ظل ترمب يهيمن على اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين بواشنطن

تنعقد في ظل حرب تجارية لها تداعياتها عالمياً… وعلى وقع تهديدات بانسحاب أميركي

رجل أمن يقف بالقرب من اللافتات الإعلانية لاجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن (أ.ف.ب)
رجل أمن يقف بالقرب من اللافتات الإعلانية لاجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن (أ.ف.ب)
TT

ظل ترمب يهيمن على اجتماعات صندوق النقد والبنك الدوليين بواشنطن

رجل أمن يقف بالقرب من اللافتات الإعلانية لاجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن (أ.ف.ب)
رجل أمن يقف بالقرب من اللافتات الإعلانية لاجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين في واشنطن (أ.ف.ب)

ستكون اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، التي تستهل يوم الاثنين المقبل في واشنطن، من أكثر الاجتماعات متابعةً في ظل تصاعد الحرب التجارية، واضطرابات التوقعات العالمية. فهذه الاجتماعات تُعقد في ظلّ أجواء الحمائية التجارية الأميركية، بالإضافة إلى عداء إدارة ترمب الظاهر تجاه المؤسسات متعددة الأطراف، وتهديد بانسحاب الولايات المتحدة.

سيكون الموضوع الرئيس لاجتماعات الربيع لهذا العام هو «الوظائف - الطريق إلى الازدهار»، وسيشارك فيها وزراء المالية، ومحافظو البنوك المركزية، وكبار المسؤولين التنفيذيين في القطاع الخاص، وممثلو المجتمع المدني، والأكاديميون.

خلال أسبوع، ستركز المناقشات والفعاليات بشكل كبير على الدور الحاسم لخلق فرص العمل في مواجهة التحديات العالمية، وتعزيز النمو الاقتصادي، وتحسين سبل العيش، وخاصةً لفئة الشباب المتزايدة في البلدان النامية. يقول البنك الدولي هنا إنه «مع دخول 1.2 مليار شاب إلى سوق العمل خلال العقود المقبلة، ومحدودية فرص العمل الرسمية المتاحة، أصبحت الحاجة إلى حلول مستدامة وقابلة للتطوير أكبر من أي وقت مضى».

ومن أبرز اجتماعات اللجان، لجنة الشؤون النقدية والمالية الدولية التابعة لصندوق النقد الدولي، والتي يرأسها وزير المالية السعودي محمد الجدعان، ولجنة التنمية المشتركة بين البنك وصندوق النقد الدوليين، حيث تُناقشان التقدم المحرز في عمل المؤسستين.

غورغييفا والجدعان خلال اجتماع لجنة الشؤون النقدية والمالية الدولية العام الماضي (أ.ف.ب)

لكن إنهاء أو تقليص مشاركة الولايات المتحدة في مؤسسات «بريتون وودز» ستكون لهما أهمية رمزية بالغة في الاجتماعات. إذ إن هذا الأمر قد يُصعّب على الأسواق الناشئة الحصول على التمويل متعدد الأطراف. مع العلم بأن الأسواق الناشئة منخفضة الدخل، الأكثر اعتماداً على هذا التمويل، هي من بين الأكثر تضرراً من سياسات إدارة ترمب الأخرى.

امرأة تمر أمام لافتة إعلانية لاجتماعات الربيع في واشنطن (أ.ف.ب)

وتبلغ حصة واشنطن نحو 16 في المائة في صندوق النقد الدولي، ونحو 17 في المائة في أقدم صناديق البنك.

وكان مسؤولون في صندوق النقد والبنك الدوليين اجتمعوا مع وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، المسؤول الأعلى الذي يمثل الولايات المتحدة في المؤسستين، لشرح كيفية استفادة المصالح الأميركية من عملهم، سعياً جزئياً إلى دحض الانتقادات من داخل إدارة ترمب، وفقاً لأشخاص مطلعين على الوضع، والذين طلبوا عدم الكشف عن هويتهم، لأن المناقشات كانت خاصة، وفق «بلومبرغ».

