السعودية تدعو إلى تحرك دولي شامل لمواجهة فقر الطاقة

وزير المالية: نهدف إلى إنتاج نصف الكهرباء من مصادر متجددة بحلول 2030

وزير المالية السعودي متحدثاً في منتدى صندوق «أوبك» للتنمية 2025 (الشرق الأوسط)
وزير المالية السعودي متحدثاً في منتدى صندوق «أوبك» للتنمية 2025 (الشرق الأوسط)
TT

السعودية تدعو إلى تحرك دولي شامل لمواجهة فقر الطاقة

وزير المالية السعودي متحدثاً في منتدى صندوق «أوبك» للتنمية 2025 (الشرق الأوسط)
وزير المالية السعودي متحدثاً في منتدى صندوق «أوبك» للتنمية 2025 (الشرق الأوسط)

شدد وزير المالية السعودي محمد الجدعان على أن الإصلاحات الاقتصادية الهادفة لتحقيق الازدهار ومواجهة التحديات التنموية ترتكز بالضرورة على تأمين الاحتياجات الأساسية للفرد والمجتمع، وفي مقدمتها التصدي لما وصفه بـ«تحدي فقر الطاقة»، الذي يؤثر على نحو 1.2 مليار شخص حول العالم.

جاء ذلك خلال مشاركة الوزير في الجلسة الافتتاحية لمنتدى صندوق «أوبك» للتنمية 2025، حيث أكد أن أمن الطاقة «ليس ترفاً»، بل يُعد ركيزة أساسية لتحقيق التنمية والنمو الشامل، محذراً من أن غيابه يؤدي إلى تعطل قطاعات حيوية، مثل الرعاية الصحية، والتعليم، والإنتاجية الاقتصادية، والاستدامة البيئية، بل وحتى استخراج المياه وتحقيق الأمن الغذائي.

وأضاف الجدعان أن التحديات الجيوسياسية، إلى جانب تقلبات الأسواق وارتفاع الطلب العالمي على الطاقة، تفرض على الدول التحرك بشكل استراتيجي لتعزيز أمن الطاقة، وذلك من خلال تنويع مصادرها، وزيادة الاستثمارات في التقنيات النظيفة، وتبني حلول تمويل مبتكرة تسرّع من الوصول إلى الطاقة وتدعم استدامتها على المدى الطويل.

وفي هذا السياق، دعا الوزير إلى تحرك فعال من بنوك التنمية، مستعرضاً أربعة محاور رئيسية ينبغي أن ترتكز عليها هذه الجهود. أولها، ضرورة دعم بنوك التنمية متعددة الأطراف لجميع مصادر الطاقة دون تحيّز، محذراً من تبني سياسات غير واقعية لتخفيض الانبعاثات من خلال إقصاء مصادر رئيسية للطاقة، ما من شأنه أن يخلق تحديات في أسواق الطاقة ويؤدي إلى تأثيرات غير متكافئة على الدول والمجتمعات النامية.

وثانياً، أكد الجدعان أهمية توفير التمويل الميسّر لتسريع تلبية احتياجات المناطق التي تعاني نقصاً في الطاقة. وأشاد في هذا الإطار بمبادرة «مهمة 300» بقيادة البنك الدولي، التي تهدف لتوفير الطاقة لـ300 مليون شخص في أفريقيا، بمشاركة بارزة من شركاء مثل البنك الإسلامي للتنمية وصندوق «أوبك» للتنمية الدولية.

كما تطرق إلى مبادرة «فورورد7» لحلول الوقود النظيف لتوفير الغذاء، ضمن مبادرات الشرق الأوسط الأخضر، التي أطلقتها السعودية بالتعاون مع عدد من الجهات الدولية، من بينها صندوق «أوبك»، والبنك الإسلامي للتنمية، والبنك الدولي، والمؤسسة الدولية الإسلامية لتمويل التجارة.

أما المحور الثالث، فتناول أهمية خفض مخاطر الاستثمار في قطاع الطاقة لتحفيز مشاركة القطاع الخاص، من خلال أدوات مثل الضمانات الجزئية للمخاطر، والتأمين ضد المخاطر السياسية، وهياكل التمويل المختلط، التي تساهم في تعزيز الجدوى التمويلية لمشاريع الطاقة، لا سيما في الدول منخفضة الدخل وعالية المخاطر.

