«صراع» التوصيل في السعودية... هل يستفيد المستهلك من المنافسة الشرسة؟

تطبيق صيني جديد دخل الحلبة... وتقديم خصومات لجذب العملاء

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«صراع» التوصيل في السعودية... هل يستفيد المستهلك من المنافسة الشرسة؟

مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)
مندوب يقوم بتوصيل طلبية في الرياض (الشرق الأوسط)

يشهد قطاع توصيل الطلبات في السعودية منافسةً عالية مع وجود شركات كبرى محلية وعالمية متخصصة في هذا المجال، تتصارع على تقديم خدمات مبتكرة تجمع بين سرعة التوصيل، والجودة العالية، والأسعار التنافسية.

ومع تزايد الاعتماد على التجارة الإلكترونية، باتت هذه المنافسة عاملاً محفزاً لفتح آفاق جديدة؛ إذ تعد التجربة الرقمية المتميزة والمواكبة للتطور المستمر مفتاح بقاء هذه الشركات في صدارة السوق. وأبرز التطورات التي تشهدها هذه السوق اليوم، دخول تطبيق صيني، مما يزيد من وتيرة المنافسة، ويعزز الابتكارات في تقديم خدمات مميزة للمستهلك.

وبات هذا القطاع من أكثر المجالات الاقتصادية نشاطاً ونمواً في السنوات الأخيرة، مدفوعاً بالتطورات التقنية، وتغيّر سلوك المستهلك، وازدياد الاعتماد على المتاجر الإلكترونية، كما يعزز هذا التوسع قطاعات أخرى، أهمها المطاعم والمقاهي التي يُعد مجرد ظهورها في تطبيقات التوصيل بمثابة تسويق مباشر لها، ويمنحها فرصة الظهور أمام عملاء جدد.

أحد المندوبين يوصل طلبية لمواطن (الشرق الأوسط)

وكانت جائحة «كورونا» فرصة في تسريع نمو قطاع توصيل الطلبات؛ إذ زادت الحاجة إلى حلول توصيل فعالة وآمنة، مما أتاح الفرصة لدخول شركات محلية وعالمية إلى السوق السعودية.

وأصبح أمام العملاء مجموعة واسعة من الخيارات لطلبات المطاعم، والمقاهي، وأسواق التجزئة، مما أدى إلى تغيير سلوك المستهلك بالاعتماد على تطبيقات توصيل الطلبات، وزاد من حجم الاستثمار في القطاع.

مندوبو توصيل طلبات في تطبيق «جاهز» (الشرق الأوسط)

وخلال السنوات الأخيرة، وصل عدد شركات التوصيل في المملكة إلى 61 شركة، وبلغ إجمالي الطلبات 290 مليون طلب، بما يعادل 794 طلباً يومياً وفق «الهيئة العامة للنقل» بالسعودية.

واستحوذت منطقة الرياض على 45 في المائة من إجمالي الطلبات بأكثر من 130.5 مليون طلب، تلتها منطقة مكة المكرمة بإجمالي 65.4 مليون طلب؛ أي ما يعادل 22.5 في المائة. في حين توزعت بقية الطلبات على المناطق الأخرى وفق الكثافة السكانية، وحجم الطلب على خدمات التوصيل.

أبرز تطبيقات التوصيل

توجد عدة شركات معروفة في السعودية تلبي احتياجات عملائها بشكل فعّال، ويتزايد الطلب عليها عبر تطبيقاتها على الهواتف الذكية بشكل مستمر.

ومن بين أبرزها في قطاع توصيل الطلبات، يوجد تطبيق «هنغرستيشن» الموجود منذ عام 2012، ويعتبر الأول من نوعه في المملكة. فبعيداً عن الطريقة التقليدية عبر اتصال العملاء بالهاتف على المطاعم، يعمل التطبيق كوسيط بين العميل والمطعم.

وكانت شركة «ديليفري هيرو» الألمانية استحوذت عام 2023 على حصة 37 في المائة من شركة «هنغرستيشن» مقابل 297 مليون دولار، بعدما كانت استحوذت قبل سنوات على حصة تبلغ 63 في المائة من «هنغرستيشن»، لتصبح الآن المالك الوحيد بعد صفقة الاستحواذ على النسبة المتبقية.