كما قدمت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، ورئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، تفسيرات مماثلة للإدارة في لقاءات منفصلة. وأكدا أن مهمتيهما -الاستقرار المالي العالمي للصندوق، والتنمية للبنك- تعودان بالنفع على الولايات المتحدة، بما في ذلك خلق الطلب على الصادرات، وتجنب الأزمات المالية، أو الإنسانية.

وقالت غورغييفا في مقابلة لها مع «رويترز» الشهر الماضي إن بيسنت «يدرك جيداً أهمية وجود الصندوق للاقتصاد الأميركي»، مضيفةً أن هناك «تفاعلاً ممتازاً». وفي رد سابق على أسئلة، قال صندوق النقد الدولي إنه «أجرى مناقشات بناءة للغاية مع وزير الخزانة سكوت بيسنت، وممثلين آخرين عن الإدارة الأميركية».

غورغييفا أثناء إلقاء خطابها قبل بدء اجتماعات الربيع (إ.ب.أ)

وأعلن البنك الدولي أنه أطلع الإدارة على إصلاحاته، وتركيزه على خلق فرص العمل، وجهوده لتحفيز رأس المال الخاص. وأضاف في بيان: «مثل أي مساهم، يرغب المساهمون في رؤية قيمة مساهماتهم، ونحن نعلم أن الثقة تُكتسب من خلال التنفيذ».

بالنسبة للصندوق والبنك، فإن السيناريو الكابوسي هو أن تتخلف الولايات المتحدة عنهما. ويجادل تقرير «مشروع 2025»، الصادر عن مؤسسة «هيريتيج» المحافظة، بأن المؤسستين «تتبنيان نظريات وسياسات اقتصادية معادية لمبادئ السوق الحرة الأميركية، والحكومة المحدودة»، بما في ذلك زيادة الضرائب.

وكانت تقارير ذكرت الشهر الماضي أن إدارة ترمب أوقفت مساهماتها لمنظمة التجارة العالمية، بعد استهداف المنظمة في ولاية ترمب الأولى.

ترمب يستمع إلى تصريحات خلال حفل أداء اليمين لمدير مراكز الرعاية والخدمات الطبية (أرشيفية - رويترز)

وبافتراض أن بيسنت سيصدر بياناً رسمياً خلال الاجتماعات -كما فعل جميع وزراء الخزانة السابقين-، فستكون هي المرة الأولى التي يُدلي فيها مسؤول كبير من إدارة ترمب برأيه علناً بشأن البنك وصندوق النقد الدوليين.

وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في بوينس آيرس (أرشيفية - رويترز)

آخر الشهر الماضي، كتب فريد بلحاج، وهو زميل أول في «المجلس الأطلسي» (Atlantic Council) والذي شغل منصب نائب رئيس البنك الدولي لشؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من عام 2018 إلى عام 2024، أن «صندوق النقد والبنك الدوليين ومنظمة التجارة العالمية شكلت العمود الفقري للاستقرار المالي العالمي بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن إذا أدت مراجعة ترمب للمنظمات متعددة الأطراف إلى تقليص الولايات المتحدة مساهماتها، أو انسحابها من قيادتها بالكامل، فقد يُفقد هذه المؤسسات فعاليتها، مما يجعل الأسواق الناشئة عُرضة لارتفاع تكاليف الاقتراض، وعدم الاستقرار المالي».

المؤسسة الدولية للتنمية

وثمة سؤال آخر يُطرح، وهو: ما موقف وزارة الخزانة الأميركية من المؤسسة الدولية للتنمية؟ ذراع الإقراض المُيسّر للبنك الدولي، وكانت اختُتمت مفاوضات تجديد موارد المؤسسة الدولية للتنمية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، عندما كان الرئيس جو بايدن لا يزال في منصبه. وكانت الولايات المتحدة أكبر مانح، إذ تعهدت إدارة بايدن بتقديم 4 مليارات دولار على مدى ثلاث سنوات، وهو ما يمثل 17 في المائة من إجمالي التعهدات للدورة المقبلة للمؤسسة الدولية للتنمية، والتي تبدأ في يوليو (تموز) 2025. ويقع على عاتق إدارة ترمب الوفاء بهذا التعهد، ومن المحتم إجراء بعض المراجعة التنازلية.

