هل بدأ الانفصال بين أكبر اقتصادين؟ وما تبعاته على البلدين والعالم؟

مع بدء إدارة ترمب فرض قيود أكثر عدوانية ضد الصين

امرأة تسير نحو مدخل مصنع أحذية في منطقة صناعية بدونغقوان مقاطعة قوانغدونغ الجنوبية في الصين (أ.ف.ب)
امرأة تسير نحو مدخل مصنع أحذية في منطقة صناعية بدونغقوان مقاطعة قوانغدونغ الجنوبية في الصين (أ.ف.ب)
TT

هل بدأ الانفصال بين أكبر اقتصادين؟ وما تبعاته على البلدين والعالم؟

امرأة تسير نحو مدخل مصنع أحذية في منطقة صناعية بدونغقوان مقاطعة قوانغدونغ الجنوبية في الصين (أ.ف.ب)
امرأة تسير نحو مدخل مصنع أحذية في منطقة صناعية بدونغقوان مقاطعة قوانغدونغ الجنوبية في الصين (أ.ف.ب)

بعد إعلان الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، عزمه على فرض رسوم جمركية بدءاً من يوم الثلاثاء 4 مارس (آذار) على كل من المكسيك وكندا والصين، وتهديده بفرض رسوم جمركية لاحقاً على دول الاتحاد الأوروبي، تكون الولايات المتحدة قد دخلت حرباً تجارية، ستحدد إلى حد بعيد مستقبل علاقاتها مع معظم شركائها وحلفائها وخصومها. غير أن التأثير الأكبر لهذه «الحرب» الجديدة، سيتأتى من الصين. وبعد نسبة 10 في المائة التي فرضها ترمب مطلع فبراير (شباط)، أعلن عن نسبة 10 في المائة إضافية، الأمر الذي ردت عليه الصين بالتوعد باتخاذ «كل التدابير المضادة الضرورية».

غير أن هذا التصعيد طرح كثيراً من التساؤلات عمّا إذا كان «فك الارتباط» بين أكبر اقتصادين في العالم قد بدأ بالفعل، وعن تأثير ذلك على البلدين والعالم.

ويرى البعض أن الورقة الرابحة الرئيسية في تحديد مدى تقدم الولايات المتحدة في حربها مع الصين، هو ترمب نفسه. فهو مهتم بإبرام صفقة محتملة مع الرئيس الصيني شي جينبينغ. ويرجع ذلك جزئياً إلى فشل الصين في الوفاء بشروط الاتفاق الذي وقّعه الزعيمان في أوائل عام 2020.

ويقول المستشارون الحاليون والسابقون إن ترمب يتبنى وجهة نظر أكثر تعاملية تجاه قضايا مثل الاستثمار الصيني مقارنة بكثير من مستشاريه الأكثر تشدداً، وهو الموقف الذي قد يؤدي إلى استمرار العلاقات الاقتصادية في مقابل صفقة يشعر بأنها تعود بالنفع على الولايات المتحدة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى الصحافيين في البيت الأبيض (أ.ف.ب)

سياسة جمهورية وديمقراطية

فسياسة زيادة الرسوم الجمركية، ليست «جمهورية»، بل و«ديمقراطية» أيضاً، وسط «إجماع» سياسي وشعبي قلّ نظيره تجاه العلاقة مع الصين. غير أن القرارات التي اتخذها ترمب منذ توليه منصبه، تظهر أنه يفكر في مجموعة أوسع بكثير من القيود الاقتصادية على بكين، والتي يمكن أن تسرع بشكل أكثر عدوانية من انفصال أميركا عن شريك تجاري مهم. وهو ما يتعارض، ولو جزئياً على الأقل، مع توصيات وزيرة الخزانة الأميركية السابقة المؤثرة وصاحبة الخبرة العميقة، جانيت يلين، عندما أشارت إلى أن التنافس مع الصين، يجب ألّا يقودنا إلى فك الارتباط معها، بسبب تشابك الاقتصادين والنتائج الكارثية المتوقعة.

