البنك الدولي: أزمة البحر الأحمر ترفع تكاليف الشحن العالمية 141 %

خسائر قناة السويس وصلت إلى 7 مليارات... وحركة السفن عبر «رأس الرجاء الصالح» ارتفعت 50 %

تصاعُد الدخان من السفينة التجارية «مارلين لواندا» بعد إصابتها بصاروخ حوثي مضاد للسفن (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان من السفينة التجارية «مارلين لواندا» بعد إصابتها بصاروخ حوثي مضاد للسفن (أ.ف.ب)
TT

البنك الدولي: أزمة البحر الأحمر ترفع تكاليف الشحن العالمية 141 %

تصاعُد الدخان من السفينة التجارية «مارلين لواندا» بعد إصابتها بصاروخ حوثي مضاد للسفن (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان من السفينة التجارية «مارلين لواندا» بعد إصابتها بصاروخ حوثي مضاد للسفن (أ.ف.ب)

أصبحت أزمة البحر الأحمر نقطة اشتعال حاسمة في صراع منطقة الشرق الأوسط، مما أدى إلى تغييرات كبيرة في حركة التجارة العالمية والنقل البحري. ووفقاً لتقرير البنك الدولي «أزمة الشحن المتفاقمة في البحر الأحمر: التأثيرات والتوقعات»، أدى تحويل التجارة إلى إعادة تشكيل أنشطة المواني على طول الممر الآسيوي الأوروبي، مما أثر إيجاباً على مواني غرب البحر الأبيض المتوسط، في حين عانت مواني شرق البحر الأبيض المتوسط. كما استفادت مواني جنوب آسيا مثل كولومبو من زيادة حصتها في البضائع الإقليمية. وتسببت هذه الاضطرابات في صدمات عبر سلاسل التوريد العالمية، مما أدى إلى تأخير في تسليم الموردين وزيادة تكاليف الشحن. ومع ذلك، كان تأثير هذه الزيادات على التضخم محدوداً بسبب ضعف الطلب العالمي وانخفاض أسعار السلع الأساسية.

شحنات الحاويات تمر عبر قناة السويس في مصر (رويترز)

وأدى تعطيل النقل البحري في البحر الأحمر إلى زيادة كبيرة في تكاليف الشحن العالمية، حيث ارتفعت بنسبة 141 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 مقارنةً بما قبل الأزمة، وزادت الأسعار على الطرق التي تمر عبر البحر الأحمر بنحو 230 في المائة من شنغهاي إلى روتردام وجنوة. ورغم هذه الزيادة، ظل تأثيرها على التضخم محدوداً بسبب ضعف الطلب العالمي والمخزونات الكافية، إضافةً إلى عدم تأثر قطاع النفط أو أسعار السلع الأساسية بشكل كبير.

وفي تفاصيل التقرير، فقد تسببت الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، الذي يمر عبره نحو ثلث حركة الحاويات العالمية، في تعطيل العمليات البحرية بشكل كبير. وأدت التهديدات الأمنية إلى إعادة توجيه السفن عبر «رأس الرجاء الصالح»، مما أثر بشكل كبير على حركة التجارة بين آسيا وأوروبا وآسيا وشمال الأطلسي. ونتيجة لهذه الاضطرابات، شهدت قناة السويس ومضيق باب المندب انخفاضاً حاداً في حركة السفن، حيث تراجعت بنسبة تصل إلى 75 في المائة بحلول أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2024، مقارنةً بانخفاض 50 في المائة تم توثيقه في مايو (أيار) 2024.

وشهد ممر رأس الرجاء الصالح زيادة في النشاط بنسبة تزيد على 50 في المائة، رغم تدهوره مقارنةً بالذروة في مارس (آذار) 2024. كما أصبح مرور السفن عبره أكثر تقلباً في الأشهر الأخيرة، مما يعكس الاضطرابات في سلاسل التوريد بين آسيا وأوروبا والأميركيتين. في الوقت نفسه، تأثر مضيق هرمز، الممر النفطي الأهم، بتراجع حركة المرور البحرية بنسبة 15 في المائة بسبب قربه من منطقة الصراع.

