النمسا تؤكد استعدادها لتوقف الغاز الروسي... مصادر بديلة مضمونة

أبراج تجفيف الغاز في «غاز كونيكت النمسا» في باومغارتن شرق فيينا (رويترز)
أبراج تجفيف الغاز في «غاز كونيكت النمسا» في باومغارتن شرق فيينا (رويترز)
TT

النمسا تؤكد استعدادها لتوقف الغاز الروسي... مصادر بديلة مضمونة

أبراج تجفيف الغاز في «غاز كونيكت النمسا» في باومغارتن شرق فيينا (رويترز)
أبراج تجفيف الغاز في «غاز كونيكت النمسا» في باومغارتن شرق فيينا (رويترز)

قالت الحكومة النمساوية، الأربعاء، إن بلادها مستعدة لإنهاء اتفاق نقل الغاز بين روسيا وأوكرانيا، وإن الإمدادات إلى البلاد مستمرة من خلال مصادر أخرى مثل نقاط التغذية في ألمانيا أو إيطاليا، ومن مرافق التخزين.

وقالت وزيرة الطاقة النمساوية ليونور جوسلر في بيان: «لقد قمنا بواجبنا وكنا مستعدين جيداً لهذا السيناريو». وأضافت أن «النمسا لم تعد تعتمد على الغاز من روسيا، وهذا أمر جيد»، وفق «رويترز».

كما أعلنت شركة تشغيل خطوط الأنابيب السلوفاكية «يوستريم» عن توقف تدفقات الغاز الطبيعي من أوكرانيا إلى سلوفاكيا عبر خط الأنابيب المخصص لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا.

وتوقفت صادرات الغاز الطبيعي الروسي عبر خطوط الأنابيب التي تمر عبر أوكرانيا إلى أوروبا في الساعات الأولى من صباح يوم الأربعاء، أول أيام العام الجديد، بعد انقضاء أجل اتفاقية العبور وفشل موسكو وكييف في التوصل إلى اتفاق لاستمرار التدفقات.

ويُعدّ إغلاق هذا الطريق التاريخي أحد أقدم طرق عبور الغاز الروسي إلى أوروبا بمثابة نهاية لعقد طويل شهد توترات سياسية كبيرة، لا سيما منذ ضم روسيا شبه جزيرة القرم في عام 2014. ويعود هذا الطريق إلى الحقبة السوفياتية.

وقال وزير الطاقة الأوكراني، جيرمان جالوشينكو، في بيان: «أوقفنا عبور الغاز الروسي. هذا حدث تاريخي. روسيا تخسر أسواقها، وستتكبد خسائر مالية. أوروبا قد اتخذت بالفعل قرار التخلي عن الغاز الروسي»، وفق «رويترز».

وكان من المتوقع أن يتم وقف التدفقات في ظل الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2022. وأصرت أوكرانيا على أنها لن تمدد الاتفاقية في ظل استمرار الصراع العسكري. وقال مصدر في القطاع إن شركة «غازبروم» الروسية كانت قد توقعت العام الماضي أن الغاز لن يمر عبر أوكرانيا، والتي تمثل نحو نصف إجمالي صادرات الغاز الروسية إلى أوروبا عبر خطوط الأنابيب.

ورغم ذلك، لا تزال روسيا تصدر الغاز إلى بعض الأسواق الأوروبية عبر خط أنابيب «ترك ستريم» في قاع البحر الأسود، الذي يحتوي على فرعين: أحدهما يزود السوق التركية المحلية، والآخر يمد عملاء في وسط أوروبا مثل المجر وصربيا بالغاز.

ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا عام 2022، كثف الاتحاد الأوروبي جهوده لتقليل اعتماده على الطاقة الروسية، وذلك عبر البحث عن مصادر بديلة للطاقة. كما قامت الدول التي لا تزال تشتري الغاز الروسي، مثل سلوفاكيا والنمسا، بتأمين إمدادات بديلة. أما مولدوفا، التي كانت جزءاً من الاتحاد السوفياتي سابقاً، فهي من بين الدول الأكثر تضرراً، حيث أعلنت أنها ستضطر إلى اتخاذ تدابير لتقليص استخدام الغاز بنسبة الثلث.

