مستثمرون صينيون يستحوذون سراً على حصص في شركات إيلون ماسك

مديرو الأصول يروّجون لعلاقاته بترمب لجذب رؤوس الأموال إلى «إكس إيه آي» و«نيورالينك» و«سبايس إكس»

إيلون ماسك خلف الرئيس دونالد ترمب (غير مصور) خلال مغادرتهما البيت الأبيض إلى فلوريدا في واشنطن (إ.ب.أ)
إيلون ماسك خلف الرئيس دونالد ترمب (غير مصور) خلال مغادرتهما البيت الأبيض إلى فلوريدا في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

مستثمرون صينيون يستحوذون سراً على حصص في شركات إيلون ماسك

إيلون ماسك خلف الرئيس دونالد ترمب (غير مصور) خلال مغادرتهما البيت الأبيض إلى فلوريدا في واشنطن (إ.ب.أ)
إيلون ماسك خلف الرئيس دونالد ترمب (غير مصور) خلال مغادرتهما البيت الأبيض إلى فلوريدا في واشنطن (إ.ب.أ)

يقوم مستثمرون صينيون أثرياء بضخ عشرات الملايين من الدولارات بهدوء في شركات خاصة يسيطر عليها إيلون ماسك، باستخدام ترتيب يحجب هوياتهم عن الرأي العام، وفقاً لمديري الأصول والمستثمرين المشاركين في الصفقات.

منذ تسمية ماسك شخصيةً رئيسيةً في حملة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لإعادة تشكيل الحكومة الأميركية، يروِّج مديرو الأصول في الصين لعلاقة الثنائي كإغراء لجمع رؤوس الأموال من الأثرياء الصينيين. تتدفق الأموال إلى مشروعات ماسك غير العامة بما في ذلك «إكس إيه آي (xAI)»، و«نيورالينك (Neuralink)»، و«سبايس إكس (SpaceX)»، الشركة الخاصة الأكثر قيمة في العالم، وفق تقرير لصحيفة «فاينانشيال تايمز».

يتم وضع الاستثمارات من خلال هياكل غير شفافة تُعرَف باسم «المركبات ذات الأغراض الخاصة»، التي لها ميزة إخفاء هويات المستثمرين، لتجنب غضب السلطات الأميركية والشركات الحذرة من رأس المال الصيني خلال فترة تدهور العلاقات بين البلدين.

وقد أخبر مديرو الأصول الذين يقفون وراء هذه الصفقات المستثمرين بأن هذه الكيانات مصممة خصيصاً لتجنب الإفصاح عن هويات المستثمرين.

إن استخدام «المركبات ذات الأغراض الخاصة» في التمويل أمر شائع ولا يوجد شيء غير قانوني في هذه الترتيبات. ومع ذلك، فإنه هذا الأمر يثير مخاوف بشأن احتمال وجود تأثير غير مبرر وتضارب في المصالح في وقت يتدخل فيه ماسك بشكل غير مسبوق في السياسة، والأعمال التجارية في الولايات المتحدة، وفق «فاينانشيال تايمز».

يقول ديريك سكيسورز، وهو زميل بارز في «معهد أميركان إنتربرايز»: «كيف يمكن لشخص في منصب ماسك أن يكون له كثير من الصلات بالصين ولكنه لا يزال شخصاً جيداً لإصلاح الحكومة الأميركية؟ إن تدفق الأموال الصينية إلى إمبراطورية ماسك التجارية يضيف إلى هذه الصورة أنه مهتم بسمعته وعلامته التجارية في الصين أكثر من اهتمامه بالمصالح الأميركية».

إن الطبيعة المبهمة للهياكل تجعل من الصعب تقييم الحجم الكامل لرأس المال الصيني المتدفق إلى مشروعات ماسك الخاصة. ولكن 3 من مديري الأصول المدعومين من الصين أخبروا صحيفة «فاينانشيال تايمز» بأنهم باعوا للمستثمرين الصينيين على مدى العامين الماضيين ما يزيد على 30 مليون دولار من الأسهم في شركات «إكس إيه آي»، و«نيورالينك»، و«سبايس إكس»، وهي 3 شركات تكنولوجية خاصة يسيطر عليها ماسك، والتي ارتفعت تقييماتها.

وإجمالاً، جمعت «سبايس إكس» أكثر من 10 مليارات دولار من مستثمرين من جميع أنحاء العالم منذ إنشائها في عام 2002، وفقاً لموقع «بيتش بوك».

إيلون ماسك يلتقي وزير الخارجية الصيني تشين غانغ في بكين (أرشيفية - رويترز)

الربح أولاً

إن تدفق رأس المال الصيني إلى إمبراطورية ماسك التجارية مدفوع بالربح في المقام الأول ولا علاقة له بنقل التكنولوجيا أو التأثير في السياسة العامة، وفقاً لأشخاص مشاركين في المعاملات.

