السماح بالاستثمار الأجنبي في مكة والمدينة يُنعش أسهم الشركات العقارية

صورة تُظهر فنادق وعقارات في المنطقة المحيطة بالحرم المكي (شركة جبل عمر)
صورة تُظهر فنادق وعقارات في المنطقة المحيطة بالحرم المكي (شركة جبل عمر)
TT

السماح بالاستثمار الأجنبي في مكة والمدينة يُنعش أسهم الشركات العقارية

صورة تُظهر فنادق وعقارات في المنطقة المحيطة بالحرم المكي (شركة جبل عمر)
صورة تُظهر فنادق وعقارات في المنطقة المحيطة بالحرم المكي (شركة جبل عمر)

تفاعلت أسهم الشركات العقارية، التي تملك أصولاً في مكة والمدينة المنوَّرة، إيجاباً مع قرار السماح بالاستثمار الأجنبي في المدن السعودية المقدَّسة.

كما سجّل مؤشر إدارة وتطوير العقارات أعلى مستوياته منذ مايو (أيار) 2018، بعد صعوده بنحو 7 في المائة.

وجاء الارتفاع بالتزامن مع إصدار السعودية، صباح الاثنين، قراراً يتضمن السماح للأجانب بالاستثمار في الشركات المُدرجة بالسوق المالية، التي تمتلك عقارات دائمة أو مؤقتة داخل حدود مدينتيْ مكة المكرمة والمدينة المنورة، ابتداءً من اليوم الاثنين، بعد أن جرى إقرار الضوابط الخاصة باستثناء الشركات المُدرجة بالسوق المالية السعودية من مدلول عبارة «غير السعودي»، وفقاً لنظام تملُّك غير السعوديين للعقار واستثماره، وفق ما أعلنته هيئة السوق المالية.

وصعدت أسهم «جبل عمر»، و«مدينة المعرفة»، و«مكة»، و«طيبة»، بالنسبة القصوى عند 10 في المائة، خلال تداولات يوم الاثنين.

وارتفعت كذلك أسهم «صندوق جدوى ريت الحرمين» 6 في المائة، لتستحوذ هذه الشركات على قائمة الشركات الأعلى ارتفاعاً في السوق، اليوم.

وقال رئيس هيئة السوق المالية السعودية محمد القويز، خلال مؤتمر «مستقبل العقار» في الرياض، إن موضوع السماح للأجانب بالاستثمار في الشركات المُدرجة التي تملك مشاريع بمكة والمدينة يجري العمل عليه منذ نحو ثلاث سنوات، و«الحقيقة أنه تأخر هذا القرار كثيراً، وجاء التأخير لأن هناك نظاماً متوازياً يتعلق بتملك الأجانب في المملكة عموماً، وكان وجوده يؤخر إصدار الضوابط».

وتابع: «لفترة طويلة أجّلنا إصدار هذه التنظيمات، حتى نتأكد من عدم وجود تعارض بينها وبين هذا النظام... وقد تفعّل قرار السماح للمستثمرين الأجانب بالمساهمة في الشركات المُدرجة التي تملك مشاريع بمكة والمدينة، بدءاً من صباح يوم الاثنين».

وتراجع مؤشر السوق السعودية، خلال الجلسة، بنسبة 0.1 في المائة ليغلق عند 12373 نقطة، بتداولات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 7.2 مليار ريال.


مقالات ذات صلة

«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

الاقتصاد مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)

«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

أنهى مؤشر «السوق الرئيسية السعودية (تاسي)» جلسة الاثنين على ارتفاع بنسبة 0.8 في المائة، مسجلاً أعلى إغلاق منذ شهر ونصف، بدعم من ارتفاع الأسهم القيادية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد مستثمر يراقب تحركات الأسهم في سوق قطر (رويترز)

تراجع أسواق الخليج مع تصاعد التوترات الإقليمية... والسعودية تخالف الاتجاه وترتفع

تراجعت معظم أسواق الأسهم الخليجية في بداية تعاملات يوم الاثنين، في ظل تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، عقب هجمات شنَّها الحوثيون في اليمن على إسرائيل