وتطبيق «جاهز» الذي يعتبر من التطبيقات المميزة في المجال، بصناعة سعودية، والذي بدأ فكرة توصيل الطلبات من «الأكلات المنزلية»، وخدمات قطاع التجزئة لـ«الأسواق الغذائية»، لم يحظَ على شهرة واسعة قبل فترة جائحة «كورونا»، لكنه حصل بعدها على ثقة العديد من المستثمرين، مما دفع شركته المالكة - «جاهز الدولية لتقنية نظم المعلومات» - إلى إدراج أسهمها في السوق المالية السعودية (تداول) في ديسمبر (كانون الأول) 2024 بعد طرح نسبة من أسهمها للاكتتاب العام، وهو ما اعتُبر خطوة فارقة في مسيرة قطاع التوصيل في المملكة والخليج.

كذلك، هناك تطبيق «مرسول»، وهو أيضاً من أكبر تطبيقات التوصيل في المملكة، ويتميز بتنوع خدماته التي تشمل توصيل طلبات المطاعم، والمتاجر، وحتى توصيل الأغراض المنسية.

أما «طلبات»، فيعتبر من التطبيقات العالمية المشهورة في مجال توصيل الطعام.

تطبيق جديد

مؤخراً، برز تطبيق «كيتا» التابع لشركة «ميتوان» الصينية، كأحد أبرز اللاعبين الجدد في هذا المجال؛ إذ يتمتع بخبرة واسعة من خلال الشركة الأم التي تُعد من أكبر منصات التوصيل في الصين، وتخدم مئات الملايين من المستخدمين سنوياً، مع قدرات لوجستية وتقنية متطورة قد تُحدث نقلة نوعية في السوق المحلية.

وجاء دخول التطبيق إلى السوق السعودية في أكتوبر (تشرين الأول) 2024، مستهدفاً العاصمة الرياض كمرحلة أولية، لينتشر في مدن أخرى خلال فترة قصيرة، حسب ما أعلنت الشركة، مستفيداً من بيئة اقتصادية تتمتع بفرص واعدة في قطاع توصيل طلبات الطعام.

ومنذ اللحظة الأولى لدخولها السوق السعودية تبنّت شركة «كيتا» استراتيجيات تسويقية جريئة؛ إذ أعلنت عن خدمة التوصيل المجاني لأكثر من 90 في المائة من المطاعم التي تتعاون معها، إضافةً إلى سياسة تعويض العملاء عند تأخر الطلبات لمدة تزيد على 15 دقيقة.

الهيئة العامة للمنافسة تمنع الاحتكار

وفي هذا السياق، شرح لـ«الشرق الأوسط» الخبير في حقوق المستهلك، والعضو المؤسس لـ«جمعية حماية المستهلك»، عبد العزيز الخضيري، أن شركات تطبيقات التوصيل لا يحق لها تقديم عروض ترويجية أو خصومات إلا بعد موافقة الجهات الرسمية؛ وذلك لضمان توازن السوق، ومنع الممارسات التي قد تضر بالمنافسين، أو التي تؤثر سلباً على القطاع.

وأضاف أنه في حال كان هدف أحد التطبيقات هو حرق الأسعار والإضرار بالمنافسين لإزاحتهم من السوق، فإن الهيئة العامة للمنافسة تتدخل فوراً لاتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي ممارسات احتكارية أو غير عادلة.

وشدد الخضيري على وعي المستهلكين بعد جائحة «كورونا»؛ إذ بات العميل يبحث عن السعر الأفضل، ليس فقط في قطاع المطاعم، بل في جميع المنتجات والخدمات.

وأشار إلى أن الجائحة ساهمت في تسريع التحول نحو التجارة الإلكترونية؛ إذ اعتاد المستهلك على استخدام التطبيقات والمنصات الرقمية، وأصبحت جزءاً أساسياً لمشترياته.

تطور التطبيقات

من ناحيته، أكد مطور التطبيقات في مجال التجارة الإلكترونية، صالح العقيل، لـ«الشرق الأوسط» أن السوق السعودية تشهد تطوراً تقنياً متسارعاً، مدفوعةً بارتفاع الطلب على الحلول الذكية. وقال العقيل: «تطبيقات التوصيل كانت موجودة قبل جائحة (كورونا)، ولكن لم تكن تُستخدم بشكل يومي، بل تعد خياراً ثانوياً لدى الكثير من المستهلكين».

وأكمل أنه «قبل الجائحة كنا نركز على التصميم الجذاب والوظائف الأساسية، لكن أثناء (كورونا) وبعدها أصبح علينا التفكير في السرعة، والاستقرار، والقدرة على استيعاب التطبيق لضغط المستخدمين، وتأمين عمليات الدفع الإلكتروني».

وأوضح العقيل أن كثرة المستخدمين دفعت فرق التطوير إلى إعادة بناء أجزاء من التطبيقات، وتحديث الخوادم، وتحسين تجربة التصفح، وتوسيع نطاق العمليات.

