التلاعب بالعملة... سلاح خفيّ في الحروب الاقتصادية العالمية

وسط مخاوف من اختلال الميزان التجاري وتفاقم الضغوط التضخمية وارتفاع مستويات الديون

أوراق نقدية بقيمة 1000 فرنك سويسري بصندوق في أحد البنوك في زيوريخ (رويترز)
أوراق نقدية بقيمة 1000 فرنك سويسري بصندوق في أحد البنوك في زيوريخ (رويترز)
TT

التلاعب بالعملة... سلاح خفيّ في الحروب الاقتصادية العالمية

أوراق نقدية بقيمة 1000 فرنك سويسري بصندوق في أحد البنوك في زيوريخ (رويترز)
أوراق نقدية بقيمة 1000 فرنك سويسري بصندوق في أحد البنوك في زيوريخ (رويترز)

في عالم اليوم الذي تتشابك فيه المصالح الاقتصادية وتزداد حدة المنافسة، لم تعد الحروب تقتصر على الصراعات العسكرية المباشرة. لقد أصبحت ساحات القتال تتسع لتشمل الأسواق المالية وأسعار الصرف، حيث برز التلاعب بالعملة سلاحاً خفياً وفعالاً في الحروب الاقتصادية الحديثة. هذه الممارسة، التي قد تبدو تقنية ومعقدة للوهلة الأولى، تحمل في طياتها القدرة على زعزعة استقرار الدول، وتغيير مسارات التجارة العالمية، وإعادة تشكيل ميزان القوى الاقتصادية دون إطلاق رصاصة واحدة. وهو ما يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب من التحذير منه في تصريحاته، وخصوصاً تجاه الصين واليابان اللتين يرى أنه بخفضهما عملتهما يضران بالصناعة الأميركية.

ورقة نقدية بقيمة 5 دولارات مع خلفية العَلم الأميركي (رويترز)

لكن ما هو التلاعب بالعملة؟

يمكن تعريف التلاعب بالعملة بأنه تدخل متعمد من قِبل الحكومات أو البنوك المركزية لتغيير قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية؛ وذلك بهدف تحقيق مكاسب اقتصادية أو تجارية. يتم هذا التدخل غالباً من خلال عمليات ضخمة لشراء أو بيع العملات الأجنبية، أو عبر التأثير غير المباشر على أسعار الفائدة، أو فرض قيود على حركة رؤوس الأموال. ويكون الهدف الأساسي عادةً خفض قيمة العملة المحلية لجعل الصادرات أكثر جاذبية، أو رفعها لتقليل تكلفة الواردات، بما ينسجم مع أولويات الدولة في كل مرحلة.

لكن هذه الممارسات قد تؤدي إلى اختلالات في النظام المالي العالمي، عبر تشويه المنافسة التجارية، وتفاقم الفوائض أو العجوزات في موازين المدفوعات، إضافة إلى إثارة ردود فعل انتقامية، مثل فرض الرسوم الجمركية أو تطبيق قيود تجارية؛ ما يعمّق التوترات الاقتصادية والسياسية على المستوى الدولي.

وقد حذّر صندوق النقد الدولي من هذه السياسات، حيث تنص مادته الرابعة على أن الدول الأعضاء «تلتزم بتجنب التلاعب بأسعار الصرف أو النظام النقدي الدولي؛ بهدف منع تعديل فعال في ميزان المدفوعات، أو لكسب ميزة تنافسية غير عادلة على حساب الدول الأعضاء الأخرى».

تجارب تاريخية

شهدت العقود الماضية أمثلة متعددة على التلاعب بالعملة. ففي اليابان خلال تسعينات القرن الماضي، تدخلت الحكومة بشكل مباشر لخفض قيمة الين دعماً للصناعات التصديرية؛ ما ساهم في إنعاش الاقتصاد الذي كان يعاني ركوداً طويلاً. أما الصين، فاتبعت نظام «التعويم المُدار» لسعر صرف اليوان، وتدخلت بشكل مباشر وغير مباشر للمحافظة على سعر صرف منخفض؛ وهو ما منحها ميزة تنافسية كبيرة في الأسواق العالمية، لكنه أيضاً جرّ عليها انتقادات دولية، خاصةً من الولايات المتحدة.

