«صراع» التوصيل في السعودية... هل يستفيد المستهلك من المنافسة الشرسة؟

تطبيق صيني جديد دخل الحلبة... وتقديم خصومات لجذب العملاء

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«صراع» التوصيل في السعودية... هل يستفيد المستهلك من المنافسة الشرسة؟

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)

يشهد قطاع توصيل الطلبات في السعودية منافسةً عالية مع وجود شركات كبرى محلية وعالمية متخصصة في هذا المجال، تتصارع على تقديم خدمات مبتكرة تجمع بين سرعة التوصيل، والجودة العالية، والأسعار التنافسية.

ومع تزايد الاعتماد على التجارة الإلكترونية، باتت هذه المنافسة عاملاً محفزاً لفتح آفاق جديدة؛ إذ تعد التجربة الرقمية المتميزة والمواكبة للتطور المستمر مفتاح بقاء هذه الشركات في صدارة السوق. وأبرز التطورات التي تشهدها هذه السوق اليوم، دخول تطبيق صيني، مما يزيد من وتيرة المنافسة، ويعزز الابتكارات في تقديم خدمات مميزة للمستهلك.

وبات هذا القطاع من أكثر المجالات الاقتصادية نشاطاً ونمواً في السنوات الأخيرة، مدفوعاً بالتطورات التقنية، وتغيّر سلوك المستهلك، وازدياد الاعتماد على المتاجر الإلكترونية، كما يعزز هذا التوسع قطاعات أخرى، أهمها المطاعم والمقاهي التي يُعد مجرد ظهورها في تطبيقات التوصيل بمثابة تسويق مباشر لها، ويمنحها فرصة الظهور أمام عملاء جدد.

أحد المندوبين يوصل طلبية لمواطن (الشرق الأوسط)

وكانت جائحة «كورونا» فرصة في تسريع نمو قطاع توصيل الطلبات؛ إذ زادت الحاجة إلى حلول توصيل فعالة وآمنة، مما أتاح الفرصة لدخول شركات محلية وعالمية إلى السوق السعودية.

وأصبح أمام العملاء مجموعة واسعة من الخيارات لطلبات المطاعم، والمقاهي، وأسواق التجزئة، مما أدى إلى تغيير سلوك المستهلك بالاعتماد على تطبيقات توصيل الطلبات، وزاد من حجم الاستثمار في القطاع.

مندوبو توصيل طلبات في تطبيق «جاهز» (الشرق الأوسط)

وخلال السنوات الأخيرة، وصل عدد شركات التوصيل في المملكة إلى 61 شركة، وبلغ إجمالي الطلبات 290 مليون طلب، بما يعادل 794 طلباً يومياً وفق «الهيئة العامة للنقل» بالسعودية.

واستحوذت منطقة الرياض على 45 في المائة من إجمالي الطلبات بأكثر من 130.5 مليون طلب، تلتها منطقة مكة المكرمة بإجمالي 65.4 مليون طلب؛ أي ما يعادل 22.5 في المائة. في حين توزعت بقية الطلبات على المناطق الأخرى وفق الكثافة السكانية، وحجم الطلب على خدمات التوصيل.

أبرز تطبيقات التوصيل

توجد عدة شركات معروفة في السعودية تلبي احتياجات عملائها بشكل فعّال، ويتزايد الطلب عليها عبر تطبيقاتها على الهواتف الذكية بشكل مستمر.

ومن بين أبرزها في قطاع توصيل الطلبات، يوجد تطبيق «هنغرستيشن» الموجود منذ عام 2012، ويعتبر الأول من نوعه في المملكة. فبعيداً عن الطريقة التقليدية عبر اتصال العملاء بالهاتف على المطاعم، يعمل التطبيق كوسيط بين العميل والمطعم.

وكانت شركة «ديليفري هيرو» الألمانية استحوذت عام 2023 على حصة 37 في المائة من شركة «هنغرستيشن» مقابل 297 مليون دولار، بعدما كانت استحوذت قبل سنوات على حصة تبلغ 63 في المائة من «هنغرستيشن»، لتصبح الآن المالك الوحيد بعد صفقة الاستحواذ على النسبة المتبقية.

