التلاعب بالعملة... سلاح خفيّ في الحروب الاقتصادية العالمية

وسط مخاوف من اختلال الميزان التجاري وتفاقم الضغوط التضخمية وارتفاع مستويات الديون

أوراق نقدية بقيمة 1000 فرنك سويسري بصندوق في أحد البنوك في زيوريخ (رويترز)
أوراق نقدية بقيمة 1000 فرنك سويسري بصندوق في أحد البنوك في زيوريخ (رويترز)
TT

التلاعب بالعملة... سلاح خفيّ في الحروب الاقتصادية العالمية

أوراق نقدية بقيمة 1000 فرنك سويسري بصندوق في أحد البنوك في زيوريخ (رويترز)
أوراق نقدية بقيمة 1000 فرنك سويسري بصندوق في أحد البنوك في زيوريخ (رويترز)

في عالم اليوم الذي تتشابك فيه المصالح الاقتصادية وتزداد حدة المنافسة، لم تعد الحروب تقتصر على الصراعات العسكرية المباشرة. لقد أصبحت ساحات القتال تتسع لتشمل الأسواق المالية وأسعار الصرف، حيث برز التلاعب بالعملة سلاحاً خفياً وفعالاً في الحروب الاقتصادية الحديثة. هذه الممارسة، التي قد تبدو تقنية ومعقدة للوهلة الأولى، تحمل في طياتها القدرة على زعزعة استقرار الدول، وتغيير مسارات التجارة العالمية، وإعادة تشكيل ميزان القوى الاقتصادية دون إطلاق رصاصة واحدة. وهو ما يواصل الرئيس الأميركي دونالد ترمب من التحذير منه في تصريحاته، وخصوصاً تجاه الصين واليابان اللتين يرى أنه بخفضهما عملتهما يضران بالصناعة الأميركية.

ورقة نقدية بقيمة 5 دولارات مع خلفية العَلم الأميركي (رويترز)

لكن ما هو التلاعب بالعملة؟

يمكن تعريف التلاعب بالعملة بأنه تدخل متعمد من قِبل الحكومات أو البنوك المركزية لتغيير قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية؛ وذلك بهدف تحقيق مكاسب اقتصادية أو تجارية. يتم هذا التدخل غالباً من خلال عمليات ضخمة لشراء أو بيع العملات الأجنبية، أو عبر التأثير غير المباشر على أسعار الفائدة، أو فرض قيود على حركة رؤوس الأموال. ويكون الهدف الأساسي عادةً خفض قيمة العملة المحلية لجعل الصادرات أكثر جاذبية، أو رفعها لتقليل تكلفة الواردات، بما ينسجم مع أولويات الدولة في كل مرحلة.

لكن هذه الممارسات قد تؤدي إلى اختلالات في النظام المالي العالمي، عبر تشويه المنافسة التجارية، وتفاقم الفوائض أو العجوزات في موازين المدفوعات، إضافة إلى إثارة ردود فعل انتقامية، مثل فرض الرسوم الجمركية أو تطبيق قيود تجارية؛ ما يعمّق التوترات الاقتصادية والسياسية على المستوى الدولي.

وقد حذّر صندوق النقد الدولي من هذه السياسات، حيث تنص مادته الرابعة على أن الدول الأعضاء «تلتزم بتجنب التلاعب بأسعار الصرف أو النظام النقدي الدولي؛ بهدف منع تعديل فعال في ميزان المدفوعات، أو لكسب ميزة تنافسية غير عادلة على حساب الدول الأعضاء الأخرى».

تجارب تاريخية

شهدت العقود الماضية أمثلة متعددة على التلاعب بالعملة. ففي اليابان خلال تسعينات القرن الماضي، تدخلت الحكومة بشكل مباشر لخفض قيمة الين دعماً للصناعات التصديرية؛ ما ساهم في إنعاش الاقتصاد الذي كان يعاني ركوداً طويلاً. أما الصين، فاتبعت نظام «التعويم المُدار» لسعر صرف اليوان، وتدخلت بشكل مباشر وغير مباشر للمحافظة على سعر صرف منخفض؛ وهو ما منحها ميزة تنافسية كبيرة في الأسواق العالمية، لكنه أيضاً جرّ عليها انتقادات دولية، خاصةً من الولايات المتحدة.

