البنك الدولي: أزمة البحر الأحمر ترفع تكاليف الشحن العالمية 141 %

خسائر قناة السويس وصلت إلى 7 مليارات... وحركة السفن عبر «رأس الرجاء الصالح» ارتفعت 50 %

تصاعُد الدخان من السفينة التجارية «مارلين لواندا» بعد إصابتها بصاروخ حوثي مضاد للسفن (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان من السفينة التجارية «مارلين لواندا» بعد إصابتها بصاروخ حوثي مضاد للسفن (أ.ف.ب)
TT

البنك الدولي: أزمة البحر الأحمر ترفع تكاليف الشحن العالمية 141 %

تصاعُد الدخان من السفينة التجارية «مارلين لواندا» بعد إصابتها بصاروخ حوثي مضاد للسفن (أ.ف.ب)
تصاعُد الدخان من السفينة التجارية «مارلين لواندا» بعد إصابتها بصاروخ حوثي مضاد للسفن (أ.ف.ب)

أصبحت أزمة البحر الأحمر نقطة اشتعال حاسمة في صراع منطقة الشرق الأوسط، مما أدى إلى تغييرات كبيرة في حركة التجارة العالمية والنقل البحري. ووفقاً لتقرير البنك الدولي «أزمة الشحن المتفاقمة في البحر الأحمر: التأثيرات والتوقعات»، أدى تحويل التجارة إلى إعادة تشكيل أنشطة المواني على طول الممر الآسيوي الأوروبي، مما أثر إيجاباً على مواني غرب البحر الأبيض المتوسط، في حين عانت مواني شرق البحر الأبيض المتوسط. كما استفادت مواني جنوب آسيا مثل كولومبو من زيادة حصتها في البضائع الإقليمية. وتسببت هذه الاضطرابات في صدمات عبر سلاسل التوريد العالمية، مما أدى إلى تأخير في تسليم الموردين وزيادة تكاليف الشحن. ومع ذلك، كان تأثير هذه الزيادات على التضخم محدوداً بسبب ضعف الطلب العالمي وانخفاض أسعار السلع الأساسية.

شحنات الحاويات تمر عبر قناة السويس في مصر (رويترز)

وأدى تعطيل النقل البحري في البحر الأحمر إلى زيادة كبيرة في تكاليف الشحن العالمية، حيث ارتفعت بنسبة 141 في المائة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 مقارنةً بما قبل الأزمة، وزادت الأسعار على الطرق التي تمر عبر البحر الأحمر بنحو 230 في المائة من شنغهاي إلى روتردام وجنوة. ورغم هذه الزيادة، ظل تأثيرها على التضخم محدوداً بسبب ضعف الطلب العالمي والمخزونات الكافية، إضافةً إلى عدم تأثر قطاع النفط أو أسعار السلع الأساسية بشكل كبير.

وفي تفاصيل التقرير، فقد تسببت الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر، الذي يمر عبره نحو ثلث حركة الحاويات العالمية، في تعطيل العمليات البحرية بشكل كبير. وأدت التهديدات الأمنية إلى إعادة توجيه السفن عبر «رأس الرجاء الصالح»، مما أثر بشكل كبير على حركة التجارة بين آسيا وأوروبا وآسيا وشمال الأطلسي. ونتيجة لهذه الاضطرابات، شهدت قناة السويس ومضيق باب المندب انخفاضاً حاداً في حركة السفن، حيث تراجعت بنسبة تصل إلى 75 في المائة بحلول أواخر ديسمبر (كانون الأول) 2024، مقارنةً بانخفاض 50 في المائة تم توثيقه في مايو (أيار) 2024.

وشهد ممر رأس الرجاء الصالح زيادة في النشاط بنسبة تزيد على 50 في المائة، رغم تدهوره مقارنةً بالذروة في مارس (آذار) 2024. كما أصبح مرور السفن عبره أكثر تقلباً في الأشهر الأخيرة، مما يعكس الاضطرابات في سلاسل التوريد بين آسيا وأوروبا والأميركيتين. في الوقت نفسه، تأثر مضيق هرمز، الممر النفطي الأهم، بتراجع حركة المرور البحرية بنسبة 15 في المائة بسبب قربه من منطقة الصراع.