وتطبيق «جاهز» الذي يعتبر من التطبيقات المميزة في المجال، بصناعة سعودية، والذي بدأ فكرة توصيل الطلبات من «الأكلات المنزلية»، وخدمات قطاع التجزئة لـ«الأسواق الغذائية»، لم يحظَ على شهرة واسعة قبل فترة جائحة «كورونا»، لكنه حصل بعدها على ثقة العديد من المستثمرين، مما دفع شركته المالكة - «جاهز الدولية لتقنية نظم المعلومات» - إلى إدراج أسهمها في السوق المالية السعودية (تداول) في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بعد طرح نسبة من أسهمها للاكتتاب العام، وهو ما اعتُبر خطوة فارقة في مسيرة قطاع التوصيل في المملكة والخليج.

كذلك، هناك تطبيق «مرسول»، وهو أيضاً من أكبر تطبيقات التوصيل في المملكة، ويتميز بتنوع خدماته التي تشمل توصيل طلبات المطاعم، والمتاجر، وحتى توصيل الأغراض المنسية.

أما «طلبات»، فيعتبر من التطبيقات العالمية المشهورة في مجال توصيل الطعام.

تطبيق جديد

مؤخراً، برز تطبيق «كيتا» التابع لشركة «ميتوان» الصينية، كأحد أبرز اللاعبين الجدد في هذا المجال؛ إذ يتمتع بخبرة واسعة من خلال الشركة الأم التي تُعد من أكبر منصات التوصيل في الصين، وتخدم مئات الملايين من المستخدمين سنوياً، مع قدرات لوجستية وتقنية متطورة قد تُحدث نقلة نوعية في السوق المحلية.

وجاء دخول التطبيق إلى السوق السعودية في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، مستهدفاً العاصمة الرياض كمرحلة أولية، لينتشر في مدن أخرى خلال فترة قصيرة، حسب ما أعلنت الشركة، مستفيداً من بيئة اقتصادية تتمتع بفرص واعدة في قطاع توصيل طلبات الطعام.

ومنذ اللحظة الأولى لدخولها السوق السعودية تبنّت شركة «كيتا» استراتيجيات تسويقية جريئة؛ إذ أعلنت عن خدمة التوصيل المجاني لأكثر من 90 في المائة من المطاعم التي تتعاون معها، إضافةً إلى سياسة تعويض العملاء عند تأخر الطلبات لمدة تزيد على 15 دقيقة.

الهيئة العامة للمنافسة تمنع الاحتكار

وفي هذا السياق، شرح لـ«الشرق الأوسط» الخبير في حقوق المستهلك، والعضو المؤسس لـ«جمعية حماية المستهلك»، عبد العزيز الخضيري، أن شركات تطبيقات التوصيل لا يحق لها تقديم عروض ترويجية أو خصومات إلا بعد موافقة الجهات الرسمية؛ وذلك لضمان توازن السوق، ومنع الممارسات التي قد تضر بالمنافسين، أو التي تؤثر سلباً على القطاع.

وأضاف أنه في حال كان هدف أحد التطبيقات هو حرق الأسعار والإضرار بالمنافسين لإزاحتهم من السوق، فإن الهيئة العامة للمنافسة تتدخل فوراً لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي ممارسات احتكارية أو غير عادلة.

وشدد الخضيري على وعي المستهلكين بعد جائحة «كورونا»؛ إذ بات العميل يبحث عن السعر الأفضل، ليس فقط في قطاع المطاعم، بل في جميع المنتجات والخدمات.

وأشار إلى أن الجائحة ساهمت في تسريع التحول نحو التجارة الإلكترونية؛ إذ اعتاد المستهلك على استخدام التطبيقات والمنصات الرقمية، وأصبحت جزءاً أساسياً لمشترياته.

تطور التطبيقات

من ناحيته، أكد مطور التطبيقات في مجال التجارة الإلكترونية، صالح العقيل، لـ«الشرق الأوسط» أن السوق السعودية تشهد تطوراً تقنياً متسارعاً، مدفوعةً بارتفاع الطلب على الحلول الذكية. وقال العقيل: «تطبيقات التوصيل كانت موجودة قبل جائحة (كورونا)، ولكن لم تكن تُستخدم بشكل يومي، بل تعد خياراً ثانوياً لدى الكثير من المستهلكين».