وزيرة الخزانة الأميركية السابقة جانيت يلين لدى وصولها إلى مطار بكين الدولي في زيارة للصين (أرشيفية - رويترز)

وفي بداية فبراير (شباط)، فرض ترمب نسبة 10 في المائة، في خطوة وصفها بأنها «ضربة افتتاحية». واقترح حتى الآن توسيع القيود على الاستثمارات المتدفقة بين الولايات المتحدة والصين، بسبب مخاوف تتعلق بالأمن القومي، وفرض مزيد من القيود على الاستثمارات الصينية ومبيعات التكنولوجيا إلى الصين.

أداة مساومة أم انفصال حقيقي؟

البعض عدّ الأمر «أداة مساومة» قبل بدء المفاوضات مع الزعيم الصيني. لكن إيلين ديزنسكي، المديرة البارزة لمركز القوة الاقتصادية والمالية، في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات في واشنطن، تقول إن الانفصال الاقتصادي بين البلدين جارٍ على قدم وساق بالفعل، وكان كذلك خلال العقد الماضي، في ظل إدارتي ترمب وبايدن السابقتين.

ولفتت في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن السؤال الحقيقي هو ما إذا كان بوسعنا (أو ينبغي لنا) أن نفعل أي شيء لوقفه، أم لا. صحيح أن الانفصال سوف يسبب الألم لكلا الاقتصادين - وإن كان من شأنه أن يسبب ألماً أعظم للصين مقارنة بالولايات المتحدة، نظراً لضعف اقتصاد الصين واعتمادها على الصادرات - لكنه سوف يخلق أيضاً فرصاً هائلة، سواء في الولايات المتحدة أو في مختلف أنحاء العالم، مع تسابق البلدان الثالثة والأسواق الناشئة لسد الفجوات مع انفصال الأسواق العالمية عن الصين. وفي نهاية المطاف، فإن الترتيب الحالي ليس مستداماً سواء بالنسبة للولايات المتحدة أو للصين.

الصين بدأت الانفصال

وقالت ديزنسكي إن الجزء الأعظم من هذا الانفصال يأتي من الصين نفسها. إذ، وعلى الرغم من فتح الاقتصاد الصيني ظاهرياً، سعى الرئيس شي إلى فك الارتباط بين الاقتصادين بنشاط، والدفع بأبطال محليين لطرد الشركات الأجنبية، والقضاء على الاعتماد على المدخلات الأجنبية لسلاسل التوريد، والدفع نحو مزيد من التجارة مع الجنوب العالمي لتقليل الاعتماد الاقتصادي على الولايات المتحدة كسوق تصدير.

وأضافت ديزنسكي: «الأمر الأكثر أهمية هو أن المشاركة الاقتصادية بين الاقتصادين إشكالية للغاية وغير مستدامة بطرق تجب معالجتها. وتُستَخدَم التعريفات الجمركية، مرة أخرى من بايدن وترمب، لممارسة القوة الاقتصادية الأميركية ضد الصين من أجل فرض إعادة التوازن. وكما استُخدِمَت ضوابط التصدير وأدوات أخرى من أدوات الحكم، من المرجح أن يستمر استخدامها، من قِبَل كل من الصين والولايات المتحدة، في هذه الديناميكية. ولكن في نهاية المطاف، هناك حاجة إلى صفقة اقتصادية جديدة بين الدول إذا كنا سنستمر في كوننا شركاء تجاريين رئيسيين. وأعتقد أن هذا هو ما تعنيه هذه الإدارة باستخدام لغة مثل (الضربة الافتتاحية). أتخيل أنه إذا لم يتمكن ترمب وشي من التوصل إلى اتفاق أفضل بين اقتصاداتنا، فلن تكون هذه سوى الضربة الأولى من بين كثير من الضربات».