وقد انتهت صلاحية اتفاقية عبور الغاز التي استمرت لمدة خمس سنوات بين روسيا وأوكرانيا في بداية يناير (كانون الثاني) 2025. وأوضحت «غازبروم» في بيان عبر تطبيق «تلغرام» أن «رفض الجانب الأوكراني المتكرر والواضح تجديد هذه الاتفاقيات حال دون تمكين (غازبروم) من توريد الغاز عبر الأراضي الأوكرانية بدءاً من أول يناير 2025». وأضافت: «لا يُنقل الغاز الروسي عبر الأراضي الأوكرانية بدءاً من الساعة الـ05:00 بتوقيت غرينتش».

كما ذكرت وزارة الطاقة الأوكرانية أن توقف مرور الغاز الروسي عبر أوكرانيا يأتي «لصالح الأمن القومي».

ومن جراء ذلك، ستفقد أوكرانيا نحو 800 مليون دولار سنوياً من رسوم العبور التي كانت تدفعها روسيا. بينما ستخسر شركة «غازبروم» نحو خمسة مليارات دولار من مبيعات الغاز إلى أوروبا عبر أوكرانيا.

مسارات أخرى

واستغرقت روسيا والاتحاد السوفياتي السابق نحو نصف قرن للوصول إلى حصة رئيسية في سوق الغاز الأوروبية بلغت 35 في المائة. لكن الحرب في أوكرانيا قضت على هذه الحصة بالنسبة لشركة «غازبروم». فقد تم إغلاق معظم طرق نقل الغاز الروسي إلى أوروبا، بما في ذلك خط «يامال - يوروب» عبر بيلاروسيا، وخط «نورد ستريم» عبر بحر البلطيق إلى ألمانيا، والذي تعرض للتفجير في عام 2022.

وكانت الطرق المختلفة قد نقلت ما يقارب 201 مليار متر مكعب من الغاز إلى أوروبا في عام 2018. ومع ذلك، فقد شحنت روسيا نحو 15 مليار متر مكعب من الغاز عبر أوكرانيا في عام 2023، مقارنة بـ65 مليار متر مكعب عندما بدأ آخر تعاقد في عام 2020، واستمر لمدة خمس سنوات.


مقالات ذات صلة

سفينتان قطريتان محملتان بالغاز الطبيعي تراجعتا بعد اقترابهما من مضيق هرمز

الاقتصاد ناقلات نفط تنتظر قبالة سواحل الفجيرة 3 مارس 2026 (رويترز)

سفينتان قطريتان محملتان بالغاز الطبيعي تراجعتا بعد اقترابهما من مضيق هرمز

أظهرت بيانات تتبع السفن، الاثنين، أن سفينتين محملتين بالغاز الطبيعي المسال من رأس لفان بقطر، عادتا أدراجهما بعد أن اتجهتا شرقاً نحو مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد توربينات رياح بجانب محطة للطاقة الشمسية في ألمانيا (إكس)

غالبية الألمان يرغبون التوسع في الطاقة المتجددة جراء حرب إيران

يرى «قطاع الطاقة الشمسية» في ألمانيا أن أكثر من ثلثي المواطنين يرغبون تسريع التوسع في الطاقة المتجددة.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد الناس يتسوقون في السوق الكبير بإسطنبول (رويترز)

تركيا ترفع أسعار الكهرباء والغاز بنسبة 25 %

أعلنت هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية في بيان زيادة فورية بنسبة 25 في المائة على أسعار الكهرباء والغاز.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
الاقتصاد منشأة معالجة الغازين «الطبيعي» و«النفطي» المصاحب بحقل ياراكتا في إيركوتسك بروسيا (رويترز)

سلوفاكيا تدعو الاتحاد الأوروبي لرفع العقوبات عن النفط والغاز الروسيين

حث رئيس الوزراء السلوفاكي الاتحاد الأوروبي على رفع العقوبات المفروضة على واردات النفط والغاز الروسيين، واتخاذ خطوات لاستئناف تدفق النفط عبر خط «دروغبا».