فمع تباطؤ الاقتصاد المحلي، يبحث الأثرياء الصينيون في الخارج عن فرص استثمارية.

ولكن هذا الهيكل يعني أن المستثمرين الصينيين يتلقون معلومات محدودة، إن وُجدت، حول البيانات المالية للشركة وأدائها، على عكس التفاصيل التي تتم مشاركتها مع المستثمرين الرئيسيين.

وقال المستشارون الماليون إنه في حين أن ماسك يتمتع بعلاقة دافئة مع بكين، فقد كان من الصعب على الشركة الحصول على استثمارات مباشرة من الصين. وقد انتقد صقور الأمن في بكين شركة «سبايس إكس»؛ بسبب علاقاتها بالجيش الأميركي.

وقال كيفن تشين، كبير الاقتصاديين في شركة «هورايزن فاينانشيال»، وهي مجموعة استشارية مالية مقرها نيويورك: «ليس من السهل على الكيانات الصينية الاستثمار في شركة أميركية بارزة في مجال التكنولوجيا الفائقة مثل (سبايس إكس). الأموال الصينية غير مرحَّب بها في كثير من القطاعات».

فرصة جديدة للاستثمار في «سبايس إكس»

في عصر يوم الأربعاء الماضي، حضر مئات المستثمرين الصينيين ندوةً عبر الإنترنت للاستماع إلى ممثلة من شركة «هومير فاينانشيال»، وهي شركة لإدارة الأصول في شرق الصين، لعرض فرصة للاستثمار في «سبايس إكس» مقابل 200 ألف دولار للشخص الواحد.

وقالت المسؤولة في شركة «هومير» إنها تتوقَّع أن يتضاعف تقييم «سبايس إكس» 3 مرات تقريباً ليصل إلى 1.1 تريليون دولار في غضون 3 سنوات، ويرجع الفضل في ذلك جزئياً إلى الدعم «الشامل» من الحكومة الأميركية، والجيش الأميركي الذي استمرَّ في تقديم طلبات الشراء لشركة تكنولوجيا الفضاء حتى «في أوقات الشدة».

بدأ أثرياء الصين في تمويل مشروعات ماسك الخاصة في أواخر عام 2010، عندما بدأ مؤسِّس شركة «تسلا» في بناء مصنع للسيارات الكهربائية في شنغهاي في عام 2019 للاستفادة من سلاسل التوريد الفعالة ومنخفضة التكلفة في البلاد.

خلال إطلاق مركبة «ستارشيب» التابعة لشركة «سبايس إكس» من قاعدة «ستاربيس» بالقرب من بوكا تشيكا بولاية تكساس (أ.ف.ب)

وقد آتت هذه الاستثمارات المبكرة ثمارها. فقد ذكرت شركة «هومير» في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي، في أكتوبر (تشرين الأول)، أن مجموعة من عملائها حقَّقت عائداً بنسبة 530 في المائة من خلال الاستثمار في شركة «سبايس إكس» في يونيو (حزيران) 2018، واستردت أموالها بعد 6 سنوات.

وأكد أحد المستثمرين في شركة «هومير» هذا الرقم، مضيفاً أنه نادم على عدم استثمار المزيد. وقال: «كنت أعرف أن ماسك رجل أعمال جيد. ولكنني لم أتوقَّع أن يكون ناجحاً إلى هذا الحد خلال هذا الإطار الزمني القصير».

في العامين الماضيين، أطلقت «هومير» 3 صناديق للاستثمار في «سبايس إكس» وتمكَّنت من تحقيق أهدافها في جمع رأس المال في غضون أسابيع قليلة، كما قال شخص مطلع على الأمر.

وعندما فرضت بكين قيوداً على الشركات الخاصة - بما في ذلك إلغاء الاكتتاب العام الأولي لمجموعة جاك ما لشركة «آنت غروب»، ومطالبة مجموعة النقل التشاركي «دي دي غلوبال» بشطب أسهمها في الولايات المتحدة - استمرَّت قيمة مشروعات ماسك في النمو.

وقال أحد المستثمرين الذي اشترى أسهماً في شركة «سبايس إكس» من خلال شركة «هومير» العام الماضي: «لدي ثقة في ماسك أكثر من معظم رواد الأعمال الصينيين الناشئين، الذين يكافحون للتعامل مع اقتصاد تهيمن عليه الدولة بشكل متزايد».