امرأة تسير نحو مدخل مصنع أحذية في منطقة صناعية بدونغقوان مقاطعة قوانغدونغ الجنوبية في الصين (أ.ف.ب)

وبينما أعرب ترمب عن دعمه للاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة التي يعدُّها بعض الجمهوريين قضايا تتعلق بالأمن القومي، مثل اقتراح شركة «نيبون ستيل» اليابانية للاستثمار في شركة «يو إس ستيل»، أو إنقاذ تطبيق «تيك توك»، قال إنه سيرحب بالشركات الصينية لبناء مصانع السيارات في الولايات المتحدة طالما أنها توظف محلياً. ويقول مستشاروه إنه قد يستمر في زيادة الضغوط على بكين، لأنه قد يرى في ذلك وسيلة لإجبار المسؤولين الصينيين على تقديم تنازلات. ونتيجة لذلك، قد تتصاعد التوترات التجارية في الأشهر المقبلة.

دعم الاستثمار السلبي

لكن توجيهات ترمب في قضايا الاستثمار، كانت عبارة عن مذكرة رئاسية وليس أمراً تنفيذياً، مما يعني أنها لم تؤثر على السياسات بشكل فوري. فقد طلب من وزارة الخزانة والوكالات الأخرى، وضع قواعد جديدة لمنع الشركات والمستثمرين الأميركيين من القيام باستثمارات من شأنها أن تساعد في التقدم العسكري للصين، ومنع الأشخاص المرتبطين بالصين «من شراء الشركات والأصول الأميركية الحيوية» بشكل منهجي، للحصول على التكنولوجيا والملكية الفكرية والنفوذ في الصناعات الاستراتيجية. وطلب استبدالها بالاستثمار «السلبي»، الذي يمنع المستثمرين من الحصول على حصص مسيطرة أو نفوذ إداري في الشركات المستهدفة.

لكن تأثيرات ذلك قد تكون محدودة لأن استثمارات الصين في أميركا تراجعت بالفعل منذ عام 2017. فما الذي يمكن أن تحققه واشنطن إذا تضررت صورتها بوصفها ملاذاً استثمارياً، في الوقت الذي تعلن فيه حرباً تجارية على الحلفاء والشركاء والمنافسين؟

المتضرر الأكبر هو الصين

تقول ديزنسكي إن الاستثمار في الولايات المتحدة امتياز وليس حقاً. فالولايات المتحدة هي أقوى اقتصاد في العالم، وهي موطن لأكثر الأصول أماناً في العالم. وأضافت في حديثها مع «الشرق الأوسط»: «نحن لسنا على أعتاب استثمار ضئيل للغاية، بل الكثير للغاية. ولكن هذا الاستثمار لا بد أن يتم وفقاً لقواعد معينة. ولا بد أن تكون هناك حواجز واضحة على ما هو مسموح به من جانب الخصوم والحلفاء. وبالنسبة للدول التي تسعى إلى سرقة ملكيتنا الفكرية، أو تقويض اقتصادنا، أو إضعافنا، فإن الاستثمار في الولايات المتحدة سوف يكون من خلال الاستثمار السلبي وحده. وهذا هو ما ينبغي أن يكون عليه الحال. وبالنسبة للدول التي تستطيع أن توافق على الشفافية وسيادة القانون، فإن فرص الاستثمار سوف تكون أعظم. والواقع أن تبسيط اللوائح التنظيمية من المرجح أن يجعل الاستثمار أكثر جاذبية لحلفاء أميركا الاقتصاديين».

موظف يعمل في ورشة خياطة ملابس في قوانغتشو بمقاطعة قوانغدونغ الجنوبية بالصين (أ.ف.ب)

وتضيف ديزنسكي: «من الصحيح تماماً أن الاستثمار الصيني في الولايات المتحدة انخفض منذ عام 2017، لكن في الواقع فإن الاستثمار الصيني في مختلف أنحاء العالم انخفض مع مواجهة اقتصادها لرياح معاكسة لا حصر لها، وفشل رهانها الكبير على مبادرة (الحزام والطريق). وهذا لا يشكل سبباً كافياً لتجاهل التهديد الاقتصادي والأمن ​​الوطني الذي يشكله الاستثمار غير المنظم من جانب خصومنا. والواقع أن هذه الفترة من الهشاشة الاقتصادية في الصين وروسيا وإيران تشكل خطورة بالغة، وهي فترة يتعين علينا أن نحرص فيها على اتخاذ الخطوات الكفيلة بمنع هذه البلدان (اليائسة) على نحو مزداد من استخدام الاقتصاد الأميركي المفتوح سلاحاً ضدنا».