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد ناقلة غاز طبيعي مسال تمر بقوارب على طول ساحل سنغافورة (رويترز)

تايوان: لدينا ضمانات بشأن إمدادات الغاز الطبيعي المسال من دولة كبرى

قال وزير الاقتصاد التايواني، في معرض حديثه عن تأثير حرب إيران على واردات الطاقة من الشرق الأوسط، إن تايوان تلقت ضمانات بالإمداد من وزير الطاقة في دولة كبرى.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مصانع الصين تتكيف مع ترمب والتعريفات الجمركية واضطرابات الأسواق

عمال في خط إنتاج تابع لشركة «أجيليان» للتكنولوجيا في مدينة دونغقوان الصينية (رويترز)
عمال في خط إنتاج تابع لشركة «أجيليان» للتكنولوجيا في مدينة دونغقوان الصينية (رويترز)
TT

مصانع الصين تتكيف مع ترمب والتعريفات الجمركية واضطرابات الأسواق

عمال في خط إنتاج تابع لشركة «أجيليان» للتكنولوجيا في مدينة دونغقوان الصينية (رويترز)
عمال في خط إنتاج تابع لشركة «أجيليان» للتكنولوجيا في مدينة دونغقوان الصينية (رويترز)

سعت التعريفات الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى الإضرار بالصناعة الصينية، ولكن بالنسبة لإحدى شركات الإلكترونيات، انتهى عام 2025 المضطرب بإيمان راسخ بأن الصين سوق يصعب تكرارها؛ ما دامت الأمور لم تتغير جذرياً.

وشهدت شركة «أجيليان تكنولوجي» التي تُصنّع منتجاتها في الغالب لعلامات تجارية غربية، تجميد طلباتها الأميركية التي تُمثّل أكثر من نصف إيراداتها أشهراً عدة، وطالبها العملاء بإنشاء خطوط إنتاج خارج الصين.

وأحدثت التعريفات الجمركية فوضى عارمة في كثير من الشركات الصينية؛ حيث انكمش مؤشر مديري المشتريات الرسمي في الصين خلال معظم العام الماضي، وسجل في أبريل (نيسان) 2025 أضعف قراءة له منذ ديسمبر (كانون الأول) 2023؛ لكن رد بكين المتمثل في فرض قيود على صادرات المعادن التي تحتاج إليها الشركات الأميركية ويصعب الحصول عليها، أدى إلى خفض الرسوم الجمركية.

وفي مارس (آذار) الماضي، نما مؤشر مديري المشتريات الرسمي في الصين بأسرع وتيرة له في عام. وقد سمح هذا لشركة «أجيليان» التي تبلغ إيراداتها 30 مليون دولار سنوياً، بالتعافي، وتعزيز مكانتها التي تعتبرها أساسية للنمو، على الرغم من سعيها لنقل بعض عملياتها إلى الخارج.

وقد يُفاجئ انتعاش قطاع التصنيع الصيني ترمب بعد ذكرى إطلاقه رسوم «يوم التحرير»، نظراً لأنه خاض حملته الانتخابية على أساس استخدام الرسوم الجمركية لإعادة تعزيز الاقتصاد الأميركي، وإظهار قوة الولايات المتحدة.

إعادة هيكلة

وأكد نيك مارو، كبير الاقتصاديين لشؤون آسيا، ورئيس قسم التجارة العالمية في وحدة البحوث الاقتصادية التابعة لمجلة «الإيكونوميست»، أن «البيانات تؤكد أن تعريفات ترمب الجمركية لم تُعرقل الزخم الذي شهدناه في قطاع التصنيع الصيني». وأضاف أن هذه الرسوم «أدت إلى إعادة هيكلة الروابط التجارية وسلاسل التوريد».

وأظهرت بيانات رسمية أن الفائض التجاري الصيني خلال أول شهرين من عام 2026 ارتفع إلى 213.6 مليار دولار، مقارنة بـ169.21 مليار دولار في العام السابق. وفي عام 2025، زاد الفائض التجاري الصيني بمقدار الخمس ليصل إلى مستوى قياسي بلغ 1.2 تريليون دولار، أي ما يعادل الناتج المحلي الإجمالي لهولندا.

لكن الصادرات إلى الولايات المتحدة تراجعت بنسبة 20 في المائة في عام 2025، مما أضر بالمصنعين الذين يعتمدون على السوق الأميركية، وفقاً لما ذكره فابيان غوسورغ، الرئيس التنفيذي لشركة «أجيليان». وتساءل غوسورغ، متحدثاً من مصنعه في مدينة دونغقوان الجنوبية، عما إذا كان ترمب سيحقق انفراجة خلال زيارته للصين في مايو (أيار).