يوم الأربعاء الماضي، أكد رئيس البنك الدولي أنه أجرى محادثات بناءة مع إدارة ترمب بشأن المؤسسة الدولية للتنمية، لكنه لا يعلم حجم المساهمة الأميركية في صندوق البنك لأفقر دول العالم.

رئيس البنك الدولي أجاي بانغا في اجتماعات العام الماضي (رويترز)

وأضاف للصحافيين أنه في حال عدم وفاء الولايات المتحدة بتعهدها بتقديم 4 مليارات دولار لمؤسسة التنمية الدولية من إدارة بايدن، وخفض بعض الدول الأوروبية تعهداتها المالية، فقد تُخفض جولة تمويل المؤسسة الأخيرة البالغة 100 مليار دولار إلى 80 أو 85 مليار دولار.

ما المتوقع؟

يقول مركز التنمية العالمي، الذي يرأس مجلس إدارته وزير الخزانة السابق لورانس سمرز، إنه من المرجح أن يحاول صندوق النقد الدولي الحفاظ على حضوره الهادئ خلال الاجتماعات، في انتظار مراجعة إدارة ترمب لمشاركة الولايات المتحدة في المنظمات متعددة الأطراف. ومع ذلك، سيكون من الصعب على المؤسسة تجنب المراجعة، لا سيما مع إصدار تقريرها نصف السنوي «آفاق الاقتصاد العالمي»، وهو أول تقييم علني للاضطراب الاقتصادي الناجم عن السياسات الأميركية الأخيرة، وخاصة الرسوم الجمركية، وخفض المساعدات، وفق ما ذكره المعهد.

وكانت غورغييفا قالت يوم الخميس في خطاب ألقته في واشنطن قبل انطلاق اجتماعات الربيع إنه ستكون هناك تخفيضات ملحوظة في توقعات النمو الاقتصادي الجديدة في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» الذي سيُنشر الأسبوع المقبل، ولكن لا يُتوقع حدوث ركود.

وتوقع صندوق النقد الدولي في يناير (كانون الثاني) نمواً عالمياً بنسبة 3.3 في المائة في عام 2025، و3.3 في المائة في عام 2026.

غورغييفا تستعرض أرقاماً حول أداء الاقتصاد العالمي (رويترز)

وأوضحت غورغييفا أن تدفق التجارة سيتغير اتجاهه مع قيام الدول بوضع حواجز جمركية، وغير جمركية، وأن التجارة ستستمر، لكن الاضطرابات ستؤدي إلى تكاليف. وقالت: «سنُحدد هذه التكاليف كمياً في تقريرنا الجديد عن آفاق الاقتصاد العالمي، والذي سيُصدر مطلع الأسبوع المقبل. وستتضمن توقعاتنا الجديدة للنمو تخفيضات ملحوظة في الأسعار، ولكن ليس ركوداً». وأضافت: «سنشهد أيضاً زيادات في توقعات التضخم لبعض الدول».

وفي تعليقها على التوقعات الاقتصادية العالمية، قالت غورغييفا إن مرونة الاقتصاد العالمي خضعت لاختبار جديد مع إعادة هيكلة نظام التجارة العالمي التي أشعلتها الرسوم الجمركية الأميركية، وردّ الصين، والاتحاد الأوروبي. وأشارت إلى انخفاض أسعار الأسهم العالمية مع تصاعد التوترات التجارية، وقالت: «إن هذا يُذكرنا بأننا نعيش في عالم يشهد تغيرات مفاجئة، وشاملة».

جدول الأعمال

ستهيمن الصدمة الجديدة التي لحقت بالاقتصاد العالمي على مناقشات اجتماعات الربيع. فمن المتوقع أن يحظى فرض الرسوم الجمركية الأميركية على مجموعة واسعة من الشركاء التجاريين، وخاصة الصين، والإجراءات الصينية الانتقامية، على مجمل النقاشات.