وخصص المحور الرابع لضرورة زيادة الاستثمار في التقنيات الناشئة في قطاع الطاقة، بما في ذلك تقنيات احتجاز الكربون واستخدامه وتخزينه، وتطوير استخدامات أكثر استدامة للمواد الهيدروكربونية، بما يدعم أمن الطاقة ويعالج الانبعاثات الكربونية في سياق الانتقال نحو الحياد الصفري.

وأكد الجدعان أن تداعيات فقر الطاقة لا تعرف حدوداً، وآثارها تطال جميع الدول، إما من خلال عدم الاستقرار الاقتصادي، أو تزايد ضغوط الهجرة، أو ارتفاع الأعباء الإنسانية.

وأوضح أن السعودية تعمل مع شركائها الدوليين لتعزيز أمن الطاقة، والقضاء على فقر الطاقة، توازياً مع جهودها في مواجهة تغير المناخ.

واختتم الجدعان كلمته بالإشارة إلى التزام المملكة بأهداف طموحة، من أبرزها توليد 50 في المائة من الكهرباء من مصادر متجددة بحلول عام 2030، وتحقيق الحياد الصفري للانبعاثات بحلول عام 2060، ضمن إطار الاقتصاد الدائري للكربون. واعتبر أن تعاون جميع الدول في هذا المجال هو السبيل الأمثل لتحقيق تنمية عادلة ومستدامة يعود نفعها على الجميع.


مقالات ذات صلة

الاقتصاد غرفة لتجميع الكابلات والأسلاك ضمن مركز للبيانات (إكس)

الاتحاد الأوروبي يدرس وضع قواعد لكفاءة الطاقة في مراكز البيانات

أعلن الاتحاد الأوروبي، الأربعاء، أنه سيضع معايير لكفاءة الطاقة في مراكز البيانات، وذلك مع تزايد المخاوف بشأن ارتفاع استهلاك الطاقة بشكل سريع.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد محطة للطاقة الشمسية بالقرب من ماينبورغ شمال غربي العاصمة البافارية ميونيخ (رويترز)

حرب إيران تعزز الطلب على الطاقة الشمسية في ألمانيا

أدَّى ارتفاع أسعار النفط والغاز على خلفية حرب إيران إلى انتعاش غير متوقع في أعمال شركات الطاقة الشمسية في ألمانيا.

«الشرق الأوسط» (ميونيخ)
شمال افريقيا جانب من اجتماع شركة «الخليج العربي للنفط» الليبية مع خبراء ومختصين بشركة «شيفرون» الأميركية (شركة الخليج العربي)

شركات عُمانية و«شيفرون» الأميركية تستكشف فرصاً جديدة في قطاع الطاقة الليبي

بحث رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، مع عدد من شركات الاستثمار والطاقة من سلطنة عمان، فرص الشراكة بين البلدين في قطاع الطاقة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد مؤشر قياس ضغط الغاز في إحدى المحطات (رويترز)

انخفاض أسعار الغاز في أوروبا وسط تراجع الطلب

انخفضت أسعار الغاز في أوروبا، بشكل طفيف خلال جلسة الثلاثاء، حيث أدت توقعات ارتفاع إنتاج طاقة الرياح إلى كبح الطلب على الغاز، في ظلِّ ترقب السوق لمفاوضات الحرب.

«الشرق الأوسط» (لندن)

البنوك المركزية تواصل التشدد رغم اتفاق واشنطن وطهران

المقر الخارجي لمبنى «مارينر إس إكليس» التابع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
المقر الخارجي لمبنى «مارينر إس إكليس» التابع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

البنوك المركزية تواصل التشدد رغم اتفاق واشنطن وطهران

المقر الخارجي لمبنى «مارينر إس إكليس» التابع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
المقر الخارجي لمبنى «مارينر إس إكليس» التابع لمجلس الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

رغم التوصل إلى اتفاق سلام مؤقت بين الولايات المتحدة وإيران، فإن البنوك المركزية الكبرى لا تبدو مستعدة للتراجع عن نهجها المتشدد في مكافحة التضخم، إذ باتت تداعيات الحرب على أسعار الطاقة والتضخم أكثر رسوخاً، ما دفع عدداً من صناع السياسة النقدية إلى رفع أسعار الفائدة أو التلويح بمزيد من التشديد خلال الفترة المقبلة.