وقال مارو: «أفضل ما نأمله هو على الأرجح تعهد من الجانبين بمواصلة الحوار، وربما وضع إطار عمل ما لمنع تصاعد التوترات التجارية كما حدث العام الماضي».

ويتوقع الاقتصاديون والمديرون التنفيذيون في القطاع أن تُعزز زيارة ترمب التهدئة بين الخصمين.

وصرح هي يادونغ، المتحدث باسم وزارة التجارة الصينية، بأن على البلدين تنفيذ ما اتفقا عليه في الاجتماعات السابقة وجولات المحادثات اللاحقة.

وقال دينيس ديبو، المدير العام لشركة «رولاند بيرغر» الاستشارية: «أظهرت الصين أن العناصر الأرضية النادرة تُشكل أداة دمار شامل... إنها سلاح نووي تجاري».

الاستعداد للأسوأ

وينظر المديرون التنفيذيون في شركة «أجيليان» الآن إلى سياسات ترمب الجمركية كدليل إرشادي لكيفية التعامل مع أي تصعيدات مستقبلية. وفي عام 2024، ومع تصاعد شعبية ترمب في استطلاعات الرأي، رغب عملاء شركة «أجيليان» في تجنب الرسوم الجمركية، وطلبوا من الشركة شحن منتجاتهم إلى مستودعات في أميركا الشمالية.

وقال رينو أنجوران، نائب رئيس الشركة، إن مستوردين أميركيين آخرين كانت لديهم أفكار مماثلة، وارتفعت أسعار التخزين بشكل جنوني. وبعد فترة وجيزة من إعادة انتخاب ترمب، كثرت المكالمات الهاتفية بعد منتصف الليل من عملاء قلقين. وحثّ أحد العملاء الذي لديه عائلة في بينانغ بماليزيا، شركة «أجيليان»، على إنشاء قاعدة إنتاج هناك.

وكانت «أجيليان» قد أنشأت كياناً في الهند، ولكن معظم العملاء رفضوا العمل هناك، خشية بطء الإنتاج وتأخيرات الجمارك. وقال غوسورغ: «الهند تستغرق وقتاً. استغرقنا عاماً كاملاً لتأسيس الشركة رسمياً».

وبعد تنصيب ترمب، أثارت زيادتان في الرسوم الجمركية على الصين؛ بلغ مجموعهما 20 في المائة، قلق العملاء، ولكنهم استمروا في التعامل مع الشركة. ثم في الثاني من أبريل، ارتفعت الرسوم الجمركية على الصادرات الصينية بنسبة 34 نقطة مئوية أخرى. وبالنسبة لعملاء شركة «أجيليان»، كانت هذه كارثة، ما دفع كثيرين إلى إلغاء طلباتهم. وبعد ذلك بوقت قصير، تراكمت منصات البضائع داخل مصنع دونغقوان الذي تبلغ مساحته 12 ألف متر مربع (130 ألف قدم مربعة). وردَّت الصين بالمثل، وتصاعدت الأمور لتتجاوز الرسوم الجمركية مائة في المائة من كلا الجانبين قبل نهاية الشهر.

وقال أنجوران: «توقفت الأمور تماماً». وقررت الشركة التعاون مع بينانغ، ووجدت مصنعاً مناسباً. وقد فضّلت بينانغ لبُعدها عن بحر الصين الجنوبي؛ حيث لا يُستبعد نشوب نزاعات عسكرية.

كما بحثت «أجيليان» عن مساحات صناعية للإيجار في دارواد بالهند؛ بل ودرست نقل الإنتاج إلى الولايات المتحدة. ولكنها وجدت أن سلاسل التوريد هناك غير مكتملة، ما جعلها تعتمد على المكونات الصينية الخاضعة للرسوم الجمركية وتكاليف العمالة المرتفعة.

هل فشلت الخطة البديلة؟

وبحلول منتصف عام 2025، وجد فريق «أجيليان» في الهند منطقة صناعية مساحتها 4 آلاف متر مربع. وكان أنجوران يناقش بناء مصنع جديد، ويبحث في المنتجات التي يمكن تصنيعها هناك. كما أن الظروف الشبيهة بالحظر مع الصين جعلت الهند أكثر جاذبية للعملاء.