مقالات ذات صلة

الاقتصاد كيفن هاسيت خلال مقابلة تلفزيونية مباشرة في البيت الأبيض (رويترز)

هاسيت: أزمة الشرق الأوسط لا تستدعي رفع الفائدة

رفض كيفن هاسيت، مدير «المجلس الاقتصادي الوطني الأميركي»، الخميس، فكرة أن أزمة الشرق الأوسط قد تستدعي رفع أسعار الفائدة، مؤكداً أن تأثيرها سيكون محدوداً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد خطوط الإنتاج الحديثة في مصنع الصلب في غورغسماريينهوتّه (رويترز)

أداء متناقض لأكبر اقتصاد أوروبي... نمو الصادرات يقابله تراجع الإنتاج

تراجع الإنتاج الصناعي في ألمانيا بشكل غير متوقع خلال فبراير، في وقت سجَّلت فيه الصادرات أداءً أقوى من التوقعات، في إشارة إلى تباين في مؤشرات أكبر اقتصاد أوروبي.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد عمال في خط إنتاج تابع لشركة «أجيليان» للتكنولوجيا في مدينة دونغقوان الصينية (رويترز)

مصانع الصين تتكيف مع ترمب والتعريفات الجمركية واضطرابات الأسواق

سعت التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الإضرار بالصناعة الصينية، ولكن بعض الشركات أنهت العام بقوة.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد دونالد ترمب يدخل صالة كروس في البيت الأبيض لإلقاء كلمته، 1 أبريل 2026 (أ ب)

ترمب يفرض تعريفات جديدة على الأدوية... ويعدّل رسوم المعادن

أصدر الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعليمات بفرض رسوم جمركية بنسبة 100 في المائة على بعض واردات الأدوية ذات العلامات التجارية وإعادة هيكلة الرسوم على منتجات الصلب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

«موانئ» السعودية تواصل تسهيل عمليات السفن العالقة في الخليج العربي

موانئ السعودية قدمت أكثر من 14 خدمة رئيسية لتموين السفن العالقة في الساحل الشرقي (موانئ)
موانئ السعودية قدمت أكثر من 14 خدمة رئيسية لتموين السفن العالقة في الساحل الشرقي (موانئ)
TT

«موانئ» السعودية تواصل تسهيل عمليات السفن العالقة في الخليج العربي

موانئ السعودية قدمت أكثر من 14 خدمة رئيسية لتموين السفن العالقة في الساحل الشرقي (موانئ)
موانئ السعودية قدمت أكثر من 14 خدمة رئيسية لتموين السفن العالقة في الساحل الشرقي (موانئ)

واصلت هيئة الموانئ السعودية (موانئ) تقديم خدماتها لدعم السفن العالقة في الخليج العربي بما يعزّز كفاءة العمليات التشغيلية، ويضمن استمرارية سلاسل الإمداد في المنطقة الشرقية، وذلك على وقع الظروف الراهنة والتوترات التي يشهدها مضيق هرمز.

وكشفت «موانئ» عن تقديمها أكثر من 14 خدمة رئيسية لتموين السفن العالقة في الساحل الشرقي، مشيرة إلى أن عدد السفن التي جرى تقديم الخدمات لها تجاوز 111 سفينة.

وأوضحت أن إجمالي عمليات صعود أفراد الطواقم بلغت نحو 40 عملية، فيما وصل عدد إجراءات عمليات نزول أفراد الطواقم إلى 104.

كما قدمت «موانئ» خدماتها التموينية للسفن في الخليج العربي، ومن أهمها إمدادات تشغيلية، وتموين وإمدادات يومية، بجانب خدمات فنية، ومواد خاصة، فضلاً عن تبديل الطواقم ودعمهم.