وقد أدى تحويل التجارة حول «رأس الرجاء الصالح» إلى زيادة كبيرة في مسافات وأوقات السفر للسفن التي كانت تمر عبر البحر الأحمر. وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ارتفعت مسافات السفر لسفن الشحن وناقلات النفط التي كانت تتنقل عبر البحر الأحمر بنسبة 48 في المائة و38 في المائة على التوالي، مقارنةً بالفترة السابقة من يناير (كانون الثاني) إلى سبتمبر (أيلول) 2023. كما شهدت أوقات السفر زيادة ملحوظة، حيث ارتفعت بنسبة تصل إلى 45 في المائة لشحنات النفط، و28 في المائة لناقلات النفط، مما يعكس تغييراً جذرياً في الخدمات اللوجيستية البحرية العالمية.

تظهر الحاويات مكدَّسة على متن سفينة الحاويات «إم إس سي ماريا إلينا» بميناء أنتويرب في بلجيكا (رويترز)

كما تسببت أزمة الشحن في اضطراب سلاسل التوريد العالمية، حيث ارتفع مؤشر إجهاد سلسلة التوريد للبنك الدولي إلى 2.3 مليون وحدة مكافئة لعشرين قدماً في ديسمبر 2024، وهو أكثر من ضعف المستويات المسجلة في ديسمبر 2023. وارتفعت حصة مواني شرق البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي في شحنات الحاويات المتأخرة إلى 26 في المائة، بينما انخفضت حصة الصين إلى 9 في المائة من 38 في المائة.

كذلك تسببت في إطالة أوقات تسليم الموردين بشكل ملحوظ، لا سيما في أوروبا. وارتفعت مؤشرات مديري المشتريات لأوقات تسليم الموردين في 25 دولة من أصل 35 دولة شملها المسح عالمياً بين نوفمبر 2023 وأكتوبر 2024، مقارنةً بالفترة السابقة للأزمة من نوفمبر 2022 إلى أكتوبر 2023. وكان التدهور في أوقات التسليم أكثر وضوحاً في أوروبا وبعض الدول الآسيوية.

التحول في نشاط التجارة بالمواني والطرق البرية الجديدة

ساهم الصراع في الشرق الأوسط وأزمة الشحن في البحر الأحمر في تراجع كبير في نشاط المواني والتجارة عبر البحر الأحمر ودول الخليج منذ نوفمبر 2023. وسجلت الأردن وعمان أكبر انخفاضات في صادرات الشحن بنسبة 38 في المائة و28 في المائة على التوالي، بينما تراجعت واردات الشحن في الأردن وقطر بنسبة 50 في المائة و27 في المائة. وبين نوفمبر 2023 وأكتوبر 2024، انخفضت التجارة في معظم المواني الكبرى بنسبة 8 في المائة مقارنةً بفترة ما قبل الأزمة. أعلنت مصر عن خسارة 7 مليارات دولار في عائدات قناة السويس، بينما تمكنت بعض المواني في الإمارات ومصر والسعودية من الصمود.

ورغم الانخفاض في التجارة البحرية لعام 2024، شهدت أحجام التجارة العالمية تسارعاً عاماً، مما يشير إلى تحول نحو إعادة توجيه التجارة بدلاً من تقليصها. وبين نوفمبر 2023 وأكتوبر 2024، انخفضت زيارات المواني العالمية وأحجام التجارة البحرية بنسبة 5 في المائة للواردات و4 في المائة للصادرات مقارنةً بالفترة من نوفمبر 2022 إلى أكتوبر 2023.

التوقعات والسيناريوهات

مع دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس» حيّز التنفيذ في 19 يناير 2025، وتأكيد الحوثيين أنهم سيقتصرون على الهجمات على السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل، زادت الفرص لتقليص الاضطرابات في التجارة البحرية العالمية. ويمثل وقف إطلاق النار خطوة مهمة نحو تخفيف التوترات في المنطقة، حيث كُشف عن ثلاث مراحل لتسوية الوضع في الأسابيع القادمة.

