البنك الدولي: أزمة البحر الأحمر ترفع تكاليف الشحن العالمية 141 %

خسائر قناة السويس وصلت إلى 7 مليارات... وحركة السفن عبر «رأس الرجاء الصالح» ارتفعت 50 %

تصاعُد الدخان من السفينة التجارية «مارلين لواندا» بعد إصابتها بصاروخ حوثي مضاد للسفن (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان من السفينة التجارية «مارلين لواندا» بعد إصابتها بصاروخ حوثي مضاد للسفن (أ.ف.ب)
TT

البنك الدولي: أزمة البحر الأحمر ترفع تكاليف الشحن العالمية 141 %

تصاعُد الدخان من السفينة التجارية «مارلين لواندا» بعد إصابتها بصاروخ حوثي مضاد للسفن (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان من السفينة التجارية «مارلين لواندا» بعد إصابتها بصاروخ حوثي مضاد للسفن (أ.ف.ب)

أصبحت أزمة البحر الأحمر نقطة اشتعال حاسمة في صراع منطقة الشرق الأوسط، مما أدى إلى تغييرات كبيرة في حركة التجارة العالمية والنقل البحري. ووفقاً لتقرير البنك الدولي «أزمة الشحن المتفاقمة في البحر الأحمر: التأثيرات والتوقعات»، أدى تحويل التجارة إلى إعادة تشكيل أنشطة المواني على طول الممر الآسيوي الأوروبي، مما أثر إيجاباً على مواني غرب البحر الأبيض المتوسط، في حين عانت مواني شرق البحر الأبيض المتوسط. كما استفادت مواني جنوب آسيا مثل كولومبو من زيادة حصتها في البضائع الإقليمية. وتسببت هذه الاضطرابات في صدمات عبر سلاسل التوريد العالمية، مما أدى إلى تأخير في تسليم الموردين وزيادة تكاليف الشحن. ومع ذلك، كان تأثير هذه الزيادات على التضخم محدوداً بسبب ضعف الطلب العالمي وانخفاض أسعار السلع الأساسية.

شحنات الحاويات تمر عبر قناة السويس في مصر (رويترز)

وأدى تعطيل النقل البحري في البحر الأحمر إلى زيادة كبيرة في تكاليف الشحن العالمية، حيث ارتفعت بنسبة 141 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 مقارنةً بما قبل الأزمة، وزادت الأسعار على الطرق التي تمر عبر البحر الأحمر بنحو 230 في المائة من شنغهاي إلى روتردام وجنوة. ورغم هذه الزيادة، ظل تأثيرها على التضخم محدوداً بسبب ضعف الطلب العالمي والمخزونات الكافية، إضافةً إلى عدم تأثر قطاع النفط أو أسعار السلع الأساسية بشكل كبير.

وفي تفاصيل التقرير، فقد تسببت الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، الذي يمر عبره نحو ثلث حركة الحاويات العالمية، في تعطيل العمليات البحرية بشكل كبير. وأدت التهديدات الأمنية إلى إعادة توجيه السفن عبر «رأس الرجاء الصالح»، مما أثر بشكل كبير على حركة التجارة بين آسيا وأوروبا وآسيا وشمال الأطلسي. ونتيجة لهذه الاضطرابات، شهدت قناة السويس ومضيق باب المندب انخفاضاً حاداً في حركة السفن، حيث تراجعت بنسبة تصل إلى 75 في المائة بحلول أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2024، مقارنةً بانخفاض 50 في المائة تم توثيقه في مايو (أيار) 2024.

وشهد ممر رأس الرجاء الصالح زيادة في النشاط بنسبة تزيد على 50 في المائة، رغم تدهوره مقارنةً بالذروة في مارس (آذار) 2024. كما أصبح مرور السفن عبره أكثر تقلباً في الأشهر الأخيرة، مما يعكس الاضطرابات في سلاسل التوريد بين آسيا وأوروبا والأميركيتين. في الوقت نفسه، تأثر مضيق هرمز، الممر النفطي الأهم، بتراجع حركة المرور البحرية بنسبة 15 في المائة بسبب قربه من منطقة الصراع.