كما أن هناك العديد من القضايا الأخرى المدرجة على جدول أعمال الاجتماعات، بما في ذلك زيادة الحصص المرتقبة، وتمويل تسهيلات الإقراض الميسرة في صندوق النقد الدولي، وإعادة النظر في تخفيف الديون.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد: الذكاء الاصطناعي قد يرفع إنتاجية أوروبا 1 % خلال 5 سنوات

الاقتصاد يظهر مصطلح «الذكاء الاصطناعي» وصورة مصغرة للروبوت وعَلم الاتحاد الأوروبي في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

صندوق النقد: الذكاء الاصطناعي قد يرفع إنتاجية أوروبا 1 % خلال 5 سنوات

أشارت ورقة صادرة عن صندوق النقد الدولي إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يرفع إنتاجية أوروبا بنحو 1 % خلال 5 سنوات، لكنه ينطوي على مخاطر.

«الشرق الأوسط» (دبلن)
الاقتصاد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام مستقبلاً بعثة صندوق النقد الدولي برئاسة راميريز (إكس)

صندوق النقد: اقتصاد لبنان سينكمش بقوة في 2026 وسط تضخم مرتفع

توقع صندوق النقد الدولي، ​الجمعة، أن يشهد النشاط الاقتصادي في لبنان انكماشاً كبيراً في 2026، وذلك ‌في ‌ظل ​استمرار ‌الصراع ⁠في ​الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرنكفورت (رويترز)

استطلاع: المركزي الأوروبي يتجه لرفع الفائدة للمرة الثانية والأخيرة في سبتمبر

أظهر استطلاع رأي أجرته «رويترز» ونُشرت نتائجه يوم الخميس أن البنك المركزي الأوروبي سيرفع أسعار الفائدة في 10 سبتمبر للمرة الثانية والأخيرة.

«الشرق الأوسط» (فرنكفورت برلين )
الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

صندوق النقد يرحب بتعديلات قانون المصارف في لبنان ويعدّها «خطوة كبيرة»

رحب صندوق النقد الدولي بإقرار مجلس النواب اللبناني تعديلات على قانون معالجة أوضاع المصارف، واصفاً الخطوة بأنها «كبيرة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شمال افريقيا من جلسة سابقة لمجلس الوزراء المصري (المجلس)

مخاوف بمصر بشأن تداعيات ارتفاع الدين العام وسط تصاعد التوترات الإقليمية

على عكس خطط الحكومة المصرية التي تستهدف خفض الدين العام إلى 78 في المائة من الناتج الإجمالي، توقَّع"«صندوق النقد» بلوغ هذه النسبة 82.2 في المائة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
TT

«وول ستريت» تتوقع اقتراض واشنطن نحو تريليون دولار من الدين القصير

يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)
يسير الناس على طول شارع وول ستريت في الحي المالي بنيويورك (أ.ف.ب)

تتجه الولايات المتحدة إلى زيادة اعتمادها على أذون الخزانة قصيرة الأجل لتمويل احتياجاتها القياسية من الاقتراض، في وقت ترتفع فيه كلفة الدين طويل الأجل، ما يوفر للخزانة تمويلاً أرخص في الأجل القريب، لكنه يزيد في المقابل تعرض المالية العامة لمخاطر إعادة التمويل وتقلب أسعار الفائدة.

وذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن بنوك «وول ستريت» تتوقع أن تصل إصدارات أذون الخزانة إلى نحو تريليون دولار خلال العام المقبل. ويقدّر «بنك أوف أميركا» الإصدارات بنحو 1.07 تريليون دولار خلال السنة المالية المنتهية في سبتمبر (أيلول) 2027، باستثناء المبالغ المستخدمة لإعادة تمويل الديون المستحقة، فيما توقع «جي بي مورغان» نحو 1.09 تريليون دولار خلال عام 2027، مقابل 961 مليار دولار وفق تقديرات «غولدمان ساكس».

وتأتي هذه التوقعات مع ارتفاع عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى أعلى مستوياتها منذ 2007، وسط زيادة الدين العام، وتنامي احتياجات الشركات إلى الاقتراض لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب تحسن توقعات النمو الاقتصادي.