سفينة شحن تُرى وهي تعبر قناة السويس الجديدة (رويترز)

وطرح البنك الدولي ثلاثة سيناريوهات أساسية لتقييم التأثير المحتمل على تجارة الشحن في المنطقة والعالم:

- السيناريو الأساسي: يفترض أن الأزمة ستستمر حتى أكتوبر 2025، مع بقاء النمو في تجارة الشحن خلال هذه الفترة مماثلاً لما تمت ملاحظته بين ديسمبر 2023 وأكتوبر 2024.

- سيناريو التعافي التدريجي: يتوقع هذا السيناريو أن الأزمة ستستمر حتى مايو 2025، وبعدها يعود نمو تجارة الشحن إلى مستوياته الطبيعية قبل الأزمة.

- سيناريو التعافي السريع: يفترض هذا السيناريو أن الأزمة ستنتهي بسرعة في فبراير (شباط) 2025، مما يؤدي إلى عودة أسرع لحركة التجارة.

النتائج المحتملة:

• في حالة التعافي التدريجي: من المتوقع أن تنمو واردات الشحن بنسبة 1.6 في المائة في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المطلة على البحر الأحمر، و4.9 في المائة في الاتحاد الأوروبي مقارنةً بالسيناريو الأساسي الذي يستمر حتى أكتوبر 2025. كما ستشهد صادرات الشحن زيادة بنسبة 10.3 في المائة في دول منطقة البحر الأحمر وشمال أفريقيا و5.1 في المائة في الاتحاد الأوروبي، مما يشير إلى أن التعافي التدريجي سيكون له تأثير إيجابي على التجارة عبر البحر الأحمر.

• في حالة التعافي السريع: ستشهد واردات الشحن زيادة أكبر، حيث يُتوقع أن تنمو بنسبة 2.1 في المائة في بلدان البحر الأحمر والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و8.2 في المائة في الاتحاد الأوروبي. أما صادرات الشحن، فمن المتوقع أن ترتفع بنسبة 17.4 في المائة في دول البحر الأحمر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا و10.2 في المائة في الاتحاد الأوروبي، مما يعكس تأثيراً إيجابياً أسرع وأكثر شمولاً للتعافي.


مقالات ذات صلة

قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

خاص بعد سيطرتها على باب المندب سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها حسب اللواء القملي (سبأ) p-circle

قائد خفر السواحل اليمنية: سفن تهريب الحوثيين لم تعد تخفي تحركاتها في البحر الأحمر

قال رئيس مصلحة خفر السواحل اليمنية إن سيطرة الحوثيين على باب المندب وجزر البحر الأحمر تمثل «تحولاً نوعياً» في طبيعة التهديد الذي تشكله الجماعة

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي وزير خارجية جيبوتي عبد القادر عمر يلقي كلمة بالجمعية العامة للأمم المتحدة (وكالة أنباء جيبوتي)

جيبوتي تحت ضغوط «اضطرابات الجوار»

وجدت جيبوتي نفسها تحت وطأة تدفق آلاف الفارين من جحيم النزاعات وسط تصاعد الأزمات في دول الجوار، لا سيما في إثيوبيا واليمن.

محمد محمود (القاهرة)
أفريقيا دبابة «تي 72» مدمَّرة على جانب الطريق خلال الاشتباكات بين الجيش الإثيوبي و«جبهة تحرير شعب تيغراي» 12 أكتوبر 2024 (أرشيفية - أ.ف.ب)

الحرب الإثيوبية تُعقّد طموحات آبي أحمد الإقليمية

تتسع دوائر الاضطراب داخل إثيوبيا، من «تيغراي» شمالاً إلى أمهرة وأوروميا، بينما تبدو تداعيات الأزمة أبعد من حدود الصراع الداخلي.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
الخليج جاسم البديوي يتحدث خلال الاجتماع الوزاري الثاني لـ«تحالف روما» في نيويورك الخميس (مجلس التعاون الخليجي)

