«حراس السندات»... القوة الخفية التي تهدد خطط ترمب الاقتصادية

ديون الولايات المتحدة تحت المجهر: هل يكرر التاريخ نفسه؟

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

«حراس السندات»... القوة الخفية التي تهدد خطط ترمب الاقتصادية

متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداولون يعملون في قاعة بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

مع مساهمة الأسواق في توجيه قرارات السياسة، أصبح «حراس السندات» بمثابة القوة الخفية التي تحدد مصير الرؤساء؛ فمنذ عهد كلينتون وصولاً إلى ترمب، تتكرر المواجهات مع ديون متزايدة ومخاطر اقتصادية تهدد الاستقرار المالي.

عندما بدأ بيل كلينتون ولايته الأولى رئيساً في عام 1993، وجد نفسه أمام تحدٍ غير متوقَّع لسلطته: متداولي السندات؛ فقد ساهمت السياسات المالية السابقة، مثل الضرائب المنخفضة والإنفاق الدفاعي المرتفع، في تضاعف ديون الولايات المتحدة كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي، ما جعل «حراس السندات» (الذين يُعرفون بمراقبتهم المشددة للإنفاق الحكومي) هدفاً محتملاً للإدارة الديمقراطية الجديدة.

وكان القلق سائداً بين مستشاري كلينتون من أن هجوماً على سندات الخزانة الأميركية قد يؤدي إلى رفع حاد في تكاليف الاقتراض، مما يضر بالنمو الاقتصادي ويهدد الاستقرار المالي. وكان كلينتون، الذي شعر بالإحباط، مُضطرّاً لاتخاذ قرار غير شعبي بزيادة الضرائب وقطع الإنفاق بهدف تحقيق التوازن في الموازنة، وفق «رويترز».

وقد أشار آلان بليندر، أحد أبرز مستشاري كلينتون الاقتصاديين نائب رئيس الاحتياطي الفيدرالي لاحقاً، إلى أن كلينتون كان غاضباً جداً من فكرة أنه فاز في الانتخابات بهامش جيد، فقط ليجد نفسه خاضعاً لضغوط مجموعة من متداولي السندات. وأضاف بليندر: «كان كثيرون منا يتساءلون عما إذا كان (حراس السندات) سيعودون لفصل ثانٍ».

ومع تولي دونالد ترمب منصب الرئيس في 20 يناير (كانون الثاني)، عادت المخاوف بشأن «حراس السندات» في الولايات المتحدة، بحسب العديد من الخبراء في السوق. وقالوا إن المؤشرات الاقتصادية الحالية تبدو أكثر إثارة للقلق؛ فبينما تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في الولايات المتحدة نحو 100 في المائة (ضعف ما كانت عليه في عهد كلينتون)، فإنه من المتوقَّع أن يتجاوز الدين الأميركي الأرقام القياسية التي سُجِّلت بعد الحرب العالمية الثانية بحلول عام 2027.

كما ارتفعت عوائد السندات الأميركية، التي تتحرك عكسياً مع أسعار السندات؛ حيث ارتفع عائد السندات الأميركية لأجل 10 سنوات أكثر من نقطة مئوية منذ أدنى مستوى له في سبتمبر (أيلول)، وهو ما يُعدّ زيادة كبيرة حتى بالنسبة للمقاييس التي عادة ما تكون حساسة للتغيرات الصغيرة.

ومثلما حدث مع كلينتون، يواجه ترمب الآن احتمال أن يصبح «حراس السندات» قوة رادعة على أجندته السياسية، وفقاً لعدد من صُنَّاع السياسات السابقين في الولايات المتحدة ودول أخرى واجهوا اضطرابات في أسواق السندات خلال فترة خدمتهم. وفي هذا السياق، أجرت «رويترز» مقابلات مع نحو 20 من صناع السياسات والاقتصاديين والمستثمرين (بمن فيهم مستشارو ترمب، ورئيس وزراء إيطالي سابق، ووزراء مالية سابقون من اليونان وبريطانيا)، وقامت بمراجعة فترات الاضطرابات في أسواق السندات منذ الثمانينات لتقييم خطر حدوث اضطراب جديد بعد تولي ترمب منصبه.