ومن جانب آخر، أفاد عبد المحسن عبد الله، أحد المتعاملين على تطبيقات التوصيل، لـ«الشرق الأوسط» بأنه «سابقاً كانت الطريقة التقليدية هي الدارجة في طلبات المطاعم، وهي الذهاب إلى المطعم أو الاتصال عليه والانتظار طويلاً حتى وصول الطلب، ولم يكن هناك اهتمام من المستهلك بخوض تجربة التوصيل».

ولفت إلى تعدد الخيارات في استخدام التطبيق؛ إذ إنه قبل جائحة «كورونا» كان لدى المستهلك خيار أو خياران، لكن خلال الجائحة وحتى اليوم أصبح المستخدم يبحث عن السعر الأنسب، والسرعة في التوصيل، والجودة عند الاستخدام.

وزاد أن تطوير الشركات لتطبيقات التوصيل أصبح ملحوظاً، والتواصل مع الدعم الفني أصبح أسهل وأسرع؛ ما يساهم في تنافسية السوق، وتطور الوعي لدى الكثير من المستهلكين.

دور القطاع في النمو الاقتصادي

ولا يقتصر دور شركات التوصيل وتطبيقاتها على تسهيل حياة المستهلكين فحسب، إنما تعتبر خدمات التوصيل مهمة جداً لمنصات التجارة الإلكترونية التي تُعدّ بدورها جزءاً سريع النمو من قطاع التجزئة، وتُساهم بشكل كبير في نمو الناتج المحلي الإجمالي.

كما أن نمو شركات التوصيل يساهم في خلق العديد من فرص العمل؛ من سائقي التوصيل إلى مديري المستودعات ومخططي الخدمات اللوجستية، مما يساهم بالتالي في رفع مستويات التوظيف والدخل.

وبالإضافة إلى ذلك، يساهم الاستثمار في البنية التحتية اللوجستية، مثل المستودعات ومراكز التوزيع وشبكات النقل، في التنمية الاقتصادية، وله تأثيرات مضاعفة على الناتج المحلي الإجمالي من خلال زيادة الكفاءة والإنتاجية.


مقالات ذات صلة

تحسن معنويات الأعمال في اليابان رغم ظلال حرب إيران

الاقتصاد الموظفون الجدد في «شركة الخطوط الجوية اليابانية» يحتفلون ببداية عملهم داخل مقر الشركة بالعاصمة اليابانية طوكيو (رويترز)

تحسن معنويات الأعمال في اليابان رغم ظلال حرب إيران

أظهر مسحٌ يحظى بمتابعة دقيقة أن اليابان شهدت تحسناً في معنويات الأعمال وارتفاعاً في توقعات التضخم لدى الشركات خلال الأشهر الثلاثة المنتهية بمارس (آذار) الماضي.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد شعار «أوبك» (رويترز)

روسيا: ارتفاع الأسعار يتصدر أجندة الاجتماع المرتقب للجنة «أوبك بلس»

قالت وزارة الخارجية الروسية إنها تتوقع أن تناقش لجنة مراقبة «أوبك بلس» الارتفاع الأخير في أسعار النفط خلال اجتماعها المقرر عقده في 5 أبريل (نيسان).

«الشرق الأوسط» (موسكو)
خاص جانب من منافسات كأس العالم للرياضات الإلكترونية في الرياض (واس)

خاص سوق الألعاب السعودية تقترب من 2.4 مليار دولار بنهاية 2025

بلغ حجم سوق الألعاب الإلكترونية في السعودية نحو 2.39 مليار دولار خلال عام 2025، في وقت تشهد فيه الصناعة تحولاً متسارعاً مدفوعاً بنمو قاعدة اللاعبين.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد مخازن للغاز الطبيعي في نقطة تسلم تابعة لشركة «بتروتشاينا» في مدينة داليان الصينية (رويترز)

الصين تعيد بيع كميات قياسية من الغاز المسال

تُعيد الشركات الصينية بيع كميات قياسية من الغاز الطبيعي المسال، مستفيدةً من ارتفاع أسعار السوق الفورية

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد انعكاس مبنييْ بنك إنجلترا والبورصة الملكية في مرآة مرورية بلندن (رويترز)

بنك إنجلترا يحذر من المخاطر المالية لحرب الشرق الأوسط

أعلن بنك إنجلترا، يوم الأربعاء، أن حرب الشرق الأوسط تسببت في «صدمة سلبية كبيرة في العرض للاقتصاد العالمي».

«الشرق الأوسط» (لندن)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.