صراع المعادن النادرة... إليك «سر» توتر العلاقة بين الصين وأميركا

نجم معادن بطاريات مدعوم من الصين في بلدة بيكون بولاية شان شرق ميانمار (أ.ف.ب)
نجم معادن بطاريات مدعوم من الصين في بلدة بيكون بولاية شان شرق ميانمار (أ.ف.ب)
TT

صراع المعادن النادرة... إليك «سر» توتر العلاقة بين الصين وأميركا

نجم معادن بطاريات مدعوم من الصين في بلدة بيكون بولاية شان شرق ميانمار (أ.ف.ب)
نجم معادن بطاريات مدعوم من الصين في بلدة بيكون بولاية شان شرق ميانمار (أ.ف.ب)

منذ 4 أبريل (نيسان)، أوقفت الصين صادرات ما يقرب من سبعة أنواع من المعادن الأرضية النادرة، بالإضافة إلى المغناطيسات القوية المصنوعة من ثلاثة منها. هذا التوقف تسبّب في نقص حاد ومتزايد يهدد بإغلاق العديد من المصانع في الولايات المتحدة وأوروبا وتأثر سلسلة الإمدادات العسكرية لديها. ومن بين أهم المعادن التي تدخل في هذه الصناعات، معدن السماريوم الذي يدخل في صناعة الصواريخ والمقاتلات الحربية، وفق تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز».

ما المعادن الأرضية النادرة؟

هناك 17 نوعاً من المعادن تُعرف باسم المعادن الأرضية النادرة. معظمها ليس نادراً جداً في الواقع، فهي منتشرة في جميع أنحاء العالم، وإن كانت نادراً ما توجد في رواسب خام كبيرة بما يكفي لاستخراجها بكفاءة.

يُطلق عليها «نادرة»؛ لأنه من الصعب جداً فصلها عن بعضها البعض. فكسر الروابط الكيميائية التي تربطها في الطبيعة يمكن أن يتطلب أكثر من 100 مرحلة من المعالجة وكميات كبيرة من الأحماض القوية.

لماذا تسيطر الصين على هذا القدر الكبير من إمدادات المعادن الأرضية النادرة؟

تُعدّ الصين مصدراً لنحو 70 في المائة من المعادن الأرضية النادرة في العالم. أما ميانمار وأستراليا والولايات المتحدة فتُعدّ مصادر لمعظم الباقي. ولكن الصين تقوم بالمعالجة الكيميائية لـ90 في المائة من المعادن الأرضية النادرة في العالم؛ فهي تقوم بتكرير جميع خامها الخاص، وكذلك جميع خام ميانمار تقريباً، ونحو نصف إنتاج الولايات المتحدة.

تتجلى هيمنة الصين بشكل أكبر في سبعة أنواع من المعادن الأرضية النادرة التي أوقفت تصديرها إلى حد كبير منذ أوائل أبريل، وهي: الديسبروسيوم، والغادولينيوم، واللوتيتيوم، والسماريوم، والسكانديوم، والتيربيوم، والإيتريوم. تُستخرج هذه المعادن بشكل شبه حصري في الصين وميانمار، وهي من الأصعب فصلاً كيميائياً. وبالنسبة لمعادن مثل الديسبروسيوم والتيربيوم، وهي ما تُعرف بالمعادن الأرضية النادرة الثقيلة المستخدمة في المغناطيسات المقاومة للحرارة، تنتج مصافي الصين ما يصل إلى 99.9 في المائة من الإمداد العالمي.

تمتلك الصين بعضاً من أفضل رواسب المعادن الأرضية النادرة الثقيلة في العالم. توجد هذه الرواسب في حزام من الخام غني بشكل خاص في وادٍ بالقرب من لونغنان في جنوب وسط الصين، ويمتد غرباً إلى أقصى شمال ميانمار.

