الاتفاق التجاري الأميركي - الصيني يرطب العلاقات ويلوّن الأسواق العالمية بالأخضر

ترمب تحدث عن «علاقة جيدة للغاية» بعد هدنة الأيام الـ90 لخفض الرسوم الجمركية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال حفل في المكتب البيضوي بواشنطن (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال حفل في المكتب البيضوي بواشنطن (إ.ب.أ)
TT

الاتفاق التجاري الأميركي - الصيني يرطب العلاقات ويلوّن الأسواق العالمية بالأخضر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال حفل في المكتب البيضوي بواشنطن (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال حفل في المكتب البيضوي بواشنطن (إ.ب.أ)

شهدت بورصة نيويورك وغيرها من الأسواق العالمية ارتفاعات كبيرة، في رد فعل إيجابي واضح على توصل الولايات المتحدة والصين إلى توافق على خفض موقت للتعريفات والرسوم الجمركية، في ما يرقى إلى هدنة في الحرب التجارية بين أكبر اقتصادين في العالم. وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه قد يتحادث مع نظيره الصيني شي جينبينغ في نهاية الأسبوع الجاري.

وأعلن البلدان في بيان مشترك تعليق رسومهما الجمركية لمدة 90 يوماً ومواصلة المفاوضات بينهما في نهاية هذا الأسبوع. وبموجب الاتفاق، ستخفض الولايات المتحدة الرسوم الجمركية على الواردات الصينية من 145 في المائة إلى 30 في المائة، مقابل أن تخفض الصين رسومها الجمركية على السلع الأميركية من 125 في المائة إلى 10 في المائة، على أن يبدأ سريان هذه التنزيلات الأربعاء.

وفي ضوء هذا التطور الإيجابي، أعلن الرئيس ترمب أنه قد يتحادث هاتفياً مع نظيره الصيني في نهاية الأسبوع الجاري. وقال للصحافيين: «أمس قمنا بإعادة ضبط كاملة بعد مباحثات إيجابية مع الصين في جنيف»، مضيفاً أن «العلاقة جيدة للغاية. سأتحدث إلى الرئيس شي، ربما في نهاية الأسبوع».

وفور إعلان الاتفاق، تلونت مؤشرات الأسهم بالأخضر وارتفعت بنحو 3 في المائة في كل أنحاء العالم تقريباً، بما في ذلك السوق المالية في نيويورك ومؤشر «ستاندرد أند بورز» وأسواق آسيا، وسط ترقب المستثمرين لتفاصيل المحادثات، علماً بأن المحللين بقوا على حذر لأن الإعلان لم يرق إلى مستوى اتفاق تجاري، وأنه مجرد بداية لجولات أخرى من المفاوضات.

وتعقد الجولة الثانية من المحادثات في نهاية الأسبوع الجاري بمشاركة وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت والممثل التجاري الأميركي جاميسون مع نائب رئيس الوزراء الصيني للسياسة الاقتصادية هي ليفنغ، الذي قاد محادثات نهاية الأسبوع الماضي ممثلا لبلده.

وأفاد بيان مشترك صادر عن البيت الأبيض ووزارة التجارة الصينية أن البلدين اتفقا على تعليق لمدة 90 يوماً «بروح الانفتاح المتبادل، والتواصل المستمر، والتعاون، والاحترام المتبادل». واتفقا على آلية لمواصلة المحادثات التجارية الأميركية - الصينية.

لتجارة «متوازنة»

أعضاء الوفد الصيني يتجهون سيراً إلى مقر إقامة المندوب السويسري الدائم لدى الأمم المتحدة في جنيف (أ.ف.ب)

وقال بيسنت في مؤتمر صحافي من جنيف، حيث عقدت الجولة الأولى من المحادثات خلال عطلة نهاية الأسبوع: «خلصنا إلى أن لدينا مصلحة مشتركة»، مضيفاً أن البلدين «توافقا على أن أياً من الجانبين لا يريد فك الارتباط، وأن ما حدث مع هذه الرسوم الجمركية المرتفعة للغاية كان بمثابة حظر تجاري، ولا يريد أي من الجانبين ذلك». وزاد: «نريد تجارة. نريد تجارة أكثر توازناً، وأعتقد أن كلا الجانبين ملتزم تحقيق ذلك»، موضحاً أن إدارة الرئيس دونالد ترمب ستدفع الصين إلى الانفتاح أكثر على السلع الأميركية، علماً أن الفائض التجاري للصين مع الولايات المتحدة تجاوز 100 مليار دولار العام الماضي.