البديوي: تداعيات أزمة المنطقة تمتد إلى اقتصادات العالم

أكد جاسم البديوي، أمين عام مجلس التعاون الخليجي، أن تداعيات الأزمة الراهنة في المنطقة تمتد إلى اقتصادات الشرق الأوسط وأوروبا والعالم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم العربي ميناء دمياط المصري (وزارة النقل المصرية)

السعودية ومصر لتطوير مسارات النقل البحري وسط اضطرابات الملاحة الدولية

أكدت السعودية ومصر تطوير مسارات النقل البحري وتدعيم التعاون المشترك في مختلف مجالات النقل، وسط اضطرابات الملاحة الدولية وتأثيراتها السلبية على سلاسل الإمداد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الخليج يؤكد أولوية الربط الكهربائي والمائي لمواجهة التحديات

وزراء الطاقة والنفط بدول مجلس التعاون خلال اجتماع لجنة التعاون الكهربائي والمائي في المنامة (مجلس التعاون الخليجي)
وزراء الطاقة والنفط بدول مجلس التعاون خلال اجتماع لجنة التعاون الكهربائي والمائي في المنامة (مجلس التعاون الخليجي)
TT

الخليج يؤكد أولوية الربط الكهربائي والمائي لمواجهة التحديات

وزراء الطاقة والنفط بدول مجلس التعاون خلال اجتماع لجنة التعاون الكهربائي والمائي في المنامة (مجلس التعاون الخليجي)
وزراء الطاقة والنفط بدول مجلس التعاون خلال اجتماع لجنة التعاون الكهربائي والمائي في المنامة (مجلس التعاون الخليجي)

أكد الأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية جاسم البديوي، أن قطاعي الكهرباء والماء يمثلان أولوية استراتيجية في مسيرة العمل الخليجي المشترك، لدورهما في تعزيز استدامة الموارد وتأمين احتياجات دول المجلس ورفع الجاهزية لمواجهة التحديات والمتغيرات.

جاء ذلك خلال الاجتماع الـ31 للجنة التعاون الكهربائي والمائي بدول مجلس التعاون، الذي عُقد الاثنين في المنامة، برئاسة وزير شؤون الكهرباء والماء البحريني ياسر حميدان، وبمشاركة أعضاء اللجنة من دول المجلس.

الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي خلال كلمته في اجتماع لجنة التعاون الكهربائي والمائي (مجلس التعاون الخليجي)

وقال البديوي إن مخرجات اللقاء التشاوري التاسع عشر للمجلس الأعلى، الذي عُقد بجدة في أبريل (نيسان) الماضي، شددت على تعزيز جاهزية دول المجلس لمواجهة الأزمات والتحديات، بما يشمل دراسة مشاريع للربط المائي والاستمرار في تطوير الربط الكهربائي، داعياً إلى ترجمة هذه التوجيهات إلى مبادرات عملية تدعم التكامل الخليجي.

وأوضح أن دول المجلس تواجه نمواً متزايداً في الطلب على الكهرباء والماء، مشيراً إلى أن إنتاج الكهرباء الخليجي بلغ نحو 876 ألف غيغاواط/ساعة خلال عام 2025، بزيادة 9.6 في المائة مقارنة بالعام السابق، في حين بلغ إنتاج المياه المحلاة 8.5 مليار متر مكعب، بنمو 10.8 في المائة.

وأضاف أن المرحلة الحالية تتطلب رفع كفاءة منظومات الكهرباء والماء عبر تطوير مرافق الإنتاج والنقل والتوزيع، والتوسع في استخدام التقنيات الحديثة والحلول الذكية، بما يسهم في خفض الفاقد وتحسين الكفاءة التشغيلية.

جانب من أعمال الاجتماع الـ31 للجنة التعاون الكهربائي والمائي بدول مجلس التعاون في المنامة (مجلس التعاون الخليجي)

وفي ملف الربط الكهربائي الخليجي، قال البديوي إن الوفر المالي المحقق من المشروع خلال عام 2025 تجاوز 952 مليون دولار، في حين تخطى إجمالي الوفر منذ انطلاقه 5.2 مليار دولار؛ ما يعكس دوره في تعزيز أمن الطاقة ورفع كفاءة منظومة الكهرباء والتوسع في تجارة الطاقة بين دول المجلس.