نجم معادن بطاريات مدعوم من الصين في بلدة بيكون بولاية شان شرق ميانمار (أ.ف.ب)

كيف تبدو عملية تعدين المعادن الأرضية النادرة الثقيلة؟

بالقرب من لونغنان، يستخدم عمال المناجم دراجات ترابية لنقل أكياس كبريتات الأمونيوم إلى قمم التلال المنخفضة المحاذية للوادي. كبريتات الأمونيوم، وهي مسحوق بلون كريمي، تُستخدم كسماد عند تخفيفها بكمية كبيرة من الماء، ولكنها قد تكون سامة بتركيزات عالية. يخلط عمال المناجم كميات مركزة بكمية قليلة فقط من الماء ويصبونها في حفر بسيطة تُحفر بالقرب من قمم التلال.

تذيب كبريتات الأمونيوم المعادن الأرضية النادرة داخل التلال الطينية وتتسرب على شكل سائل لزج بالقرب من قاعدتها. خلال زيارة حديثة إلى الوادي دون علم السلطات المحلية، سُمع صوت مولد ديزل وهو يضخ السائل عبر أنابيب بلاستيكية إلى حفر بسيطة.

يُضاف حمض الأوكساليك إلى السائل هناك، مما يتسبب في تشكل بلورات وردية خافتة من المعادن الأرضية النادرة وتغوص إلى قاع البرك.

يُضخ السائل من الحفر إلى جدول مياه برتقالي فاتح ذي فقاعات غامضة. ثم تُجفف البلورات وتُغرف في أكياس صناعية بحجم الغسالات وتُشحن على شاحنات بضائع إلى مصانع معالجة المعادن الأرضية النادرة الممتدة على طول كتل في لونغنان.

كانت عصابات الجريمة المنظمة الصينية ذات السمعة العنيفة تدير الوادي حتى نهاية عام 2010، عندما أمر رئيس الوزراء آنذاك ون جيا باو القوات الحكومية باقتحام الوادي والاستيلاء على المناجم.

ما أهمية المعادن الأرضية النادرة السبع التي تسيطر عليها الصين؟

المستهلك الرئيسي لهذه المعادن السبع هو صناعة السيارات، التي تستخدم الكثير من المغناطيسات المقاومة للحرارة المصنوعة من المعادن الأرضية النادرة. ولكن هذه العناصر ضرورية أيضاً لمصنعي أشباه الموصلات، والمواد الكيميائية للتصوير الطبي، والروبوتات، وتوربينات الرياح البحرية، ومجموعة واسعة من الأجهزة العسكرية.

تُعدّ مغناطيسات المعادن الأرضية النادرة أقوى بما يصل إلى 15 مرة من مغناطيسات الحديد من نفس الوزن. وهي ضرورية للعشرات من المحركات الكهربائية الصغيرة الموجودة في سيارات اليوم. فمحركات الفرامل والتوجيه والعديد من الأنظمة الأخرى تعتمد جميعها على مغناطيسات المعادن الأرضية النادرة. قد يحتوي مقعد السيارة الفاخرة الواحد على 12 مغناطيساً من المعادن الأرضية النادرة للمحركات التي تقوم بتعديله. وتحتوي السيارات الكهربائية على مغناطيسات إضافية من المعادن الأرضية النادرة للمحركات التي تدير عجلاتها.

تُنتج الصين نحو 90 في المائة من الإمداد العالمي من مغناطيسات المعادن الأرضية النادرة.

إذا نفد المورد الرئيسي لقطع أحد هذه الأنظمة من المغناطيسات، فقد يضطر مصنع تجميع السيارات بأكمله إلى الإغلاق، وقد يتم تسريح الآلاف من الأشخاص مؤقتاً. في الأسبوع الماضي، أغلقت شركة «فورد» مؤقتاً مصنعها لسيارات «فورد إكسبلورر» الرياضية متعددة الاستخدامات في شيكاغو لمدة أسبوع بسبب نقص المغناطيسات.

معظم مغناطيسات المعادن الأرضية النادرة مصنوعة من عنصرين خفيفين من المعادن الأرضية النادرة، وهما النيوديميوم والبراسيوديميوم، اللذان تواصل الصين تصديرهما، وهما متاحان أيضاً بكميات أقل بكثير من أستراليا والولايات المتحدة.