وصرح غرير بأن الجانبين اتفقا على تعليق موقت للرسوم بغية مواصلة المفاوضات بين الصين والولايات المتحدة، مؤكداً التزام الطرفين ذلك، من دون أن يقدم أي مؤشرات حول كيفية معالجة القضايا الأساسية.

في المقابل، صاغت الصين مشاركتها في مفاوضات جنيف بعناية، لا كتنازلٍ أمام رسوم ترمب الجمركية، بل كخطوة ضرورية لتجنب المزيد من التصعيد. وأكدت وزارة التجارة الصينية في بيان أن الاجتماع كان «خطوة أولى مهمة» لحل الخلافات، مطالبة الولايات المتحدة بـ«تصحيح خطأ فرض الرسوم الجمركية الأحادية بشكل كامل، والعمل سويا لتعزيز الثقة والاستقرار في الاقتصاد العالمي». وأكدت أن الاتفاق «يصب في مصلحة البلدين والمصالح المشتركة للعالم»، آملة في أن «تواصل الولايات المتحدة العمل مع الصين للوصول إلى حل وسط».

قضية الفانتانيل

وبموجب الاتفاق، ستعلق بكين أيضاً أو تلغي بعض الإجراءات الانتقامية غير الجمركية، مثل قيود التصدير وإدراج عشرات الشركات الأميركية على القائمة السوداء. ولكن الرسوم الجمركية الأخرى التي فرضها الرئيس ترمب على الصين خلال ولايته الأولى ستبقى، بالإضافة إلى رسوم جمركية بنسبة 20 في المائة فرضها في فبراير (شباط) الماضي بسبب ما اعتبره ترمب فشل الصين في منع وصول المواد الكيماوية المرتبطة بمخدر الفانتانيل إلى الولايات المتحدة. كما ستبقى الرسوم الجمركية الصينية على المنتجات الزراعية الأميركية، رداً على الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب على الفانتانيل.

وأكد بيسنت وغرير أنهما أجريا مناقشات جوهرية حول مطالب واشنطن لبكين باتخاذ إجراءات حازمة ضد تهريب مكونات صناعة الفانتانيل، معتبراً أن الصينيين «يدركون حجم» أزمة الفانتانيل في الولايات المتحدة، وأن هناك «مساراً إيجابياً للمضي قدماً».

وفي البداية، فرض ترمب تعريفة جمركية بنسبة 20 في المائة على الصادرات الصينية، متهماً إياها بالتقصير في وقف تدفق الفانتانيل إلى الولايات المتحدة. ولا تزال هذه التعريفة العقابية سارية. كما لا تزال التعريفة الجمركية الأساسية البالغة 10 في المائة سارية على كل شركاء الولايات المتحدة التجاريين تقريباً، وكذلك على الصين.

وأفاد غرير بأن المفاوضات اتسمت بـ«التفاهم والاحترام المتبادلين». بيد أنه لفت إلى أن الصين كانت الدولة الوحيدة التي ردت على الولايات المتحدة بعدما فرض ترمب التعريفات الجمركية على عشرات الدول الشهر الماضي. ولكن ترمب عاد ليعلن تعليقاً لمدة 90 يوماً للرسوم على معظم الشركاء التجاريين، باستثناء الصين. ويجهد البيت الأبيض لتوقيع صفقات تجارية قبل انتهاء المهلة المحددة في أوائل يوليو (تموز) المقبل.

ويُنهي الاتفاق، على الأقل حالياً، حال الجمود التي أوقفت حركة التجارة بين الولايات المتحدة والصين. وعلقت العديد من الشركات الأميركية طلباتها، على أمل التوصل إلى اتفاق بين البلدين لخفض معدلات الرسوم الجمركية. وحذر اقتصاديون من أن النزاع التجاري سيبطئ النمو العالمي، ويفاقم التضخم، ويسبب نقصاً في المنتجات، ما قد يدخل الولايات المتحدة في حال من الركود.

عمال قرب ميناء يانتيان في شينزن بمقاطعة غوانغدونغ الصينية (رويترز)

اللوم على بايدن

وقال بيسنت عبر شبكة «سي إن بي سي»: «حاولنا تحديد المصالح المشتركة. جئنا بقائمة من المشاكل التي كنا نسعى إلى حلها، وأعتقد أننا أبلينا بلاء حسناً في ذلك». ولام إدارة الرئيس جو بايدن لفشلها في الوفاء بالتزاماتها تجاه الاتفاق التجاري الذي توصل إليه ترمب مع الصين خلال ولايته الأولى، مضيفاً أن الاتفاق الجديد سيكون نقطة انطلاق لجولة المحادثات الحالية، التي يتوقع أن تستمر في الأسابيع المقبلة نحو «اتفاق أكثر شمولاً».