وقد أدى تحويل التجارة حول «رأس الرجاء الصالح» إلى زيادة كبيرة في مسافات وأوقات السفر للسفن التي كانت تمر عبر البحر الأحمر. وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) 2024، ارتفعت مسافات السفر لسفن الشحن وناقلات النفط التي كانت تتنقل عبر البحر الأحمر بنسبة 48 في المائة و38 في المائة على التوالي، مقارنةً بالفترة السابقة من يناير (كانون الثاني) إلى سبتمبر (أيلول) 2023. كما شهدت أوقات السفر زيادة ملحوظة، حيث ارتفعت بنسبة تصل إلى 45 في المائة لشحنات النفط، و28 في المائة لناقلات النفط، مما يعكس تغييراً جذرياً في الخدمات اللوجيستية البحرية العالمية.

تظهر الحاويات مكدَّسة على متن سفينة الحاويات «إم إس سي ماريا إلينا» بميناء أنتويرب في بلجيكا (رويترز)

كما تسببت أزمة الشحن في اضطراب سلاسل التوريد العالمية، حيث ارتفع مؤشر إجهاد سلسلة التوريد للبنك الدولي إلى 2.3 مليون وحدة مكافئة لعشرين قدماً في ديسمبر 2024، وهو أكثر من ضعف المستويات المسجلة في ديسمبر 2023. وارتفعت حصة مواني شرق البحر الأبيض المتوسط والخليج العربي في شحنات الحاويات المتأخرة إلى 26 في المائة، بينما انخفضت حصة الصين إلى 9 في المائة من 38 في المائة.

كذلك تسببت في إطالة أوقات تسليم الموردين بشكل ملحوظ، لا سيما في أوروبا. وارتفعت مؤشرات مديري المشتريات لأوقات تسليم الموردين في 25 دولة من أصل 35 دولة شملها المسح عالمياً بين نوفمبر 2023 وأكتوبر 2024، مقارنةً بالفترة السابقة للأزمة من نوفمبر 2022 إلى أكتوبر 2023. وكان التدهور في أوقات التسليم أكثر وضوحاً في أوروبا وبعض الدول الآسيوية.

التحول في نشاط التجارة بالمواني والطرق البرية الجديدة

ساهم الصراع في الشرق الأوسط وأزمة الشحن في البحر الأحمر في تراجع كبير في نشاط المواني والتجارة عبر البحر الأحمر ودول الخليج منذ نوفمبر 2023. وسجلت الأردن وعمان أكبر انخفاضات في صادرات الشحن بنسبة 38 في المائة و28 في المائة على التوالي، بينما تراجعت واردات الشحن في الأردن وقطر بنسبة 50 في المائة و27 في المائة. وبين نوفمبر 2023 وأكتوبر 2024، انخفضت التجارة في معظم المواني الكبرى بنسبة 8 في المائة مقارنةً بفترة ما قبل الأزمة. أعلنت مصر عن خسارة 7 مليارات دولار في عائدات قناة السويس، بينما تمكنت بعض المواني في الإمارات ومصر والسعودية من الصمود.

ورغم الانخفاض في التجارة البحرية لعام 2024، شهدت أحجام التجارة العالمية تسارعاً عاماً، مما يشير إلى تحول نحو إعادة توجيه التجارة بدلاً من تقليصها. وبين نوفمبر 2023 وأكتوبر 2024، انخفضت زيارات المواني العالمية وأحجام التجارة البحرية بنسبة 5 في المائة للواردات و4 في المائة للصادرات مقارنةً بالفترة من نوفمبر 2022 إلى أكتوبر 2023.

التوقعات والسيناريوهات

مع دخول وقف إطلاق النار بين إسرائيل و«حماس» حيّز التنفيذ في 19 يناير 2025، وتأكيد الحوثيين أنهم سيقتصرون على الهجمات على السفن التجارية المرتبطة بإسرائيل، زادت الفرص لتقليص الاضطرابات في التجارة البحرية العالمية. ويمثل وقف إطلاق النار خطوة مهمة نحو تخفيف التوترات في المنطقة، حيث كُشف عن ثلاث مراحل لتسوية الوضع في الأسابيع القادمة.

سفينة شحن تُرى وهي تعبر قناة السويس الجديدة (رويترز)

وطرح البنك الدولي ثلاثة سيناريوهات أساسية لتقييم التأثير المحتمل على تجارة الشحن في المنطقة والعالم:

- السيناريو الأساسي: يفترض أن الأزمة ستستمر حتى أكتوبر 2025، مع بقاء النمو في تجارة الشحن خلال هذه الفترة مماثلاً لما تمت ملاحظته بين ديسمبر 2023 وأكتوبر 2024.