على الجانب الآخر، شهدت الولايات المتحدة في ثمانينات القرن الماضي تحالفاً مع ألمانيا واليابان في «اتفاق بلازا»، الذي هدف إلى خفض قيمة الدولار لتحقيق توازن تجاري وتخفيف الضغط على حلفائها الاقتصاديين.

ورقة نقدية من الين الياباني تظهر في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

آثار التلاعب بالعملة

يُعدّ التلاعب بالعملة سلاحاً حاسماً في السياسات الاقتصادية الدولية؛ لما له من تبعات بعيدة المدى على كل من الاقتصاد المحلي والدولي. ويمكن تلخيص أبرز آثارها في المحاور التالية:

1. اختلال الميزان التجاري والنمو الاقتصادي: يؤدي خفض قيمة العملة إلى تعزيز تنافسية الصادرات وزيادة حجمها؛ ما ينعش الاقتصاد على المدى القصير. غير أن هذا النمو قد يكون هشاً؛ إذ غالباً ما يُقابل بإجراءات مضادة من شركاء التجارة الدوليين؛ ما يؤدي إلى عودة العجز وربما نشوب نزاعات تجارية.

2. تأثيرات على سوق العمل: يؤدي ضعف العملة إلى خلق فرص عمل جديدة في القطاعات التصديرية نتيجة زيادة الطلب على المنتجات المحلية. إلا أن هذه السياسة تُثقل كاهل القطاعات المعتمدة على الواردات، التي تعاني ارتفاع التكاليف؛ ما قد يؤدي إلى تقليص الإنتاج وتسريح العمال. وبالمقابل، تعاني الدول المستوردة من السلع الرخيصة تراجعاً صناعياً وبطالة هيكلية.

3. الضغوط على التضخم والسياسة النقدية: يؤدي ضعف العملة إلى ارتفاع أسعار الواردات؛ ما يرفع التضخم، ويقيّد قدرة البنوك المركزية على خفض أسعار الفائدة أو اعتماد سياسات توسعية. في المقابل، تتيح العملة القوية مجالاً أوسع للسياسات النقدية المرنة، لكنها تُضعف التنافسية التصديرية.

4. الآثار على المستهلكين والشركات: يعاني المستهلكون تراجع قدرتهم الشرائية وارتفاع أسعار السلع المستوردة. أما الشركات، فتواجه زيادة في تكاليف الإنتاج؛ ما يقلص أرباحها ويضعف تنافسيتها، ويضطر بعضها إلى تقليص نشاطه أو خفض العمالة للتكيف مع الظروف الجديدة.

5. مخاوف دولية من اختلال التوازنات: أدت ممارسات تاريخية كتلك التي شهدها العالم خلال أزمة الثلاثينات («إفقار الجار»)، أو «صدمة الصين» بعد التسعينات، إلى تعزيز المخاوف من أن التلاعب بالعملة يؤدي إلى نمو غير متوازن، يُضعف الطلب العالمي، ويُحفّز الأزمات المالية وتفاقم الديون، كما حصل في أزمة اليونان وعدة دول نامية.

سياسة ترمب: «أميركا أولاً» وتكثيف المواجهة

منذ عودته إلى البيت الأبيض لولاية ثانية، أعلن الرئيس دونالد ترمب تبني سياسة أكثر صرامة تجاه التلاعب بالعملة، عادَّاً إياه عاملاً رئيساً في اتساع العجز التجاري وفقدان الوظائف. وأكد أن إدارته ستستخدم كل الأدوات الممكنة، من ضمنها سلطاتها الجمركية، للتصدي لأي تلاعب مُثبت.

شعار وزارة الخزانة الأميركية وعَلم الولايات المتحدة يظهران في هذه الصورة التوضيحية (رويترز)

وترى واشنطن أن تلاعب بعض الشركاء بأسعار صرف عملاتهم أضرّ بالصناعة الأميركية، وأضعف الاقتصاد الوطني، وخلق اختلالات في سلاسل التوريد. ورغم تراجع التدخلات المباشرة في سوق الصرف مؤخراً، ترى الإدارة أن آثارها السلبية ما زالت قائمة.