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد أحد المشروعات التي نفَّذتها شركة «الرمز» في السعودية (الشركة)

أرباح «الرمز للعقارات» السعودية ترتفع بنسبة 77.3 % إلى 74.8 مليون دولار خلال 2025

ارتفعت أرباح شركة «الرمز للعقارات» بنسبة 77.33 في المائة بنهاية عام 2025، مُحقِّقة 280.9 مليون ريال، وأقرَّت توزيعات بواقع 1.75 ريال للسهم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد زيت ونماذج مصغرة لبراميل زيت ومضخة زيت وورقة نقدية من فئة الدولار (رويترز)

ارتباك وحذر في الأسواق العالمية بعد «مناورة» ترمب ونفي طهران

شهدت الأسواق العالمية، يوم الثلاثاء، حالة من الارتباك والحذر، عقب قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأجيل قصف شبكة الكهرباء الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد يراقب متداولو العملات شاشات بالقرب من شاشة تعرض مؤشر أسعار الأسهم الكوري المركب (كوسبي) في سيول (أ.ب)

الأسواق الآسيوية تقلص مكاسبها المبكرة وسط تذبذب النفط والنفي الإيراني

قلّصت الأسهم في الأسواق الناشئة بآسيا مكاسبها المبكرة خلال تعاملات، الثلاثاء، حيث سيطر القلق على المستثمرين بشأن التداعيات الاقتصادية لصدمة الطاقة.

«الشرق الأوسط» (سيول)

الدردري لـ«الشرق الأوسط»: تصعيد الحرب يضع اقتصاد المنطقة أمام «متوالية هندسية» من الخسائر

الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)
الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)
TT

الدردري لـ«الشرق الأوسط»: تصعيد الحرب يضع اقتصاد المنطقة أمام «متوالية هندسية» من الخسائر

الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)
الأمين العام المساعد للأمم المتحدة مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي للدول العربية د. عبد الله الدردري (تركي العقيلي)

مع إطلاق تقرير خاص لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي حول التداعيات الاقتصادية للتصعيد في المنطقة، تحدث مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية، عبد الله الدردري، لـ«الشرق الأوسط» عن ملامح «الصدمة الاقتصادية المتسارعة»، وانعكاساتها على أسواق الطاقة، والنمو، والفقر، في مؤشر غير مسبوق على الآثار الاقتصادية للحرب، محذراً من أن نحو 4 ملايين شخص مهددون بالانزلاق إلى الفقر. واستعرض الدردري أبرز السيناريوهات المحتملة، في ظل استمرار الاضطرابات، ومحذراً من تضاعف الخسائر بوتيرة هندسية، ومشيراً إلى تحولات مرتقبة في خريطة الطاقة، وسلاسل التوريد، والإمداد، إضافة إلى تحديات إعادة الإعمار، والنماذج التنموية في المنطقة.

نماذج محاكاة

قال الدردري: «أحدثت التطورات الأخيرة صدمة اقتصادية حادة، ومفاجئة، مع مؤشرات متسارعة على اتساع نطاق الخسائر خلال فترة زمنية قصيرة. وتشير التقديرات إلى أن الأرقام المتداولة حتى الآن تبقى مبنية على نماذج محاكاة، نظراً لعدم كفاية الفترة الزمنية لقياس التداعيات الفعلية بدقة».

وتعتمد المنهجية على نماذج تم استخدامها في أزمات سابقة، من بينها تقارير تناولت غزة، ولبنان، حيث أثبتت دقة عالية، واقتراباً كبيراً من النتائج الفعلية التي يتم قياسها لاحقاً. كذلك يركز التقرير على الاتجاهات العامة بدلاً من الأرقام التفصيلية الدقيقة، بهدف فهم المسار العام للتأثيرات الاقتصادية، لا سيما على الناتج المحلي الإجمالي.