تريليون دولار إضافية

ويؤدي الاعتماد المتزايد على أذون الخزانة، التي تستحق خلال عام أو أقل، إلى رفع حجم الدين القصير القائم إلى نحو 8 تريليونات دولار، أو ما يعادل 24.3 في المائة من إجمالي الدين القابل للتداول بحلول سبتمبر 2027 وفق تقدير «بنك أوف أميركا».

ويقترب ذلك من المستويات المرتفعة التي سُجلت خلال جائحة «كوفيد-19»، ويتجاوز المستوى الذي تستهدفه لجنة استشارية تابعة لوزارة الخزانة، والبالغ نحو 20 في المائة من إجمالي الدين على المدى الطويل، باعتباره توازناً بين كلفة الفائدة ومخاطر تقلب تكاليف التمويل وإعادة تدوير الدين.

وتشير بيانات تاريخية إلى أن نسبة أذون الخزانة تجاوزت ربع إجمالي الدين القابل للتداول خلال فترات استثنائية، أبرزها الجائحة والأزمة المالية العالمية في 2008. أما متوسطها منذ ثمانينات القرن الماضي فيبلغ نحو 22.4 في المائة.

ويرى محللون أن استراتيجية التمويل القصير تمنح وزارة الخزانة ميزة واضحة في الوقت الحالي، إذ يبلغ عائد أذون الخزانة لأجل عام نحو 4.4 في المائة، مقارنة بنحو 5 في المائة للسندات لأجل 10 سنوات ونحو 5.3 في المائة للسندات لأجل 30 عاماً.

لكن انخفاض الكلفة الحالية يأتي مقابل الحاجة إلى إعادة تمويل هذه الديون بوتيرة أسرع. وحذر محللون، وفق «فاينانشال تايمز»، من أن زيادة الاعتماد على الآجال القصيرة تجعل فاتورة خدمة الدين أكثر تقلباً إذا ارتفعت أسعار الفائدة، فيما وصف آخرون ذلك بأنه زيادة في «مخاطر تدوير الدين»، وفق «فاينانشال تايمز».

تعرض الشاشات مؤتمراً صحافياً لرئيس الاحتياطي الفيدرالي كيفين وارش في قاعة بورصة نيويورك (أ.ب)

استراتيجية بيسنت

وتكتسب هذه السياسة أهمية إضافية في ظل مساعي وزير الخزانة سكوت بيسنت للحد من ارتفاع عوائد السندات طويلة الأجل. وكانت وزارة الخزانة قد فاجأت الأسواق الشهر الماضي بخطط لتوسيع مشترياتها من السندات التي تتراوح آجالها بين 10 و30 عاماً، في خطوة تهدف إلى المساعدة في احتواء تكاليف الاقتراض طويلة الأجل.

وفي الوقت نفسه، تواصل الوزارة زيادة إصدارات الدين القصير لتلبية احتياجات الحكومة التمويلية الكبيرة. ويأتي ذلك رغم أن بيسنت كان قد انتقد في السابق وزيرة الخزانة السابقة جانيت يلين بسبب زيادة الاعتماد على الدين القصير، معتبراً أن تلك السياسة ساهمت في تخفيف شروط التمويل قبل انتخابات 2024.

وتجد الخزانة الأميركية في المقابل قاعدة واسعة من المشترين لأذونها. وتبلغ أصول صناديق سوق النقد الأميركية نحو 8 تريليونات دولار، فيما اشترى الاحتياطي الفيدرالي نحو 250 مليار دولار من أذون الخزانة خلال النصف الأول من العام، وفق «فاينانشال تايمز». كما ينظر بيسنت إلى العملات المستقرة المرتبطة بالدولار باعتبارها مصدراً إضافياً للطلب على أدوات الدين القصيرة.

عجز مرتفع

وتأتي زيادة الاعتماد على الدين القصير في وقت لا تزال فيه المالية الأميركية تواجه عجزاً كبيراً. ويتوقع مكتب الموازنة في الكونغرس أن يبقى العجز عند نحو 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي طوال أفق توقعاته لعشر سنوات، وهو مستوى يزيد كثيراً على هدف بيسنت البالغ 3 في المائة بنهاية الولاية الثانية للرئيس دونالد ترمب.