وفي تقريرها نصف السنوي بعنوان «سياسات الاقتصاد الكلي والصرف الأجنبي للشركاء التجاريين الرئيسين للولايات المتحدة»، لم تجد وزارة الخزانة دليلاً قاطعاً على تلاعب أي شريك رئيس بالعملة. ومع ذلك، أُدرجت آيرلندا وسويسرا على «قائمة المراقبة» بعد تجاوزهما اثنين من ثلاثة معايير: فائض تجاري مع الولايات المتحدة يتجاوز 15 مليار دولار، وفائض في الحساب الجاري يتعدى 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وتدخل صافٍ مستمر في سوق الصرف الأجنبي في اتجاه واحد. وضمت قائمة المراقبة في التقرير كلاً من الصين، واليابان، وكوريا، وتايوان، وسنغافورة، وفيتنام وألمانيا إلى جانب آيرلندا وسويسرا، مع الإشارة إلى أن جميع هذه الدول، باستثناء آيرلندا وسويسرا، كانت مُدرجة في قائمة المراقبة في تقرير نوفمبر (تشرين الثاني) 2024.

وقد نفى البنك الوطني السويسري أي اتهامات تتعلق بتلاعبه في سعر صرف الفرنك، مشدداً على أن سياساته النقدية تهدف إلى دعم الاقتصاد الوطني، لا سيما في ظل الدور الذي لعبه الفرنك القوي في كبح جماح التضخم، الذي انخفض إلى مستويات سلبية خلال الشهر الماضي. وقال في بيان رسمي: «لا يتلاعب البنك الوطني بالفرنك بأي شكل من الأشكال، كما أنه لا يسعى إلى تعطيل التعديلات الطبيعية في ميزان المدفوعات أو تحقيق مكاسب تنافسية غير عادلة».

الصين تحت المجهر مجدداً

رغم أن الصين لم تُصنَّف رسمياً متلاعباً بالعملة، وجّه التقرير انتقادات حادة لها بسبب غياب الشفافية في إدارة سعر صرف الرنمينبي، والتدخلات غير المُعلنة عبر البنوك المملوكة للدولة بتوجيه من بنك الشعب الصيني. ويأتي هذا في ظل مساعي واشنطن لتجنب حرب تجارية شاملة مع بكين.

مقرّ بنك الشعب الصيني في بكين (رويترز)

وقالت الوزارة في بيان رسمي: «لن يمنع هذا النقص في الشفافية وزارة الخزانة من تصنيف الصين في المستقبل إذا أظهرت الأدلة تدخلها، سواء عبر قنوات رسمية أو غير رسمية، للحيلولة دون ارتفاع قيمة اليوان».

وبحسب التقرير، بلغ فائض تجارة السلع الصيني تريليون دولار، أي أكثر من 60 في المائة من الفوائض العالمية، بينما ارتفع فائض الحساب الجاري إلى 2.3 في المائة من الناتج المحلي. أما الفائض التجاري مع الولايات المتحدة فبلغ 264 مليار دولار؛ ما يعمّق القلق الأميركي. وأثار التحول في بند «صافي الأخطاء والإغفالات» إلى فائض، لأول مرة منذ 2008، تساؤلات حول شفافية تدفقات رأس المال.

وتعتمد الصين على أدوات غير تقليدية في إدارة سعر صرف الرنمينبي، تشمل تحديد السعر المركزي يومياً، السماح بتداوله ضمن نطاق ±2 في المائة، توجيه البنوك الحكومية للتدخل نيابة عن البنك المركزي، التأثير غير المباشر على أسعار الفائدة خارج الصين، وفرض قيود صارمة على تحويل العملات الأجنبية من قبل الشركات الحكومية.

وتُعقّد هذه السياسات بشكل كبير مهمة تتبع حجم التدخلات الفعلية في السوق وتقييم مدى تأثيرها الحقيقي، وهو ما تعدّه واشنطن مصدر قلق جوهري. وترى الإدارة الأميركية أن هذا الغموض المتعمد في السياسة النقدية يمثل تهديداً للاستقرار الاقتصادي العالمي ويستدعي أعلى درجات الحذر، لا سيما في ظل ارتفاع فائض الصين التجاري واستمرار الفجوة في العلاقة الاقتصادية الثنائية.