على الجانب الآخر، شهدت الولايات المتحدة في ثمانينات القرن الماضي تحالفاً مع ألمانيا واليابان في «اتفاق بلازا»، الذي هدف إلى خفض قيمة الدولار لتحقيق توازن تجاري وتخفيف الضغط على حلفائها الاقتصاديين.

ورقة نقدية من الين الياباني تظهر في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

آثار التلاعب بالعملة

يُعدّ التلاعب بالعملة سلاحاً حاسماً في السياسات الاقتصادية الدولية؛ لما له من تبعات بعيدة المدى على كل من الاقتصاد المحلي والدولي. ويمكن تلخيص أبرز آثارها في المحاور التالية:

1. اختلال الميزان التجاري والنمو الاقتصادي: يؤدي خفض قيمة العملة إلى تعزيز تنافسية الصادرات وزيادة حجمها؛ ما ينعش الاقتصاد على المدى القصير. غير أن هذا النمو قد يكون هشاً؛ إذ غالباً ما يُقابل بإجراءات مضادة من شركاء التجارة الدوليين؛ ما يؤدي إلى عودة العجز وربما نشوب نزاعات تجارية.

2. تأثيرات على سوق العمل: يؤدي ضعف العملة إلى خلق فرص عمل جديدة في القطاعات التصديرية نتيجة زيادة الطلب على المنتجات المحلية. إلا أن هذه السياسة تُثقل كاهل القطاعات المعتمدة على الواردات، التي تعاني ارتفاع التكاليف؛ ما قد يؤدي إلى تقليص الإنتاج وتسريح العمال. وبالمقابل، تعاني الدول المستوردة من السلع الرخيصة تراجعاً صناعياً وبطالة هيكلية.

3. الضغوط على التضخم والسياسة النقدية: يؤدي ضعف العملة إلى ارتفاع أسعار الواردات؛ ما يرفع التضخم، ويقيّد قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة أو اعتماد سياسات توسعية. في المقابل، تتيح العملة القوية مجالاً أوسع للسياسات النقدية المرنة، لكنها تُضعف التنافسية التصديرية.

4. الآثار على المستهلكين والشركات: يعاني المستهلكون تراجع قدرتهم الشرائية وارتفاع أسعار السلع المستوردة. أما الشركات، فتواجه زيادة في تكاليف الإنتاج؛ ما يقلص أرباحها ويضعف تنافسيتها، ويضطر بعضها إلى تقليص نشاطه أو خفض العمالة للتكيف مع الظروف الجديدة.

5. مخاوف دولية من اختلال التوازنات: أدت ممارسات تاريخية كتلك التي شهدها العالم خلال أزمة الثلاثينات («إفقار الجار»)، أو «صدمة الصين» بعد التسعينات، إلى تعزيز المخاوف من أن التلاعب بالعملة يؤدي إلى نمو غير متوازن، يُضعف الطلب العالمي، ويُحفّز الأزمات المالية وتفاقم الديون، كما حصل في أزمة اليونان وعدة دول نامية.

سياسة ترمب: «أميركا أولاً» وتكثيف المواجهة

منذ عودته إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، أعلن الرئيس دونالد ترمب تبني سياسة أكثر صرامة تجاه التلاعب بالعملة، عادَّاً إياه عاملاً رئيساً في اتساع العجز التجاري وفقدان الوظائف. وأكد أن إدارته ستستخدم كل الأدوات الممكنة، من ضمنها سلطاتها الجمركية، للتصدي لأي تلاعب مُثبت.

شعار وزارة الخزانة الأميركية وعَلم الولايات المتحدة يظهران في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

وترى واشنطن أن تلاعب بعض الشركاء بأسعار صرف عملاتهم أضرّ بالصناعة الأميركية، وأضعف الاقتصاد الوطني، وخلق اختلالات في سلاسل التوريد. ورغم تراجع التدخلات المباشرة في سوق الصرف مؤخراً، ترى الإدارة أن آثارها السلبية ما زالت قائمة.