ويرى اقتصاديون أن الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية للطاقة خلال أشهر الصراع، إلى جانب استنزاف المخزونات النفطية العالمية، ستجعل عودة أسواق الطاقة إلى مستوياتها الطبيعية عملية تدريجية قد تمتد حتى العام المقبل، حتى مع استمرار اتفاق التهدئة بين واشنطن وطهران.

وفي هذا السياق، بعث مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي، الأربعاء، برسالة واضحة للأسواق بعدما أبقى أسعار الفائدة دون تغيير، لكنه أشار إلى احتمال رفعها في وقت لاحق من العام، في تحول لافت في أول اجتماع للسياسة النقدية برئاسة كيفين وارش. كما ناقش بنك إنجلترا إمكانية رفع الفائدة، بينما كان كل من البنك المركزي الأوروبي وبنك اليابان قد سبقا بالفعل إلى تشديد السياسة النقدية.

ويعكس هذا التحول تغيراً كبيراً في توقعات الأسواق، إذ كان المستثمرون مطلع العام يراهنون على خفض أسعار الفائدة الأميركية مرتين أو ثلاث مرات خلال عام 2026، إلا أنهم باتوا الآن يتوقعون زيادتين في أسعار الفائدة، وهو ما أدى إلى تشديد الأوضاع المالية حتى قبل اتخاذ أي خطوات فعلية من جانب البنوك المركزية.

وقال داريو بيركنز، الخبير الاقتصادي لدى مؤسسة «تي إس لومبارد»، إن إعادة فتح مضيق هرمز قد تدفع البعض إلى الاعتقاد بأن دورة رفع أسعار الفائدة العالمية شارفت على نهايتها، إلا أن هذا التقدير يبدو متسرعاً، لأن التضخم الأساسي لا يزال مرتفعاً، بينما يُتوقع أن يستعيد النمو الاقتصادي زخمه خلال الفترة المقبلة، وفق «رويترز».

من جهته، رأى ستيفن براون، كبير الاقتصاديين لدى «كابيتال إيكونوميكس»، أن الصورة العامة تشير إلى أن الاحتياطي الفيدرالي أصبح أكثر انفتاحاً على رفع أسعار الفائدة، لافتاً إلى أن توقعاته للتضخم كانت كافية بحد ذاتها لتبرير بدء دورة التشديد النقدي.

وفي المقابل، لم يبدُ أن الدعوات السابقة للرئيس الأميركي دونالد ترمب لخفض أسعار الفائدة ستجد طريقها إلى التنفيذ قريباً، خصوصاً في ظل تبني رئيس الاحتياطي الفيدرالي الجديد نهجاً أكثر تشدداً، وإعلانه تشكيل لجان متخصصة لمراجعة آليات عمل البنك المركزي قبل اتخاذ أي خطوات مستقبلية.

ورغم أن أسعار النفط تراجعت خلال الأيام الأخيرة بعد الإعلان عن الاتفاق الأميركي الإيراني، فإن منحنى الأسعار لا يزال يعكس حذراً في الأسواق، إذ تتداول عقود خام «برنت» الفورية قرب 77 دولاراً للبرميل، بينما تستقر العقود الآجلة لشهر ديسمبر (كانون الأول) عند مستويات قريبة، في إشارة إلى أن المستثمرين إما يشككون في استدامة الاتفاق، وإما يتوقعون أن تستغرق عملية إعادة التوازن إلى سوق النفط وقتاً أطول بسبب الحاجة إلى إعادة بناء المخزونات الاستراتيجية.