وأظهرت المراجعة أن العديد من المؤشرات التي يراقبها متداولو السندات الآن تشير إلى علامات حمراء؛ فقد زاد الدين الفيدرالي الأميركي إلى أكثر من 28 تريليون دولار، مقارنة بما كان عليه عند تولي ترمب منصبه في 2017 (أقل من 20 تريليون دولار). كما أن الدين يتزايد في دول أخرى، ومن المتوقَّع أن يتجاوز إجمالي الدين العام العالمي 100 تريليون دولار لأول مرة في 2024، مما يزيد القلق بين المستثمرين.

وقال مات إيغن، مدير المحفظة في «لوميس سايلس»، وهي شركة لإدارة الأموال بقيمة 389 مليار دولار: «هناك خطر من أن يتصاعد تأثير (حرَّاس السندات)». وأضاف: «السؤال الذي لا يمكن الإجابة عنه هو: متى سيحدث ذلك؟».

وعلى الرغم من هذه المخاوف، يعتقد الخبراء أن ترمب يمتلك بعض الوقت بفضل وضع الدولار كعملة احتياطية عالمية وقدرة «الاحتياطي الفيدرالي» على التدخُّل في الأسواق أثناء الأزمات؛ ما يعني أن هناك دائماً مشترين لديون الولايات المتحدة. ومع ذلك، فإن دولاً أخرى قد تكون أكثر عُرضة للخطر، جزئياً بسبب المخاوف من أن سياسات ترمب التجارية قد تؤثر سلباً على نموها.

وأظهر تحليل «رويترز» للأزمات السابقة أنه من الصعب التنبؤ بما قد يؤدي إلى انهيار في سوق السندات. ويكمن جزء من المشكلة في أن إشارات السوق قابلة للتفسير بطرق متعددة. لكن بمجرد أن يبدأ الذعر قد تتدهور الأوضاع بسرعة، وغالباً ما يتطلب الأمر تدخلاً حكومياً ضخماً لإعادة الاستقرار.

وقال روبرت روبين، وزير الخزانة في عهد كلينتون رئيس سابق لمجموعة «غولدمان ساكس»: «يمكن أن تجعل سوق السندات الأمور صعبة جداً على ترمب، إذا أدى ارتفاع حاد في أسعار الفائدة إلى ركود أو أزمة مالية». وأضاف: «يمكن أن تستمر الأوضاع غير السليمة لفترة طويلة قبل أن يتم تصحيحها، بسرعة وبقسوة. أما متى قد تحدث نقطة التحول؟ فلا أحد يملك فكرة واضحة».


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب تستأنف على قرار وقف بناء قاعة احتفالات في البيت الأبيض

الولايات المتحدة​ رافعة في موقع أعمال البناء الخاصة بقاعة الاحتفالات في البيت الأبيض (إ.ب.أ) p-circle

إدارة ترمب تستأنف على قرار وقف بناء قاعة احتفالات في البيت الأبيض

استأنفت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب على قرار محكمة يقضي بتعليق أعمال البناء في قاعة احتفالات بالبيت الأبيض، متذرعة بأن ذلك يشكل مخاطر أمنية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية رجال الإنقاذ في موقع غارة استهدفت العاصمة الإيرانية طهران (رويترز) p-circle

القيادة الإيرانية ترفض الإنذار الجديد لترمب

رفضت القيادة العسكرية المركزية الإيرانية، السبت، تهديد الرئيس الأميركي بتدمير البنى التحتية الحيوية للبلاد إذا لم تبرم اتفاقاً يضع حداً للحرب خلال 48 ساعة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الولايات المتحدة​ الرئيس دونالد ترمب والمدعية العامة بام بوندي خلال فعالية في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض يوم 15 أكتوبر2025 في واشنطن (أ.ب)

هل تعكس تعيينات ترمب في إدارته معايير مزدوجة بين الجنسين؟

أثارت إقالة الرئيس الأميركي دونالد ترمب المدعية العامة بام بوندي، يوم الخميس، موجة جديدة من الاتهامات بأن إدارته تطبق معايير مزدوجة تجاه النساء.