- سيناريو التعافي التدريجي: يتوقع هذا السيناريو أن الأزمة ستستمر حتى مايو 2025، وبعدها يعود نمو تجارة الشحن إلى مستوياته الطبيعية قبل الأزمة.

- سيناريو التعافي السريع: يفترض هذا السيناريو أن الأزمة ستنتهي بسرعة في فبراير (شباط) 2025، مما يؤدي إلى عودة أسرع لحركة التجارة.

النتائج المحتملة:

• في حالة التعافي التدريجي: من المتوقع أن تنمو واردات الشحن بنسبة 1.6 في المائة في دول منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا المطلة على البحر الأحمر، و4.9 في المائة في الاتحاد الأوروبي مقارنةً بالسيناريو الأساسي الذي يستمر حتى أكتوبر 2025. كما ستشهد صادرات الشحن زيادة بنسبة 10.3 في المائة في دول منطقة البحر الأحمر وشمال أفريقيا و5.1 في المائة في الاتحاد الأوروبي، مما يشير إلى أن التعافي التدريجي سيكون له تأثير إيجابي على التجارة عبر البحر الأحمر.

• في حالة التعافي السريع: ستشهد واردات الشحن زيادة أكبر، حيث يُتوقع أن تنمو بنسبة 2.1 في المائة في بلدان البحر الأحمر والشرق الأوسط وشمال أفريقيا، و8.2 في المائة في الاتحاد الأوروبي. أما صادرات الشحن، فمن المتوقع أن ترتفع بنسبة 17.4 في المائة في دول البحر الأحمر ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا و10.2 في المائة في الاتحاد الأوروبي، مما يعكس تأثيراً إيجابياً أسرع وأكثر شمولاً للتعافي.


مقالات ذات صلة

قائد «خفر السواحل اليمنية»: مهامنا مستمرة بشكل طبيعي ومعنوياتنا عالية

خاص اللواء الركن خالد القملي قائد «خفر السواحل اليمنية» (سبأ)

قائد «خفر السواحل اليمنية»: مهامنا مستمرة بشكل طبيعي ومعنوياتنا عالية

أكد اللواء الركن خالد القملي، قائد مصلحة خفر السواحل اليمنية، أن الهجوم الحوثي لم يوقف مهامها، وأن العمل مستمر «بشكل طبيعي» وبمعنويات عالية...

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج وزراء خارجية المجموعة الرباعية يناقشون في إسطنبول عدداً من القضايا الإقليمية ذات الاهتمام المشترك (واس) p-circle 00:26

«الرباعية» تدين هجمات الحوثيين على السعودية وتطالب بوقف التصعيد في اليمن

أدانت السعودية وتركيا ومصر وباكستان التصعيد الذي تمارسه الميليشيات الحوثية الإرهابية في اليمن، بما في ذلك هجماتها على المملكة واستهداف المدنيين والبنية التحتية.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
الاقتصاد المعرض المصاحب للمؤتمر السعودي البحري واللوجستي في جدة (الشرق الأوسط)

اضطرابات الملاحة تُعيد رسم خريطة الشحن... والموانئ السعودية في الواجهة

أعادت اضطرابات الملاحة في الشرق الأوسط رسم مسارات التجارة البحرية، مع اتجاه شركات الشحن إلى منافذ بديلة لتفادي الممرات والموانئ المتأثرة بالأزمة.

أسماء الغابري (جدة)
الاقتصاد رئيس الهيئة العامة للنقل المهندس فواز السهلي خلال جولته في المعرض المصاحب للمؤتمر بجدة (الهيئة) p-circle 01:12

«النقل» السعودية: القطاع البحري أثبت صموده أمام اضطرابات التجارة العالمية

استطاع القطاع البحري السعودي إثبات قدرته على الصمود أمام الاضطرابات التي شهدتها حركة التجارة والملاحة العالمية خلال عام 2026.