وقد أدى تحويل التجارة حول «رأس الرجاء الصالح» إلى زيادة كبيرة في مسافات وأوقات السفر للسفن التي كانت تمر عبر البحر الأحمر. وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ارتفعت مسافات السفر لسفن الشحن وناقلات النفط التي كانت تتنقل عبر البحر الأحمر بنسبة 48 في المائة و38 في المائة على التوالي، مقارنةً بالفترة السابقة من يناير (كانون الثاني) إلى سبتمبر (أيلول) 2023. كما شهدت أوقات السفر زيادة ملحوظة، حيث ارتفعت بنسبة تصل إلى 45 في المائة لشحنات النفط، و28 في المائة لناقلات النفط، مما يعكس تغييراً جذرياً في الخدمات اللوجيستية البحرية العالمية.

تظهر الحاويات مكدَّسة على متن سفينة الحاويات «إم إس سي ماريا إلينا» بميناء أنتويرب في بلجيكا (رويترز)

كما تسببت أزمة الشحن في اضطراب سلاسل التوريد العالمية، حيث ارتفع مؤشر إجهاد سلسلة التوريد للبنك الدولي إلى 2.3 مليون وحدة مكافئة لعشرين قدماً في ديسمبر 2024، وهو أكثر من ضعف المستويات المسجلة في ديسمبر 2023. وارتفعت حصة مواني شرق البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي في شحنات الحاويات المتأخرة إلى 26 في المائة، بينما انخفضت حصة الصين إلى 9 في المائة من 38 في المائة.

كذلك تسببت في إطالة أوقات تسليم الموردين بشكل ملحوظ، لا سيما في أوروبا. وارتفعت مؤشرات مديري المشتريات لأوقات تسليم الموردين في 25 دولة من أصل 35 دولة شملها المسح عالمياً بين نوفمبر 2023 وأكتوبر 2024، مقارنةً بالفترة السابقة للأزمة من نوفمبر 2022 إلى أكتوبر 2023. وكان التدهور في أوقات التسليم أكثر وضوحاً في أوروبا وبعض الدول الآسيوية.

التحول في نشاط التجارة بالمواني والطرق البرية الجديدة

ساهم الصراع في الشرق الأوسط وأزمة الشحن في البحر الأحمر في تراجع كبير في نشاط المواني والتجارة عبر البحر الأحمر ودول الخليج منذ نوفمبر 2023. وسجلت الأردن وعمان أكبر انخفاضات في صادرات الشحن بنسبة 38 في المائة و28 في المائة على التوالي، بينما تراجعت واردات الشحن في الأردن وقطر بنسبة 50 في المائة و27 في المائة. وبين نوفمبر 2023 وأكتوبر 2024، انخفضت التجارة في معظم المواني الكبرى بنسبة 8 في المائة مقارنةً بفترة ما قبل الأزمة. أعلنت مصر عن خسارة 7 مليارات دولار في عائدات قناة السويس، بينما تمكنت بعض المواني في الإمارات ومصر والسعودية من الصمود.

ورغم الانخفاض في التجارة البحرية لعام 2024، شهدت أحجام التجارة العالمية تسارعاً عاماً، مما يشير إلى تحول نحو إعادة توجيه التجارة بدلاً من تقليصها. وبين نوفمبر 2023 وأكتوبر 2024، انخفضت زيارات المواني العالمية وأحجام التجارة البحرية بنسبة 5 في المائة للواردات و4 في المائة للصادرات مقارنةً بالفترة من نوفمبر 2022 إلى أكتوبر 2023.

التوقعات والسيناريوهات

مع دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس» حيّز التنفيذ في 19 يناير 2025، وتأكيد الحوثيين أنهم سيقتصرون على الهجمات على السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل، زادت الفرص لتقليص الاضطرابات في التجارة البحرية العالمية. ويمثل وقف إطلاق النار خطوة مهمة نحو تخفيف التوترات في المنطقة، حيث كُشف عن ثلاث مراحل لتسوية الوضع في الأسابيع القادمة.

سفينة شحن تُرى وهي تعبر قناة السويس الجديدة (رويترز)

وطرح البنك الدولي ثلاثة سيناريوهات أساسية لتقييم التأثير المحتمل على تجارة الشحن في المنطقة والعالم:

- السيناريو الأساسي: يفترض أن الأزمة ستستمر حتى أكتوبر 2025، مع بقاء النمو في تجارة الشحن خلال هذه الفترة مماثلاً لما تمت ملاحظته بين ديسمبر 2023 وأكتوبر 2024.