خريطة تُظهر مضيق هرمز وخط أنابيب نفط مطبوع بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد (رويترز)

خسائر مرشحة للتصاعد

وبحسب الدردري، فإن السيناريوهات المعتمدة تشير إلى تأثيرات واسعة تشمل تراجع التجارة، واضطراب تجارة المشتقات النفطية، وتدهور البيئة الاستثمارية، إلى جانب ضغوط متزايدة على المالية العامة للدول. وقد جُمعت هذه العوامل ضمن نموذج تحليلي موحد أفضى إلى تلك النتائج الأولية التي ضمها التقرير.

وقال: «اليوم بعد 4 أسابيع (من الحرب) تبين أن الأثر كبير جداً. هناك إغلاق لمضيق هرمز، وصادرات النفط تأثرت بشكل كبير للغاية، وبالتالي نذهب إلى السيناريو الأقصى، وهو التأثر الشديد لتجارة الطاقة، كما يوجد تأثر شديد لعوامل الإنتاج، لأن كل مدخلات الإنتاج تعرضت لهزة كبيرة، بالإضافة إلى الضرر الكبير للبنى التحتية للإنتاج في منطقتنا... بالتالي النتيجة المتوقعة هي أقرب إلى 194 مليار دولار منها إلى 120 مليار دولار».

وفي شرح لكيفية وضع سيناريوهات التقرير، يقول الدردري إنه وُضع «على أساس شهر واحد من القتال»، محذراً من أنه إذا «استمر القتال لأسبوع إضافي فإن الخسائر لن تكون حسابية، وإنما على شكل متوالية هندسية. وبالتالي فإن هذه العناصر أشارت إلى أن الخسائر في إجمالي الناتج المحلي في الخليج هي الأعلى بسبب تأثر قطاع النفط والطاقة، إلا أن الأثر على الفقر هو الأعلى في منطقة المشرق العربي، لأنها دول حساسة جداً حيال ارتفاع أسعار الطاقة التي تؤثر بشكل مباشر على ارتفاع أسعار الغذاء».

كذلك حذر الدردري من أن «عدد الفقراء سيزداد بنحو 4 ملايين شخص في منطقتنا بشهر واحد!! وهو عدد يستغرق عادة سنوات عديدة من التدهور الاقتصادي، وليس شهراً واحداً».

مساعد الأمين العام للأمم المتحدة، ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية، عبد الله الدردري (أ.ف.ب)

خريطة جديدة للطاقة

لدى سؤاله عما إذا كانت تُرسم خرائط جديدة للطاقة وتوريدها في المنطقة، قال الدردري: «تصورنا للموضوع أن الدول الآن تتعامل مع الصدمة لمعالجة الأضرار، وتأمين خطوط إمداد بديلة. مثلاً نرى أن السعودية تعتمد أكثر على أنبوب النفط الذي يصب في ينبع في البحر الأحمر، وهناك محادثات جدية بين العراق وسوريا لتمرير كميات عبر البر من النفط الخام، والمشتقات النفطية. وبالتالي بدأ العمل جدياً على إيجاد بدائل، وسلاسل توريد أقوى، وأكثر تنوعاً، وبدأنا بالبرنامج التفكير في مساعدة الدول على إيجاد تشابكات إقليمية، وترابطات إقليمية، والتفكير في طرق النقل البري، والتجارة، وغيرها لتسهيل توفير بدائل فعلية».

سوريا بديلاً عن هرمز!

وفي سياق البحث عن بدائل، وعطفاً على كلام للمبعوث الأميركي إلى سوريا توم براك حول إمكانية الاستعاضة عن مضيق هرمز بالعبور عبر سوريا، قال الدردري: «هذا هو الدور التاريخي لسوريا. إنها نقطة وصل بين مسارات تجارية واقتصادية مختلفة، ومن هنا نهضت مدن كثيرة، مثل تدمر، وحلب، وغيرهما. وبالفعل بين العامين 2007 و2008 بدأت سوريا التفكير جدياً باستراتيجية (البحار الخمسة) لربط بحر قزوين بالبحرين الأسود، والأحمر، والخليج العربي، والبحر المتوسط بشبكة معقدة من أنابيب النفط والغاز، والسكك الحديدية، والطرقات السريعة، وشبكات الربط الكهربائي، إضافة إلى مدن صناعية، ولوجيستية عبر المنطقة. وفي ذلك الحين، تمت دراسة هذا الموضوع، ووضعت له مخططات أولية».