ويراهن بيسنت على احتواء الإنفاق وتعزيز النمو الاقتصادي كوسيلة لتخفيف عبء الدين، وقال في وقت سابق من الشهر إن المشكلة الرئيسية في الولايات المتحدة تتعلق بالإنفاق وليس بالإيرادات، وإن تحقيق نمو عند 3 في المائة يمكن أن يساعد البلاد على «النمو للخروج» من عبء الدين.

لكن ارتفاع أسعار الفائدة يضع هذا الرهان أمام اختبار مزدوج: فالنمو الأقوى قد يدعم الإيرادات ويخفف نسبة الدين إلى الناتج، فيما يؤدي ارتفاع العوائد إلى زيادة كلفة خدمة الدين، خصوصاً إذا اضطرت الخزانة إلى إعادة تمويل جزء أكبر من محفظتها بوتيرة أسرع.


الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
TT

الكعبي: قطر تستأنف عمليات الغاز الطبيعية خلال أسابيع من فتح «هرمز»

عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)
عادة ما تشتري «قطر للطاقة» شحنة واحدة من وقود الطائرات شهرياً (رويترز)

قال وزير الدولة لشؤون الطاقة والرئيس التنفيذي لـ«قطر للطاقة»، سعد الكعبي، إن الشركة تنتج حالياً «كمية ضئيلة جداً» من الغاز الطبيعي المسال، في ظل الاضطرابات التي أثرت على عملياتها، متوقعاً إمكانية استئناف عمليات الغاز بصورة طبيعية خلال «بضعة أسابيع» من إعادة فتح مضيق هرمز.

وأضاف الكعبي، خلال مشاركته في منتدى قطر الاقتصادي في نيويورك، أن عدداً من قطارات توسعة حقل الشمال الشرقي (NFE) سيبدأ الإنتاج في عام 2027، على أن تبدأ توسعة حقل الشمال الجنوبي (NFS) الإنتاج في عام 2028.

وأوضح أن القطارين الثاني والثالث من مشروع «غولدن باس» للغاز الطبيعي المسال في الولايات المتحدة سيبدآن التشغيل خلال عام 2027، ما سيدعم إمدادات الشركة من خارج قطر في إطار توسعها العالمي في إنتاج الغاز.

وتأتي تصريحات الكعبي في وقت لا تزال فيه حركة ناقلات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز محدودة، فيما تسعى «قطر للطاقة» إلى تأمين إمدادات بديلة للوفاء بالتزاماتها تجاه العملاء. وكانت الشركة قد بدأت محادثات للحصول على عقود طويلة الأجل للغاز الطبيعي المسال من الولايات المتحدة حتى عام 2031، بعد الأضرار التي لحقت بمنشآت رأس لفان.

ويُعد مضيق هرمز المنفذ البحري الرئيسي لصادرات الغاز الطبيعي المسال القطرية، ما يجعل إعادة فتحه عاملاً حاسماً في عودة تدفقات الغاز إلى مستوياتها الطبيعية. وكانت بيانات حديثة قد أظهرت عودة عدد محدود من ناقلات الغاز إلى المنطقة، مع بقاء حركة العبور دون متوسطها المعتاد.


قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
TT

قطر توسِّع دور «جهاز الاستثمار» في السوق المحلية

مدينة الدوحة (أ.ف.ب)
مدينة الدوحة (أ.ف.ب)

تتجه قطر إلى توسيع حضور «جهاز قطر للاستثمار» في السوق المحلية، عبر منصة استثمارية جديدة تتولى إدارة وتنمية أصول الجهاز داخل البلاد، في خطوة تعكس إعادة صياغة لاستراتيجيته الاستثمارية، وتفتح قناة جديدة لتوظيف رأس المال السيادي في مشروعات الاقتصاد المحلي.

وكشف رئيس الوزراء القطري عن «منصة الدوحة الاستثمارية»، موضحاً أنها ستكون مخصصة للاستثمار في الصفقات المحلية، وستتولى إدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وقال إن المنصة تأتي في إطار إعادة صياغة استراتيجية الجهاز وتعزيز جهوده في الاستثمار داخل قطر، وذلك خلال مشاركته في النسخة الخاصة من «منتدى قطر الاقتصادي» التي تُعقد في نيويورك، بالتزامن مع أسبوع الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذي يناقش التحولات في حركة رأس المال والاستثمار والمخاطر الجيوسياسية والمرونة الاقتصادية.