- سيناريو التعافي التدريجي: يتوقع هذا السيناريو أن الأزمة ستستمر حتى مايو 2025، وبعدها يعود نمو تجارة الشحن إلى مستوياته الطبيعية قبل الأزمة.

- سيناريو التعافي السريع: يفترض هذا السيناريو أن الأزمة ستنتهي بسرعة في فبراير (شباط) 2025، مما يؤدي إلى عودة أسرع لحركة التجارة.

النتائج المحتملة:

• في حالة التعافي التدريجي: من المتوقع أن تنمو واردات الشحن بنسبة 1.6 في المائة في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المطلة على البحر الأحمر، و4.9 في المائة في الاتحاد الأوروبي مقارنةً بالسيناريو الأساسي الذي يستمر حتى أكتوبر 2025. كما ستشهد صادرات الشحن زيادة بنسبة 10.3 في المائة في دول منطقة البحر الأحمر وشمال أفريقيا و5.1 في المائة في الاتحاد الأوروبي، مما يشير إلى أن التعافي التدريجي سيكون له تأثير إيجابي على التجارة عبر البحر الأحمر.

• في حالة التعافي السريع: ستشهد واردات الشحن زيادة أكبر، حيث يُتوقع أن تنمو بنسبة 2.1 في المائة في بلدان البحر الأحمر والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و8.2 في المائة في الاتحاد الأوروبي. أما صادرات الشحن، فمن المتوقع أن ترتفع بنسبة 17.4 في المائة في دول البحر الأحمر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا و10.2 في المائة في الاتحاد الأوروبي، مما يعكس تأثيراً إيجابياً أسرع وأكثر شمولاً للتعافي.


مقالات ذات صلة

تعقّد أزمة البحارة المصريين المختطفين في الصومال

شمال افريقيا أحد المسلحين خلال عملية اختطاف سفينة قبالة سواحل الصومال (أرشيفية - رويترز)

تعقّد أزمة البحارة المصريين المختطفين في الصومال

دخلت أزمة البحارة المصريين المختطفين على متن ناقلة النفط «إم تي يوركا» مرحلة أكثر تعقيداً بعدما رفع القراصنة الصوماليون الذين استولوا عليها سقف مطالبهم.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي أثناء استقبال نظيره الإريتري عثمان صالح في القاهرة الأربعاء (الخارجية المصرية)

القاهرة تُطالب بتفعيل «مجلس البحر الأحمر» سريعاً لحفظ الأمن الجماعي

شدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي على ضرورة الإسراع في تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر وخليج عدن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مستقبلاً نظيره الإريتري في القاهرة يوم الاثنين (الرئاسة المصرية)

أمن «البحر الأحمر» يتصدر محادثات السيسي وأفورقي في القاهرة

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء بالقاهرة مع نظيره الإريتري أسياسي أفورقي، الاثنين، على ضرورة مواصلة العمل من أجل الارتقاء بالعلاقات بين البلدين.

محمد محمود (القاهرة )
العالم العربي أحد عناصر جماعة «الحوثي» يقف خلف رشاش مثبت على مركبة خلال دورية بالعاصمة صنعاء (إ.ب.أ)

الحوثيون يعلنون حظر الملاحة الإسرائيلية في البحر الأحمر

قالت جماعة «الحوثي» ​اليمنية المتحالفة مع إيران، اليوم الاثنين، إنها حظرت الملاحة البحرية على السفن الإسرائيلية في البحر ‌الأحمر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شمال افريقيا محادثات سابقة بين الرئيس الصومالي ورئيس الوزراء الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

«أرض الصومال» يعيد فتح بوابة البحر لإثيوبيا... والتوتر مع مقديشو يتسع

قال وزير خارجية «أرض الصومال»، عبد الرحمن طاهر آدم، إن «لإثيوبيا الحق في الوصول إلى منفذ بحري»، مما قد يصعّد التوتر مع جمهورية الصومال.