وقد دفع بعض الصينيين ثمن شراء حصص في مشروعات ماسك علانية. فقد تصدَّرت شركة «ليو غروب»، وهي شركة صينية، عناوين الصحف في عام 2021 عندما أعلنت خططها لاستثمار 50 مليون دولار في «سبايس إكس» من خلال صندوق «تومالز باي كابيتال (Tomales Bay Capital)»، وهو صندوق أسهم خاصة مقره كاليفورنيا. وبعد أقل من أسبوع، ألغى شريك «ليو» في الولايات المتحدة الصفقة، مشيراً إلى عدم ارتياح «سبايس إكس» للإفصاح العلني عن الحصة الصينية، وفقاً لمعركة قانونية لاحقة بين الشركتين.

ورداً على ذلك، لجأ الصينيون إلى «المركبات ذات الأغراض الخاصة»؛ حيث يقوم مديرو الأصول بتجميع أموال المستثمرين في كيان مسجل في جزر كايمان، الذي يستثمر الأموال في صناديق مقرها الولايات المتحدة تديرها شركات الأسهم الخاصة الغربية، والتي هي بالفعل مستثمرون حاليون في مشروعات ماسك.

ولا يظهر وجود الصناديق الصينية في السجلات العامة للممتلكات.

وقال شخص مقرب من «هومير» إن الشركة سألت شركاءها الأميركيين عمّا إذا كانوا يقبلون أموالاً صينية. وعادة ما تتطلب الشروط أيضاً من الشريك الأميركي تصفية الاستثمار في سيناريوهات متطرفة مثل الصراع العسكري بين البلدين.

وقال الشخص: «المخاطر موجودة لأننا لسنا متأكدين من مدى سوء العلاقات بين الولايات المتحدة والصين في السنوات القليلة المقبلة».

ولم يمنع عدم اليقين الصينيين الأثرياء من قبول الصفقات. وفي حين حدَّت ضوابط رأس المال الصارمة في بكين من مستثمري شركات ماسك في الصين إلا أولئك الذين لديهم حسابات مصرفية أجنبية، فإن بعض مديري الثروات وجدوا خيارات للتغلب على الحاجز.

وقال مدير استثمار في نيويورك يسعى إلى جمع رأس المال من الصين لمثل هذه الاستثمارات: «تواجه الصين فائضاً في رأس المال ونقصاً في المشروعات عالية الجودة. وهذا هو المكان الذي ننتمي إليه».

زيارات ماسك إلى الصين

وكان ماسك زار الصين في عام 2023 وسط أجواء سياسية لم تكن مستقرة في أثناء ولاية الرئيس جو بايدن.

وفي أبريل (نيسان) من عام 2024، قام بزيارة مفاجئة لثاني أكبر سوق لشركته «تسلا» في الصين، والتقى رئيس الوزراء الصيني لي تشيانغ. وأشاد ماسك خلال اجتماعه مع لي بـ«الفريق الصيني المجتهد والذكي في مصنع (تسلا جيغا فاكتوري)» التابع له في شنغهاي. وقال: «(تسلا) مستعدة لاتخاذ الخطوة التالية في تعميق التعاون مع الصين؛ لتحقيق مزيد من النتائج المربحة للجانبين».


مقالات ذات صلة

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

الاقتصاد مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث تجاوز عدد الخدمات المقدمة 18 مليون خدمة.

بندر مسلم (الرياض)
رياضة سعودية الأمير الوليد بن طلال ويزيد الحميّد خلال توقيع اتفاقية الاستحواذ (صندوق الاستثمارات العامة)

رسمياً... شركة المملكة القابضة تستحوذ على 70% من شركة نادي الهلال

وقّع صندوق الاستثمارات العامة وشركة المملكة القابضة اليوم الخميس اتفاقية بيع وشراء أسهم ملزمة، تستحوذ بموجبها شركة المملكة القابضة على 70% من إجمالي رأس المال.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي ياسر الرميان (الشرق الأوسط) p-circle 02:12

الرميان: العمل جارٍ لإعادة هيكلة مشاريع «نيوم» وتعزيز الجدوى المالية

قال محافظ صندوق الاستثمارات العامة السعودي ياسر الرميان، إن العمل جارٍ لإعادة هيكلة المشاريع في شركة «نيوم» لتحقيق جدوى مالية مستدامة في المستقبل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد القطارات التابعة للشركة السعودية للخطوط الحديدية (واس)

ترسية عقد تصميم الجسر البري السعودي على شركة إسبانية

يشهد مشروع «الجسر البري السعودي» تقدماً ملحوظاً بعد فوز شركة «سينر» الإسبانية بعقد تصميم المشروع، في خطوة تمثل محطة مهمة ضمن برنامج السكك الحديدية في المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد الجدعان مشاركاً في اجتماع الطاولة المستديرة الذي نظمته غرفة التجارة الأميركية في واشنطن (إكس)

الجدعان: اقتصاد السعودية أثبت كفاءته في مواجهة الصدمات

أكّد وزير المالية السعودي، محمد الجدعان، أن المملكة أثبتت قدرة فائقة على التعامل مع الصدمات الاقتصادية العالمية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.