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ مصلون مسيحيون يسيرون بالقرب من كنيسة القيامة المغلقة بعد إلغاء موكب «أحد الشعانين» التقليدي من جبل الزيتون في البلدة القديمة بالقدس (رويترز)

المواجهة بين واشنطن والفاتيكان إلى تصعيد

موعظة البابا خلال قداس عيد الشعانين شكّلت انتقاداً واضحاً للصلاة التي قام بها عدد من المبشّرين الإنجيليين من أجل الرئيس الأميركي في المكتب البيضاوي.

شوقي الريس (روما)
الولايات المتحدة​ عناصر الإنقاذ المظلي التابعون لسلاح الجو الأميركي بالإضافة إلى شخص يُحاكي عملية «النجاة» يراقبون هبوط مروحية بوصف ذلك جزءاً من عملية تدريبية للجيش (أرشيفية - سلاح الجو الأميركي)

كيف تستعيد القوات الأميركية طياريها من قلب مناطق القتال؟

كيف تقوم القوات الأميركية بعمليات البحث والإنقاذ لطاقم طائرة مقاتلة سقطت؟

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

سلوفاكيا تدعو الاتحاد الأوروبي لرفع العقوبات عن النفط والغاز الروسيين

منشأة معالجة الغازين «الطبيعي» و«النفطي» المصاحب بحقل ياراكتا في إيركوتسك بروسيا (رويترز)
منشأة معالجة الغازين «الطبيعي» و«النفطي» المصاحب بحقل ياراكتا في إيركوتسك بروسيا (رويترز)
TT

سلوفاكيا تدعو الاتحاد الأوروبي لرفع العقوبات عن النفط والغاز الروسيين

منشأة معالجة الغازين «الطبيعي» و«النفطي» المصاحب بحقل ياراكتا في إيركوتسك بروسيا (رويترز)
منشأة معالجة الغازين «الطبيعي» و«النفطي» المصاحب بحقل ياراكتا في إيركوتسك بروسيا (رويترز)

حث رئيس الوزراء السلوفاكي، روبرت فيتسو، الاتحاد الأوروبي، السبت، على رفع العقوبات المفروضة على واردات النفط والغاز الروسيين، واتخاذ خطوات لاستئناف تدفق النفط عبر خط الأنابيب دروغبا، ووضع حد للحرب في أوكرانيا لمواجهة أزمة الطاقة الناجمة عن الحرب في إيران.

وقال فيتسو في بيان بعد مكالمة هاتفية مع رئيس الوزراء المجري، فيكتور أوربان: «يجب على الاتحاد الأوروبي، خصوصاً (المفوضية الأوروبية)، استئناف الحوار مع روسيا على الفور وضمان بيئة سياسية وقانونية تسمح للدول الأعضاء والاتحاد الأوروبي ككل بتعويض احتياطيات الغاز والنفط المفقودة والمساعدة في توريد هذه المواد الخام الاستراتيجية من جميع المصادر والاتجاهات الممكنة، ومنها روسيا».

وتسببت حرب إيران في نقص إمدادات الطاقة العالمية، بعد إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، الأمر الذي انعكس على أسعار النفط والغاز التي ارتفعت بشكل حاد.

واعتماد أوروبا على واردات الطاقة يجعلها عرضة للتقلبات الحادة التي تشهدها الأسواق.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد علق العقوبات التجارية على نفط روسيا البحري، حتى منتصف أبريل (نيسان) الحالي، وذلك في محاولة منه لزيادة المعروض العالمي. غير أن ذلك لم يشفع في تهدئة الأسعار، المرشحة للوصول إلى مستويات خطرة على الاقتصاد العالمي.


مصر ترفع أسعار الكهرباء للقطاع التجاري بنسب تصل إلى 90 %

محلات تجارية مغلقة بعد الساعة 9 مساءً وفقاً لتعليمات الحكومة المصرية للحفاظ على الكهرباء بتاريخ 28 مارس 2026 (رويترز)
محلات تجارية مغلقة بعد الساعة 9 مساءً وفقاً لتعليمات الحكومة المصرية للحفاظ على الكهرباء بتاريخ 28 مارس 2026 (رويترز)
TT