أسماء الغابري (جدة)
أفريقيا الرئيس الإريتري أسياس أفورقي ورئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو 2018 (رويترز)

تصعيد آبي أحمد ضد إريتريا... تهديد للردع أم بداية مواجهة طويلة؟

برزت لهجة تصعيد إثيوبية جديدة تجاه أسمرة، بعد نحو شهر من اتهامات البلدين بشأن المواجهات في إقليم تيغراي، تضمنت توعدها بـ«مخاطر جسيمة وعواقب وخيمة».

محمد محمود (القاهرة)

«وول ستريت» تتراجع وسط تساؤلات بشأن استدامة طفرة التكنولوجيا

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» تتراجع وسط تساؤلات بشأن استدامة طفرة التكنولوجيا

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)

تراجعت المؤشرات الرئيسية في «وول ستريت»، خلال تعاملات الخميس، مع عزوف المستثمرين عن أسهم الشركة الأم لـ«غوغل»، عقب نتائج أثارت مخاوف بشأن استدامة طفرة التكنولوجيا العالمية، في حين ارتفعت الأسهم الأوروبية بدعم من نتائج قوية للشركات.

وفي آسيا، أغلقت الأسهم الكورية الجنوبية على انخفاض، وتراجعت أسهم هونغ كونغ وشنغهاي، بينما ارتفعت الأسهم اليابانية.

في المقابل، صعدت المؤشرات الأوروبية بعدما أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، عقب قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي تثبيت تكاليف الاقتراض، الأربعاء.

وتراجع اليورو بعدما أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد اعتزامها التنحي عن منصبها في فبراير (شباط) المقبل.

وقال مدير الاستثمار بشركة «إيه جيه بيل»، راس مولد، إن الأسواق الأوروبية حققت مكاسب قوية، الخميس، مدعومة بنتائج أعمال إيجابية للشركات، مخالفة بذلك الاتجاه السلبي الذي ساد الأسواق الآسيوية خلال الليل.

وأسهمت الأرباح القياسية لشركتَي النفط «شل» و«توتال إنرجيز» في دعم بورصتيْ لندن وباريس، بعدما استفادت الشركتان من اضطرابات إمدادات النفط والغاز في الشرق الأوسط، التي عززت الأسعار وهوامش التكرير.

لكن أسعار النفط الخام تراجعت بنحو 2 في المائة، وسط تقارير عن تجدد الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وإيران لتجنب شن ضربات إضافية.

وفي «وول ستريت»، تراجع مؤشر «ناسداك» المجمع، الذي تغلب عليه أسهم التكنولوجيا، بنسبة 1.4 في المائة عند الافتتاح، بعدما هوت أسهم «ألفابت» على أثر إعلانها أرباحاً دون التوقعات، مع استمرار الإنفاق الكبير على الذكاء الاصطناعي.

وقال محلل شركة «تريد نيشن»، ديفيد موريسون إن السهم هبط سريعاً بأكثر من 10 في المائة، بعدما ركز المستثمرون على الانخفاض الحاد في التدفقات النقدية الحرة وتباطؤ نمو محرك البحث «غوغل».

وتتصاعد المخاوف من أن يؤدي تنامي استخدام أدوات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي إلى تقويض نشاط «غوغل» الأساسي في البحث والإعلانات، الذي يشكل مصدراً رئيسياً لإيرادات الشركة.

وزادت النتائج المخيبة للتوقعات لشركة «سامسونغ إلكترونيكس» الكورية الجنوبية الشكوك بشأن العوائد المتوقعة من الاستثمارات في الذكاء الاصطناعي. ورغم تسجيل الشركة، أكبر منتِج لرقائق الذاكرة في العالم، أرباحاً فصلية قياسية، فإن نتائج قطاع أشباه الموصلات جاءت دون توقعات السوق.

في المقابل، أعلنت «مايكروسوفت» إيرادات وأرباحاً تجاوزت التوقعات، مدعومة بأداء قطاع الحوسبة السحابية «أزور»، وارتفعت أسهمها بنسبة 0.8 في المائة.

وقال جيم ريد، من «دويتشه بنك»، إن نتائج شركات التكنولوجيا ستظل محور اهتمام الأسواق، مع إعلان «أمازون» و«إنتل» نتائجهما بعد إغلاق السوق الأميركية.

وكانت الأسواق قد سجلت مكاسب قوية، خلال اليومين السابقين، بدعم من نتائج شركة «إس كيه هاينكس» الكورية الجنوبية المتخصصة في الرقائق، إلى جانب إعلان شركة «أنثروبيك»، المطورة لنموذج الذكاء الاصطناعي «كلود»، تقديم ملف للاكتتاب العام الأولي.