وفي قطاع المياه، أكد أن أمن الإمدادات والجاهزية للطوارئ يظلان من الأولويات الرئيسية، مشيراً إلى أهمية مواصلة دراسة مشاريع الربط المائي بين دول المجلس، إلى جانب مشروعات الربط الثنائية القائمة، لتعزيز القدرة على التعامل مع الظروف الاستثنائية وتحقيق الاستخدام الأمثل للموارد المائية.


تاكايتشي تتعهد بضبط الدين الياباني مع ارتفاع تكلفة الاقتراض

رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في خطاب أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في خطاب أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
TT

تاكايتشي تتعهد بضبط الدين الياباني مع ارتفاع تكلفة الاقتراض

رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في خطاب أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)
رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي في خطاب أمام البرلمان بالعاصمة طوكيو (إ.ب.أ)

تعهدت رئيسة الوزراء اليابانية ساناي تاكايتشي، الاثنين، بضبط إصدارات السندات والحفاظ على استدامة المالية العامة، مع الاستعداد للتحرك سريعاً إذا شهد الاقتصاد أو الأسواق اضطرابات غير متوقعة، في محاولة لطمأنة المستثمرين بعدما دفعت المخاوف من زيادة الدين والتضخم عائد السندات الحكومية لأجل 30 عاماً إلى مستوى قياسي.

وقالت تاكايتشي، في خطاب سياسي أمام البرلمان خلال افتتاح دورة استثنائية، إن «استدامة المالية العامة شرط أساسي بالطبع» لتنفيذ سياسة حكومتها المالية التي تصفها بأنها «مسؤولة واستباقية». وتكتسب تصريحاتها أهمية خاصة بعدما ارتفع عائد السندات الحكومية لأجل 30 عاماً، الاثنين، إلى مستوى قياسي بلغ 4.235 في المائة، وسط قلق من احتمال زيادة إصدارات الدين، إلى جانب تصاعد المخاوف التضخمية المرتبطة بالحرب في الشرق الأوسط.

وتواجه اليابان عبئاً مالياً متنامياً، إذ يبلغ الدين العام نحو مثلي حجم الاقتصاد، وهو الأعلى بين الاقتصادات المتقدمة. وفي الوقت نفسه، ترتفع تكاليف تمويل هذا الدين مع زيادة بنك اليابان أسعار الفائدة وتقليص مشترياته من السندات في إطار الخروج التدريجي من عقود من التحفيز النقدي واسع النطاق.

ورغم تعهدها بالانضباط المالي، أكدت تاكايتشي أن الحكومة ستستخدم الإنفاق العام لدعم إمكانات النمو وجذب الاستثمارات الخاصة إلى القطاعات ذات الأولوية. وقالت إن الحكومة ستعتمد «إنفاقاً مالياً ضخماً وطويل الأجل يجري تنفيذه بطريقة مخططة ويمكن التنبؤ بها»، بهدف تحفيز استثمارات القطاع الخاص في مجالات النمو. لكنها شددت في المقابل على أن الحكومة ستعمل على كبح حجم إصدارات السندات السنوية، على أن تحدد مستويات الاقتراض وفق تطورات الإيرادات الضريبية وأسعار الفائدة وتكاليف خدمة الدين والظروف الاقتصادية والمالية.

وأضافت: «إذا شهد الاقتصاد والأسواق تحركات غير متوقعة، فسندرس تأثيرها ونتحرك بمرونة عند الحاجة»، من دون تحديد طبيعة الإجراءات التي يمكن اتخاذها. وتشير هذه اللهجة إلى حساسية لدى الحكومة تجاه سوق السندات، بعدما أصبحت خطط الإنفاق التي تتبناها تاكايتشي موضع تدقيق من المستثمرين.