لكن اتفاقية مايو بين واشنطن وبكين ألغت معظم الرسوم الجمركية المفروضة على الصين. وفي أغسطس (آب)، ومع عدم جاهزية مصنع دارواد بعد، رفع ترمب الرسوم الجمركية على الهند بنسبة 50 في المائة لإجبارها على التوقف عن شراء النفط الروسي. ولكن أنجوران مضى قدماً: «نريد أن نكون شركة تصنيع متعددة الجنسيات. التركيز على المدى البعيد».

وبدأت أيضاً عمليات ما قبل الإنتاج في بينانغ في منتصف العام؛ حيث أدرك الفريق أن «كل شيء يستغرق وقتاً أطول بكثير» مما هو عليه في الصين.

تخفيض الرسوم الجمركية

وخلال الصيف، كشفت ضوابط التصدير الصينية عن اعتماد الولايات المتحدة على المواد المصنعة حصرياً تقريباً في الصين، مما أدى إلى تضييق الخناق على صناعات السيارات والدفاع وغيرها. وأدى اجتماع أكتوبر (تشرين الأول) بين ترمب والرئيس الصيني شي جينبينغ إلى خفض الرسوم الجمركية بنسبة 10 نقاط مئوية. بحلول ذلك الوقت، توقف عملاء شركة «أجيليان» عن الاستفسار عن الرسوم الجمركية ونقل الإنتاج إلى الخارج.

وقالت «أجيليان» إن النصف الثاني من عام 2025 كان الأكثر ازدحاماً في تاريخها من حيث ساعات الإنتاج؛ إذ ارتفع بنسبة 29 في المائة عن النصف الأول. ومع ارتفاع الرسوم الجمركية، وإن كانت مقبولة، أعاد العملاء تفعيل طلباتهم وقدَّموا طلبات جديدة.

ويقول أنجوران إنه في حال عودة الرسوم الجمركية بنسبة مائة في المائة، فإن عملاءه المعرضين للسوق الأميركية سيجمِّدون الإنتاج ويعلقون الشحنات. وقال غوسورغ إن «أجيليان» ستواصل تطوير مرافقها في الهند وماليزيا «كإجراء احترازي». ولكن انخفاض تكلفة المكونات الصينية وارتفاع جودتها جعلا مقرها في دونغقوان لا غنى عنه. ويأمل في زيادة إيرادات الشركة بنسبة 30 في المائة خلال السنوات الثلاث المقبلة، رغم خشيته من أن يعرقل ترمب هذا النمو مجدداً. وأضاف: «بدأت في يناير (كانون الثاني) وأنا أقول: حسناً، قد يكون هذا عاماً جيداً، ثم اندلعت الحرب الإيرانية».


تمويل المنشآت الصغيرة ينتقل إلى «قلب» الاقتصاد غير النفطي في السعودية

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)
TT

تمويل المنشآت الصغيرة ينتقل إلى «قلب» الاقتصاد غير النفطي في السعودية

العاصمة السعودية الرياض (واس)
العاصمة السعودية الرياض (واس)

في مؤشر يعكس تحولاً عميقاً في بنية التمويل داخل الاقتصاد السعودي، وتجسيداً لمستهدفات «رؤية 2030» في تنويع القاعدة الإنتاجية، سجَّلت التسهيلات الائتمانية المقدمة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة ومتناهية الصغر مستوىً قياسياً غير مسبوق بنهاية عام 2025. فقد ضخَّت المصارف وشركات التمويل نحو 467.7 مليار ريال (124.5 مليار دولار) في عروق هذا القطاع العام الماضي، محققةً قفزة سنوية بلغت 33 في المائة؛ ما يؤكد انتقال هذه المنشآت من هامش النشاط الاقتصادي إلى قلبه النابض، باعتبارها المحرك الأبرز للنمو غير النفطي وخلق الفرص الوظيفية.

وعلى أساس سنوي، ارتفع حجم هذه التسهيلات بنسبة 33 في المائة، مقارنة بنحو 351.7 مليار ريال (93.6 مليار دولار) في عام 2024، بحسب بيانات النشرة الشهرية للبنك المركزي السعودي «ساما».