وفي تقريرها نصف السنوي بعنوان «سياسات الاقتصاد الكلي والصرف الأجنبي للشركاء التجاريين الرئيسين للولايات المتحدة»، لم تجد وزارة الخزانة دليلاً قاطعاً على تلاعب أي شريك رئيس بالعملة. ومع ذلك، أُدرجت آيرلندا وسويسرا على «قائمة المراقبة» بعد تجاوزهما اثنين من ثلاثة معايير: فائض تجاري مع الولايات المتحدة يتجاوز 15 مليار دولار، وفائض في الحساب الجاري يتعدى 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتدخل صافٍ مستمر في سوق الصرف الأجنبي في اتجاه واحد. وضمت قائمة المراقبة في التقرير كلاً من الصين، واليابان، وكوريا، وتايوان، وسنغافورة، وفيتنام وألمانيا إلى جانب آيرلندا وسويسرا، مع الإشارة إلى أن جميع هذه الدول، باستثناء آيرلندا وسويسرا، كانت مُدرجة في قائمة المراقبة في تقرير نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

وقد نفى البنك الوطني السويسري أي اتهامات تتعلق بتلاعبه في سعر صرف الفرنك، مشدداً على أن سياساته النقدية تهدف إلى دعم الاقتصاد الوطني، لا سيما في ظل الدور الذي لعبه الفرنك القوي في كبح جماح التضخم، الذي انخفض إلى مستويات سلبية خلال الشهر الماضي. وقال في بيان رسمي: «لا يتلاعب البنك الوطني بالفرنك بأي شكل من الأشكال، كما أنه لا يسعى إلى تعطيل التعديلات الطبيعية في ميزان المدفوعات أو تحقيق مكاسب تنافسية غير عادلة».

الصين تحت المجهر مجدداً

رغم أن الصين لم تُصنَّف رسمياً متلاعباً بالعملة، وجّه التقرير انتقادات حادة لها بسبب غياب الشفافية في إدارة سعر صرف الرنمينبي، والتدخلات غير المُعلنة عبر البنوك المملوكة للدولة بتوجيه من بنك الشعب الصيني. ويأتي هذا في ظل مساعي واشنطن لتجنب حرب تجارية شاملة مع بكين.

مقرّ بنك الشعب الصيني في بكين (رويترز)

وقالت الوزارة في بيان رسمي: «لن يمنع هذا النقص في الشفافية وزارة الخزانة من تصنيف الصين في المستقبل إذا أظهرت الأدلة تدخلها، سواء عبر قنوات رسمية أو غير رسمية، للحيلولة دون ارتفاع قيمة اليوان».

وبحسب التقرير، بلغ فائض تجارة السلع الصيني تريليون دولار، أي أكثر من 60 في المائة من الفوائض العالمية، بينما ارتفع فائض الحساب الجاري إلى 2.3 في المائة من الناتج المحلي. أما الفائض التجاري مع الولايات المتحدة فبلغ 264 مليار دولار؛ ما يعمّق القلق الأميركي. وأثار التحول في بند «صافي الأخطاء والإغفالات» إلى فائض، لأول مرة منذ 2008، تساؤلات حول شفافية تدفقات رأس المال.

وتعتمد الصين على أدوات غير تقليدية في إدارة سعر صرف الرنمينبي، تشمل تحديد السعر المركزي يومياً، السماح بتداوله ضمن نطاق ±2 في المائة، توجيه البنوك الحكومية للتدخل نيابة عن البنك المركزي، التأثير غير المباشر على أسعار الفائدة خارج الصين، وفرض قيود صارمة على تحويل العملات الأجنبية من قبل الشركات الحكومية.

وتُعقّد هذه السياسات بشكل كبير مهمة تتبع حجم التدخلات الفعلية في السوق وتقييم مدى تأثيرها الحقيقي، وهو ما تعدّه واشنطن مصدر قلق جوهري. وترى الإدارة الأميركية أن هذا الغموض المتعمد في السياسة النقدية يمثل تهديداً للاستقرار الاقتصادي العالمي ويستدعي أعلى درجات الحذر، لا سيما في ظل ارتفاع فائض الصين التجاري واستمرار الفجوة في العلاقة الاقتصادية الثنائية.