• خفض الضرائب تحت المجهر

ومن المتوقع أن تحتل السياسة المالية صدارة النقاشات في الدورة البرلمانية الجديدة، في وقت تزداد فيه المخاوف بشأن أوضاع المالية العامة في الاقتصادات المتقدمة، وهو ما أسهم في موجة أوسع من ارتفاع عوائد السندات العالمية. وتتمثل إحدى الأولويات العاجلة للحكومة في تمرير تشريع يدعم خطة تاكايتشي لخفض الضريبة على المواد الغذائية لمدة عامين بدءاً من أبريل (نيسان) المقبل. وكانت الخطة قد أثارت موجة بيع في سوق السندات بسبب غياب تفاصيل واضحة بشأن كيفية تعويض النقص المتوقع في الإيرادات الحكومية.

وفي الوقت نفسه، تعمل الحكومة على إعداد موازنة السنة المالية المقبلة، بعدما قدمت الوزارات طلبات إنفاق عند مستويات قياسية. وقالت تاكايتشي إن طوكيو ستخصص أيضاً تمويلاً يمتد لعدة سنوات للمبادرات ذات الأهمية الاستراتيجية للأمن الاقتصادي، مؤكدة أن الحكومة ستنفذ سياساتها بصورة تدريجية، وستحرص على شرح خطواتها بعناية للمواطنين والأسواق. وأضافت: «سننفذ السياسات بثبات، وننجز الأمور واحداً تلو الآخر، ونشرحها بعناية للجمهور والأسواق». وتعتزم الحكومة كذلك مراجعة الإعفاءات الضريبية وبرامج الدعم القائمة، في محاولة لإيجاد موارد لتمويل الأولويات الجديدة من دون الاعتماد بصورة مفرطة على الاقتراض.

• طوكيو تنفي العودة إلى سياسات الإنعاش

وتسعى إدارة تاكايتشي إلى تبديد الانطباع بأنها تتبنى نهجاً «إنعاشياً» يقوم على التوسع المالي والنقدي الواسع، أو أنها تضغط على بنك اليابان لمنعه من مواصلة رفع أسعار الفائدة. وقالت وزيرة المالية ساتسوكي كاتاياما، السبت، إن الحكومة بدأت تحسين طريقة عرض رسالتها الاقتصادية لطمأنة المستثمرين بأن تاكايتشي لا تتبنى سياسات إنعاشية.

وكان وزير الاقتصاد مينورو كيوتشي قد أكد، الجمعة، أن اليابان لم تعد تعاني من الانكماش، ولا تحتاج إلى سياسة نقدية مفرطة في التيسير بهدف دفع التضخم إلى الارتفاع، في تحول واضح عن السياسات التي ارتبطت بحقبة «أبينوميكس». لكن الخلاف بشأن أسباب ارتفاع عوائد السندات لم ينته داخل دوائر صنع السياسة. وقال نائب محافظ بنك اليابان السابق ماسازومي واكاتابي، وهو أكاديمي معروف بتأييده للسياسات الإنعاشية وعضو حالياً في المجلس الاقتصادي الرئيسي للحكومة، إن ارتفاع عوائد السندات الأخير يعود إلى توقعات تنفيذ بنك اليابان مزيداً من زيادات الفائدة، وليس إلى المخاوف بشأن أوضاع المالية العامة. كما شدد واكاتابي، وفق محضر اجتماع المجلس، على أن الحكومة تتحمل المسؤولية النهائية عن توجيه السياسة الاقتصادية، ودعا إلى تنسيق وثيق بينها وبين بنك اليابان بشأن السياسة النقدية.

• السكان «أزمة وطنية»

وإلى جانب الدين والنمو، وضع خطاب تاكايتشي التراجع الديمغرافي في قلب التحديات طويلة الأجل التي تواجه ثالث أكبر اقتصاد في آسيا. وقالت رئيسة الوزراء أمام البرلمان إن «تراجع عدد السكان أزمة وطنية تتقدم بهدوء»، متعهدة بوضع استراتيجية سكانية شاملة بحلول نهاية العام.