لكن تلك المغناطيسات المصنوعة من المعادن الأرضية النادرة يمكن أن تفقد جزءاً كبيراً من مغناطيسيتها إذا تعرضت للحرارة أو مجال كهربائي قوي. لمنع ذلك، يمكن إضافة كميات صغيرة من المعادن الأرضية النادرة الثقيلة، مثل الديسبروسيوم أو التيربيوم، في أثناء الإنتاج.

تُنتج محركات البنزين والعديد من المحركات الكهربائية حرارة كبيرة، لذا تشتري صناعة السيارات في الغالب مغناطيسات مقاومة للحرارة مصنوعة من المعادن الأرضية النادرة التي تحتوي على الديسبروسيوم أو التيربيوم. وحالياً، تبيع الصين تقريباً لا شيء من هذه المغناطيسات المقاومة للحرارة.

تُنتج صناعة المغناطيس في العالم ما يقرب من 200 ألف طن سنوياً من مغناطيسات المعادن الأرضية النادرة التي تحتوي على الديسبروسيوم أو التيربيوم. وتُنتج 80 ألف طن إضافية سنوياً دون هذه المعادن لتطبيقات أقل تطلباً، مثل مشابك الحقائب.

خط إنتاج شركة «مرسيدس بنز» الألمانية لتصنيع السيارات في مصنع بمدينة راشتات الألمانية (رويترز)

هل أوقفت الصين صادرات المعادن الأرضية النادرة من قبل؟

نعم، أوقفت الصين صادرات جميع المعادن الأرضية النادرة إلى اليابان لمدة شهرين في عام 2010 خلال نزاع إقليمي، مما أثار قلق المصنعين اليابانيين الذين كادوا ينفدون من الإمدادات. ساعدت مجموعة «سوميتومو» التجارية اليابانية والحكومة اليابانية لاحقاً شركة «ليناس»، وهي شركة أسترالية، على بناء المزيد من القدرة التعدينية في أستراليا وقدرة المعالجة في ماليزيا، حتى يكون لليابان بديل للصين.

احتفظ العديد من الشركات اليابانية بمخزونات كبيرة جداً منذ ذلك الحين، حيث احتفظت بما يصل إلى 18 شهراً من إمدادات الديسبروسيوم في صناعة أشباه الموصلات، على سبيل المثال. بدأت بعض شركات صناعة السيارات اليابانية، مثل «هوندا» و«نيسان»، مؤخراً في دفع مبالغ إضافية لشراء مغناطيسات مقاومة للحرارة مصنوعة من المعادن الأرضية النادرة باهظة الثمن لا تتطلب الديسبروسيوم، حتى مع تردد شركات صناعة السيارات الأخرى في الدفع مقابل التكنولوجيا البديلة.

لا يبدو أن شركات الإلكترونيات الكبيرة في كوريا الجنوبية قد قامت بتجميع مخزونات. ولكن بعد أن أشارت الصين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي إلى أنها قد تقيد صادرات المعادن الأرضية النادرة، استوردت كوريا الجنوبية كميات كبيرة من الديسبروسيوم من الصين في يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط)، وفقاً لسجلات الجمارك الصينية.

حاولت الولايات المتحدة وأوروبا إنشاء صناعاتهما الخاصة بالمعادن الأرضية النادرة والمغناطيسات بعد الحظر عام 2010. لكنهما تواجهان تكاليف عالية للامتثال البيئي، ويجب عليهما دفع رواتب كبيرة لجذب المهندسين الكيميائيين. تمتلك الصين 39 جامعة بها برامج تدريب على المعادن الأرضية النادرة بينما لا تملك الولايات المتحدة أياً منها.

لماذا أوقفت الصين الصادرات هذه المرة؟

صرحت الحكومة الصينية مراراً بأنها أوقفت صادرات المعادن الأرضية النادرة السبعة، والمغناطيسات المصنوعة منها؛ لأنها «مواد ذات استخدام مزدوج» لها تطبيقات عسكرية ومدنية.