محمد محمود (القاهرة )

ترقب في الأسواق لخطوات حكومة اليابان لحماية الين

مشاة أمام شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
مشاة أمام شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

ترقب في الأسواق لخطوات حكومة اليابان لحماية الين

مشاة أمام شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
مشاة أمام شاشة تعرض حركة الين مقابل الدولار في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

أبقت السلطات المالية اليابانية الأسواق في حالة ترقب بشأن التدخل المحتمل في سوق العملات يوم الاثنين، حيث يشير غياب الإشارات الواضحة إلى تحول محتمل في أساليب التواصل. وقالت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، يوم الاثنين، إن طوكيو «ستستجيب بشكل مناسب لتحركات العملة في أي وقت»، مكررةً عبارة تستخدمها السلطات بشكل روتيني بغض النظر عن مستويات الين. ويتناقض هذا مع بعض تصريحات كاتاياما السابقة، حيث قدمت تحذيرات أكثر حزماً، بما في ذلك قولها إن الحكومة لديها «حرية كاملة» للتدخل. وانخفض الين، الذي تضرر بشدة، إلى 161.7 مقابل الدولار، مقترباً من أدنى مستوى له في عامين الذي سجله الأسبوع الماضي. وسيؤدي تجاوز مستوى 161.96 إلى وصوله إلى أضعف مستوى له منذ عام 1986. وتترقب الأسواق أيضاً ما إذا كان أتسوشي ميمورا، كبير مسؤولي العملة في اليابان، سيدلي بتصريحاته. وعلى عكس كاتاياما، التي تعقد مؤتمرات صحافية منتظمة، يتحدث ميمورا بوتيرة أقل. ولذلك، تنظر الأسواق إلى تصريحاته على أنها إشارات سياسية مدروسة. وقد التزم ميمورا الصمت منذ أوائل مايو (أيار)، بعد فترة وجيزة من بيع اليابان للدولار في السوق لدعم الين لأول مرة منذ عامين تقريباً. وقبل ساعات من هذه الخطوة، قال إن وقت «اتخاذ إجراء حاسم» يقترب، مضيفاً أنها «تحذير أخير» للأسواق. وأكد مصدران حكوميان أن تحذيره لا يزال قائماً، مما يسلط الضوء على احتمالية تدخل مفاجئ. ويقول المحللون إن الحكومة ربما تُجري تعديلات متعمدة على نهجها التواصلي بعد أن سمحت رسائل ميمورا المُعلنة بوضوح للمضاربين بتصفية مراكزهم القصيرة في الين مُسبقاً، مما قلل من تأثير التدخل. وقال شوتا ريو، استراتيجي العملات الأجنبية في شركة «ميتسوبيشي يو إف جيه مورغان ستانلي» للأوراق المالية: «من المُرجح أن بعض المضاربين تمكنوا من الإفلات دون تكبد أي خسائر، لذا قد يتم تنفيذ التدخل التالي بشكل مفاجئ قدر الإمكان». وأضاف أنه مع غياب أي شعور بالإلحاح في تصريحات المسؤولين، قد تميل السوق إلى الضغط على الين للأسفل، لكن «يوجد حذر شديد بشأن التدخل المُحتمل». وأظهرت بيانات لجنة تداول السلع الآجلة، الصادرة يوم الجمعة، ارتفاعاً طفيفاً في صافي مراكز البيع على الين إلى 145,818 عقداً، وهو أعلى مستوى له منذ يوليو (تموز) 2024.