ولفت الدردري إلى أنه كانت هناك «خطة وطنية تنموية كاملة هي الخطة الخمسية العاشرة، وارتبطت بالربط الإقليمي، كما كانت هناك قدرات مؤسساتية، وأطر قانونية أنضج نسبياً مما هو عليه الحال الآن».

وإذ أثنى على «الجهود الكبيرة المبذولة حالياً لتطوير المؤسسات»، اعتبر أن هناك أطراً تنظيمية، وتشريعية، وقانونية للاستثمار العابر للحدود -ناهيك عن الاستثمار الوطني-، وهي لم تنضج بعد.

وقال: «نحن كبرنامج إنمائي نريد أن نساعد سوريا وبلدان المنطقة كي تتمكن من بناء القدرات الفنية، والقانونية، والتشريعية التي تمكنها من الإقدام على هذه الخطوة إذا قررت طبعاً، لأن هذا القرار وطني بالدرجة الأولى».

فرصة هائلة لاستعادة الدور

رغم الصورة القاتمة التي يرسمها التقرير، فإن الدردري اعتبر أن هناك الآن فرصة هائلة لسوريا، والأردن، ولبنان، لبناء تجمع شبه إقليمي، لتستعيد هذه الدول دورها التاريخي، فتوفر ربطاً لدول الخليج العربي مع تركيا، وأوروبا عبر توفير بدائل لسلاسل التوريد.

ولكنه أشار في المقابل إلى أن ذلك ليس بالأمر اليسير، أو العوائق ذات جوانب تقنية بحتة، وإنما ذلك يستدعي بناء مقدرات مؤسساتية في التخطيط، والمراقبة، والإشراف، والرصد، وإقرار النظام المالي، والمصرفي، وبناء القدرات الفنية، وقدرات الوزارات المتعددة المعنية بمشاريع من هذا الحجم، والعابرة للقطاعات، والسياسات العامة، والتشبيك بين دول الجوار، وأن الأساس في ذلك هو ما يسمى «التلاقي التنظيمي»، معرباً عن استعداد البرنامج الأممي لمساعدة الدول في هذه المسائل.

سفينة شحن في الخليج العربي، قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

تقييم الخيارات الاستراتيجية

تحدث التقرير عن ضرورة إعادة تقييم الخيارات الاستراتيجية للبلدان المعنية، وهو ما أوضحه الدردري أن المقصود هو «النموذج التنموي المعتمد». وقال: «مثلاً في البلدان النفطية السؤال هو إذا كنا نعتمد على مضيق هرمز لتصدير 90 في المائة من نفطنا وغازنا، فلماذا لم نفكر في بدائل؟ خصوصاً أن التوتر قائم في المنطقة منذ 45 سنة، وليس جديداً. أحداث من هذا النوع تدفع إلى إعادة التفكير». وأضاف: «نحن بحاجة لنموذج تنموي مختلف يعتمد على تنويع الاقتصاد، وتنويع اليد العاملة، والتشبيك، والتكامل الإقليمي، والدولي مع أطراف مختلفة في الاقتصاد العالمي». وكشف الدردري أن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي عمل على إعداد الاستراتيجية في دول الخليج، والآن يعيد إعدادها من منظور التنمية بالبحث عن بدائل.

وقال: «النموذج السابق أنجز مستويات فقر منخفضة جداً، وتنمية بشرية عالية، ونمواً اقتصادياً عالياً، ولكنه أظهر هشاشة في التعامل مع الصدمات. نحن اليوم أمام واقع أكثر تعقيداً، ومرشح لمزيد من الصدمات، وبالتالي مطلوب منا تطوير أدوات أكثر فاعلية، ومرونة».