تستخدم أقوى المغناطيسات المقاومة للحرارة، للتطبيقات التي قد تتعرض لدرجات حرارة بالمئات من درجات مئوية، عنصر السماريوم، وليس الديسبروسيوم أو التيربيوم. السماريوم، الذي أوقفت الصين تصديره هذا الربيع، ضروري لأنظمة التوجيه للصواريخ الباليستية العابرة للقارات. وتحتوي طائرة «إف - 35» المقاتلة على نحو 25 رطلاً من مغناطيسات المعادن الأرضية النادرة، معظمها مغناطيسات سماريوم - كوبالت.

يُستخدم الإيتريوم في الليزر، بما في ذلك أجهزة تحديد المدى للمدفعية. ويمكن دمج السكانديوم مع الألمنيوم لصنع أجزاء طائرات خفيفة الوزن.

أما المعادن الأرضية النادرة الأربعة الأخرى الخاضعة لمتطلبات ترخيص التصدير الجديدة في الصين فتُستخدم في الغالب لأغراض مدنية. وتمثل التطبيقات العسكرية نحو 5 في المائة فقط من سوق مغناطيسات المعادن الأرضية النادرة.

ادعت الولايات المتحدة أن الدافع الحقيقي للصين في فرض ضوابط التصدير لا علاقة له بالتطبيقات العسكرية، ولكنه كان جزءاً من رد الصين على قرار إدارة ترمب قبل أيام فرض تعريفات جمركية أعلى بكثير على الواردات من الصين وعشرات الدول الأخرى.

ما الذي سيحدث بعد ذلك؟

اتفقت الصين والولايات المتحدة في 12 مايو (أيار) في جنيف على تخفيض التعريفات الجمركية المتبادلة. كما وافقت الصين على تعليق تطبيق الإجراءات غير الجمركية المفروضة على الولايات المتحدة منذ أوائل أبريل. لكن الصين ادعت أن ضوابط تصدير المعادن الأرضية النادرة تنطبق على جميع الدول، وليس فقط الولايات المتحدة. وهذا يعني ضمناً، وإن لم يُصرح به بوضوح من قبل المسؤولين الصينيين، أن وقف التصدير قد لا يعدّ إجراءً غير جمركي مفروضاً على الولايات المتحدة.

توصل الممثل التجاري للولايات المتحدة جيمسون غرير ووزير الخزانة سكوت بيسنت إلى الاتفاق مع الصين في جنيف. ولكن وكالة أخرى، هي وزارة التجارة، شددت ضوابطها في اليوم التالي على رقائق «هواوي» للكمبيوتر، مانعة الأميركيين من شرائها أو تمويلها. وهذا أغضب المسؤولين الصينيين.

تكافح وزارة التجارة الصينية أيضاً من أجل وضع عملية لإصدار تراخيص تصدير المعادن الأرضية النادرة، مما قد يفسر بعض التأخير. وقد حصلت بعض الشركات الأوروبية على إمدادات، مثل «فولكس فاغن»، لكن البعض الآخر لم يحصل. توقفت الشحنات إلى أوروبا وقد تضطر بعض المصانع هناك إلى الإغلاق مؤقتاً على الرغم من محاولة الصين تحسين العلاقات مع أوروبا.

وافقت شركات صناعة السيارات في ديترويت قبل أسبوع على بضع شحنات، ولكنها تواجه أيضاً نقصاً في الإمدادات.

وتشترط الصين حالياً ترخيصاً منفصلاً وأوراقاً معقدة لكل شحنة. وتحث الشركات الغربية الصين على الموافقة على تراخيص لمدة ثلاثة أشهر أو سنة لكل عميل في الخارج لتسريع العملية.


مقالات ذات صلة

النحاس يرتفع في مستهل الأسبوع وسط شحّ المعروض

الاقتصاد قضبان نحاس في شركة «سي آند آر ميتالز» بميامي (أ.ف.ب)

النحاس يرتفع في مستهل الأسبوع وسط شحّ المعروض

بدأ النحاس الأسبوع بقوة مدعوماً بشحّ المعروض، ما أسهم أيضاً في اتساع فارق السعر الرئيسي، بعدما سجل، الأسبوع الماضي، أوسع مستوياته خلال خمس سنوات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد قضبان نحاس معروضة على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بفلوريدا (أ.ف.ب)