وأكمل أنه «قبل الجائحة كنا نركز على التصميم الجذاب والوظائف الأساسية، لكن أثناء (كورونا) وبعدها أصبح علينا التفكير في السرعة، والاستقرار، والقدرة على استيعاب التطبيق لضغط المستخدمين، وتأمين عمليات الدفع الإلكتروني».

وأوضح العقيل أن كثرة المستخدمين دفعت فرق التطوير إلى إعادة بناء أجزاء من التطبيقات، وتحديث الخوادم، وتحسين تجربة التصفح، وتوسيع نطاق العمليات.

ومن جانب آخر، أفاد عبد المحسن عبد الله، أحد المتعاملين على تطبيقات التوصيل، لـ«الشرق الأوسط» بأنه «سابقاً كانت الطريقة التقليدية هي الدارجة في طلبات المطاعم، وهي الذهاب إلى المطعم أو الاتصال عليه والانتظار طويلاً حتى وصول الطلب، ولم يكن هناك اهتمام من المستهلك بخوض تجربة التوصيل».

ولفت إلى تعدد الخيارات في استخدام التطبيق؛ إذ إنه قبل جائحة «كورونا» كان لدى المستهلك خيار أو خياران، لكن خلال الجائحة وحتى اليوم أصبح المستخدم يبحث عن السعر الأنسب، والسرعة في التوصيل، والجودة عند الاستخدام.

وزاد أن تطوير الشركات لتطبيقات التوصيل أصبح ملحوظاً، والتواصل مع الدعم الفني أصبح أسهل وأسرع؛ ما يساهم في تنافسية السوق، وتطور الوعي لدى الكثير من المستهلكين.

دور القطاع في النمو الاقتصادي

ولا يقتصر دور شركات التوصيل وتطبيقاتها على تسهيل حياة المستهلكين فحسب، إنما تعتبر خدمات التوصيل مهمة جداً لمنصات التجارة الإلكترونية التي تُعدّ بدورها جزءاً سريع النمو من قطاع التجزئة، وتُساهم بشكل كبير في نمو الناتج المحلي الإجمالي.

كما أن نمو شركات التوصيل يساهم في خلق العديد من فرص العمل؛ من سائقي التوصيل إلى مديري المستودعات ومخططي الخدمات اللوجستية، مما يساهم بالتالي في رفع مستويات التوظيف والدخل.

وبالإضافة إلى ذلك، يساهم الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية، مثل المستودعات ومراكز التوزيع وشبكات النقل، في التنمية الاقتصادية، وله تأثيرات مضاعفة على الناتج المحلي الإجمالي من خلال زيادة الكفاءة والإنتاجية.


مقالات ذات صلة

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

الاقتصاد شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد رجل يملأ سيارته بالبنزين في محطة وقود بلندن (أ.ب)

وزراء «السبع» يتعهدون باتخاذ «تدابير ضرورية» لضمان استقرار أسواق الطاقة

أعلن وزراء طاقة ومالية دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية التزام المجموعة الكامل باتخاذ جميع الإجراءات اللازمة لضمان استقرار أسواق الطاقة وأمنها.

الاقتصاد محطة وقود في لندن (أ.ب)

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد أوراق نقدية من الجنيه الإسترليني (رويترز)

الجنيه الإسترليني يهبط لأدنى مستوى في 3 أسابيع مع تصاعد مخاوف الحرب

تراجع الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى له في أكثر من ثلاثة أسابيع مقابل اليورو ويتجه نحو تسجيل خسارة يومية خامسة على التوالي مقابل الدولار

«الشرق الأوسط» (لندن)
خاص أحد قطارات النقل السككي متوقف في ميناء الملك عبد العزيز بالدمام (موانئ)

خاص «النقل البري» السعودي يحتوي صدمات الإمداد ويؤمّن 60 % من العجز

بينما يواجه الاقتصاد العالمي ضغوطاً متزايدة جراء اضطرابات الممرات المائية، استطاع قطاع النقل البري والسككي في السعودية إعادة رسم مسارات التجارة الإقليمية.

دانه الدريس (الرياض)

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.