ويُنظر إلى هذا النهج غير الشفاف بوصفه مبرراً قوياً لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة مستقبلاً، في حال لم تُبدِ الصين تحسناً ملموساً في مستوى الشفافية وتعديلاً في ممارساتها النقدية. وفي حال قررت واشنطن إعادة تصنيف الصين متلاعباً بالعملة - كما حدث في أغسطس (آب) 2019 خلال الولاية الأولى للرئيس ترمب - فإن من المرجّح أن تعود التوترات التجارية إلى الواجهة، خصوصاً في ظل احتدام المنافسة العالمية على المعادن الاستراتيجية والسيطرة على سلاسل التوريد.

ضرورة الإصلاح والتنسيق الدولي

رغم أن التلاعب بالعملة قد يوفر مكاسب قصيرة الأجل للدولة التي تمارسه، فإن آثاره السلبية على النظام الاقتصادي العالمي تجعله سلوكاً خطيراً وغير قابل للاستدامة. فمثل هذه السياسات تُفضي غالباً إلى تصعيد التوترات التجارية، واندلاع حروب اقتصادية، وتقويض الاستقرار المالي؛ ما يفرض الحاجة الماسّة إلى تعزيز الشفافية وتكثيف التنسيق الدولي لضمان بيئة تنافسية عادلة واستقرار اقتصادي شامل.

ومع دخول سياسة «أميركا أولاً» مرحلة أكثر تشدداً في ولاية ترمب الثانية، تتجه الأنظار مجدداً نحو الصين، التي لا تزال، رغم التحذيرات المتكررة، تملك وتستخدم أحد أقوى أدواتها الاقتصادية غير التقليدية: التحكم في سعر صرف الرنمينبي؛ ما يجعلها في قلب الجدل حول العدالة التجارية.


مقالات ذات صلة

الدولار يتماسك قرب ذروته مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يتماسك قرب ذروته مع تصاعد التوترات في الشرق الأوسط

استقر الدولار قرب أعلى مستوياته في عدة أشهر يوم الجمعة، مدعوماً بتزايد الطلب عليه كملاذ آمن، في ظل تصاعد التوترات في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ )
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستجمع قواه مع تعافي الثقة وتراجع توقعات رفع الفائدة الأميركية

حافظ الدولار الأميركي على مكاسبه مع انطلاق التداولات الآسيوية، يوم الخميس، مدعوماً باستعادة المستثمرين لثقتهم تدريجياً في الأسواق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد امرأة تحمل ورقة نقدية من فئة 500 روبية في الأحياء القديمة بدلهي (رويترز)

تضارب الأنباء بين واشنطن وطهران يضع متداولي العملات في حالة استنفار وإرهاق

أظهرت أسواق العملات علامات على الإرهاق في التداولات الآسيوية، يوم الأربعاء، حيث أبدى المتداولون حذراً إزاء جهود الرئيس الأميركي لإنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد متسوقون داخل متجر «سيلفريدجز» في ويست إند بلندن (رويترز)

مبيعات التجزئة البريطانية تتراجع بأكبر وتيرة منذ بداية جائحة «كوفيد-19»

أظهر مسح نُشر يوم الثلاثاء أن مبيعات التجزئة البريطانية شهدت هذا الشهر أكبر انخفاض لها، منذ أبريل 2020.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يرتفع بحذر وسط ضبابية الحرب

سجّل الدولار الأميركي ارتفاعاً طفيفاً يوم الثلاثاء، مع تحوّل معنويات المستثمرين نحو الحذر في ظل استمرار الحرب بالشرق الأوسط وتزايد الشكوك بشأن التوصل إلى حل.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)

ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن و«كبلر»، أن ناقلتي غاز البترول المسال «بي دبليو إلم» و«بي دبليو تير» تعبران مضيق هرمز متجهتين إلى الهند.

وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق، لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.

وأظهرت البيانات أن السفينتين اللتين ترفعان علم الهند عبرتا منطقة الخليج وهما الآن في شرق مضيق هرمز.

وتعمل الهند حالياً على نقل شحناتها العالقة من غاز البترول المسال خارج المضيق تدريجياً، ونقلت أربع شحنات حتى الآن عبر الناقلات شيفاليك وناندا ديفي وباين جاز وجاج فاسانت.