وأوضح الدردري أن هذا لا يعني بطبيعة الحال «التخلي عن الخطط والرؤى التي وُضعت، وهي ممتازة، لأنها تضع البلدان على سكة مستقبلية واضحة، ولكن خلاصة القول: إن هذه الأهداف نفسها يمكن بلوغها بطرق مختلفة، وأكثر نجاعة بعد الأحداث الأخيرة».

تغيير نموذج «إعادة الإعمار»

وفي قراءته لتحديات التعافي في غزة وسوريا ولبنان، شدد الدردري على أن دول المنطقة باتت تدرك واقعاً جديداً يتمثل في غياب «تدفق المليارات» التقليدية لإعادة الإعمار، ما يضع المسؤولية الأولى على عاتق الحكومات المحلية التي تواجه معضلة اتساع رقعة الفقر. وتساءل الدردري: «هل سنبقى رهن الاعتماد على دول الخليج في تمويل إعادة الإعمار، أم أن الوقت حان لابتكار حلول تنموية إبداعية تضمن التعافي المستدام؟».

وأوضح الدردري أن رؤية البرنامج الإنمائي —الذي يعمل في 177 دولة— لا تهدف إلى التدخل في القرارات السيادية، بل تقديم استشارات مبنية على تجارب عالمية، مؤكداً أن المخرج يكمن في التركيز على القطاع الزراعي وتطوير سلاسل القيمة المحلية، إضافة إلى إطلاق برامج للسكن الشعبي منخفض التكلفة.

وشدد أخيراً على أن دعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة يمثل «البديل الدائم» لقدرتها على الصمود في أصعب الظروف، معتبراً أن تعزيز الخدمات الأساسية كالتعليم والصحة ليس مجرد إجراء اقتصادي، بل هو الركيزة الأساسية لبناء «عقد اجتماعي جديد» وترسيخ استقرار المؤسسات في المنطقة.


البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
TT

البنوك المركزية العالمية تُسيّل حيازاتها من السندات الأميركية لمواجهة تداعيات حرب إيران

باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)
باع البنك المركزي التركي سندات حكومية أجنبية بقيمة 22 مليار دولار من احتياطياته من العملات الأجنبية منذ 27 فبراير (رويترز)

خفّضت البنوك المركزية الأجنبية حيازاتها من سندات الخزانة الأميركية المودعة لدى بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك إلى أدنى مستوى لها منذ عام 2012، وفق ما كشفت عنه صحيفة «فاينانشال تايمز». وتأتي هذه الخطوة في إطار سعي الدول لبيع هذه الأصول السيادية لدعم اقتصاداتها وحماية عملاتها المحلية من الانهيار في أعقاب اندلاع الحرب على إيران.

وأظهرت بيانات «الاحتياطي الفيدرالي» أن قيمة السندات التي تحتفظ بها المؤسسات الرسمية الدولية -وهي مجموعة تضم بشكل أساسي البنوك المركزية والحكومات- تراجعت بمقدار 82 مليار دولار منذ 25 فبراير (شباط) الماضي، لتستقر عند 2.7 تريليون دولار. ويعكس هذا التراجع الحاد، الذي حدث خلال شهر واحد فقط منذ بدء الحرب، حجم الاضطراب الذي أصاب الموارد المالية للدول المعتمدة على استيراد النفط، نتيجة لقفزة أسعار الطاقة التي أشعلها إغلاق إيران مضيق هرمز الحيوي.

فاتورة الطاقة والتدخل في العملات

أدى الارتفاع الكبير في أسعار النفط وصعود الدولار على نطاق واسع إلى وضع البنوك المركزية أمام خيار وحيد: التدخل في أسواق الصرف الأجنبي لدعم عملاتها، وهي عملية تتطلّب عادةً تسييل السندات الأميركية للحصول على السيولة الدولارية. وقالت استراتيجية الأسعار الأميركية في «بنك أوف أميركا»، ميغان سويبر: «القطاع الرسمي الأجنبي يبيع سندات الخزانة بشكل مكثف».