ويحذر محللون من أن تشدد الاحتياطي الفيدرالي لن يقتصر أثره على الاقتصاد الأميركي، بل سيمتد إلى بقية الاقتصادات العالمية. ففي اليابان، أدى تراجع الين إلى تجدد الحديث عن تدخل السلطات في سوق الصرف، كما زادت الضغوط على بنك اليابان لمواصلة رفع أسعار الفائدة، في وقت يرى فيه مسؤولون أن ضعف العملة بدأ يرفع توقعات التضخم على المدى الطويل.

وفي أوروبا، ورغم إبقاء بنك إنجلترا أسعار الفائدة دون تغيير، فإن لجنة السياسة النقدية ناقشت جدوى رفعها، بينما أكد البنك المركزي النرويجي أن التضخم لا يزال مرتفعاً، وأن تكاليف الاقتراض مرشحة للزيادة قبل نهاية العام. أما البنك المركزي الأوروبي، الذي بدأ بالفعل دورة التشديد الأسبوع الماضي، فقد شدد مسؤولوه على أن اتفاق السلام المؤقت لا يبرر توقع تراجع سريع للضغوط التضخمية، مؤكدين أن الباب لا يزال مفتوحاً أمام مزيد من رفع أسعار الفائدة إذا اقتضت الظروف الاقتصادية ذلك.


تراجع طلبات إعانة البطالة الأميركية مع استمرار انخفاض وتيرة التسريح

يعرض مطعم تابع لسلسلة “تشيبوتلي” إعلاناً عن وظائف شاغرة في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس (رويترز)
يعرض مطعم تابع لسلسلة “تشيبوتلي” إعلاناً عن وظائف شاغرة في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس (رويترز)
TT

تراجع طلبات إعانة البطالة الأميركية مع استمرار انخفاض وتيرة التسريح

يعرض مطعم تابع لسلسلة “تشيبوتلي” إعلاناً عن وظائف شاغرة في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس (رويترز)
يعرض مطعم تابع لسلسلة “تشيبوتلي” إعلاناً عن وظائف شاغرة في مدينة كامبريدج بولاية ماساتشوستس (رويترز)

انخفض عدد الأميركيين المتقدمين بطلبات جديدة للحصول على إعانات البطالة خلال الأسبوع الماضي، في إشارة إلى استمرار متانة سوق العمل الأميركية، وتراجع وتيرة تسريح العمال.

وأعلنت وزارة العمل الأميركية، الخميس، أن الطلبات الأولية للحصول على إعانات البطالة الحكومية تراجعت بمقدار 4 آلاف طلب، لتصل إلى 226 ألف طلب بعد التعديل الموسمي خلال الأسبوع المنتهي في 13 يونيو (حزيران). وجاءت القراءة قريبة من توقعات الاقتصاديين الذين استطلعت «رويترز» آراءهم، والبالغة 225 ألف طلب.

ورغم ارتفاع الطلبات خلال الأسابيع الأخيرة إلى المستويات العليا من نطاقها المعتاد هذا العام، والذي يتراوح بين 190 و230 ألف طلب، فإن سوق العمل واصلت إظهار قدر من الصلابة، مدعومةً بثلاثة أشهر متتالية من المكاسب القوية في الوظائف، بعد أداء متقلب خلال عام 2025. كما أسهم انخفاض معدلات التسريح في استقرار معدل البطالة عند 4.3 في المائة للشهر الثالث على التوالي.

وعادةً ما تشهد طلبات إعانة البطالة ارتفاعاً مع بداية فصل الصيف، إذ تسمح بعض الولايات للعاملين غير التدريسيين بالتقدم للحصول على الإعانات خلال العطلات المدرسية الطويلة، في حين لا تنجح التعديلات الموسمية دائماً في استيعاب هذه التحركات بشكل كامل.

وكان مجلس الاحتياطي الفيدرالي قد أبقى، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيس ضمن نطاق يتراوح بين 3.50 و3.75 في المائة، إلا أن توقعاته الفصلية المحدثة أظهرت أن صناع السياسة النقدية يرجحون رفع تكاليف الاقتراض خلال العام الجاري في ظل تنامي المخاوف بشأن التضخم.