ويرتبط التحدي السكاني مباشرة بالسياسة الاقتصادية، إذ يفرض تقلص القوة العاملة ضغوطاً على قدرة الاقتصاد الإنتاجية والإنفاق الاجتماعي والمالية العامة على المدى الطويل. وبذلك حاول خطاب تاكايتشي الجمع بين رسالتين للأسواق، وهما مواصلة الإنفاق والاستثمار في القطاعات القادرة على تعزيز النمو والتنافسية، مع عدم السماح بتحول هذه السياسة إلى توسع غير منضبط في الاقتراض.

وسيكون الاختبار الفعلي لهذه التعهدات في تفاصيل مشروع الموازنة وخطة تمويل خفض ضريبة الغذاء وحجم إصدارات السندات الجديدة. ومع وصول عوائد الدين طويل الأجل إلى مستويات قياسية، أصبحت قدرة الحكومة على إقناع المستثمرين باستدامة سياستها المالية عاملاً حاسماً في تحديد تكلفة تنفيذ أجندة تاكايتشي الاقتصادية.


التضخم التركي دون 30 % للمرة الأولى منذ 5 سنوات

أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)
أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)
TT

التضخم التركي دون 30 % للمرة الأولى منذ 5 سنوات

أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)
أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)

سجل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين في تركيا في سبتمبر (أيلول) الماضي أكبر تراجع له في نحو 5 سنوات، ليصل إلى 29.73 في المائة. فيما سجل التضخم الشهري زيادة بنسبة 1.48 في المائة دون تغيير عن شهر أغسطس (آب).

وأظهرت بيانات رسمية أصدرها معهد الإحصاء التركي، الاثنين، تراجع التضخم السنوي إلى مستوى أقل من 30 في المائة منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2021. وكان التضخم السنوي سجل 31.51 في المائة في أغسطس.

وحسب البيانات، بلغ متوسط أسعار المستهلكين في 12 شهراً 31.49 في المائة، فيما بلغ متوسط أسعار المنتجين المحليين 27.81 في المائة.

وبناء على بيانات التضخم في سبتمبر، تحددت نسبة الزيادة السنوية في الإيجارات لشهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي بنسبة 31.49 في المائة للمنازل، وأماكن العمل.

التغيرات الأساسية

وبالنسبة للتغيرات السنوية في مجموعات الإنفاق الرئيسة الثلاث ذات الوزن الأكبر، ارتفعت أسعار المواد الغذائية والمشروبات غير الكحولية بنسبة 27.62 في المائة، وأسعار النقل بنسبة 35.10 في المائة، وأسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الأخرى بنسبة 39.99 في المائة.

وبلغت مساهمة هذه المجموعات في التغير السنوي بنسبة 6.73 في المائة لنفقات الطعام، والمشروبات غير الكحولية، و5.96 في المائة لنفقات النقل، و4.84 في المائة لنفقات السكن، والمياه، والكهرباء، والغاز، وأنواع الوقود الأخرى.

أسهم التراجع في أسعار الخضراوات والفواكه في تراجع التضخم (إعلام تركي)

وكانت التوقعات السابقة للاقتصاديين أشارت إلى ارتفاع التضخم الشهري بنسبة 2.18 في المائة، وتراجع التضخم السنوي إلى 30.16 في المائة، في حين بلغ متوسط ​​توقعات الاقتصاديين للتضخم بنهاية العام الحالي 29.66 في المائة.

وجاءت قراءة التضخم الشهرية أقل من توقعات الأسواق، إذ أظهر استطلاع أجرته «بلومبرغ» بمشاركة 19 مؤسسة أن متوسط التوقعات كان عند 2.2 في المائة، والتضخم السنوي عند 30.30 في المائة، وبلغت توقعات التضخم لنهاية العام 29.7 في المائة، وللعام 2027 نحو 24 في المائة.

وخلافاً للأرقام الرسمية الصادرة عن معهد الإحصاء التركي، أعلنت «مجموعة أبحاث التضخم» (إي إن إيه جي) -المؤلفة من اقتصاديين، وأكاديميين، وخبراء مستقلين- ارتفاع التضخم الشهري بنسبة 2.1 في المائة، والتضخم السنوي بنسبة 46.61 في المائة.