ويستحوذ القطاع المصرفي على الحصة الأكبر من هذا التمويل، إذ بلغ حجم التسهيلات المقدمة عبر البنوك نحو 446.6 مليار ريال، مسجِّلاً نمواً سنوياً بنسبة 34 في المائة، في حين بلغ حجم التسهيلات المقدمة من قطاع شركات التمويل نحو 21.1 مليار ريال، بزيادة سنوية قدرها 15.4 في المائة.

وعلى مستوى أحجام المنشآت، أظهرت البيانات تبايناً في معدلات النمو، حيث ارتفع حجم التسهيلات المقدمة للشركات المتوسطة بنسبة 18 في المائة على أساس سنوي ليصل إلى 220.9 مليار ريال، بينما سجَّلت الشركات الصغيرة نمواً بنسبة 34 في المائة لتبلغ 163.5 مليار ريال، في حين قفزت التسهيلات الموجهة للمنشآت متناهية الصغر بنسبة 97 في المائة لتصل إلى 83.3 مليار ريال، في دلالة على توسع لافت في تمويل هذه الشريحة.

تحول هيكلي

ويأتي هذا النمو اللافت مدفوعاً بعدة عوامل متداخلة، أبرزها وضوح التوجه الاستراتيجي ضمن «رؤية 2030» التي وضعت المنشآت الصغيرة والمتوسطة في صلب مستهدفات التنويع الاقتصادي، إلى جانب الأدوار التمكينية المتزايدة للجهات المعنية بتطوير القطاع، وعلى رأسها الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة (منشآت)، التي أسهمت في تعزيز بيئة الأعمال وربط المنشآت بمصادر التمويل، وفق الخبير الاقتصادي، الدكتور حسين العطاس.

ويرى العطاس في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن بلوغ هذا المستوى من التسهيلات «ليس مجرد رقم قياسي، بل يعكس تحولاً هيكلياً في فلسفة التمويل داخل الاقتصاد السعودي»، مشيراً إلى أن هناك أربعة محركات رئيسية تقف خلف هذا النمو، تتمثل في وضوح الرؤية الاقتصادية، وتعزيز البيئة التنظيمية، والتوسع في برامج الضمانات الائتمانية، إلى جانب تحوّل نظرة القطاع المصرفي تجاه هذا القطاع.

ويبرز برنامج «كفالة» كأحد العوامل المحورية في هذا التحول، إذ أسهم في خفض المخاطر المرتبطة بالإقراض، ما فتح المجال أمام البنوك لزيادة انكشافها على قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة، بالتوازي مع تحسن جودة البيانات المالية وتطور ممارسات الحوكمة، وهو ما عزَّز ثقة الجهات التمويلية في هذا القطاع.

نمو مستدام

وعلى صعيد استدامة هذا النمو، يؤكد العطاس أن ما تشهده السوق «ليس توسعاً ائتمانياً مؤقتاً، بل إعادة بناء لدور المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الاقتصاد»، متوقعاً استمرار النمو على المدى المتوسط. ومع ذلك، يشير إلى وجود مجموعة من التحديات التي قد تؤثر على وتيرة هذا التوسع، من بينها ضعف الخبرة الإدارية لدى بعض المنشآت، واحتمالية تعثرها في حال سوء إدارة التمويل، إضافة إلى مخاطر تمركز التمويل في قطاعات محددة دون تنويع كافٍ، وتأثيرات ارتفاع أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويضيف أن الجهات المعنية تدرك هذه التحديات، وهو ما يفسر التركيز المتزايد على رفع مستوى الحوكمة، وتعزيز كفاءة الإدارة، وربط التمويل بالأداء التشغيلي الفعلي، بما يضمن توجيه التسهيلات نحو أنشطة إنتاجية مستدامة.

ولا تقتصر أهمية هذا التوسع على الأرقام فحسب، بل تمتد انعكاساته إلى الاقتصاد الكلي، حيث يسهم في رفع مساهمة المنشآت الصغيرة والمتوسطة في الناتج المحلي غير النفطي، إلى جانب دورها المحوري في خلق فرص العمل، باعتبارها من أكثر القطاعات كثافة في التوظيف.