لاغارد: ارتفاع أسعار الطاقة يزيد مخاطر التضخم ويهدد النمو

لاغارد في مؤتمر صحافي بعد قرار تثبيت الفائدة الأوروبية (رويترز)
لاغارد في مؤتمر صحافي بعد قرار تثبيت الفائدة الأوروبية (رويترز)
TT

لاغارد: ارتفاع أسعار الطاقة يزيد مخاطر التضخم ويهدد النمو

لاغارد في مؤتمر صحافي بعد قرار تثبيت الفائدة الأوروبية (رويترز)
لاغارد في مؤتمر صحافي بعد قرار تثبيت الفائدة الأوروبية (رويترز)

قالت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد إن الأوضاع المالية في منطقة اليورو أصبحت أكثر تشدداً منذ الاجتماع السابق للبنك، محذرة من أن الضبابية المالية وتدهور معنويات الأسواق قد يزيدان صعوبة الحصول على التمويل ويضغطان على الطلب.

تصريحات لاغارد جاءت بعدما أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، لكنه حذر من أن ارتفاع أسعار الطاقة يزيد مخاطر صعود التضخم ويهدد بإضعاف النمو الاقتصادي، في وقت أصبحت فيه الأوضاع المالية أكثر تشدداً منذ اجتماعه السابق.

وأوضحت لاغارد في مؤتمر صحافي أن مخاطر التضخم تميل إلى الاتجاه الصعودي، في وقت ارتفعت فيه أسعار الطاقة إلى مستويات تتجاوز الافتراضات الأساسية التي يستند إليها البنك المركزي في توقعاته. وفي المقابل، أشارت إلى أن مخاطر النمو الاقتصادي تميل إلى الجانب السلبي، بما يعكس تزايد الضغوط التي تواجه اقتصاد منطقة اليورو.

وأضافت أن تدهور معنويات الأسواق قد يؤدي إلى مزيد من التشدد في شروط التمويل، بما يحد من الطلب الاقتصادي، فيما قد تسهم الضبابية بشأن الأوضاع المالية العامة في زيادة الضغوط على الظروف المالية.

وفي ما يتعلق بالأجور، قالت لاغارد إن نمو الأجور المتفق عليها يُتوقع أن يتراوح بين 2.5 و2.8 في المائة خلال ما تبقى من عام 2026، مشيرة إلى أن ضغوط الأجور لا تزال معتدلة، وأن معظم مؤشرات توقعات التضخم على المدى الطويل تدور حول مستوى 2 في المائة.

وشددت على ضرورة أن تكون التدابير المالية مؤقتة وموجهة ومصممة وفقاً للظروف، مؤكدة أن الاستقرار المالي العام يمثل ركيزة أساسية.

ويواجه البنك المركزي معادلة دقيقة بين احتواء الضغوط التضخمية الناجمة عن ارتفاع الطاقة وتجنب تشديد إضافي قد يزيد الضغوط على النشاط الاقتصادي، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف الاقتراض وتزايد المخاوف بشأن أوضاع المالية العامة في بعض دول المنطقة.

وأكد البنك أنه سيواصل اتخاذ قراراته بناءً على البيانات الواردة وتقييم توقعات التضخم والمخاطر المحيطة بها، من دون الالتزام مسبقاً بمسار محدد لأسعار الفائدة.


لاغارد تنسحب مبكراً لفتح الطريق أمام اختيار خلفها قبل الانتخابات الفرنسية

لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)
لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

لاغارد تنسحب مبكراً لفتح الطريق أمام اختيار خلفها قبل الانتخابات الفرنسية

لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)
لاغارد تلوّح بيدها لدى مغادرتها عقب مؤتمر صحافي عُقد بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في برلين (أرشيفية - أ.ف.ب)

في توقيت تواجه فيه أوروبا ضغوطاً تضخمية متجددة وتحديات مالية متصاعدة، أعلنت رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد اعتزامها مغادرة منصبها في 7 فبراير (شباط) 2027، قبل نحو تسعة أشهر من انتهاء ولايتها، فاتحةً الباب أمام سباق مبكر على خلافة أحد أكثر المناصب تأثيراً في الاقتصاد العالمي، بالتزامن مع الاستعدادات للانتخابات الرئاسية الفرنسية.