تفاؤل من الحكومة

وعلق وزير الخزانة، والمالية، محمد شيمشيك، على أرقام التضخم الرسمية، عبر حسابه في «إكس»، لافتاً إلى تراجع معدل التضخم السنوي إلى ما دون 30 في المائة للمرة الأولى منذ 57 شهراً (منذ نوفمبر 2021)، وإلى انخفاض التضخم في جميع القطاعات، باستثناء قطاع النقل.

وقال إن التضخم في أسعار المواد الغذائية تراجع في سبتمبر بمقدار 8.4 نقطة مئوية مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، ليصل إلى 27.6 في المائة على أساس سنوي. كما انخفض تضخم أسعار التعليم، بفضل اللوائح القائمة على القواعد، بمقدار 17.5 نقطة مئوية على أساس سنوي، إلى 48.6 في المائة، بينما تراجع تضخم الإيجارات بمقدار 27.8 نقطة مئوية إلى 41.3 في المائة، مضيفاً أن المؤشرات الرئيسة تظهر استمرار مسار الانخفاض.

وأضاف أنه للحد من تأثير الارتفاع الأخير في أسعار النفط على التضخم، تعمل السلطات تدريجياً على إلغاء آلية التسعير المتدرج للبنزين، باتباع إجراءات مماثلة لتلك المطبقة على الديزل. وأشار إلى أن تقديرات البنك المركزي كانت تشير إلى إمكانية انخفاض التضخم بمقدار 7 نقاط مئوية هذا العام لولا الحرب في إيران.

وأكد أن الحكومة تواصل سياساتها الرامية إلى زيادة المعروض من المساكن، والمواد الغذائية، وفي عام 2027، سيساهم انخفاض الجمود في تضخم الخدمات -وبخاصة في الإيجار، والتعليم- وضعف آثار ارتفاع أسعار السلع الأساسية في انخفاض التضخم.

تعهدات باستمرار التراجع

وبدوره، قال نائب الرئيس التركي جودت يلماظ، عبر حسابه في «إكس»، إن الحكومة تواصل معركتها ضد التضخم من خلال سياسات حازمة، وشاملة، ومنسقة، بما يعزز المكاسب المحققة في مسار خفض التضخم.

وأشار إلى أنه رغم الضغوط الناجمة عن التطورات الخارجية خلال الربع الثالث من العام، تسارع الاتجاه النزولي للتضخم، لافتاً إلى أن التضخم السنوي انخفض، للمرة الأولى منذ نحو خمس سنوات، إلى ما دون 30 في المائة، بما يتماشى مع المسار المستهدف في البرنامج متوسط الأجل.

وأضاف أن الحكومة تراقب من كثب التأثير المحتمل للتطورات الإقليمية والعالمية على الأسعار المحلية، ولا سيما من خلال تكاليف الطاقة، والسلع، وتواصل تنسيق السياسات النقدية، والمالية، وسياسات الدخل، للحد من انتقال هذه التطورات إلى الأسعار المحلية، وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الصدمات الخارجية.

وأكد أن الهدف الرئيس في المرحلة المقبلة يتمثل في ترسيخ الاتجاه النزولي للتضخم، ومواصلة خفضه دون انقطاع، بما يتماشى مع هدف الوصول به إلى معدلات من خانة واحدة، وتحقيق استقرار دائم في الأسعار.

وتابع يلماظ: «نواصل بحزم خطواتنا الرامية إلى رفع الإنتاجية، وتحسين تخطيط الإنتاج في القطاع الزراعي، وتعزيز أمن إمدادات الطاقة، وزيادة المعروض من المساكن، وخفض تكاليف الخدمات اللوجستية. ونتوقع أن يتسارع مسار انخفاض التضخم مع تراجع تأثير صدمات جانب العرض، وبالتوازي مع السياسات المنسقة التي ننفذها. ونستهدف، من خلال تعزيز استقرار الأسعار، زيادة القدرة على التنبؤ في اقتصادنا، ودعم النمو المستدام، وضمان أن ينعكس الازدهار الناجم عن النمو بصورة دائمة على مستويات معيشة مواطنينا».