وبحسب العطاس، فإن هذا النمو يعزز من تنويع القاعدة الاقتصادية، عبر دعم دخول منشآت جديدة إلى قطاعات واعدة، تشمل التكنولوجيا والصناعة والخدمات، فضلاً عن رفع القيمة المضافة المحلية وتقليل الاعتماد على الواردات أو الشركات الكبرى.

وبالنظر إلى المستقبل، يتوقَّع العطاس أن يستمر نمو التسهيلات بوتيرة «صحية» خلال السنوات الثلاث إلى الخمس المقبلة، مدعوماً بعدة عوامل، أبرزها التوسُّع في الحلول التمويلية الرقمية، واستمرار التكامل بين القطاعين الحكومي والمصرفي، إضافة إلى تحسن نضج السوق وارتفاع جودة المنشآت.كما يُرجح أن تسهم المشروعات الكبرى والتوسع في الاقتصاد غير النفطي في خلق فرص تمويلية جديدة، تعزز من زخم هذا القطاع، مع انتقال التركيز تدريجياً من حجم التمويل إلى جودة أثره الاقتصادي.

مشاركة الهيئة العامة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في أحد المعارض (واس)

التحول الرقمي

وفي السياق ذاته، يرى الرئيس الأول لإدارة الأصول في شركة «أرباح المالية» محمد الفراج أن هذا التطور لم يكن وليد الصدفة، بل جاء نتيجة تكامل بين التوجهات الحكومية الطموحة وسعيها لرفع مساهمة هذا القطاع في الناتج المحلي إلى 35 في المائة، وبين استجابة القطاع المصرفي الذي قاد هذا النمو واستحوذ على الحصة الأكبر من التمويل.

وأوضح أن برامج الضمان والتحفيز، وبنك المنشآت الصغيرة والمتوسطة، لعبت دوراً محورياً في خفض المخاطر الائتمانية وتعزيز شهية الإقراض لدى البنوك.

وأضاف أن التحول الرقمي ودخول شركات التقنية المالية شكّلا بدورهما نقطة تحول مهمة، من خلال تسهيل الوصول إلى التمويل وخفض التكاليف التشغيلية، مما خلق بيئة أكثر مرونة وجاذبية لنمو الأعمال بعيداً عن التعقيدات التقليدية.

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، يلفت الفراج النظر إلى تحديات قائمة، مبيّناً أن التوسع السريع في التمويل يتطلب قدراً من الحذر الاستراتيجي، خصوصاً فيما يتعلق بمخاطر الائتمان واحتمالات التعثر في ظل تقلبات أسعار الفائدة واشتداد المنافسة في بعض القطاعات، لا سيما التجزئة.

ويرى أن المرحلة المقبلة تستدعي التحول من النمو «الكمي» القائم على زيادة حجم التمويل، إلى النمو «النوعي» الذي يركز على جودة الائتمان واستدامة المشروعات وقدرتها على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية.

وأشار إلى أن الاتجاه المستقبلي سيشهد تنامياً في دور أدوات التمويل البديلة، مثل رأس المال الجريء، بما يخفف الضغط على الميزانيات البنكية، إلى جانب توجيه التمويل نحو قطاعات استراتيجية تشمل التقنية والسياحة والصناعة، لضمان تحقيق قيمة مضافة حقيقية للاقتصاد الوطني.

ولفت الفراج إلى أن التطورات المسجَّلة خلال عام 2026 تعكس بدء جني ثمار هذا التوسع، مع بروز جيل جديد من الشركات سريعة النمو، وارتفاع مساهمة المنشآت في الصادرات غير النفطية، إلى جانب تنامي استخدام أدوات مثل الصكوك الموجهة للمنشآت الصغيرة كخيار تمويلي طويل الأجل بتكلفة مناسبة.

وختَّم بالقول إن قطاع المنشآت الصغيرة والمتوسطة لم يعد قطاعاً هامشياً، بل بات محركاً رئيسياً للابتكار والنمو في الاقتصاد السعودي، مؤكِّداً أن الحفاظ على هذا الزخم يتطلب مواصلة تطوير البيئة التنظيمية وتعزيز مرونة آليات السداد، بما يضمن استدامة النمو وتماشيه مع مستهدفات التنمية الاقتصادية على المدى الطويل.