وأوضح يوجي سايتو، المستشار التنفيذي في شركة «إس بي آي فوركس تريد»، أن تحول التوقعات نحو رفع أسعار الفائدة الأميركية، إلى جانب تجدد حالة عدم اليقين في الشرق الأوسط التي تدفع أسعار النفط إلى الارتفاع، قد صعّب على المستثمرين تقليص مراكزهم الطويلة على الدولار في ظل غياب تهديد وشيك بالتدخل. وأضاف: «قد يؤدي ذلك في نهاية المطاف إلى زيادة تأثير أي تدخل، حيث ستتحرك السلطات بينما لا تزال المراكز مرتفعة». وفي الأسبوع الماضي، انخفض الين إلى 161.8 ين مقابل الدولار، وهو أدنى مستوى له منذ يوليو 2024، مما محا المكاسب التي تحققت بعد جولة التدخلات التي بدأت في 30 أبريل (نيسان). وقد أنفقت طوكيو مبلغاً قياسياً قدره 11.7 تريليون ين (72.44 مليار دولار) للتدخل في أسواق الصرف الأجنبي بين أواخر أبريل وأوائل مايو (أيار).ويؤدي ضعف الين المستمر إلى ارتفاع تكاليف الاستيراد وتفاقم ضغوط الأسعار، في حين دفعت صدمة الطاقة الناجمة عن الشرق الأوسط أسعار الوقود إلى الارتفاع، مما دفع البنك المركزي إلى التحذير من خطر التخلف عن ركب التضخم. وصرح نائب محافظ بنك اليابان، ريوزو هيمينو، أمام البرلمان، يوم الاثنين، بأن التضخم قد يتجاوز هدف البنك البالغ 2 في المائة، مشيراً مجدداً إلى عواقب التأخر في رفع أسعار الفائدة.


رحيل المايسترو: اللحن الأخير للرجل الذي قاد اقتصاد العالم

غرينسبان خلال استماعه إلى المرافعات الافتتاحية خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة التحقيق في الأزمة المالية بجلسة استماع بمبنى الكابيتول عام 2010 (رويترز)
غرينسبان خلال استماعه إلى المرافعات الافتتاحية خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة التحقيق في الأزمة المالية بجلسة استماع بمبنى الكابيتول عام 2010 (رويترز)
TT

رحيل المايسترو: اللحن الأخير للرجل الذي قاد اقتصاد العالم

غرينسبان خلال استماعه إلى المرافعات الافتتاحية خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة التحقيق في الأزمة المالية بجلسة استماع بمبنى الكابيتول عام 2010 (رويترز)
غرينسبان خلال استماعه إلى المرافعات الافتتاحية خلال إدلائه بشهادته أمام لجنة التحقيق في الأزمة المالية بجلسة استماع بمبنى الكابيتول عام 2010 (رويترز)

في الثاني والعشرين من يونيو (حزيران) عام 2026، صمت واحد من أعقد العقول المالية في التاريخ الحديث. رحل ألان غرينسبان عن عمر يناهز المائة عام، بعد حياة طويلة لم تكن سوى رحلة فريدة بين نغمات الموسيقى ولغة الأرقام، صعد خلالها ليصبح واحداً من أكثر الشخصيات تأثيراً في العالم.

بدأت الحكاية في أحياء نيويورك القديمة وتحديداً في «واشنطن هايتس»، حيث كان هناك فتى نحيل يرتدي نظارات طبية سميكة يُدعى ألان. لم يكن كبقية أقرانه؛ فبينما كان الأطفال يعشقون لعبة البيسبول من أجل متعة اللعب والركض، كان ألان يعشقها لسبب مختلف تماماً: الإحصائيات.

كان يجلس على المدرجات وبيده دفتر صغير، يسجل فيه معدلات الضرب، ونسب الفوز، وتحركات اللاعبين. بالنسبة له، لم يكن العالم فوضى، بل كان سيمفونية ضخمة من الأرقام المنتظمة، وفق «بلومبرغ».

من مسرح السوينغ إلى دهاليز الاقتصاد

كبر ألان ولم يغادره شغفه بالرتم والنغم، فالتحق بمعهد «جوليارد» الشهير لدراسة الموسيقى. سرعان ما وجد نفسه عازفاً لآلة الكلارينيت والساكسفون في فرقة «هنري جيروم» لموسيقى السوينغ. كان يتنقل من مدينة إلى أخرى، يتقاضى ستة دولارات في الأسبوع، ويعزف جنباً إلى جنب مع أساطير الموسيقى.

لكن في الحافلة، بين الحفلات الموسيقية، لم يكن ألان يقرأ المجلات الفنية. كان يلتهم كتب الاقتصاد والمالية. اكتشف أن الاقتصاد يشبه الموسيقى تماماً: له إيقاع، وفيه توازن، وأي نغمة خاطئة قد تُفسد اللحن بأكمله.

قرر ألان أن يضع «الكلارينيت» جانباً، ليعزف على أوتار أكبر بكثير: اقتصاد الولايات المتحدة.