ويأتي التوجه الجديد في وقت تتوقع فيه الدوحة تدفق استثمارات كبيرة إلى قطاعات البنية التحتية والعقارات والضيافة، مع تقديرات بترسية مشاريع بنية تحتية بقيمة 38.5 مليار دولار خلال السنوات الخمس المقبلة، بينما يُتوقع أن تجذب مشاريع العقارات والضيافة استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار.

وتشير هذه الأرقام، مجتمعة، إلى فرص استثمارية محتملة بنحو 61 مليار دولار في قطاعين رئيسيين خلال السنوات الخمس المقبلة، وإن كانت لا تعني بالضرورة أن هذه القيمة ستُموَّل مباشرة من جهاز قطر للاستثمار أو من المنصة الجديدة.

رأس المال السيادي في السوق المحلية

ويضع إنشاء المنصة الجديدة جهاز قطر للاستثمار أمام دور أكثر مباشرة في تطوير الأصول والفرص الاستثمارية المحلية، بدلاً من اقتصار دوره على تخصيص رأس المال في الأسواق والأصول العالمية.

ومن شأن وجود منصة متخصصة في الصفقات المحلية، أن يتيح للجهاز التعامل بصورة أكثر تركيزاً مع الفرص الناشئة من توسع البنية التحتية ونمو قطاعي العقارات والضيافة، فضلاً عن إمكانية إدارة وتنمية الأصول المحلية القائمة ضمن إطار استثماري أكثر تخصصاً.

ويأتي ذلك في وقت تتعامل فيه الاقتصادات الخليجية مع مرحلة تتطلب زيادة كفاءة رأس المال السيادي، وتوجيه جزء منه إلى القطاعات القادرة على توليد نمو محلي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على تنويع المحافظ الاستثمارية خارج الأسواق المحلية.

وتشكِّل مشاريع البنية التحتية الجزء الأكبر من الفرص المعلنة؛ إذ تتوقع قطر ترسية مشاريع بقيمة 38.5 مليار دولار على مدى السنوات الخمس المقبلة.

ويمتد أثر هذه المشاريع إلى قطاعات متعددة من الاقتصاد، من الإنشاءات والخدمات الهندسية إلى النقل والخدمات والمقاولات وسلاسل الإمداد، ما يخلق مجالاً أمام المستثمرين المحليين والدوليين للمشاركة في دورة إنفاق طويلة الأجل.

أما قطاعا العقارات والضيافة، فتتوقع الدوحة أن يجذبا استثمارات بقيمة 22.5 مليار دولار، في مؤشر إلى استمرار الرهان على هذه الأنشطة، كجزء من توسع الاقتصاد غير المرتبط بالطاقة.

من جذب رأس المال إلى إدارة الأصول

ويمنح إنشاء «منصة الدوحة الاستثمارية» التوجه القطري بعداً مختلفاً عن مجرد استقطاب الاستثمارات الأجنبية. فالمنصة -وفق ما أعلنه رئيس الوزراء- ستكون مسؤولة عن الاستثمار في الصفقات المحلية، وإدارة وتنمية الأصول المحلية لجهاز قطر للاستثمار.

وهذا يعني أن الهدف لا يقتصر على جذب رأس المال إلى قطر؛ بل يشمل أيضاً توظيف رأس المال السيادي داخل الاقتصاد، والمشاركة في تطوير أصول وفرص استثمارية محلية، يمكن أن تنمو قيمتها مع توسع القطاعات غير النفطية.

وتشير الخطوة القطرية إلى محاولة بناء حلقة أكثر مباشرة بين رأس المال السيادي ومشروعات الاقتصاد المحلي، بحيث لا يكون جهاز الاستثمار مجرد مالك للأصول؛ بل يكون طرفاً في إدارة وتنمية جزء من الفرص الاستثمارية داخل البلاد.