وكذلك شهدت المصانع الصينية انخفاضاً حاداً في طلبات التصدير إلى الولايات المتحدة، ما رفع الضغوط على الاقتصاد المتباطئ، في الصين، حيث سعى المنتجون إلى توسيع تجارتهم إلى جنوب شرق آسيا ومناطق أخرى للالتفاف على الرسوم الجمركية الأميركية.

ورأى بيسنت أن الرسوم الجمركية أوجدت حظراً فعلياً، وهو أمر لم يرغب فيه أي من الطرفين.

وفي حين أدى الإعفاء الموقت والصادم من الرسوم إلى احتفال الشركات في كلا البلدين، إلا أن تداعياته ستستمر. ويرجح أن تواجه الشركات طوفاناً من الطلبات المؤجلة، ما سيؤدي إلى ارتفاع حاد في أسعار النقل، حيث تسارع الشركات لجدولة شحناتها خلال فترة التفاوض التي تبلغ 90 يوماً للاستفادة من انخفاض معدلات التعريفات الجمركية.

وفي بيان لها، قالت غرفة التجارة الأوروبية في الصين إنها «مشجعة» لهذا الإعلان، لكن «حالة عدم اليقين لا تزال قائمة» لأن الرسوم الجمركية معلقة موقتاً فقط. وأمل رئيس الغرفة ينس إسكيلوند في أن «يواصل الجانبان الحوار لحل الخلافات، وتجنب اتخاذ إجراءات من شأنها تعطيل التجارة العالمية وإلحاق أضرار جانبية بالمتضررين».


مقالات ذات صلة

أميركا وحلفاؤها يحذّرون إيران من سلوك «غير مقبول» بعد واقعة «فيرفورد»

أوروبا قاذفة أميركية من طراز «بي - 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية 27 سبتمبر الماضي (رويترز) p-circle

أميركا وحلفاؤها يحذّرون إيران من سلوك «غير مقبول» بعد واقعة «فيرفورد»

حذّرت الولايات المتحدة وشركاؤها، ومنهم بريطانيا وأستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا، إيران، الاثنين، من الإقدام على أعمال عدائية على أراضيها، عقب حادثة «فيرفورد».

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي خلال اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد في لوكسمبورغ الاثنين (إ.ب.أ)

الاتحاد الأوروبي يسير بعكس التيار الأميركي في التعامل مع موسكو

الاتحاد الأوروبي يسير بعكس التيار الأميركي في التعامل مع روسيا، وثمة قناعة أوروبية مفادها أن موسكو تخطط لما هو أبعد من أوكرانيا.

ميشال أبونجم (باريس)
الولايات المتحدة​ مبنى وزارة الخزانة الأميركية في العاصمة واشنطن يوم 11 يوليو 2026 (رويترز)

أميركا تفرض عقوبات على 17 سفينة من «أسطول الظل» الإيراني

فرضت الولايات المتحدة، الخميس، عقوبات تستهدف «ما تبقى من أسطول الظل» الإيراني المكوّن من ناقلات تُستخدم لنقل المنتجات النفطية إلى الأسواق الخارجية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شخص (يسار) ينتظر في محطة حافلات في منطقة غانغنام في سيول (أ.ف.ب)

سيول: شحنات الديزل المزعومة إلى روسيا لا تخضع لحظر التصدير

قالت كوريا الجنوبية، الخميس، إن شحنات الديزل التي يُزعم أنها أُرسلت إلى روسيا لا تخضع لقيود التصدير الكورية.

«الشرق الأوسط» (سيول)
المشرق العربي طائرة من طراز «إيرباص A340-600» تابعة لشركة «ماهان إير» الإيرانية (أرشيفية - رويترز)

بغداد تحصل على سماح أميركي محدود للطيران الإيراني

تمكنت حكومة رئيس الوزراء، علي الزيدي، من انتزاع موافقة أميركية تسمح بتسيير 40 رحلة جوية يومياً من وإلى مطار النجف الأشرف الدولي لشركات الطيران الإيرانية.