المايسترو وصدمات السوق

مرت السنوات، وأثبت ألان ذكاءً خارقاً في التنبؤ بالأزمات من خلال مراقبة تفاصيل صغيرة يهملها الجميع، مثل حركة شاحنات البضائع وصناعة صناديق الشحن. هذا الذكاء قاده في عام 1987 ليصبح رئيساً لمجلس الاحتياطي الفيدرالي، وهو المنصب الذي يجعله عملياً «قبطان» السفينة المالية العالمية.

أُطلق عليه لقب «المايسترو».

عندما كان يتحدث، كان العالم بأسره يصمت لينصت. كانت كلماته غامضة ومدروسة بدقة؛ فلو قال كلمة إيجابية، انتعشت أسواق البورصة في طوكيو ولندن ونيويورك، ولو لمّح بالخطر، انكمشت الأسواق خوفاً. قاد الاقتصاد عبر فترات ازدهار تاريخية، وظن الجميع أنه الساحر الذي لا يخطئ أبداً.

ألان غرينسبان في صورة تعود إلى عام 2012 (رويترز)

اللحن الأخير والدرس القاسي

ولكن، كما هو الحال في بعض المعزوفات المعقدة، تأتي أحياناً نهاية غير متوقعة.

في سنواته الأخيرة قبل التقاعد، كان هناك «لحن خفي» يرتفع في الأفق دون أن يلتفت إليه أحد بجدية: فقاعة العقارات والقروض التي لا يستطيع الناس سدادها. آمن ألان بأن الأسواق قادرة على تصحيح نفسها بنفسها، لكن الإيقاع تفرّق هذه المرة. فبعد خروجه من منصبه بفترة وجيزة، انفجرت الأزمة المالية العالمية عام 2008، واهتز العالم بعنف.

وقف «المايسترو» العجوز يوماً أمام الكونغرس، وبكل شجاعة وصراحة، نظر إلى الحضور وقال: «لقد كنت مصيباً في 70 في المائة من الأوقات، لكنني أخطأت في 30 في المائة. لقد صُدمت لأن النظام الذي آمنت به لم يحمِ نفسه كما كنت أتوقع».

الغروب

في سنواته الأخيرة، عندما بلغ المائة من عمره، كان ألان يجلس في بيته الهادئ. لم يعد يتابع شاشات البورصة الحمراء والخضراء بنفس الشغف، بل عاد بالذاكرة إلى ذلك الفتى الصغير الذي كان يجمع إحصائيات البيسبول، وإلى الشاب الذي كان يعزف الكلارينيت في ليالي نيويورك الباردة.

رحل «المايسترو» تاركاً خلفه درساً عميقاً للبشرية: أن الاقتصاد، كالحياة تماماً، مهما حاولت ضبط أرقامه وقوانينه، سيبقى دائماً مليئاً بالمفاجآت التي لا يمكن لأي ساحر أن يتوقعها بالكامل.


بريطانيا تواجه شبح «بريكست» من جديد مع تصاعد مخاوف المال والأعمال

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بعد الانتهاء من بيان استقالته في داونينغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بعد الانتهاء من بيان استقالته في داونينغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
TT

بريطانيا تواجه شبح «بريكست» من جديد مع تصاعد مخاوف المال والأعمال

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بعد الانتهاء من بيان استقالته في داونينغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بعد الانتهاء من بيان استقالته في داونينغ ستريت بلندن (إ.ب.أ)

يواجه المستثمرون وقادة الأعمال في بريطانيا موجة جديدة من عدم اليقين السياسي تعيد إلى الأذهان حالة الاضطراب التي رافقت سنوات ما بعد استفتاء «بريكست»، وذلك عقب استقالة رئيس الوزراء كير ستارمر، وفتح باب التنافس على زعامة الحزب الحاكم، في سباق ستتركز تداعياته على مستقبل السياسة الاقتصادية.

وأعلن ستارمر، الذي لم يمضِ على تولّيه المنصب سوى أقل من عامين بعد فوز كاسح لحزبه، أن باب الترشح لخلافته سيُفتح في 9 يوليو (تموز) المقبل، في حين أعلن مُنافسه آندي بورنهام خوضه السباق، وسط ترقب في الأسواق لاختيار وزير المالية المحتمل في الحكومة المقبلة، وهو المنصب الذي قد يلعب دوراً محورياً في رسم ملامح السياسة المالية.