ويُنظر إلى هذا النهج غير الشفاف بوصفه مبرراً قوياً لاتخاذ إجراءات أكثر صرامة مستقبلاً، في حال لم تُبدِ الصين تحسناً ملموساً في مستوى الشفافية وتعديلاً في ممارساتها النقدية. وفي حال قررت واشنطن إعادة تصنيف الصين متلاعباً بالعملة - كما حدث في أغسطس (آب) 2019 خلال الولاية الأولى للرئيس ترمب - فإن من المرجّح أن تعود التوترات التجارية إلى الواجهة، خصوصاً في ظل احتدام المنافسة العالمية على المعادن الاستراتيجية والسيطرة على سلاسل التوريد.

ضرورة الإصلاح والتنسيق الدولي

رغم أن التلاعب بالعملة قد يوفر مكاسب قصيرة الأجل للدولة التي تمارسه، فإن آثاره السلبية على النظام الاقتصادي العالمي تجعله سلوكاً خطيراً وغير قابل للاستدامة. فمثل هذه السياسات تُفضي غالباً إلى تصعيد التوترات التجارية، واندلاع حروب اقتصادية، وتقويض الاستقرار المالي؛ ما يفرض الحاجة الماسّة إلى تعزيز الشفافية وتكثيف التنسيق الدولي لضمان بيئة تنافسية عادلة واستقرار اقتصادي شامل.

ومع دخول سياسة «أميركا أولاً» مرحلة أكثر تشدداً في ولاية ترمب الثانية، تتجه الأنظار مجدداً نحو الصين، التي لا تزال، رغم التحذيرات المتكررة، تملك وتستخدم أحد أقوى أدواتها الاقتصادية غير التقليدية: التحكم في سعر صرف الرنمينبي؛ ما يجعلها في قلب الجدل حول العدالة التجارية.


مقالات ذات صلة

بعد تدخلات الين... المستثمرون يتجهون إلى الفرنك السويسري في صفقات العائد

تحليل إخباري صورة توضيحية لأوراق نقدية من الفرنك السويسري واليورو في وسط مدينة زينيتسا البوسنية (رويترز)

بعد تدخلات الين... المستثمرون يتجهون إلى الفرنك السويسري في صفقات العائد

قد يكون ضعف الفرنك السويسري نتيجة غير متوقعة للتدخل الأميركي- الياباني لدعم الين؛ إذ بدأ المستثمرون يبحثون عن بدائل للعملة اليابانية في صفقات «الكاري ترايد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يعدُّ أوراقاً نقدية هندية في كشك صرافة على جانب الطريق بالأحياء القديمة من دلهي (رويترز)

تدخلات «المركزي الهندي» تكبح تقلبات الروبية رغم ارتفاع النفط

تماسكت الروبية الهندية قرب مستوياتها الحالية أمام الدولار، الأربعاء، رغم الضغوط الناجمة عن ارتفاع أسعار النفط وموجة بيع السندات العالمية.

«الشرق الأوسط» (مومباي)
الاقتصاد أوراق نقدية من الين الياباني والدولار الأميركي (رويترز)

الدولار قُرب أدنى مستوياته في أشهر مع تراجع عوائد الخزانة وترقُّب محضر «الفيدرالي»

تحرك الدولار الأميركي قرب أدنى مستوياته في أشهر عدة أمام العملات الرئيسية، الأربعاء، مع تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد أشخاص يسيرون بجوار أحد مراكز التوظيف الحكومية في لندن (رويترز)

سوق العمل البريطانية تواصل التباطؤ في الربع الثاني مع تراجع الوظائف الشاغرة

أظهرت بيانات رسمية، يوم الثلاثاء، أن سوق العمل البريطانية شهدت مزيداً من التباطؤ خلال الربع الثاني، في ظل تباطؤ نمو الأجور في القطاع الخاص.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد رجل يعدّ أوراقاً نقدية هندية داخل متجر في مومباي (رويترز)

الروبية الهندية تهبط إلى أدنى مستوى في 3 أسابيع

تراجعت الروبية الهندية إلى أدنى مستوى لها في نحو ثلاثة أسابيع خلال تعاملات الثلاثاء، متأثرة بارتفاع أسعار النفط إلى أكثر من 90 دولاراً للبرميل.