وقال رئيس الاحتياطي الفيدرالي، كيفين وارش، إن أعضاء لجنة السياسة النقدية يرون أن سوق العمل لا تزال مستقرة، مضيفاً أن بعض أعضاء اللجنة يعتقدون أن أوضاع التوظيف تتجه نحو مزيد من التحسن.

وأضاف: «أعتقد أن بيانات الوظائف تسير في الاتجاه الصحيح».

وشملت بيانات طلبات إعانة البطالة الفترة التي تُجري خلالها الحكومة مسحها الشهري للشركات، والمؤسسات لإعداد تقرير الوظائف لشهر يونيو، والذي يتضمن بيانات الوظائف غير الزراعية. وكان الاقتصاد الأميركي قد أضاف 172 ألف وظيفة خلال مايو (أيار).

ويرى اقتصاديون أن جزءاً من قوة سوق العمل يعود إلى استمرار انخفاض معدلات التسريح، رغم أن بعض استطلاعات الأعمال لا تزال تشير إلى ضعف نسبي في خطط التوظيف.

كما يعتقد خبراء أن حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات الاقتصادية، بما في ذلك الرسوم الجمركية على الواردات، والصراع الدائر في الشرق الأوسط، لا تزال تؤثر سلباً في قرارات التوظيف لدى الشركات.

في المقابل، ارتفع عدد المستفيدين المستمرين من إعانات البطالة، وهو مؤشر يعكس صعوبة العثور على وظائف جديدة، بمقدار 24 ألف شخص ليصل إلى 1.81 مليون مستفيد خلال الأسبوع المنتهي في 6 يونيو بعد التعديل الموسمي.

وتنسجم هذه الزيادة مع مؤشرات أخرى تُظهر أن العديد من العاطلين عن العمل يقضون فترات أطول في البحث عن وظيفة. ووفقاً لبيانات حكومية صدرت هذا الشهر، ارتفع متوسط مدة البطالة إلى 11.6 أسبوعاً في مايو، وهو أعلى مستوى منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، مقارنة مع 11 أسبوعاً في أبريل (نيسان).


«أرامكو السعودية» ترسم درعاً جديدة لأمن الطاقة بمرافق تخزين عالمية

محافظ صندوق الاستثمارات العامة متحدثاً إلى الحضور في القمة المنعقدة في روما الإيطالية (الشرق الأوسط)
محافظ صندوق الاستثمارات العامة متحدثاً إلى الحضور في القمة المنعقدة في روما الإيطالية (الشرق الأوسط)
TT

«أرامكو السعودية» ترسم درعاً جديدة لأمن الطاقة بمرافق تخزين عالمية

محافظ صندوق الاستثمارات العامة متحدثاً إلى الحضور في القمة المنعقدة في روما الإيطالية (الشرق الأوسط)
محافظ صندوق الاستثمارات العامة متحدثاً إلى الحضور في القمة المنعقدة في روما الإيطالية (الشرق الأوسط)

رسمت السعودية في العاصمة الإيطالية روما استراتيجية جديدة لتعزيز مرونة سلاسل الإمداد العالمية وصياغة نموذج متكامل للشراكة مع أوروبا يتجاوز التحديات الجيوسياسية الراهنة، حيث كشف محافظ صندوق الاستثمارات العامة ورئيس مجلس إدارة «أرامكو السعودية» ياسر الرميان، عن توجه الشركة لدراسة إنشاء مرافق تخزين نفطية إضافية في مناطق استراتيجية حول العالم لتعزيز أمن الطاقة الإمدادي، بالتوازي مع ضخ الصندوق نحو 140 فرصة استثمارية جديدة للجانب الأوروبي بقيمة 10.4 مليار يورو حتى عام 2030، وذلك بعدما نجحت استثماراته في دعم الناتج المحلي الأوروبي بـ80.6 مليار دولار وخلق 160 ألف وظيفة.