قدمت «موانئ» السعودية للسفن في الخليج العربي العديد من الخدمات (موانئ)

امتداداً لخطوات السعودية في تعزيز جهود «موانئ»، أطلقت المملكة ممراً لوجيستياً دولياً عبر قطارات البضائع، يربط موانئ المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة الواقع في شمال السعودية في محافظة القريات في الجوف، من أجل تعزيز الربط المباشر نحو الأردن ودول شمال المملكة، ويدعم حركة التجارة الإقليمية عبر مسار بري عالي الكفاءة

وأوضحت المؤسسة العامة للخطوط الحديدية (سار) أن الممر يربط ميناء الملك عبد العزيز بالدمام، وميناء الملك فهد الصناعي بالجبيل، وميناء الجبيل التجاري بمنفذ الحديثة، مبينة أن المسار يتيح للعملاء نقل منتجاتهم من موانئ المنطقة الشرقية إلى منفذ الحديثة وصولاً إلى الأردن ودول شمال المملكة، إضافة إلى نقلها في الاتجاه المعاكس إلى موانئ المنطقة الشرقية عبر المسار ذاته.

وأكدت «سار» أن هذه الخطوة تسهم في إحداث أثر لوجيستي مباشر يتمثل في اختصار زمن الرحلات، وإزاحة آلاف الشاحنات من الطرق، بما ينعكس إيجاباً على الحفاظ على جودة البنية التحتية ورفع مستويات السلامة، إلى جانب الإسهام في خفض الانبعاثات الكربونية.

في حين أطلقت الخطوط الحديدية السعودية، الجمعة الماضي، 5 مسارات لوجيستية جديدة بقطاع الشحن، ضمن جهودها المستمرة لتعزيز كفاءة سلاسل الإمداد ورفع مستوى التكامل مع أنماط النقل المختلفة، بما يسهم في دعم حركة التجارة الإقليمية والدولية، وتحقيق تطلعات «رؤية المملكة 2030» لترسيخ مكانة البلاد مركزاً لوجيستياً عالمياً.

أطلقت السعودية ممراً لوجيستياً دولياً عبر قطارات البضائع إذ يربط موانئ المنطقة الشرقية بمنفذ الحديثة (واس)

وتأتي هذه الخطوة في ظل المتغيرات المتسارعة التي تشهدها سلاسل الإمداد العالمية. وتتمثَّل المسارات الجديدة في منظومة لوجيستية متكاملة تربط موانئ الخليج العربي بوسط وشمال السعودية، وتمتد وصولاً إلى موانئ البحر الأحمر والدول شمال البلاد، عبر شبكة نقل متعددة الوسائط تجمع بين النقل البري والسككي، بما يُعزِّز انسيابية سلاسل الإمداد، ويرفع كفاءة تدفق البضائع.


عوائد خطة التقشف المصرية تفتح الجدل حول جدواها

عوائد خطة «التقشف» الحكومية تفتح الجدل حول جدواها      (الشرق الأوسط)
عوائد خطة «التقشف» الحكومية تفتح الجدل حول جدواها (الشرق الأوسط)
TT

عوائد خطة التقشف المصرية تفتح الجدل حول جدواها

عوائد خطة «التقشف» الحكومية تفتح الجدل حول جدواها      (الشرق الأوسط)
عوائد خطة «التقشف» الحكومية تفتح الجدل حول جدواها (الشرق الأوسط)

فتحت عوائد خطة التقشف المصرية الجدل حول جدواها، إذ بينما أعلنت الحكومة نجاحها في «ترشيد استهلاك الكهرباء والوقود»، تحدث خبراء عن «خسائر» بقطاعات اقتصادية وتجارية عدة، فضلاً عن تكلفة تنفيذ خطة الترشيد.

وقررت الحكومة إجراءات استثنائية لمدة شهر بداية من 28 مارس (آذار) الماضي بهدف ترشيد استهلاك الطاقة، من بينها «تخفيض الإضاءة على مختلف الطرق، وفي مقار المصالح الحكومية»، والعمل عن بُعد يوم الأحد أسبوعياً، وترشيد نفقات السفر خارج البلاد إلا للضرورة القصوى، والإغلاق المبكر للمحال التجارية والكافيهات في التاسعة مساءً ثم تمديده ساعتين للحادية عشرة.