«الشرق الأوسط» (مومباي)

السوق السعودية ترتفع مع استئناف التداولات بعد معالجة الخلل الفني

رجل يتابع شاشة التداول في السوق السعودية (رويترز)
رجل يتابع شاشة التداول في السوق السعودية (رويترز)
TT

السوق السعودية ترتفع مع استئناف التداولات بعد معالجة الخلل الفني

رجل يتابع شاشة التداول في السوق السعودية (رويترز)
رجل يتابع شاشة التداول في السوق السعودية (رويترز)

استأنف مؤشر السوق الرئيسية «تاسي» تداولاته يوم الأربعاء، بعد معالجة الخلل الفني الذي أدى إلى تعليق التداولات في وقت سابق، ليرتفع بشكل طفيف إلى 10913 نقطة بعد دقائق من عودة التعاملات.

وبلغت قيمة التداولات نحو 100 مليون ريال عقب استئناف السوق، وسط عودة النشاط بشكل طبيعي وانتظام عمليات التداول.

وأعلنت «تداول السعودية» استئناف عمليات التداول ليوم الأربعاء 19 أغسطس (آب) 2026، موضحة أن مزاد الافتتاح بدأ عند الساعة 10:15 صباحاً، على أن يبدأ التداول المستمر عند الساعة 10:30 صباحاً، مع عودة جميع أنشطة السوق إلى وضعها الطبيعي.


الكفاءات الوطنية تستعد لقيادة المشاريع الكبرى في السعودية

مهندسون سعوديون يطَّلعون على أحد المشاريع في السعودية (واس)
مهندسون سعوديون يطَّلعون على أحد المشاريع في السعودية (واس)
TT

الكفاءات الوطنية تستعد لقيادة المشاريع الكبرى في السعودية

مهندسون سعوديون يطَّلعون على أحد المشاريع في السعودية (واس)
مهندسون سعوديون يطَّلعون على أحد المشاريع في السعودية (واس)

تُواصل السعودية خططها لتعميق مشاركة الكوادر الوطنية في القطاعات الحيوية، عبر الانتقال من «التوطين العددي» إلى «التوطين النوعي» المستدام. ومع قرار رفع نسبة توطين مهن إدارة المشاريع في القطاع الخاص إلى 70 في المائة بحلول فبراير (شباط) 2027، يُنتظر أن تعيد هذه الخطوة تشكيل سوق العمل عبر قيادة الكفاءات السعودية لأضخم مشاريع البنية التحتية، والإسكان، والسياحة، والإنشاءات.

ويأتي القرار الصادر عن وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، بالشراكة مع وزارة البلديات والإسكان، ليغطي المنشآت التي تضم 3 عاملين فأكثر في مهن: مدير، ومهندس، واختصاصي إدارة المشاريع. وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في ظل التوسع المتسارع في قطاعات الإنشاءات، والبنية التحتية، والإسكان، والسياحة.

كما نشرت الوزارة الدليل الإجرائي للقرار عبر موقعها الإلكتروني، متضمناً تفاصيل المهن المشمولة، وآليات التطبيق، وطريقة احتساب نسب التوطين، وضوابط الامتثال، بما يمنح منشآت القطاع الخاص فترة زمنية لإعادة ترتيب هياكلها الوظيفية، والتخطيط لاحتياجاتها من الكفاءات قبل بدء تطبيق القرار.

أرقام تسبق التطبيق

يتزامن القرار مع تحسن لافت في مؤشرات سوق العمل؛ إذ انخفض معدل البطالة بين السعوديين إلى 6.8 في المائة خلال الربع الأول من العام الجاري. وكشفت بيانات منصة «قوى» عن دخول أكثر من 258 ألف مواطن جديد إلى السوق خلال الربع الثاني، وتوثيق ما يزيد على 419 ألف عقد عمل. كما سجَّلت المنصة خلال الربع نفسه أكثر من 3 ملايين خدمة، إلى جانب إصدار أكثر من 163 ألف شهادة تعريف بالراتب، وما يزيد على 63 ألف شهادة خبرة للسعوديين.

وفي جانب التوطين تحديداً، أصدرت «قوى» أكثر من 72 ألف شهادة للمنشآت المستوفية لمتطلبات التوطين، في إطار متابعة التزامها بجهود رفع مشاركة الكفاءات الوطنية.

«التوطين النوعي»... ليس استبدالاً فقط

وفي قراءة تحليلية للقرار، قال المستشار بدر العنزي، عضو مجلس إدارة «الجمعية السعودية للموارد البشرية»، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن قرار رفع توطين مهن إدارة المشاريع إلى 70 في المائة يُعد قراراً مهماً وناضجاً؛ خصوصاً مع توسع المشاريع الكبرى في السعودية، وتطور الكفاءات الوطنية ضمن خطط إحلال مدروسة وتدريجية تضمن عدم الإخلال بالمراحل الانتقالية.