وتزامنت هذه المستهدفات مع تفعيل الرياض لـ41 خطة طوارئ واستمرارية أعمال لمواجهة تداعيات إغلاق مضيقَي هرمز وباب المندب وتأمين حركة الملاحة والطيران؛ في وقتٍ دعت فيه رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، إلى نقل العلاقات الأوروبية الخليجية نحو تكامل استراتيجي غير مستغل لربط القارات الثلاث، وسط أداء مرن ومستدام للمنظومة السياحية السعودية التي استوعبت الضغوط الإقليمية بدعم من السياحة المحلية والدينية.

جاءت هذه التصريحات خلال مشاركة الرميان في جلسة حوارية رفيعة المستوى ضمن أعمال قمة «الأولوية - أوروبا 2026»، التابعة لمؤسسة مبادرة مستقبل الاستثمار، التي تحتضنها العاصمة الإيطالية روما.

وأوضح الرميان أن «أرامكو السعودية» تمتلك بالفعل مرافق تخزين نفطية حيوية في عدة أسواق عالمية رئيسية، لا سيما في قارة آسيا وكوريا الجنوبية واليابان، مؤكداً أن الشركة تدرس في الوقت الراهن وبجدية تامة إنشاء منشآت ومرافق تخزين إضافية في مناطق جغرافية مختلفة حول العالم، لضمان استقرار الأسواق وتأمين خطوط الإمداد ضد أي صدمات طارئة.

وأكد رئيس مجلس إدارة «أرامكو» أن التجارب والأزمات الأخيرة أثبتت الأهمية البالغة للتخطيط طويل الأمد، مبيناً أن الشركة نجحت في الحفاظ على استمرارية أكثر من 99 في المائة من عملياتها التشغيلية خلال فترات التوتر الأخيرة، إلى جانب تمكنها من إعادة تشغيل المنشآت التي تعرضت سابقاً لهجمات صاروخية في فترة زمنية قياسية، وهو ما يعكس كفاءة البنية التحتية ومرونة سلاسل الإمداد لدى العملاق السعودي.

وفيما يتعلق بالشراكة الاستراتيجية مع القارة العجوز، كشف الرميان عن أن صندوق الاستثمارات العامة يعتزم طرح نحو 140 فرصة استثمارية جديدة لتعزيز التعاون مع الشركاء الأوروبيين، مشيراً إلى أن القيمة الإجمالية للفرص المرتبطة بالمشروعات المشتركة تصل إلى 10.4 مليار يورو (11.97 مليار دولار) وتمتد حتى عام 2030.

ولم يُخفِ الرميان وجود بعض التحديات التنظيمية والقانونية التي تعوق توسع الاستثمارات السعودية في أوروبا، والتي تؤثر على شركات كبرى مثل «أرامكو» و«سابك» والصندوق السيادي، لافتاً إلى أن بعض هذه الأنظمة لا تؤثر فقط على ضخ رؤوس أموال جديدة بل تمتد لتهدد استدامة المشاريع القائمة، مستدركاً بأن هناك جانباً إيجابياً يتمثل في إدراك صناع السياسات والجهات التنظيمية الأوروبية لهذه المعوقات، وسط آمال بالتوصل إلى حلول أفضل مطلع الفترة المقبلة.

وفي قطاع التحول الشامل، شدد الرميان على ضرورة تبني مفهوم «الواقعية في الطاقة»، مؤكداً أن مصادر الطاقة الجديدة والمتجددة تمثل إضافة استراتيجية مهمة لكنها لا تُعد بديلاً كاملاً عن النفط والغاز؛ نظراً لاستمرار اعتماد صناعات حيوية كالبتروكيماويات والأسمدة وإنتاج الغذاء على الوقود الأحفوري، بالتزامن مع تنامي الطلب العالمي على الطاقة نتيجة التوسع الهائل في تطبيقات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات.

أوروبا والخليج

من جانبها، أكدت رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، أن المرحلة المقبلة تتطلب انتقال العلاقات بين أوروبا ودول الخليج إلى مستوى أكثر عمقاً يقوم على الشراكة الاستراتيجية والتكامل الاقتصادي، مشيرةً إلى أن الجانبين يمتلكان مقومات كبيرة لربط ثلاث قارات وتعزيز حركة التجارة والطاقة والاستثمار.