وأكد وزير الكهرباء والطاقة المتجددة المصري، محمود عصمت، مساء السبت، أن «تطبيق الإجراءات الحكومية المتعلقة بمواعيد إغلاق المحال التجارية، والإنارة في المباني الحكومية، وإعلانات الطرق، وغيرها، حقق وفراً خلال الأسبوع الأول في استهلاك الكهرباء بلغ 18 ألف ميغاواط في الساعة، ووفراً في الوقود بلغ 3.5 مليون متر مكعب»، موضحاً أن الوفر الذي تحقق في يوم العمل عن بُعد «بلغ 4700 ميغاواط في الساعة للكهرباء، و980 ألف متر مكعب للوقود».

اجتماع وزير الكهرباء المصري محمود عصمت مع رؤساء شركات توزيع الكهرباء السبت (وزارة الكهرباء المصرية)

وقال عصمت خلال اجتماع مع رؤساء شركات توزيع الكهرباء، إن «المواطن شريك في إنجاح خطة ترشيد استهلاك الكهرباء»، و«الوزارة تواصل العمل على تحسين كفاءة الطاقة ومنع الهدر في جميع القطاعات توفيراً للكهرباء»، مؤكداً على «نجاح أنماط التشغيل والالتزام بمعايير الجودة والتشغيل الاقتصادي في تحقيق وفر عام في الوقود المستخدم بلغ 2.1 في المائة خلال مارس الماضي، رغم زيادة الطاقة المنتجة بنسبة 3.3 في المائة مقارنة بالفترة الزمنية خلال العام الماضي».

الخبير الاقتصادي المصري، وائل النحاس، يرى أن ترجمة الأرقام التي أعلنها وزير الكهرباء تعني أن خطة «الترشيد لم تحقق الهدف منها»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الوزير لم يتحدث عن تكلفة تنفيذ خطة الترشيد ومتابعتها من الجهات الرقابية الحكومية». وأوضح أن «ترجمة الأرقام التي تم توفيرها في استهلاك الوقود والكهرباء توازي نحو 800 ألف دولار بما يعادل 40 مليون جنيه مصري يومياً، وهو رقم أقل كثيراً من تكلفة تنفيذ خطة الترشيد وإغلاق المحال»، (الدولار يساوي نحو 53 جنيهاً بالبنوك المصرية).

وتحدّث النحاس، عن «خسائر اقتصادية مقابلة لما تم توفيره في استهلاك الكهرباء والوقود»، منها «تراجع حركة المبيعات في قطاعات تجارية عدة مثل محال السلع الأساسية والأجهزة الكهربائية والمنزلية، وقطاع الخدمات مثل محال الحلاقة والمقاهي والمطاعم، فضلاً عن تأثر العمالة الليلية التي تم الاستغناء عن نسبة كبيرة منها، وهذه خسائر أكبر كثيراً مما تم توفيره». وحسب النحاس، فإن «خسائر خطة الترشيد يتحملها المواطن والقطاع الاقتصادي المصري».

لكن المتحدث باسم وزارة الكهرباء المصرية، منصور عبد الغني، ذكر أن «الإجراءات الحكومية الخاصة بترشيد استهلاك الطاقة، مثل تقليل الإضاءة وغلق المحال مبكراً، أسهمت في تحقيق وفر كبير». وقال في تصريحات متلفزة، مساء السبت، إن «الوزارة تعمل بالتعاون مع مؤسسات الدولة المختلفة على ترسيخ ثقافة الترشيد لتصبح سلوكاً دائماً لدى المواطنين».

خبراء يتحدثون عن خسائر بقطاعات اقتصادية عدة في مصر (وزارة التموين المصرية)

واشتكى مصريون من الإجراءات التقشفية الحكومية، خصوصاً إغلاق المحال مبكراً، وكان المصري الأربعيني، سيد حسني، يعمل نهاراً عاملاً في بوفيه إحدى الشركات الخاصة، حيث يسكن في حي عابدين بوسط القاهرة، ثم يذهب لتسلم عمله الإضافي في أحد مقاهي المنطقة بدءاً من التاسعة مساء وحتى صباح اليوم التالي.

ويقول حسني لـ«الشرق الأوسط»: «فقدت عملي بالمقهى، وأخبرني المالك بأنه لم يعد يحتاجني بعد قرار الإغلاق في الحادية عشرة مساء»، ويوضح، أن «فقدانه عمله الإضافي يتزامن مع زيادة الأعباء المالية، وارتفاع أسعار معظم السلع».