وأوضح أن جاهزية الكفاءات السعودية جيدة وقابلة لتغطية الطلب، ولكن التحدي لا يرتبط بعدد الكوادر بقدر ارتباطه بجودة الخبرة العملية؛ مشيراً إلى أن إدارة المشاريع تتطلب خبرة عملية في التخطيط وإدارة المخاطر والتكاليف والوقت.

وشدد على أهمية النظر إلى القرار بوصفه توطيناً نوعياً ونقلاً للمعرفة، وليس مجرد استبدال موظف سعودي بآخر غير سعودي، بما يستوجب متابعة مستمرة حتى وصول الكفاءات الوطنية إلى مرحلة إدارة المشاريع الكبرى بأنفسها.

منافسة الأجور

وحول أبرز التحديات، أشار العنزي إلى أنها لن تكمن في قرار التوطين نفسه، وإنما في قدرة السوق على الانتقال من «التوطين العددي» إلى «التوطين النوعي» المستدام، متوقعاً ارتفاع الطلب على الكفاءات السعودية، وتصاعد المنافسة على الأجور؛ خصوصاً في القطاعات والمشاريع الكبرى، مما يتطلب من الشركات إعادة النظر في هياكلها التنظيمية والرواتب، لضمان الاستقرار والقدرة على منافسة مشاريع السوق السعودية.

و«التوطين العددي» يركز على تحقيق نسبة محددة من السعوديين في الوظائف، بينما يركز «التوطين النوعي» على كفاءة الكوادر الوطنية وخبرتها وقدرتها الفعلية على أداء المهام وقيادة العمل، بما يتجاوز مجرد شغل الوظيفة وتحقيق النسبة المطلوبة.

إعادة تشكيل السوق

وأكد العنزي أن النجاح الحقيقي للقرار لا يتمثل في تحقيق النسبة على الورق؛ بل في وصول 70 في المائة من مديري واختصاصيي المشاريع السعوديين إلى مستوى فعلي من القدرة على قيادة المشاريع.

وبيَّن أن الأثر سيكون أعمق من مجرد زيادة عدد الوظائف المتاحة للسعوديين؛ إذ يمكن للقرار أن يعيد تشكيل سوق إدارة المشاريع كاملة، لافتاً إلى أن وزارة الموارد البشرية سبق أن طبقت توطين مهن إدارة المشاريع على مراحل، وهو ما يعكس توجهاً نحو توطين الوظائف المحورية ذات القيمة العالية.

وتوقَّع أن ينعكس القرار إيجاباً على المدى الطويل على إنتاجية القطاع الخاص، واستيعابه للتوطين النوعي المتخصص، مع ازدياد نسب السعوديين في إدارة المشاريع عبر مختلف المهن، من مهندسين وإداريين وفنيين.

أثر اقتصادي يتجاوز الوظائف

ومن الجانب الاقتصادي للقرار، قال المستشار المالي والاقتصادي الدكتور حسين العطاس، في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط»، إن القرار «استراتيجي» أكثر من كونه «وظيفياً»، معتبراً أن إدارة المشاريع تقع في قلب تنفيذ مستهدفات «رؤية 2030» عبر قطاعات، مثل: الإنشاءات، والبنية التحتية، والسياحة، والإسكان، والخدمات اللوجستية.

وأوضح أن الانعكاسات الاقتصادية لن تقتصر على زيادة أعداد الموظفين السعوديين؛ بل ستمتد إلى ارتفاع الطلب على الكفاءات الوطنية المتخصصة، وخلق وظائف نوعية ذات قيمة مضافة أعلى، مقابل ارتفاع تكلفة التوظيف على الشركات المعتمدة بكثافة على العمالة الأجنبية المتخصصة في المدى القصير، ما سيدفعها لإعادة هيكلة فرقها، والاستثمار مبكراً في التدريب.

الاستثمار في رأس المال البشري

واستبعد العطاس أن يشكل القرار عائقاً جوهرياً أمام الاستثمار المحلي والأجنبي، مستنداً إلى الفترة الزمنية الممتدة حتى فبراير 2027، والتي تتيح للشركات إعادة ترتيب أوضاعها، متوقعاً أن يتحول إلى محفز للاستثمار في رأس المال البشري وسوق التدريب والشهادات المهنية؛ إذ ستجد الشركات نفسها أمام خيارين: استقطاب كفاءات وطنية جاهزة، أو الاستثمار في تأهيل كوادرها.