وصرحت ميلوني خلال قمة «مبادرة مستقبل الاستثمار - أولويات أوروبا 2026» في روما، الخميس، بأن أوروبا في حاجة إلى تعزيز استقلاليتها وقدراتها الصناعية والتكنولوجية، في حين يمثل التعاون مع الخليج فرصة لبناء مسار مشترك يدعم الاستقرار والنمو العالمي.

رئيسة الوزراء الإيطالية خلال مشاركتها في قمة الأولوية التابعة لمبادرة مستقبل الاستثمار في روما (الشرق الأوسط)

وطبقاً لرئيسة الوزراء الإيطالية، فإن من أولويات المرحلة تعزيز التعاون بين أوروبا ودول الخليج، مبينةً أن هذه الشراكة تمتلك إمكانات كبيرة غير مستغلة، ويمكن أن تكون عاملاً حاسماً في الربط بين الغرب والشرق وبين أفريقيا وآسيا.

وأبانت ميلوني أن إيطاليا تعتزم أداء دور قيادي في هذا المسار بصفتها بوابة إلى أوروبا ومركزاً طبيعياً للطاقة والخدمات اللوجستية والتجارة في منطقة البحر المتوسط.

وحسب رئيسة الوزراء الإيطالية، فإن أوروبا والخليج يستطيعان، من خلال العمل المشترك، تقديم نموذج للتعاون الاستراتيجي قابل للتكرار والتوسع، وقادر على تحويل الطاقة والتجارة والبنية التحتية وشبكات الربط إلى عوامل للاستقرار بدلاً من أن تكون عوامل هشاشة.

معاهدات روما

وأشارت ميلوني إلى أن انعقاد القمة في روما يحمل دلالة خاصة؛ إذ شهدت المدينة توقيع معاهدات روما عام 1957 التي أرست أسس الاتحاد الأوروبي الحالي، مؤكدةً أنه مع اقتراب الذكرى السبعين لتلك المعاهدات، يجب التفكير في أوروبا التي يرغب الأوروبيون في بنائها ويحتاجون إليها.

وبيَّنت أن هذا التوجه يتسق مع ما تمثله «مبادرة مستقبل الاستثمار» بوصفها أجندة عالمية تلتقي فيها الأفكار ورؤوس الأموال والتكنولوجيا والمشروعات العملية لبناء المستقبل، معربةً عن أملها في أن تصبح روما المحطة الأوروبية الدائمة لهذا العمل، والمكان الذي تُقاس فيه النتائج ويُراجع فيه التقدم وتُحدد فيه الأولويات الجديدة بشكل مشترك.

أزمة «هرمز»

من ناحيته، ذكر وزير النقل والخدمات اللوجستية السعودي، المهندس صالح الجاسر، أن الوضع الحالي لأزمة مضيق «هرمز» استدعى اتخاذ إجراءات معاكسة، حيث فعّلت الرياض 41 خطة لاستمرارية الأعمال وللطوارئ، «كانت مُعدة ومختبرة مسبقاً؛ مما أتاح التعامل السريع مع الأزمة منذ أيامها الأولى».

وبيّن خلال مشاركته أن المنطقة تمر بظروف صعبة، «إلا إن السعودية كانت مستعدة للتعامل مع التطورات»، مستشهداً بتجربة سابقة خلال عام 2013، عندما واجهت تحديات في البحر الأحمر واضطرت إلى تحويل تجارتها إلى الجانب الشرقي نحو الخليج العربي، وتمكنت حينها من حماية تجارتها والحفاظ على مرونة سلاسل الإمداد.

المهندس الجاسر يتحدث إلى الحضور في الجلسة الحوارية ضمن أعمال القمة (الشرق الأوسط)

وأبان الجاسر أن المملكة ساعدت في التعامل مع الرحلات الجوية المتعثرة وإجلاء المسافرين الذين هبطوا في مطارات مختلفة، وأنها أعادت توجيه السفن المتجهة إلى موانئ المنطقة الشرقية نحو موانئ المنطقة الغربية.