فاضل النشمي (بغداد)

دولار هونغ كونغ يقترب من حدّه الأدنى... والسلطات تستعد للتدخل

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
TT

دولار هونغ كونغ يقترب من حدّه الأدنى... والسلطات تستعد للتدخل

مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)
مقر البورصة في جزيرة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

اقترب دولار هونغ كونغ، الثلاثاء، من الحد الأضعف لنطاق تداوله مقابل الدولار الأميركي، مما يزيد احتمالات تدخل سلطة النقد في المدينة لدعم العملة المحلية والحفاظ على نظام ربطها بالدولار، وسط ضعف الطلب على العملة وارتفاع أسعار الفائدة الأميركية.

وجرى تداول دولار هونغ كونغ عند 7.8475 للدولار الأميركي بحلول الساعة 03:25 بتوقيت غرينتش، مقترباً من مستوى 7.85، الذي يمثل الحد الأضعف لنطاق التداول الرسمي الممتد بين 7.75 و7.85 دولار هونغ كونغ لكل دولار أميركي.

وبموجب نظام الربط، تلتزم سلطة النقد في هونغ كونغ بالتدخل عندما يصل سعر الصرف إلى 7.85، عبر بيع الدولار الأميركي وشراء العملة المحلية.

ويؤدي هذا التدخل إلى سحب السيولة من النظام المصرفي، مما يدفع أسعار الفائدة بين البنوك إلى الارتفاع، ويساعد على تعزيز الطلب على دولار هونغ كونغ وإبعاده عن الحد الأضعف.

تأتي الضغوط الحالية في ظل فتور أداء سوق الأسهم المحلية وضعف تدفقات المستثمرين القادمين من البر الرئيسي للصين، الأمر الذي قلص الطلب على العملة المحلية وأبقى أسعار الفائدة بين البنوك منخفضة نسبياً.

في المقابل، ارتفعت أسعار الفائدة الأميركية خلال الشهرين الماضيين، مع إعادة الأسواق تقييم احتمالات رفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الفائدة، مما زاد جاذبية الأصول المقومة بالدولار الأميركي.

ويرى محللو بنك «إيه إن زد» أن هونغ كونغ ستواصل الحفاظ على نظام ربط عملتها بالدولار، بوصفه آلية فعالة للاستقرار النقدي، رغم مساعي بكين لتعزيز الاستخدام الدولي لليوان.

كان دولار هونغ كونغ قد بلغ الحد الأضعف في صيف 2025، مما استدعى تدخلات متكررة من السلطة النقدية استمرت حتى أغسطس (آب).

لكنّ محللي البنك لا يتوقعون تكرار التقلبات الحادة التي شهدتها العملة بين مايو (أيار) وأغسطس 2025، عندما انتقلت سريعاً من الحد الأقوى إلى الحد الأضعف لنطاق التداول.

ورأوا أن التراجع الحالي تدريجي ومنظم، مما يقلل مخاطر حدوث اضطرابات مفاجئة.

ومع اقتراب العملة من مستوى التدخل الرسمي، ستتركز أنظار المستثمرين على تحركات سلطة النقد والسيولة المصرفية وأسعار الفائدة المحلية، بوصفها مؤشرات رئيسية لاتجاه السوق خلال الفترة المقبلة.


مؤشر السوق السعودية يغلق مرتفعاً بنسبة 0.33 %

متداولان يتابعان تحرك الأسهم على شاشة في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان يتابعان تحرك الأسهم على شاشة في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

مؤشر السوق السعودية يغلق مرتفعاً بنسبة 0.33 %

متداولان يتابعان تحرك الأسهم على شاشة في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان يتابعان تحرك الأسهم على شاشة في السوق المالية السعودية (رويترز)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية (تاسي) جلسة الثلاثاء مرتفعاً بنسبة 0.33 في المائة، ليغلق عند مستوى 10318 نقطة، وسط تداولات بلغت قيمتها 3.2 مليار ريال.

وسجل المؤشر أعلى مستوى له خلال الجلسة عند 10334 نقطة، فيما بلغ أدنى مستوى عند 10276 نقطة.

وتصدرت أسهم «الأسماك» و«حديد وطني» و«جرير» قائمة الأسهم الأكثر ارتفاعاً، بمكاسب تراوحت بين 8 و9 في المائة، لتغلق عند 58.35 ريال و3.21 ريال و17.33 ريال، على التوالي.

وتصدَّر سهم «تنمية» قائمة الأسهم الأكثر انخفاضاً بنسبة 6.55 في المائة، ليغلق عند 49.90 ريال، تلاه سهم «قو للاتصالات» منخفضاً بنسبة 5.57 في المائة إلى 72 ريالاً، ثم سهم «المسار الشامل» متراجعاً بنسبة 3.73 في المائة ليغلق عند 21.70 ريال.