تأتي هذه التطورات في وقتٍ تواجه فيه بريطانيا واحدة من أعلى تكاليف الاقتراض بين دول مجموعة السبع، نتيجة تراكم الديون وضعف النمو الاقتصادي وارتفاع الإنفاق العام، إلى جانب الضغوط المتزايدة على الموازنة العامة، بما في ذلك احتياجات الإنفاق الدفاعي.

ومن المتوقع أن تكون سوق السندات الحكومية البريطانية الأكثر حساسية لمسار المنافسة السياسية، في ظل ارتباط مباشر بين التوقعات المالية والاستقرار السياسي. وقد أسهم إعلان دعم وزير الصحة السابق ويس ستريتينغ، لبورنهام في تحركات محدودة بالأسواق، حيث تراجعت عوائد السندات وحقق الجنيه الإسترليني بعض المكاسب.

وقال مايكل ميتكالف، رئيس استراتيجية الاقتصاد الكلي في «ستيت ستريت ماركتس»، إن الانتقال السياسي يبدو، حتى الآن، منظماً، مشيراً إلى أن تصريحات بورنهام بشأن الالتزام بالقواعد المالية تهدئ مخاوف الأسواق نسبياً، لكنها لا تزال بحاجة إلى وضوحٍ أكبر بشأن السياسات الفعلية وتأثيرها على النمو.

وفي أسواق المراهنات، أظهرت بيانات «بولي ماركت» ارتفاع احتمالات اختيار ويس ستريتينغ وزيراً للمالية ضِمن حكومة بورنهام، رغم محدودية حجم التداول، ما يعكس حالة من الترقب وعدم اليقين بشأن التشكيلة الاقتصادية المحتملة.

على صعيد الأسواق، استقر الجنيه الإسترليني عند 1.324 دولار، بعد أن كان قد سجل 1.318 دولار، في وقت سابق، بينما تراجعت عوائد السندات البريطانية لأجَل 10 سنوات بمقدار 2.5 نقطة أساس إلى نحو 4.82 في المائة، لتظل قريبة من أعلى مستوياتها منذ الأزمة المالية العالمية في عام 2008، ما يعكس استمرار الضغوط على أدوات الدين السيادي.

في المقابل، ارتفع مؤشر «فوتسي 100» بنسبة 0.4 في المائة، بينما تراجع مؤشر «فوتسي 250» الذي يركز على الشركات المحلية بنحو 0.3 في المائة؛ في إشارة إلى تباين أداء الأسهم بين الشركات متعددة الجنسيات والاقتصاد المحلي.

وقال جيريمي ستريتش، رئيس استراتيجية عملات مجموعة العشر في بنك «سي آي بي سي»، إن الأسواق تتساءل عما إذا كان انتقال السلطة سيكون سلساً أو تنافسياً، موضحاً أن سيناريو «التتويج» قد يدعم السندات ويُبقي الجنيه مستقراً نسبياً.

ورغم هذا الهدوء النسبي، يبقى المستثمرون حذِرين تجاه الأصول البريطانية، في ظل استمرار المخاوف من هشاشة المالية العامة وتاريخ من التقلبات السياسية منذ «بريكست» الذي يقترب من ذكراه العاشرة.

ويرى محللون أن بورنهام يميل إلى توجهات يسارية أكثر، مقارنة بستارمر، ورغم تعهده بالالتزام بالقواعد المالية الصارمة لوزيرة المالية الحالية راشيل ريفز، فإن الأسواق ما زالت تنتظر إشاراتٍ أوضح بشأن السياسة الضريبية والإنفاق العام.

في هذا السياق، أشار محللون إلى احتمال لجوء الحكومة المقبلة إلى فرض ضرائب إضافية على القطاع المصرفي لتعزيز الإيرادات، في وقتٍ تُحقق فيه البنوك أرباحاً قوية.

وقال جيمس أثي، مدير محافظ الدخل الثابت في «مارلبورو»، إن الأسواق تميل إلى اختبار مصداقية أي قيادة جديدة، من خلال مدى التزامها بانضباط مالي واضح، خصوصاً في ظل حساسية سوق السندات البريطانية تجاه أي إشارات توسعية في الإنفاق.