ونوه الوزير إلى أن التحديات لم تقتصر على إغلاق مضيق هرمز، «بل شملت أيضاً استمرار الصعوبات في باب المندب، حيث أبدى بعض شركات الملاحة الدولية تردداً في العبور؛ مما استدعى العمل معها وتبادل المعلومات، وتفعيل دور القطاع الخاص». ولفت إلى أنه «منذ بداية الأزمة الحالية جرى تشغيل أكثر من 23 خدمة ملاحية جديدة بالتنسيق مع القطاع الخاص».

تطورات السياحة السعودية

بدوره، أفاد وزير السياحة السعودي، أحمد الخطيب، بأن السياحة الداخلية تمثل ما بين 60 و65 في المائة من إجمالي النشاط في المملكة، مشيراً إلى أنها شكَّلت عنصر توازن واستقرار رئيسي للقطاع خلال فترات اضطراب حركة السفر الدولية.

واستطرد بقوله: «إن قوة الطلب المحلي أسهمت في دعم استمرارية القطاع السياحي في السعودية، خصوصاً خلال المواسم والإجازات التي تشهد اكتمالاً في الحجوزات داخل الوجهات المحلية، مما عزَّز من مرونة القطاع في مواجهة التقلبات الخارجية».

ويرى الخطيب أن القطاع السياحي العالمي والسعودي واجه خلال الأشهر الماضية ضغوطاً ناتجة عن التوترات الجيوسياسية وارتفاع تكاليف السفر وتذبذب حركة الطيران، إلا أن المنظومة أظهرت قدرة على التعافي والاستقرار النسبي رغم هذه التحديات.

الخطيب خلال مشاركته في القمة (الشرق الأوسط)

وأضاف أن السياحة العالمية تعافت بالكامل من تداعيات جائحة كورونا، لافتاً إلى وصول عدد المسافرين حول العالم إلى نحو 1.5 مليار مسافر خلال العام الماضي، بإجمالي إنفاق بلغ نحو 2.2 تريليون دولار، رغم أن نسبة المسافرين لا تزال عند حدود 20 في المائة من سكان العالم، مما يعكس فرص نمو كبيرة للقطاع.

وفيما يتعلق بالسعودية، قال إن بلاده استقبلت نحو 123 مليون زائر خلال العام السابق، فيما يسهم قطاع السياحة حالياً بنسبة 5.2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، مع هدف استراتيجي لرفع هذه المساهمة إلى 10 في المائة.

وبيَّن أن القطاع السياحي أسهم في خلق نحو مليون وظيفة منذ انطلاق برامج التحول السياحي، نتيجة توسع الاستثمارات في الوجهات السياحية والبنية التحتية والخدمات المرتبطة بالقطاع. وأردف: «بداية العام الحالي كانت قوية على مستوى السعودية ودول الخليج، قبل أن تتأثر الحركة السياحية بالتوترات الإقليمية وارتفاع تكاليف الوقود وإلغاء عدد من الرحلات الجوية، مما انعكس على مستويات الطلب وتكلفة السفر».

ورغم ذلك، لفت إلى أن المملكة أنهت أول خمسة أشهر من العام بأداء إيجابي مع تراجع طفيف يقدَّر بنحو 5 إلى 6 في المائة مقارنةً بالفترة نفسها من العام الماضي، معتبراً ذلك أداءً «مرناً» في ظل الظروف العالمية.

واختتم حديثه بأن السياحة الدينية تمثل ركيزة استقرار أساسية، باعتبار المملكة تحتضن الحرمين الشريفين، مما يضمن تدفقاً مستمراً للزوار على مدار العام لأداء الحج والعمرة.

أما الرئيس السابق لمؤسسة «مبادرة مستقبل الاستثمار»، ريتشارد أتياس، فذكر أن «أوروبا تقف عند نقطة تحول، في وقت يشهد فيه العالم تغيرات متسارعة وغير مسبوقة»، مضيفاً أن «الذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الصناعات، فيما تتغير حركة رؤوس الأموال، وتُعاد صياغة أنظمة الطاقة، وتُعاد هيكلة سلاسل الإمداد، إلى جانب التحولات الجيوسياسية وظهور مراكز عالمية جديدة بوتيرة استثنائية».