البشرية لا يبدو رهاناً على ربح سريع، بل على السيطرة المبكرة على سلسلة توريد قد تصبح استراتيجية في المستقبل. لكن السؤال يبقى مفتوحاً: «هل تستطيع الصين تحويل هذا التفوق الصناعي إلى روبوتات قادرة فعلاً على العمل بكفاءة؟ أم أن وفرة رأس المال والمصانع ستسبق الذكاء والطلب لسنوات؟». وحتى الآن، توحي التجربة بأن الروبوتات البشرية ليست جاهزة لأخذ وظائف البشر على نطاق واسع. لكنها قد تصبح، خلال السنوات القليلة المقبلة، أكثر قدرة على تولي المهام المتكررة والخطرة، وهو ما يجعل المرحلة الحالية أقل شبهاً بثورة مكتملة، وأكثر شبهاً بسباق مكلف لاكتشاف من سيظل واقفاً عندما تنحسر موجة الدعم والحماس.