مصر ترفع أسعار الكهرباء للقطاع التجاري بنسب تصل إلى 90 %

محلات تجارية مغلقة بعد الساعة 9 مساءً وفقاً لتعليمات الحكومة المصرية للحفاظ على الكهرباء بتاريخ 28 مارس 2026 (رويترز)
محلات تجارية مغلقة بعد الساعة 9 مساءً وفقاً لتعليمات الحكومة المصرية للحفاظ على الكهرباء بتاريخ 28 مارس 2026 (رويترز)

أبقت مصر على أسعار الكهرباء للشرائح المنخفضة من الاستهلاك المنزلي دون تغيير، في حين رفعت الأسعار على القطاع التجاري بنسب تتراوح بين 20 في المائة، وتصل إلى 91 في المائة، وفقاً لموقع «الشرق مع بلومبرغ».

كما شملت الزيادات أيضاً أعلى شرائح الاستهلاك المنزلي بنسب تراوحت بين 16 في المائة و28 في المائة، وتم تثبيت الأسعار على أول 6 شرائح، بحسب الوثيقة التي أشارت إلى بدء تطبيق الزيادات الجديدة من شهر أبريل (نيسان) الحالي، التي سيتم تحصيل فواتيرها مطلع مايو (أيار) المقبل.

يُذكر أن آخر زيادة لأسعار الكهرباء في مصر كانت في أغسطس (آب) 2024، ولا تزال سارية حتى الآن، حيث تراوحت نسبها بين 14 و40 في المائة للقطاع المنزلي، ومن 23.5 في المائة إلى 46 في المائة للقطاع التجاري، ومن 21.2 إلى 31 في المائة للقطاع الصناعي.

وارتفعت أسعار الطاقة العالمية بشكل حاد جراء حرب إيران، التي لا تزال مستمرة وتزيد تأثيراتها على الاقتصاد المصري تدريجياً.


تباطؤ النمو في فيتنام وسط ارتفاع تكاليف الطاقة

منظر عام لهانوي عاصمة فيتنام (رويترز)
منظر عام لهانوي عاصمة فيتنام (رويترز)
TT

تباطؤ النمو في فيتنام وسط ارتفاع تكاليف الطاقة

منظر عام لهانوي عاصمة فيتنام (رويترز)
منظر عام لهانوي عاصمة فيتنام (رويترز)

تباطأ نمو الاقتصاد في فيتنام خلال الربع الأول من العام الحالي، فيما أدى تصاعد التوترات في الشرق الأوسط إلى زيادة تكاليف الطاقة وعرقلة مسارات التجارة العالمية.

وقال مكتب الإحصاء الوطني في هانوي، السبت، إن إجمالي الناتج المحلي ارتفع بنسبة 7.83 في المائة مقارنة بعام سابق، متراجعاً من 8.46 في المائة خلال الربع الأخير، حسب وكالة «بلومبرغ».

وأضاف مكتب الإحصاء، في بيان: «الأوضاع العالمية في الربع الأول من 2026 لا تزال معقّدة وغير متوقعة، فيما يؤدي تصاعد الصراعات في الشرق الأوسط إلى تقلّب أسعار الطاقة، وعرقلة الإمدادات، وزيادة التضخم».

ومن ناحية أخرى، زادت ضغوط التضخم، وارتفعت أسعار المستهلكين بنسبة 4.65 في المائة خلال مارس (آذار) عن معدلها في عام سابق. وتستهدف الحكومة سقفاً عند 4.5 في المائة خلال العام الحالي.

وقال مكتب الإحصاء إن ارتفاع تكاليف الوقود والنقل والإنشاءات زاد من التضخم بواقع 1.23 في المائة خلال مارس مقارنة بالشهر السابق.

وأضاف مكتب الإحصاء أن فيتنام التي تُعد قوة تصنيعية سجلت فائضاً تجارياً قدره 33.9 مليار دولار مع الولايات المتحدة في الربع الأول، بزيادة 24.2 في المائة عن العام السابق عليه.

وارتفعت الصادرات بواقع 20.1 في المائة خلال مارس مقارنة بعام سابق. وظلّت الصناعات التحويلية التي نمت بواقع 9.73 في المائة خلال الربع الأول، المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي، حسب مكتب الإحصاء. وقفزت الواردات بنسبة 27.8 في المائة خلال الشهر الماضي.