السعودية تمدد الجولة الثالثة من برنامج تمكين الاستكشاف التعديني

عامل يقوم بمهامه في الاستكشاف التعديني (رؤية 2030)
عامل يقوم بمهامه في الاستكشاف التعديني (رؤية 2030)
TT

السعودية تمدد الجولة الثالثة من برنامج تمكين الاستكشاف التعديني

عامل يقوم بمهامه في الاستكشاف التعديني (رؤية 2030)
عامل يقوم بمهامه في الاستكشاف التعديني (رؤية 2030)

أعلنت وزارة الصناعة والثروة المعدنية، بالتعاون مع وزارة الاستثمار، تمديد باب التقديم للجولة الثالثة من برنامج تمكين الاستكشاف (EEP)؛ لإتاحة الفرصة لأكبر قدر من الشركات للمشاركة في البرنامج والاستفادة منه، في إطار جهودها المتواصلة لتسريع وتيرة استكشاف الثروة المعدنية في المملكة، وتقليل مخاطر الاستثمار في مراحله المبكرة، وجذب مزيد من شركات التعدين المحلية والعالمية ذات الجودة العالية.

ويأتي تمديد فترة استقبال الطلبات لهذه الجولة امتداداً لمسار التحول الشامل الذي يشهده قطاع التعدين، ضمن مستهدفات «رؤية 2030» الرامية إلى تعظيم القيمة المضافة من قطاع التعدين في الاقتصاد الوطني، وتوسيع نطاق الاستكشاف التعديني، ولا سيما في المناطق غير المستكشفة (غرينفيلد)، وبناء سلاسل قيمة معدنية متكاملة ومرنة من المنجم إلى المنتج النهائي.

وتوفِّر المرحلة الثالثة من برنامج تمكين الاستكشاف حزمة دعم شاملة تستهدف شركات الاستكشاف وحاملي رخص الكشف التعديني، بما يعزز الجدوى الاقتصادية للمشاريع، ويدعم الانتقال المتسارع من مرحلة الاستكشاف إلى مرحلة التطوير.

ويشمل البرنامج حوافز نقدية تصل إلى 25 في المائة من نفقات الاستكشاف المؤهلة، بما في ذلك أعمال الحفر، والفحوصات المعملية، والدراسات الجيولوجية، إلى جانب دعم تكاليف الرواتب بنسبة تصل إلى 15 في المائة للموظفين المقيمين في المملكة.

كما يوفِّر تغطية تصل إلى 70 في المائة من إجمالي تكاليف رواتب المواهب السعودية خلال العامين الأولين، وترتفع إلى تغطية تصل إلى مائة في المائة بعد انقضاء العامين الأولين، وذلك وفقاً لمتطلبات البرنامج، بما يسهم في تطوير المواهب وبناء القدرات الوطنية في مجال استكشاف المعادن، وتشجيع توطين الوظائف، ونقل المعرفة الجيولوجية.

وحددت الوزارة الجدول الزمني للمرحلة الثالثة؛ حيث بدأت فترة تقديم الطلبات من 14 يناير (كانون الثاني) وتمتد إلى 3 مايو (أيار) 2026، تليها مرحلة تقييم الطلبات والموافقة عليها، وتوقيع اتفاقيات التمويل خلال الفترة من 3 مايو إلى 31 يونيو (حزيران) من هذا العام، على أن يتم الإعلان عن المشاريع الفائزة وترسية العقود، في الفترة من 1 يوليو (تموز) إلى نهاية الشهر.

وتشمل مراحل البرنامج تقديم بيانات الاستكشاف خلال الفترة من 1 سبتمبر (أيلول) إلى نهاية هذا الشهر من العام المقبل، يليها التحقق الفني والمالي من برامج العمل، والموافقة على صرف مبالغ التمكين في يناير 2028، على أن يتم نشر بيانات الاستكشاف على قاعدة البيانات الجيولوجية الوطنية في أبريل (نيسان) 2028.

وأكدت الوزارة أن برنامج تمكين الاستكشاف يركّز على دعم استكشاف المعادن الاستراتيجية ذات الأولوية الوطنية، ويسهم في تعزيز المعرفة الجيولوجية، من خلال توفير بيانات حديثة بمعايير دولية، بما يدعم المستثمرين في اتخاذ قرارات استثمارية مدروسة، ويعزز نمو الشركات الوطنية وسلاسل التوريد المحلية.