وتغادر لاغارد المنصب فيما يواجه البنك المركزي الأوروبي تحدياً نقدياً معقداً، يتمثل في التعامل مع الضغوط التضخمية المرتبطة بارتفاع أسعار الطاقة في ظل الحرب مع إيران، من دون زيادة الضغوط على اقتصاد يعاني بالفعل من مخاطر ضعف النمو.

وجاء إعلان الاستقالة في يوم أبقى البنك أسعار الفائدة دون تغيير، لكنه حذّر من تصاعد مخاطر التضخم بفعل الارتفاع الحاد في أسعار الطاقة، ما يعزز ترقب الأسواق لاحتمال استئناف رفع الفائدة في ديسمبر (كانون الأول).

ودعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى إعداد انتقال منظم للقيادة، مشيداً بما وصفه بـ«الالتزام الأوروبي» و«العمل الحازم» للاغارد. وقال، في منشور على منصة «إكس»، إن مسيرتها تذكّر بأن الاستقرار «ليس أمراً مضموناً أبداً»، بل يتحقق بالعمل الحازم وخدمة المصلحة العامة والثقة في المستقبل المشترك.

وأضاف ماكرون أن خلافة لاغارد ينبغي أن تُحضّر «بطريقة منظمة ومتوازنة مع شركائنا الأوروبيين»، في إشارة إلى أهمية التنسيق بين الدول الأعضاء في اختيار الرئيس المقبل.

تثبيت الفائدة وتحذير من صدمة الطاقة

وقد أبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير، في خطوة كانت متوقعة على نطاق واسع، لكنه أشار إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة يفاقم مخاطر التضخم ويزيد الضغوط على النمو.

وقال البنك في بيان إن أسعار الطاقة واصلت الارتفاع، «ما يفاقم المخاطر المحيطة بتوقعات التضخم ويدفع بمخاطر النمو نحو الجانب السلبي». وأضاف أن التضخم الأساسي ظل مستقراً إلى حد كبير، وأن الأجور لم تُظهر استجابة ملموسة لارتفاع الأسعار، محذراً من أن اشتداد صدمة الطاقة واستمرارها لفترة أطول قد يرفعان التضخم ويقوضان النمو.

وكان البنك قد رفع الفائدة مرتين خلال العام، في مسعى لمنع انتقال ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب مع إيران إلى موجة تضخمية مستدامة. ومع أن القرار الأخير أبقى السياسة النقدية دون تغيير، فإن مسار الفائدة المقبلة سيظل مرتبطاً بتطور أسعار الطاقة والتضخم ومدى ظهور آثار تضخمية من الجولة الثانية.

وتزداد صعوبة المهمة مع تشدد ظروف التمويل وارتفاع تكاليف الاقتراض الحكومي، خصوصاً في فرنسا. فقد اتسعت الفجوة بين عوائد السندات الفرنسية والألمانية لأجل عشر سنوات إلى نحو 155 نقطة أساس، وسط مخاوف المستثمرين بشأن الدين العام الفرنسي والآفاق المالية للبلاد.

ويؤدي ارتفاع العوائد وتباطؤ الائتمان إلى تشديد الأوضاع المالية حتى من دون رفع جديد للفائدة، لكنه يزيد في الوقت نفسه مخاطر اضطرابات الأسواق وتراجع النشاط الاقتصادي. وقد يضطر البنك إلى مراقبة هذه الضغوط عن كثب، مع احتفاظه بأدوات يمكن استخدامها لمواجهة اضطراب التمويل إذا اقتضت الضرورة.

سباق الخلافة قبل الانتخابات الفرنسية

يمنح رحيل لاغارد المبكر القادة الأوروبيين فرصة اختيار خلفها قبل الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في ربيع 2027، بينما لا يزال ماكرون في منصبه للمشاركة في المشاورات. وتكتسب هذه المسألة أهمية في ظل تقدم اليمين المتطرف في استطلاعات الرأي، وما قد يترتب على الانتخابات من تغييرات في التوازنات السياسية الأوروبية.

ولا تقتصر الاستحقاقات على رئاسة البنك؛ إذ تنتهي ولاية كبير الاقتصاديين فيليب لين في مايو (أيار) 2027، فيما يُنتظر أن تغادر إيزابيل شنابل المجلس التنفيذي في يناير (كانون الثاني) المقبل لتولي منصب في صندوق النقد الدولي.