من جانبه، أوضح الزميل البارز في مجلس العلاقات الخارجية، براد سيتسر، أن مستوردي النفط مثل تركيا والهند وتايلاند هم على الأرجح في طليعة البائعين، حيث يضطرون إلى دفع مبالغ أكبر مقابل النفط المقوم بالدولار. وتُظهر البيانات الرسمية أن البنك المركزي التركي وحده باع 22 مليار دولار من الأوراق المالية الحكومية الأجنبية من احتياطياته منذ 27 فبراير، وهو اليوم الذي سبق الهجمات على إيران، ويُعتقد أن جزءاً كبيراً من هذه المبيعات كان من سندات الخزانة الأميركية.

تحصين «خزائن الحرب»

يرى محللون أن هذه الدول لا ترغب في رؤية عملاتها تضعف أكثر، لأن ذلك يرفع السعر المحلي للنفط، مما يفرض إما زيادة الدعم الحكومي وإما إلحاق ضرر بالغ بالأسر. وفي هذا السياق، رأى كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «آيغون» لإدارة الأصول، ستيفن جونز، أن البيانات تشير إلى قيام الجهات الرسمية الأجنبية بـ«تحصين خزائن الحرب» من خلال تسييل السندات للحصول على نقد عاجل لمواجهة التقلبات.

وعلى الرغم من أن بعض المحللين أشاروا إلى أن هذه الحيازات قد تكون انتقلت إلى وسطاء آخرين خارج «فيدرالي نيويورك»، فإن ميغان سويبر أكدت أن حجم المبيعات المسجل يظل لافتاً، خصوصاً أن سوق سندات الخزانة تضاعف ثلاث مرات منذ عام 2012، وهو العام الذي شهد آخر مرة مستويات مماثلة من البيع.

ضغوط إضافية على السوق الأميركية

تأتي مبيعات البنوك المركزية في وقت حساس تعاني فيه سوق السندات الأميركية أصلاً من ضغوط بيعية، حيث يتخوّف المتداولون من أن يؤدي صراع الشرق الأوسط إلى تأجيج التضخم عالمياً. وقد دفع هذا الضغط العوائد على السندات لأجل عامين و10 أعوام إلى الارتفاع خلال هذا الشهر بأكبر وتيرة لها منذ عام 2024، مما رفع تكاليف الاقتراض ليس فقط للحكومة الأميركية، بل للشركات والأسر أيضاً.

وتختتم «فاينانشال تايمز» تقريرها بالإشارة إلى أن هذه الحركة تعكس قصة أكبر بدأت تتشكل في السنوات الأخيرة، وهي سعي مديري الاحتياطيات الأجنبية والحسابات الرسمية إلى تنويع أصولهم بعيداً عن سندات الخزانة الأميركية، مما يجعل المستثمرين القطاع الخاص الأجنبي يلعب دوراً متزايد الأهمية في هذه السوق التي تعد الأكبر والأعمق في العالم بقيمة 30 تريليون دولار.


«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
TT

«الأمم المتحدة»: الصراع قد يُكبِّد المنطقة العربية خسائر تصل إلى 194 مليار دولار

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)
سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (أرشيفية - رويترز)

في تقييم هو الأكثر قتامة منذ اندلاع المواجهات العسكرية في المنطقة، حذَّر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي من أن التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، الذي يدخل أسبوعه الخامس، يضع المسار التنموي للمنطقة العربية في مواجهة مخاطر غير مسبوقة. فبحسب تقديرات حديثة صادرة عن البرنامج، لن تقتصر التداعيات العسكرية على مناطق النزاع المباشر، بل ستمتد لتمحو مكاسب تنموية تحققت بشق الأنفس، مهددة بابتلاع إجمالي النمو الذي حققته المنطقة في عام 2025 بالكامل. وتُشير هذه التقديرات إلى أن التصعيد قد يُكبّد اقتصادات المنطقة العربية خسائر هائلة تتراوح قيمتها بين 120 مليار دولار و194 ملياراً، ما يعادل خسارة بنسبة 3.7 في المائة إلى 6.0 في المائة من إجمالي ناتجها المحلي الجماعي.