التفاقم الحاد للأزمة المعيشية في لبنان ينذر باضطرابات

امرأة تسير حاملةً أكياس البقالة في بيروت وسط ارتفاع أسعار مستمر (رويترز)
امرأة تسير حاملةً أكياس البقالة في بيروت وسط ارتفاع أسعار مستمر (رويترز)
TT

التفاقم الحاد للأزمة المعيشية في لبنان ينذر باضطرابات

امرأة تسير حاملةً أكياس البقالة في بيروت وسط ارتفاع أسعار مستمر (رويترز)
امرأة تسير حاملةً أكياس البقالة في بيروت وسط ارتفاع أسعار مستمر (رويترز)

يتكفّل الارتفاع المستمر في مؤشر التضخم وتوسّع حزام الفقر في لبنان بمحو المتبقي «الضئيل» من رصيد ملامح التعافي الاقتصادي والمعيشي، بعدما أجهزت الحرب، بجولتين كبيرتين في العامين الأخيرين، على معظم المكاسب المحقّقة في استعادة النمو الإيجابي للناتج المحلي، وتطلّعات العهد الرئاسي والحكومي لتعبيد مسار الخروج من مرحلة الانهيارات النقدية والمالية، وإنعاش خطوط التواصل والدعم مع المجتمعين الإقليمي والدولي.

ومع التصاعد الرقمي في مجمل مكونات مؤشر الغلاء، وارتفاع التضخم الغذائي إلى متوسط 20 في المائة خلال العام الحالي، أي بمعدل 2 في المائة شهرياً، يكشف تقرير محدّث للبنك الدولي حول آفاق الفقر في لبنان أن عدد الأشخاص الذين يعانون من مستويات أزمة أو طوارئ من انعدام الأمن الغذائي ارتفع إلى حوالي 1.24 مليون شخص في عام 2026، مقارنةً مع 874 ألف شخص في عام 2025، مع التنويه بأن منطقتَي الجنوب والنبطية تتصدران المناطق الأكثر تضرراً.

ولا تعكس هذه المعطيات كامل مشهدية تنامي العوز والعجز في البلد المنكوب أساساً بانهيارات شاملة، بقدر ما تنذر بتدهور معيشي أكثر حدة، قد يقود، وفق مصادر قطاعية ونقابية، إلى موجة اضطرابات واعتراضات شعبية، تضع الحكومة أمام تحديات أشد صعوبة وأوسع شمولية من اصطدامها القائم مع موظفي القطاع العام والمتقاعدين، الذين يعانون بدورهم من تدني مداخيلهم في مواجهة أعباء الغلاء المستشري في كل أبواب الإنفاق، ما يدفعهم إلى اللجوء إلى إضرابات متقطعة، تفضي إلى شلل نسبي في أعمال الوزارات والمؤسسات ومهامها، وبما يمسّ تلقائياً بانسياب واردات الخزينة في كثير من المرافق الحيوية.

وليس عابراً، وفق المصادر النقابية لدى أصحاب العمل والعمال معاً، توسّع حزام الفقر الشديد أو التأزم المعيشي الشديد ليشمل أكثر من ربع المقيمين، أو نحو 250 ألف أسرة في حال احتساب الرقم الإجمالي المرصود من قبل البنك الدولي على أساس أسرة مكوّنة من 5 أشخاص، بينما تشي الأرقام الواقعية بانفلاش (انفلات) خطير للعجز المعيشي المتمدّد إلى نحو 80 في المائة من المقيمين، جراء التراكم الحاد في مؤشر الغلاء الذي اقترب من 9 آلاف نقطة مئوية، عبر ارتفاعات متتالية وقياسية، تحقّق أغلبها بعد عام 2020، أي عقب انفجار الأزمات المالية والنقدية.

وسلّط البنك الدولي الضوء على تدهور الأوضاع المعيشية للأسر في لبنان نتيجة تصاعد الأعمال العدائية في ربيع العام الحالي، حيث ازداد اعتماد الأسر النازحة على شبكات الدعم غير الرسمية والموارد المالية المتضائلة، في ظل خسارة في مداخيلها وأصولها المنتجة. في حين أسهم تخفيض مؤسسة الكهرباء طاقة المعامل العاملة على الوقود في إجبار الأسر على تحمّل الزيادات الكبيرة في أسعار اشتراكات المولدات الكهربائية الخاصة، مما أدّى إلى تآكل قدرتها الشرائية وتفاقم أزمة غلاء المعيشة.