وقال راجيش كومار سينها، المسؤول بوزارة الشحن الهندية، إنه حتى يوم الجمعة الماضي، كانت 20 سفينة ترفع علم الهند، منها خمس ناقلات غاز بترول مسال، عالقة في الخليج.

وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن ناقلات غاز البترول المسال «غاغ فيكرام» و«غرين آشا» و«غرين سانفي» لا تزال في القطاع الغربي من مضيق هرمز.

وتواجه الهند، ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، أسوأ أزمة غاز منذ عقود. وخفضت الحكومة الإمدادات المخصصة للصناعات بهدف حماية الأسر من أي نقص لغاز الطهي.

واستهلكت البلاد 33.15 مليون طن من غاز البترول المسال، أو غاز الطهي، العام الماضي. وشكلت الواردات نحو 60 في المائة من الطلب. وجاء نحو 90 في المائة من تلك الواردات من الشرق الأوسط.

وتُحمل الهند أيضاً غاز البترول المسال على سفنها الفارغة العالقة في الخليج.


حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.


استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
TT

استقرار الديون الخارجية للصين في عام 2025

سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)
سجلت الصين فائضاً تجارياً خلال فبراير الماضي قدره 52 مليار دولار (رويترز)

أظهرت بيانات رسمية استقرار الديون الخارجية للصين، خلال العام الماضي، مع وصولها إلى نحو 2.33 تريليون دولار.

وأفادت الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي في الصين، السبت، بأن هذا الرقم يقل بنحو 15.5 مليار دولار، أو 0.7 في المائة، مقارنة مع نهاية عام 2024، وفقاً للبيانات التي أوردتها وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا).

وقال لي بين، نائب رئيس الهيئة والمتحدث باسمها، إن هيكل عملات الديون الخارجية للصين شهد تحسناً في عام 2025، بينما بقي هيكل الاستحقاق مستقراً على شكل أساسي.

وبنهاية عام 2025، شكَّلت الديون الخارجية غير المسددة المقومة باليوان الصيني 55.5 في المائة من الإجمالي، بزيادة 1.4 نقطة مئوية قياساً بنهاية 2024.

وبالنسبة لهيكل الاستحقاق، شكَّلت الديون المتوسطة والطويلة الأجل 43.5 في المائة من الإجمالي بنهاية 2025، بانخفاض قدره 0.6 نقطة مئوية عن نهاية 2024، حسبما أظهرت بيانات الهيئة.

وكشفت البيانات أيضاً أن نسبة الديون الخارجية غير المسددة للصين إلى إجمالي الناتج المحلي بنهاية العام الماضي بلغت 11.9 في المائة، في حين بلغت نسبة الديون الخارجية غير المسددة إلى عائدات التصدير 56.3 في المائة.

وأوضح نائب رئيس الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي، أن هذه المؤشرات بقيت ضمن عتبات الأمان المعترف بها دولياً، مضيفاً أن مخاطر الديون الخارجية للصين يمكن السيطرة عليها بشكل عام.

على صعيد آخر، أوضحت الهيئة الوطنية للنقد الأجنبي، أن قيمة التجارة الخارجية للصين من السلع والخدمات تجاوزت 3.93 تريليون يوان في فبراير (شباط) الماضي.

وأوضحت الهيئة أن صادرات السلع والخدمات وصلت إلى نحو 2.15 تريليون يوان، بينما تجاوزت قيمة الواردات 1.79 تريليون يوان، ما أدى إلى فائض قدره 360.3 مليار يوان.

وفيما يتعلق بأعمال تجارة الخدمات الرئيسية؛ بلغت قيمة خدمات السفر 159.6 مليار يوان، بينما بلغت قيمة الخدمات التجارية الأخرى 128.5 مليار يوان، وبلغت قيمة خدمات النقل 103.3 مليار يوان، في حين بلغت قيمة خدمات الاتصالات والكومبيوتر والمعلومات 62.8 مليار يوان في الشهر الماضي، وفقاً للبيانات.

ومن حيث القيمة الدولارية؛ بلغت قيمة صادرات الصين من السلع والخدمات 309.2 مليار دولار خلال فبراير الماضي، بينما وصلت قيمة وارداتها إلى 257.3 مليار دولار، ما أدى إلى فائض قدره 51.9 مليار دولار، وفقاً للهيئة.