أسعار الفائدة المرتفعة... هل سيحقق ترمب وعوده أم يواجه عائق باول؟

وسط مخاوف من تأثر استقلالية «الفيدرالي» بضغوط التضخم

دونالد ترمب ينظر إلى جيروم باول وهو يتحدث في البيت الأبيض 2 نوفمبر 2017 (رويترز)
دونالد ترمب ينظر إلى جيروم باول وهو يتحدث في البيت الأبيض 2 نوفمبر 2017 (رويترز)
TT

أسعار الفائدة المرتفعة... هل سيحقق ترمب وعوده أم يواجه عائق باول؟

دونالد ترمب ينظر إلى جيروم باول وهو يتحدث في البيت الأبيض 2 نوفمبر 2017 (رويترز)
دونالد ترمب ينظر إلى جيروم باول وهو يتحدث في البيت الأبيض 2 نوفمبر 2017 (رويترز)

خاض الرئيس المنتخب، دونالد ترمب، حملته الانتخابية على أساس وعد بأن سياساته سوف تعمل على خفض تكاليف الاقتراض المرتفعة وتخفيف العبء المالي على الأسر الأميركية.

لكن ماذا لو، كما يتوقع العديد من الاقتصاديين، بقيت أسعار الفائدة مرتفعة، فوق مستويات ما قبل الوباء؟

قد يوجه ترمب أصابع الاتهام إلى «الاحتياطي الفيدرالي»، وخصوصاً إلى رئيسه جيروم باول، الذي عينه ترمب بنفسه لقيادة «الفيدرالي». خلال فترة رئاسته الأولى، هاجم ترمب مراراً وبشكل علني «الفيدرالي» تحت قيادة باول، متهماً إياه بالحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة للغاية. وقد أثار هجوم ترمب على الاحتياطي قلقاً واسعاً بشأن التدخل السياسي في صنع السياسات الفيدرالية، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ويوم الأربعاء، أكد باول على أهمية استقلالية الاحتياطي الفيدرالي، قائلاً: «ذلك يمنحنا القدرة على اتخاذ القرارات من أجل مصلحة جميع الأميركيين في جميع الأوقات، وليس من أجل أي حزب سياسي أو نتيجة سياسية معينة».

ومن المرجح أن تكون هناك صدامات سياسية خلال السنوات الأربع المقبلة. وتشكل مقترحات ترمب بخفض الضرائب وفرض رسوم جمركية مرتفعة على كل السلع، وصفة لارتفاع التضخم في اقتصاد يعمل بكامل طاقته تقريباً. وإذا تسارع التضخم مرة أخرى، فسوف يضطر «الفيدرالي» إلى إبقاء أسعار الفائدة مرتفعة.

لماذا كل هذا القلق من صدام ترمب مع باول؟

لأن باول لن يخفّض أسعار الفائدة بالقدر الذي يريده ترمب. وحتى لو خفض باول سعر الفائدة القياسي لبنك الاحتياطي الفيدرالي، فإن سياسات ترمب نفسها قد تبقي على تكاليف الاقتراض الأخرى، مثل أسعار الرهن العقاري، مرتفعة.

كما أن الرسوم الجمركية المرتفعة التي تعهد ترمب بفرضها قد تؤدي إلى تفاقم التضخم. وإذا أدت التخفيضات الضريبية على أشياء مثل الإكراميات والعمل الإضافي -وهو وعد آخر من وعود ترمب- إلى تحفيز النمو الاقتصادي، فقد يؤدي ذلك إلى زيادة الضغوط التضخمية.

وقال كبير الاقتصاديين السابق في صندوق النقد الدولي، أوليفييه بلانشارد، مؤخراً: «إن خطر الصراع بين إدارة ترمب و(الاحتياطي الفيدرالي) مرتفع جداً». إذا رفع الفيدرالي أسعار الفائدة، «فسيقف في طريق ما تريده إدارة ترمب».

هل يخفض بنك الاحتياطي الفيدرالي أسعار الفائدة حقاً؟

نعم، ولكن مع تحسن الاقتصاد بشكل أقوى من المتوقع، فإن صناع السياسات في «الاحتياطي الفيدرالي» قد يخفضون أسعار الفائدة بضع مرات أخرى، أقل مما توقعوه قبل شهر أو شهرين فقط.

وقد لا تؤدي تلك التخفيضات في الفائدة إلى تقليل تكاليف الاقتراض بالنسبة للمستهلكين والشركات بشكل كبير. ويمكن لمعدل الفائدة قصير الأجل من «الاحتياطي الفيدرالي» أن يؤثر على أسعار الفائدة لبطاقات الائتمان، والشركات الصغيرة، وبعض القروض الأخرى، ولكن ليس له سيطرة مباشرة على أسعار الفائدة طويلة الأجل. وتشمل هذه العوائد على سندات الخزانة لأجل عشر سنوات، التي تؤثر على أسعار الرهن العقاري. وتتشكل عوائد سندات الخزانة لمدة عشر سنوات بناءً على توقعات المستثمرين بشأن التضخم المستقبلي، والنمو الاقتصادي، وأسعار الفائدة، فضلاً عن العرض والطلب على سندات الخزانة.