ويزيد الوصف «الكارثي» مطابقةً للوقائع المعيشية ومخاطر انفلات التضخم، مع حقيقة العجز المالي للدولة، والمخاوف من انكفاء إضافي في موارد الخزينة، في ظل ضغوط مالية «مستعصية» أساساً، جراء الانهيارات النقدية التي أنتجت فجوة خسائر مالية تتعدّى تقديراتها 70 مليار دولار، والمستتبعة بخسائر حربية اقتصادية وإعمارية تعدّت 27 مليار دولار، حسب التقديرات الحكومية والرسمية، التي تشمل الخسائر المباشرة وغير المباشرة الناتجة عن التصعيد العسكري والحربين المتتاليتين منذ خريف عام 2023.

ويقع في سجل المعطيات الضاغطة توقّعات البنك الدولي بانكماش الناتج المحلي بنسبة 6.4 في المائة خلال العام الحالي، منهياً بذلك مكاسب الانتعاش الهش الذي سجّله الاقتصاد خلال العام السابق، والبالغ نسبة 4.2 في المائة، بينما يشير في الوقت عينه إلى تفاقم الضغوط التضخمية خلال النصف الأول من السنة، حيث زاد معدل التضخم السنوي إلى 17.3 في المائة، مقارنةً مع 14.6 في المائة في عام 2025.

وفي لمحة إيجابية، يسجّل تقرير البنك الدولي أنه، بالرغم من الضغوط المالية الناجمة عن النزاع، فقد استمرت المالية العامة بتسجيل فائض بلغ مليار دولار، أي ما يعادل 2.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، محققاً زيادة سنوية نسبتها 32 في المائة حتى نهاية الشهر الخامس، مع التنويه بأثر ارتفاع الإيرادات الحكومية بنسبة 26.6 في المائة على صعيد سنوي، مدعومةً بزيادة الإيرادات المحصّلة من رسم الاستهلاك على الوقود. بالتوازي، ارتفعت النفقات العامة بنسبة 23.7 في المائة، نتيجة زيادة رواتب العاملين في القطاع العام، إضافةً إلى ارتفاع النفقات الرأسمالية ونفقات الاستشفاء وسلفات الخزينة المرتبطة بالنزاع. وبالمقابل، ارتفعت أسعار المياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 25.3 في المائة على صعيد سنوي، وزادت تكلفة النقل بنسبة 29.5 في المائة حتى منتصف العام الحالي.

أما على الصعيد النقدي، فقد أشار التقرير إلى أن استقرار سعر صرف العملة الوطنية مقابل الدولار الأميركي يرتبط بشحّ السيولة بالليرة، في وقت يرصد فيه تراجع الاحتياطيات بالعملات الأجنبية لدى البنك المركزي إلى 11.6 مليار دولار في منتصف شهر أغسطس (آب) الماضي، وهي كافية لتغطية حوالي 6.6 شهر من المستوردات، مقارنةً مع 12.1 مليار دولار في منتصف شهر فبراير (شباط)، في ظل اضطرار مصرف لبنان إلى استخدام جزء من احتياطياته تلبيةً لالتزاماته بالعملات الأجنبية، بالتزامن مع تراجع توافر العملات الأجنبية في السوق.

أما على صعيد القطاع الخارجي في لبنان، فقد أشار التقرير إلى ارتفاع عجز الميزان التجاري بنسبة 8.8 في المائة على صعيد سنوي، ليصل إلى 10.2 مليار دولار بنهاية شهر يوليو (تموز)، مكرّساً تراجع الصادرات بنسبة 16.6 في المائة، وارتفاع المستوردات بنسبة 4.2 في المائة، نتيجة الاضطرابات المرتبطة بالنزاع التي أثّرت سلباً على النشاط التصديري، تزامناً مع ارتفاع أسعار النفط وأقساط التأمين. كما يلفت إلى ارتفاع قيمة مستوردات الطاقة بنسبة 9 في المائة، إلى نحو 3 مليارات دولار، خلال الأشهر السبعة الأولى، بالرغم من انخفاض الكميات المستوردة بنسبة 31 في المائة، الأمر الذي فرض ضغوطاً إضافية على ميزان الحساب الجاري، الذي كان ولا يزال يشهد تدهوراً مؤثراً على تدفقات العملات والاحتياطيات.