النحاس يتراجع مع تزايد مخاوف الطلب رغم اتجاهه لتحقيق مكاسب أسبوعية

تراجعت أسعار النحاس يوم الجمعة، لكنها ظلت مرتفعة بشكل طفيف على أساس أسبوعي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد قضبان نحاس على رفوف شركة «سي آند آر ميتالز» في ميامي بولاية فلوريدا (أ.ف.ب)

النحاس يتراجع بفعل قوة الدولار ومخاوف تباطؤ النمو العالمي

تراجعت أسعار النحاس والمعادن الصناعية الأخرى، الخميس، متأثرة بقوة الدولار ومخاوف بشأن النمو العالمي في ظل استمرار الصراع في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وزير البترول المصري خلال إعلانه المزايدة العالمية (وزارة البترول)

مصر تطرح مزايدة عالمية للتنقيب عن النفط والغاز في 14 منطقة

قال وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي، الأربعاء، إن مصر تطرح مزايدة عالمية للتنقيب عن النفط والغاز في 14 منطقة جديدة أمام الشركات العالمية والمصرية

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الاقتصاد علب ألمنيوم خلال عملية إنتاج في مصنع «بلاك بلايغ برويري» بمدينة أوشنسايد بولاية كاليفورنيا الأميركية (رويترز)

الألمنيوم يسجل أعلى مستوى في 7 أسابيع مع تراجع المخزونات

ارتفعت أسعار الألمنيوم للجلسة السابعة على التوالي يوم الثلاثاء، لتسجل أعلى مستوى لها في 7 أسابيع، مدفوعة بمخاوف من شح المخزونات واستمرار نقص الإمدادات.

«الشرق الأوسط» (لندن)

عوائد السندات اليابانية عند ذروة 30 عاماً

رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

عوائد السندات اليابانية عند ذروة 30 عاماً

رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
رجل يمر أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

دخلت الأسواق اليابانية، الاثنين، في معادلة أكثر تعقيداً، مع قفزة عوائد السندات الحكومية إلى مستويات لم تشهدها منذ 3 عقود، في وقت كشفت فيه بيانات الناتج المحلي عن نمو أضعف من المتوقع. وبين مخاوف التضخم المرتبطة بأزمة الشرق الأوسط وترقب مزيد من التشديد النقدي من «بنك اليابان»، تعرضت غالبية الأسهم للضغط، رغم نجاح مؤشر «نيكي» في إنهاء الجلسة مرتفعاً بفضل أسهم التكنولوجيا المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وقفز عائد السندات الحكومية القياسية لأجل 10 سنوات 5 نقاط أساس إلى 2.925 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر (أيلول) 1996، مسجلاً ارتفاعه للجلسة السادسة على التوالي، في أطول موجة صعود منذ أكثر من عام. وامتدت الضغوط إلى مختلف آجال الاستحقاق. فقد ارتفع عائد السندات لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، 3.5 نقطة أساس إلى 1.685 في المائة، وهو الأعلى منذ مايو (أيار) 1995، بينما بلغ عائد الخمس سنوات مستوى قياسياً عند 2.155 في المائة.

وفي الطرف الأطول من منحنى العائد، صعد عائد السندات لأجل 30 عاماً إلى 4.06 في المائة، وعائد الأربعين عاماً إلى 4.115 في المائة.

وقال كيسوكي تسورتا، كبير استراتيجيي السندات لدى «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي للأوراق المالية»، إن النظرة السلبية للسندات الحكومية تنتشر عالمياً مع تسارع الاتجاه الصعودي للعوائد؛ مشيراً إلى أن الغموض بشأن سرعة رفع «بنك اليابان» للفائدة والمستوى النهائي الذي قد تصل إليه يمثل مصدر قلق رئيسياً محلياً. وتزداد حساسية الأسواق لأن ارتفاع تكلفة الاقتراض يتزامن مع اقتصاد لا يظهر زخماً قوياً. فقد نما الاقتصاد الياباني بمعدل سنوي 1.1 في المائة في الربع الممتد من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران)، مقارنة بتوقعات بلغت 2 في المائة. وكانت التفاصيل أكثر إثارة للقلق بشأن الطلب المحلي؛ إذ استقر الاستهلاك الخاص من دون نمو، بينما انخفض الإنفاق الرأسمالي 1.2 في المائة خلال الربع.