هذا النزيف المالي يصاحبه ارتفاع حاد في معدلات البطالة يناهز 4 نقاط مئوية، ما يترجم فعلياً إلى فقدان 3.6 مليون وظيفة؛ وهو عدد يفوق إجمالي الوظائف التي استحدثتها المنطقة العربية خلال عام 2025 بأكمله.

وكشف تقييم برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بعنوان «التصعيد العسكري في الشرق الأوسط: التداعيات الاقتصادية والاجتماعية على المنطقة العربية»، عن واقع مقلق لنقاط الضعف الهيكلية التي تتسم بها المنطقة؛ حيث إن تصعيداً عسكرياً قصير الأمد يمكن أن يُحدث تداعيات اجتماعية واقتصادية عميقة وواسعة النطاق، قد يستمر تأثيرها على المدى الطويل.

عائلة تجلس أمام حوض بناء السفن في خورفكان بإمارة الشارقة قبالة ساحل خليج عُمان (أ.ف.ب)

شرايين الطاقة المختنقة

يحلل التقييم الفني أثر النزاع العسكري على حركة الملاحة الإقليمية، معتبراً أن اضطراب الممرات البحرية الحيوية يمثل «قناة الانتقال الرئيسية» للأزمة الاقتصادية. ويأتي مضيق هرمز كأبرز نقاط الاختناق، حيث يشير التقرير إلى أن المضيق - الذي يعبر من خلاله 20 في المائة من إمدادات النفط والغاز العالمية - قد دخل حالة «إغلاق فعلي»، مما خلق صدمة هيكلية عطلت تدفقات الطاقة والسلع الأساسية، ودفع أسعار النفط لقفزات قياسية غير مسبوقة منذ عقود.

ووفقاً لنماذج المحاكاة التي اعتمدها التقرير في سيناريو «الاضطراب الشديد المصحوب بصدمة الطاقة»، فإن استمرار إغلاق أو تعثر هذه الممرات المائية الحيوية سيؤدي إلى قفزة جنونية في التكاليف التجارية تصل إلى 100 ضعف. هذا الشلل اللوجيستي أجبر الموردين على إعادة توجيه مسارات الشحن بعيداً عن مناطق النزاع، مما أدَّى لتقليص هوامش الربح في القطاعات الإنتاجية.

وحذَّر البرنامج من أنَّ هذا التعطُّل بات يهدد بشكل مباشر الأمن الغذائي الإقليمي وسلاسل إمداد الأدوية، خاصة في الدول التي تعتمد كلياً على الاستيراد عبر هذه الممرات المضطربة.

مبنى تضرر جراء هجوم بطائرة إيرانية مسيَّرة في المنامة البحرين (رويترز)

الخليج ومنطقة المشرق في مواجهة الصدمة

تُبرز النتائج أن التداعيات ليست متجانسة، بل تتفاوت بشكل ملحوظ عبر أرجاء المنطقة نظراً للخصائص الهيكلية التي تتسم بها مناطقها الفرعية الرئيسية. وتشير التقديرات إلى أن أكبر الخسائر على مستوى الاقتصاد الكلي تتركز في منطقتي مجلس التعاون الخليجي ومنطقة المشرق.

وفيما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، تشير محاكاة السيناريوهات الأكثر حدة إلى احتمال فقدان ما بين 5.2 في المائة إلى 8.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وبناءً على هذه النماذج التقديرية، حذَّر التقرير من خطر فقدان ما يصل إلى 3.1 مليون وظيفة، بسبب توقف الإنتاجية في حال استمرار التصعيد العسكري.