وشدد على أن وضوح قواعد التوطين واستقرارها يمثل للمستثمر الأجنبي عاملاً أهم من النسبة نفسها.

3 مستويات لتعظيم الأثر

وحدد 3 مستويات لتعظيم القيمة الاقتصادية المحلية عبر القرار: توظيف وتأهيل الكفاءات الوطنية، ثم نقل المعرفة والخبرات من الشركات العالمية إليها، وصولاً إلى بناء جيل من مديري المشاريع السعوديين القادرين على قيادة مشاريع كبرى محلياً ودولياً.

واتفق العطاس مع طرح العنزي بأن نجاح القرار اقتصادياً لن يُقاس بتحقيق نسبة 70 في المائة على الورق؛ بل بقدرة الكفاءات الوطنية على إدارة مشاريع بمستوى عالمي، من حيث التكلفة والوقت والجودة والمخاطر، في ظل تحدٍّ رئيسي يتمثل في الفجوة بين المؤهل الأكاديمي والخبرة العملية الميدانية.


إندونيسيا تثبّت الفائدة... والروبية مرشحة لمزيد من المكاسب

أعلام إندونيسية ترفرف في الحي التجاري بجاكرتا (رويترز)
أعلام إندونيسية ترفرف في الحي التجاري بجاكرتا (رويترز)
TT

إندونيسيا تثبّت الفائدة... والروبية مرشحة لمزيد من المكاسب

أعلام إندونيسية ترفرف في الحي التجاري بجاكرتا (رويترز)
أعلام إندونيسية ترفرف في الحي التجاري بجاكرتا (رويترز)

أبقى البنك المركزي الإندونيسي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير في أول اجتماع للسياسة النقدية برئاسة القائمة بأعمال المحافظ ديستري دامايانتي، مع تراجع الضغوط التي كانت تدفع نحو تشديد السياسة النقدية بفضل المكاسب الأخيرة للروبية.

وأبقى «بنك إندونيسيا» سعر الفائدة القياسي عند 5.75 في المائة للشهر الثاني على التوالي، وهو القرار الذي كان متوقعاً من جميع الاقتصاديين الذين شملهم استطلاع «بلومبرغ» باستثناء واحد من أصل 35 اقتصادياً.

وكان البنك المركزي قد رفع أسعار الفائدة بمقدار 100 نقطة أساس منذ بداية العام، في مسعى لدعم العملة وتعزيز ثقة المستثمرين.

وقالت ديستري، في تصريحات عبر الإنترنت قبل إعلان القرار، إن الروبية من المتوقع أن تواصل ارتفاعها، في ظل استخدام البنك المركزي جميع أدوات السياسة النقدية وتوسيع الحوافز الرامية إلى جذب تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية.

وأضافت أن البنك المركزي يتمسك بتوقعاته لنمو الاقتصاد الإندونيسي خلال 2026 بين 4.9 و5.7 في المائة، مشيرة إلى أنه سيواصل التنسيق مع الحكومة لدعم الاقتصاد.

ويحظى أول اجتماع للسياسة النقدية في عهد ديستري، المرشحة الوحيدة لتولي منصب محافظ البنك المركزي، بمتابعة وثيقة من المستثمرين، بعد الاستقالة المفاجئة للمحافظ السابق بيري وارجيو في يوليو (تموز)، التي أثارت مخاوف بشأن استقلالية «بنك إندونيسيا».

وساعدت التوقعات بانتقال سلس للقيادة إلى شخصية تتمتع بخبرة، إلى جانب تراجع المخاطر الخارجية، في تجدد تدفقات رؤوس الأموال إلى البلاد وتعزيز الروبية، التي ارتفعت نحو 1 في المائة منذ بداية أغسطس (آب).

ويشير قرار تثبيت الفائدة، في الوقت نفسه، إلى أن تحسن أداء الروبية خفّف الحاجة إلى مزيد من التشديد النقدي، فيما يراهن البنك المركزي على أدوات أخرى، إلى جانب الحوافز، لدعم العملة وجذب الاستثمار الأجنبي.