كما تأثر الدخل اليومي للعشريني رضا محمد، الذي يعمل في محل حلاقة بوسط القاهرة، ويسكن في منطقة إمبابة بمحافظة الجيزة، ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «معظم الزبائن كانوا يأتون ليلاً عقب نهاية عملهم اليومي، والآن تراجع الإقبال بشكل كبير، وخسرت جزءاً كبيراً من دخلي».

وفي رأي الخبير الاقتصادي المصري، رشاد عبده، لم تحقق خطة التقشف الحكومي أي توفير فعلي، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «معظم القطاعات الاقتصادية والتجارية وحركة السياحة تأثرت بسبب الإغلاق المبكر وهذه فاتورة باهظة»، مؤكداً أن «تكلفة دوريات المرور والمتابعة التابعة لمؤسسات الدولة والأحياء للتأكد من التزام المحال بالإغلاق، أكبر كثيراً مما تم توفيره من كهرباء ووقود».

سلع داخل أحد المتاجر في مصر (وزارة التموين المصرية)

ووفق عبده، فإن «تعديل مواعيد إغلاق المحال من 9 إلى 11 مساء سوف يقلل بعض الخسائر الاقتصادية والتجارية، لكن سوف يستمر تأثر العاملين ليلاً الذين تم الاستغناء عن عدد كبير منهم».

في المقابل، يرى رئيس حزب «الجيل الديمقراطي»، عضو مجلس الشيوخ (الغرفة الثانية للبرلمان)، ناجي الشهابي أن «خطة التقشف الحكومي حققت نتائج جيدة في توفير الطاقة». ويقول لـ«الشرق الأوسط»، إن «الأرقام التي أعلنها وزير الكهرباء تؤكد أن حجم توفير استخدام الطاقة كبير». ويلفت إلى أنه «يجب استمرار تحديد مواعيد لإغلاق المحال يومياً حتى بعد انتهاء تداعيات الحرب الإيرانية». ودعا إلى الاستفادة من خطة الترشيد الحكومي والاستمرار في تطبيقها مستقبلاً، قائلاً: «لا بد أن نقلل استهلاكنا للطاقة والكهرباء، والتوقف عن النمط الاستهلاكي».


التعافي السريع للمرافق النفطية يكرّس موثوقية السعودية بوصفها مورداً عالمياً للطاقة

موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافق الشركة (أرامكو)
موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافق الشركة (أرامكو)
TT

التعافي السريع للمرافق النفطية يكرّس موثوقية السعودية بوصفها مورداً عالمياً للطاقة

موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافق الشركة (أرامكو)
موظفان في «أرامكو» يقومان بأعمالهما في أحد مرافق الشركة (أرامكو)

برهنت السعودية على جاهزية استثنائية وسرعة استجابة عالية في احتواء تداعيات الأزمة الأخيرة جرّاء الهجمات التي تعرضت لها بعض مرافقها النفطية؛ حيث نجحت في وقت قياسي في معالجة الأضرار الفنية وإعادة تشغيل منظومة الإنتاج بكفاءة. وأثبت نجاح المملكة في استعادة كامل طاقة ضخ النفط عبر خط أنابيب النفط بين الشرق والغرب، واستعادة منشأة «منيفة» لطاقتها التشغيلية، وقدرتها على التصدي لأي محاولات لتعطيل مرافقها الحيوية، وذلك بفضل تفوقها الفني والمهني وفي ظل منظومة احترافية للتعامل مع الطوارئ أجهضت محاولات قطع شريان الطاقة عن الأسواق العالمية.

وفي التفاصيل، أعلنت وزارة الطاقة السعودية، يوم الأحد، استعادة كامل طاقة ضخ النفط عبر خط أنابيب «شرق - غرب» البالغة نحو سبعة ملايين برميل يومياً، واستعادة منشأة «منيفة» لطاقتها التشغيلية الكاملة والبالغة نجو 300 ألف برميل يومياً، وذلك بعد أيام فقط من تقييم الأضرار الناتجة عن الاستهدافات. بينما لا تزال الجهود مستمرة لاستعادة القدرة الإنتاجية الكاملة لحقل «خريص» البالغة 300 ألف برميل يومياً.