أما في منطقة المشرق (لبنان، والأردن، والعراق، وسوريا)، فإن الأثر يتجاوز الأرقام ليصبح كارثة إنسانية بامتياز. إذ أشار التقييم إلى أن هذه المنطقة هي بؤرة الفقر الجديدة، حيث سيُدفع ما بين 2.85 و3.30 مليون شخص إضافي إلى دائرة الفقر، وهو ما يمثل أكثر من 75 في المائة من إجمالي الزيادة في الفقر على مستوى المنطقة العربية ككل.

وفي لبنان، يحذِّر برنامج الأمم المتحدة في تقييمه من «انهيار صامت» يطال اللاجئين والنازحين مع انقطاع سلاسل الإغاثة، وتزايد الضغوط على قطاعات التعليم والصحة التي باتت عاجزة عن تقديم الحد الأدنى من الخدمات.

متطوعون في مبادرة «مطبخ الطوارئ» يعدون وجبات طعام للنازحين في لبنان (أ.ف.ب)

العودة إلى الوراء

على امتداد المنطقة، يُتوقع أن يتراجع مستوى التنمية البشرية - كما يقيسه مؤشر التنمية البشرية - بنسبة تتراوح تقريباً بين 0.2 و0.4 في المائة، وهو ما يعادل انتكاسة تعادل نحو نصف عام إلى عام كامل تقريباً من التقدم المحرز في مجال التنمية البشرية.

مخاطر الاستقرار النقدي

حذَّر التقييم الفني من أن استمرار الأزمة يضع الاستقرار النقدي في المنطقة العربية على المحك. وأشار إلى أن الضغوط المتزايدة على العملات المحلية في دول المشرق وشمال أفريقيا قد تضطر المصارف المركزية - في حال تفاقم التضخم المستورد - إلى اللجوء لخيارات صعبة، منها رفع أسعار الفائدة. وينبه إلى أن هذا المسار، رغم كونه أداة لمواجهة التضخم، سيزيد من أعباء خدمة الديون السيادية، مما قد يقلِّص مستقبلاً قدرة الحكومات على تمويل الخدمات العامة الأساسية والبرامج التنموية.

نزيف الأجواء

سجَّل التقييم اضطراباً حادَّاً في قطاع الطيران المدني واللوجيستيات الجوية، حيث أدَّى إغلاق بعض الأجواء وتحويل مسارات الرحلات بعيداً عن مناطق النزاع إلى قفزة في تكاليف التشغيل. وأكَّد التقرير أن هذه التعقيدات تسببت في نزيف حاد لقطاع السياحة الإقليمي، الذي يمثل ركيزة أساسية لتنويع الدخل في دول مثل الأردن ومصر ودول الخليج، مما يهدِّد بفقدان آلاف الوظائف في هذا القطاع الحيوي.

كرسي فارغ بجوار لوحة مغادرة تُظهر إلغاء رحلة تابعة للخطوط الجوية الكويتية (رويترز)

ضرورة تغيير السياسات الاستراتيجية

وفي تقديمه للتقييم، قال الأمين العام المساعد للأمم المتحدة ومدير المكتب الإقليمي للدول العربية في برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عبد الله الدردري: «هذه الأزمة تدق أجراس الإنذار لدول المنطقة لكي تعيد تقييم خياراتها الاستراتيجية المتعلقة بالسياسات المالية والقطاعية والاجتماعية بشكل جذري؛ إذ تُمثّل نقطة تحولٍ مهمة في المسار التنموي للمنطقة». وأضاف: «تُبرز النتائج التي توصلنا إليها الحاجة المُلحة إلى تعزيز التعاون الإقليمي لتنويع الاقتصادات - بما يتجاوز الاعتماد على النمو القائم على إنتاج المحروقات - وكذلك توسيع القواعد الإنتاجية، وتأمين النظم التجارية واللوجيستية، وتوسيع نطاق الشراكات الاقتصادية، وذلك للحد من التعرض للصدمات والنزاعات».