وفي الوقت نفسه، ترفع اضطرابات الشرق الأوسط -بما فيها تعطل حركة ناقلات عبر مضيق هرمز- أسعار الطاقة، وتزيد مخاطر التضخم بالنسبة إلى اليابان التي تعتمد بصورة كبيرة على الواردات. وهذه المعادلة تضع «بنك اليابان» أمام تحدٍّ دقيق؛ حيث التضخم وعوائد السندات يدعمان مبررات مواصلة رفع الفائدة، بينما يشير ضعف الاستهلاك والاستثمار إلى محدودية قدرة الاقتصاد على تحمل تشديد سريع.

وانعكست هذه المخاوف على بورصة طوكيو؛ إذ انخفض مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً 0.31 في المائة إلى 4184.11 نقطة. ولكن مؤشر «نيكي» عكس خسائره المبكرة وأغلق مرتفعاً 0.74 في المائة عند 69220.25 نقطة.

غير أن صعود المؤشر أخفى ضعفاً أوسع في السوق؛ فمن بين مكوناته الـ225، ارتفع 77 سهماً فقط، مقابل انخفاض 146 سهماً واستقرار سهمين. وكانت شركات مرتبطة بسلسلة توريد الذكاء الاصطناعي وراء جانب كبير من دعم «نيكي».

وقفز سهم «كيوكسيا هولدينغز» لصناعة الرقائق 15.07 في المائة، و«ميتسوي كينزوكو» 7.54 في المائة، و«فوجيكورا» 7.29 في المائة. وفي المقابل، هبط «تريند مايكرو» 8.53 في المائة و«إن إي سي» 7.39 في المائة و«دينتسو غروب» 7.09 في المائة. ويرى واتارو أكياما، استراتيجي الأسهم لدى «نومورا»، أن تصاعد الضغوط التضخمية المرتبطة بالشرق الأوسط دفع أسعار الفائدة القصيرة والطويلة الأجل إلى الارتفاع، محذراً من أن ذلك قد يضع سقفاً لمكاسب سوق الأسهم.


تأسيس 26 ألف شركة جديدة في مصر خلال 6 أشهر

أبراج وفنادق ومقرات شركات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
أبراج وفنادق ومقرات شركات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
TT

تأسيس 26 ألف شركة جديدة في مصر خلال 6 أشهر

أبراج وفنادق ومقرات شركات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)
أبراج وفنادق ومقرات شركات على نيل القاهرة (تصوير: عبد الفتاح فرج)

أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري، يوم الاثنين، تأسيس نحو 26 ألف شركة جديدة في مصر خلال النصف الأول من عام 2026.

وأفاد المركز، في بيان صحافي، بارتفاع معدل تأسيس الشركات في مصر خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى يونيو (حزيران) 2026، بنحو 20 في المائة.

وأوضح أن النصف الأول من عام 2026 شهد نمواً ملحوظاً في النشاط الاستثماري، حيث تم تأسيس نحو 26 ألف شركة جديدة، بزيادة نسبتها 20 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، بينما بلغت رؤوس الأموال المُصدرة نحو 97.5 مليار جنيه.

ووفق البيان، يعكس هذا النمو ازدياد النشاط الاستثماري واتساع قاعدة الشركات الجديدة، بما يسهم في دعم التوسع في الإنتاج، وخلق المزيد من فرص العمل، وتعزيز دور القطاع الخاص في الاقتصاد المصري.

ويأتي ذلك، وفقاً للبيان، في إطار جهود الدولة المتواصلة لتحسين بيئة الأعمال، وتيسير إجراءات تأسيس الشركات وتطوير خدمات الاستثمار، بما يعزز جاذبية السوق المصرية، ويدعم زيادة الاستثمارات وتوسيع النشاط الاقتصادي في مختلف أنحاء الجمهور.