وتفتح هذه التغييرات المجال أمام مفاوضات أوسع بشأن توزيع المناصب القيادية، مع مراعاة التوازن بين الدول الأعضاء واختلاف توجهاتها حيال السياسة النقدية. وقد تسعى الحكومات إلى تنسيق التعيينات ضمن تسوية واحدة بدلاً من التعامل مع كل منصب على حدة.

ويبرز كلااس نوت، الرئيس السابق للبنك المركزي الهولندي، وبابلو هرنانديز دي كوس، المحافظ السابق لبنك إسبانيا والمدير العام الحالي لبنك التسويات الدولية، ضمن الأسماء المطروحة لخلافة لاغارد. لكن السباق لا يزال مفتوحاً، ومن المتوقع أن يتأثر بالمساومات المتعلقة بالمناصب الأخرى داخل البنك.

لاغارد خلال مؤتمر صحافي بعد اجتماع مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي في دار ضيافة البنك المركزي الألماني

استقلالية البنك في قلب الحسابات

ويكتسب اختيار الرئيس المقبل أهمية تتجاوز تغيير الشخص الذي يتولى المنصب؛ فرئيس البنك المركزي الأوروبي يقود المؤسسة المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة في منطقة اليورو، ويؤدي دوراً محورياً في إدارة الأزمات المالية وحماية استقرار الأسعار.

تأتي عملية الخلافة في وقت تزداد فيه الضغوط على الاقتصاد الأوروبي بفعل ارتفاع تكاليف الطاقة المرتبط بالحرب مع إيران، وتنامي مخاوف التضخم، وارتفاع عوائد السندات الحكومية، ولا سيما في فرنسا، حيث أثارت أوضاع المالية العامة قلق المستثمرين.

وكان البنك قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير في اجتماعه الخميس، في قرار لم يبدّل الموقف النقدي فوراً، لكنه لم ينهِ حالة الترقب بشأن الخطوات المقبلة. وستظل قرارات الفائدة مرتبطة بتطورات التضخم والطاقة والنمو، أياً كان الشخص الذي سيتولى الرئاسة بعد لاغارد.

وتعني هذه المعطيات أن الرئيس الجديد سيواجه اختباراً مبكراً في الحفاظ على استقلالية السياسة النقدية أمام الضغوط السياسية، مع الموازنة بين احتواء التضخم وتجنب تشديد مفرط يزيد الأعباء على الاقتصادات المثقلة بالديون.

إرث لاغارد ومرحلة ما بعد الرحيل

وتولت لاغارد رئاسة البنك المركزي الأوروبي في نوفمبر (تشرين الثاني) 2019، بعد قيادتها صندوق النقد الدولي، وقادت المؤسسة خلال أزمات متلاحقة شملت جائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، والتوترات التجارية والجيوسياسية.

وخلال الجائحة، أطلق البنك برنامجاً طارئاً لشراء السندات بقيمة 1.35 تريليون يورو لدعم الاقتصاد ومنع تشدد الأوضاع المالية. ومنذ ذلك الحين، واجه البنك تحديات متباينة بين دعم النشاط الاقتصادي وكبح التضخم، في ظل اختلاف الأوضاع المالية والاقتصادية بين دول منطقة اليورو.

ولا يُتوقع أن يؤدي تغيير الرئيس وحده إلى تحول فوري في نهج البنك، إذ تُتخذ قرارات السياسة النقدية بصورة جماعية، ويظل مسار الفائدة محكوماً بالبيانات الاقتصادية. لكن التعيين المقبل سيحدد ملامح القيادة في مرحلة قد تتطلب قرارات صعبة بشأن التضخم، والاستقرار المالي، وقدرة البنك على احتواء تداعيات الأزمات من دون المساس باستقلاليته.

وبذلك، لا تمثل استقالة لاغارد مجرد مغادرة مبكرة لمسؤولة أوروبية بارزة، بل بداية معركة على قيادة المؤسسة النقدية، تتداخل فيها حسابات الانتخابات الفرنسية مع توازنات القوى داخل الاتحاد الأوروبي، فيما تترقب الأسواق ما إذا كانت عملية الخلافة ستعزز الثقة في البنك أم تفتح باباً جديداً للجدل بشأن استقلالية قراراته.