وقد حدث مثال على ذلك هذا العام، حيث انخفض العائد على سندات الخزانة لأجل عشر سنوات في الصيف بانتظار خفض الفائدة من «الاحتياطي الفيدرالي». ومع ذلك، بمجرد حدوث أول خفض للفائدة في 18 سبتمبر (أيلول)، لم تنخفض أسعار الفائدة طويلة الأجل، بل بدأت ترتفع مرة أخرى جزئياً في انتظار نمو اقتصادي أسرع.

كما اقترح ترمب مجموعة متنوعة من التخفيضات الضريبية التي قد تزيد العجز. وقد يتعين بعد ذلك رفع أسعار سندات الخزانة لجذب ما يكفي من المستثمرين لشراء الدين الجديد.

من جانبه، قال الخبير الاقتصادي كينت سميترز: «بصراحة، لا أعتقد أن بنك الاحتياطي الفيدرالي يملك الكثير من السيطرة على سعر الفائدة لمدة 10 سنوات، وهو ما يعد الأكثر أهمية بالنسبة للرهن العقاري. سيلعب العجز دوراً أكبر بكثير في هذا الصدد».

لكن إذا تصادم ترمب مع باول، فما العواقب؟

في الواقع، لا تشكل الانتقادات العرضية أو النادرة لرئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي مشكلة كبيرة للاقتصاد طالما أن البنك المركزي يواصل اتخاذ قراراته استناداً إلى ما يراه مناسباً.

لكن الهجمات المستمرة قد تؤدي إلى تقويض استقلالية «الفيدرالي»، وهي مسألة حيوية للحفاظ على السيطرة على التضخم. وللتعامل مع التضخم، غالباً ما يتعين على البنك المركزي اتخاذ خطوات غير شعبية، مثل رفع أسعار الفائدة للحد من الاقتراض والإنفاق.

ولطالما سعى السياسيون إلى الضغط على البنوك المركزية لإبقاء أسعار الفائدة منخفضة لدعم الاقتصاد وسوق العمل، خصوصاً في الفترة التي تسبق الانتخابات. وقد أظهرت الدراسات أن الدول التي تتمتع ببنوك مركزية مستقلة عادة ما تعاني من مستويات تضخم منخفضة.

حتى إذا لم يفرض ترمب قرارات مباشرة على «الفيدرالي»، فإن انتقاداته المستمرة قد تخلق مشاكل. فإذا فقدت الأسواق والاقتصاديون وقادة الأعمال الثقة في استقلالية «الفيدرالي»، واعتقدوا أنه يخضع لضغوط سياسية من الرئيس، فإن ذلك قد يضعف قدرة البنك على التحكم في التضخم.

وعندما يتوقع المستهلكون والشركات التضخم المرتفع، فإنهم يميلون إلى التصرف بطرق قد تسهم في ارتفاع الأسعار، مثل تسريع مشترياتهم قبل أن ترتفع الأسعار بشكل أكبر، أو رفع أسعارهم الخاصة لتغطية التكاليف المتزايدة.

وقال المستشار العام السابق في بنك الاحتياطي الفيدرالي، سكوت ألفاريز: «تحتاج الأسواق إلى الثقة بأن بنك الاحتياطي الفيدرالي يستجيب للبيانات، وليس للضغوط السياسية».

هل يستطيع ترمب إقالة باول؟

يمكن لترمب المحاولة، لكن ذلك من المرجح أن يؤدي إلى معركة قانونية طويلة قد تنتهي في المحكمة العليا. ففي مؤتمر صحافي في نوفمبر (تشرين الثاني)، أوضح باول أنه يعتقد أن الرئيس ليست لديه السلطة القانونية لاتخاذ مثل هذه الخطوة.

ويعتقد معظم الخبراء أن باول سينتصر في المحاكم. ومن وجهة نظر إدارة ترمب، قد لا تكون مثل هذه المعركة جديرة بالاهتمام، خصوصاً أن فترة ولاية باول تنتهي في مايو (أيار) 2026، ما يتيح للبيت الأبيض تعيين رئيس جديد.

ومن المحتمل أيضاً أن تشهد الأسواق المالية انهياراً إذا حاول ترمب اتخاذ هذه الخطوة الجريئة. قد ترتفع عوائد السندات، مما يؤدي إلى زيادة أسعار الرهن العقاري وتكاليف الاقتراض الأخرى.

وقد تتفاعل الأسواق بشكل سلبي أيضاً إذا شعر المستثمرون أن ترمب قد يعين شخصاً موالياً له رئيساً جديداً لبنك الاحتياطي الفيدرالي في 2026.