ويمتد خط أنابيب «شرق - غرب» (بترولاين) بطول 1200 كيلومتر من بقيق شرقاً إلى ينبع غرباً، ويُعد المنفذ الوحيد لتصدير النفط الخام إلى السعودية في ظل إغلاق مضيق هرمز.

وكانت المملكة فعّلت خطة طارئة لزيادة الصادرات عبر خط الأنابيب هذا إلى البحر الأحمر، في ظل الإغلاق الفعلي للمضيق بسبب الصراع الذي يشهده الشرق الأوسط، ما أدى إلى خنق منفذ رئيسي لمنتجي النفط في الخليج. وبناء على ذلك، أعادت مجموعات من ناقلات النفط توجيه مسارها إلى ميناء ينبع لجمع الشحنات، مما يوفر شريان إمداد مهماً للإمدادات العالمية.

مرونة تشغيلية وصمام أمان دولي

تعكس هذه المرونة التشغيلية التي أظهرتها «أرامكو السعودية» ومنظومة الطاقة تحولاً نوعياً أثبت قدرة المملكة على حماية مقدراتها من خلال بنية تحتية هندسية وتقنية قادرة على «التعافي السريع».

ولم يقتصر هذا التحرك على الجانب الفني فحسب، بل امتد ليؤكد التزام المملكة الراسخ بضمان استقرار إمدادات النفط، معززةً مكانتها بصفتها مورداً موثوقاً وقادراً على إدارة الأزمات بكفاءة عالية.

كذلك، تبعث استعادة العمليات بهذه السرعة برسالة طمأنة للسوق العالمية بأن أمن الطاقة السعودي يظل صمام الأمان للاقتصاد الدولي مهما بلغت خطورة التهديدات، وتؤكد الدور القيادي للمملكة في تعزيز الاستقرار العالمي، وموثوقية إمداداتها في أصعب الظروف الجيوسياسية.

وفي تعليق له، أكد الدكتور محمد الصبان، خبير الطاقة ومستشار وزير البترول السعودي السابق، لـ«الشرق الأوسط»، أن المملكة أثبتت على مدى عقود، وتحديداً منذ سبعينات القرن الماضي، أنها مصدر موثوق لإمدادات النفط العالمية يمكن الاعتماد عليه في مختلف الظروف.

وأوضح أن ما قامت به «أرامكو السعودية» يعكس مستوى عالياً من الكفاءة والجاهزية، حيث نجحت في التعامل مع تداعيات الهجمات التي استهدفت بعض المنشآت النفطية، والتي أدت إلى تعطل نحو 300 ألف برميل يومياً، إضافة إلى الخلل الذي طرأ على خط «شرق - غرب».

وأشار إلى أن الشركة تمكنت خلال فترة وجيزة من استعادة المنتجات المكررة المتأثرة، وإصلاح الأعطال، واستئناف العمليات بكفاءة، وهو ما يعكس المرونة الكبيرة التي تتمتع بها المملكة، والخبرة المتراكمة لـ«أرامكو» في إدارة الأزمات والتعامل مع تقلبات الأسواق العالمية.

وأضاف الصبان أن استعادة مستوى الإنتاج إلى نحو 7 ملايين برميل يومياً عبر خط «شرق - غرب»، وفق ما أعلنته وزارة الطاقة، تمثل رسالة طمأنة واضحة للأسواق العالمية بشأن استقرار الإمدادات السعودية.

وبيّن أن هذه التطورات تؤكد قدرة المملكة على الاستمرار بصفتها مصدراً موثوقاً للطاقة، لا سيما في ظل التحديات الجيوسياسية الراهنة في منطقة الخليج، بما في ذلك التوترات المرتبطة بمضيق هرمز، حيث أصبح خط «شرق - غرب»، الذي أُنشئ في القرن الماضي، ممراً استراتيجياً وحيوياً لصادرات النفط السعودية إلى الأسواق العالمية.