«سنرجيكو» الباكستانية للتكرير توسِّع وارداتها من النفط الأميركي وسط اضطرابات «هرمز»

عامل يمر بالقرب من خزانات بحقل نفط في كازاخستان (رويترز)
عامل يمر بالقرب من خزانات بحقل نفط في كازاخستان (رويترز)
TT

«سنرجيكو» الباكستانية للتكرير توسِّع وارداتها من النفط الأميركي وسط اضطرابات «هرمز»

عامل يمر بالقرب من خزانات بحقل نفط في كازاخستان (رويترز)
عامل يمر بالقرب من خزانات بحقل نفط في كازاخستان (رويترز)

تشتري «سنرجيكو»، أكبر شركة تكرير نفط في باكستان، مزيداً من النفط الخام الأميركي في إطار سعي إسلام آباد لتنويع مصادر الطاقة في البلاد بعد أزمة مضيق هرمز، وفقاً لـ«رويترز».

وترغب باكستان في زيادة وارداتها من الولايات المتحدة للمساعدة في تقليص فائضها التجاري وضمان تخفيضات في الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب.

وقال نائب رئيس مجلس إدارة شركة «سنرجيكو»، أسامة قريشي، وفقاً لـ«رويترز»، إن الشركة، التي بدأت شراء النفط الخام الأميركي العام الماضي، تدرس أيضاً عمليات شراء فورية مقابل عقود طويلة الأجل مع شركة «فيتول» وموردين آخرين، استناداً إلى «التسعير والموثوقية وأمن الإمدادات».

وأضاف قريشي أن «سنرجيكو» استوردت نحو 8.1 مليون برميل من النفط الخام الأميركي على مدى تسعة أشهر، منها 7.1 مليون برميل بقيمة تقارب 750 مليون دولار في السنة المالية المنتهية في يونيو (حزيران).

مشتريات المصافي

أظهرت بيانات البنك المركزي أن مدفوعات باكستان لواردات الولايات المتحدة ارتفعت بمقدار 914 مليون دولار لتصل إلى 3.27 مليار دولار في تلك السنة المالية، مما يجعل مشتريات «سنرجيكو» تعادل نحو 80 في المائة من هذه الزيادة.

وقال قريشي إن مصفاة النفط قد تزيد مشترياتها من النفط الخام الأميركي إذا تم تمديد برنامج التمويل التجاري المقترح من بنك التصدير والاستيراد الباكستاني ليشملها. وكانت إسلام آباد قد طرحت هذا البرنامج الشهر الماضي للسماح للمشترين الباكستانيين بتأجيل سداد المدفوعات للمصدرين الأميركيين لمدة تصل إلى ثلاث سنوات.

وتستورد باكستان النفط بشكل رئيسي من السعودية والإمارات، حيث كان نحو 90 في المائة من وارداتها من النفط والغاز الطبيعي المسال يمر عبر مضيق هرمز قبل الحرب.

وقد ضغط ارتفاع أسعار الوقود على الحكومة الباكستانية لاتخاذ إجراءات، مع اندلاع جولة جديدة من الاحتجاجات ضد التضخم وأسعار الوقود هذا الأسبوع.

وأضاف قريشي أن شركة «سنرجيكو» تُقيّم إنشاء مرسى بحري ثانٍ مرتبط بشبكة التخزين التابعة لها، وذلك لاستيراد وتصدير المنتجات المكررة على متن ناقلات ضخمة خارج موانئ كراتشي المزدحمة، كجزء من مشروع تطوير بقيمة 1.2 مليار دولار لتلبية معايير «يورو 5»، وخفض إنتاج زيت الوقود، وزيادة الطاقة الاستيعابية إلى نحو 200 ألف برميل يومياً.

ويرى فؤاد بصير، رئيس قسم الأبحاث في شركة «كي تريد» للأوراق المالية، أن اضطرابات الشرق الأوسط أبرزت مخاطر الاعتماد على خط إمداد واحد. ويمكن أن يؤدي استخدام ناقلات النفط الخام العملاقة لنقل النفط الخام الأميركي إلى خفض تكاليف الشحن بنسبة تتراوح بين 25 و30 في المائة، بينما من شأن إنشاء مرسى ثانٍ أن يُسرّع من عملية إعادة تشغيل السفن.