هل سبق أن انتقد رؤساء آخرون بنك الاحتياطي الفيدرالي؟

نعم، وفي بعض الحالات الحادة، أسهم ذلك في تعزيز التضخم المستمر. على وجه الخصوص، ضغط الرئيس ريتشارد نيكسون على رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي، آرثر بيرنز، لخفض أسعار الفائدة في عام 1971 في إطار سعيه لإعادة انتخابه في العام التالي، وهو ما استجاب له «الفيدرالي». ويلقي الخبراء الاقتصاديون باللوم على فشل بيرنز في الحفاظ على أسعار فائدة مرتفعة بما يكفي، في زيادة التضخم المستمر في السبعينات وأوائل الثمانينات.

وقال الخبير الاقتصادي في جامعة «ماريلاند»، توماس دريكسل، إنه عندما يتدخل الرؤساء في قرارات أسعار الفائدة التي يتخذها «الفيدرالي»، «فإن ذلك يؤدي إلى زيادة الأسعار بشكل ثابت ويزيد من التوقعات، وهذا يقلقني لأنه يعني أن التضخم قد يصبح متجذراً تماماً».

ومنذ منتصف الثمانينات، وباستثناء فترة ترمب في ولايته الأولى، امتنع الرؤساء عن توجيه انتقادات علنية لـ«الفيدرالي».

وقال أستاذ التنظيم المالي في كلية وارتون بجامعة بنسلفانيا، بيتر كونتي براون: «من المدهش كيف أن التلاعب لأغراض حزبية في هذا الجهاز السياسي كان نادراً للغاية»، وأضاف: «إنه حقاً انتصار للحكم الأميركي».

هل تتمتع دول أخرى ببنوك مركزية مستقلة؟

نعم، معظم الاقتصادات المتقدمة تمتلك بنوكاً مركزية مستقلة. لكن في بعض الحالات الأخيرة، كما في تركيا وجنوب أفريقيا، سعت الحكومات إلى فرض سياسات على البنوك المركزية بخصوص أسعار الفائدة. وعادة ما يؤدي ذلك إلى زيادة التضخم.

على سبيل المثال، مارس الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، ضغوطاً على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة رغم ارتفاع الأسعار، بل وأقال ثلاثة محافظين للبنك المركزي رفضوا الامتثال. ورداً على ذلك، ارتفع التضخم إلى 72 في المائة عام 2022.

لكن في العام الماضي، تراجع إردوغان عن موقفه وأتاح للبنك المركزي رفع أسعار الفائدة.


مقالات ذات صلة

ميرتس: تداعيات حرب الشرق الأوسط على ألمانيا ستستمر «فترة طويلة»

أوروبا المستشار الألماني فريدريش ميرتس (الثاني يساراً) من حزب «الاتحاد الديمقراطي المسيحي» المحافظ ومسؤولون ألمان خلال مؤتمر صحافي بالمستشارية في برلين اليوم (أ.ف.ب)
p-circle 00:37

ميرتس: تداعيات حرب الشرق الأوسط على ألمانيا ستستمر «فترة طويلة»

حذّر المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الاثنين، من أن اقتصاد بلاده سيعاني لمدة طويلة من تداعيات أزمة الطاقة التي تسببت بها حرب الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (برلين)
الاقتصاد موظف يعدُّ أوراق الروبية الباكستانية داخل أحد البنوك في بيشاور (رويترز)

«فيتش» تثبِّت تصنيف باكستان عند «بي-» مع نظرة مستقبلية مستقرة

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني، يوم الاثنين، تصنيف باكستان بالعملة الأجنبية عند مستوى «بي-» مع نظرة مستقبلية مستقرة.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد )
الاقتصاد أجاي بانغا يُجري مقابلة مع وكالة «رويترز» بمقر البنك الدولي في واشنطن (رويترز)

رئيس البنك الدولي يحذّر من فجوة 800 مليون وظيفة تهدد الدول النامية

حذّر رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، من أزمة وشيكة بسوق العمل العالمية، مشيراً إلى فجوة هائلة في فرص العمل تهدد الدول النامية خلال السنوات المقبلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

عوائد سندات اليورو ترتفع مع تعثر المحادثات الأميركية الإيرانية

ارتفعت عوائد السندات الحكومية في منطقة اليورو، يوم الاثنين، عقب تعثر المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد بانغا يلقي كلمة في منتدى عُقد بمبنى المجلس الأطلسي بواشنطن في 7 أبريل (رويترز)

رئيس البنك الدولي: تداعيات الحرب «متسلسلة» حتى لو صمد وقف إطلاق النار

حذر رئيس البنك الدولي، أجاي بانغا، من أن الحرب في الشرق الأوسط سيكون لها تأثير متسلسل على الاقتصاد العالمي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.