ماكرون: السعودية «حجر زاوية» للوصول إلى الأسواق الخليجية والعربية والأفريقية

توقيع 3 مشروعات ضخمة للطاقة المتجددة بين الرياض وباريس خلال المنتدى الاستثماري

TT

ماكرون: السعودية «حجر زاوية» للوصول إلى الأسواق الخليجية والعربية والأفريقية

إيمانويل ماكرون يتحدث إلى الحضور خلال منتدى الاستثمار السعودي - الفرنسي بالرياض (الشرق الأوسط)
إيمانويل ماكرون يتحدث إلى الحضور خلال منتدى الاستثمار السعودي - الفرنسي بالرياض (الشرق الأوسط)

وجّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، دعوة تشجيع إلى رجال وسيدات الأعمال الفرنسيين للاستثمار في المملكة كونها «حجر الزاوية»، بحسب وصفه، في المنطقة الممتدة من الخليج إلى الدول العربية وأفريقيا، موجهاً الدعوة ذاتها إلى الشركات السعودية للاستثمار في باريس كونها «رقم واحد» في جذب الاستثمارات منذ 5 أعوام، ويجب النظر إلى بلاده بوصفها نقطة وصول إلى أسواق الاتحاد الأوروبي.

وقال ماكرون، خلال «منتدى الاستثمار السعودي - الفرنسي»، الثلاثاء في الرياض، إن البلدين شريكان موثوقان في ظل التشرذم العالمي، متطرقاً إلى حديثه الأخير مع ولي العهد رئيس مجلس الوزراء الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، والاتفاق على أمور جيوسياسية عدة، وأهمية التوازن والسلام.

وتحدَّث الرئيس الفرنسي عن وجود 145 شركة في هذا الحدث، وهو دليل على الالتزام مع المملكة، كون باريس ثاني أكبر مستثمر أجنبي في السعودية، موضحاً أن الشركات الفرنسية توظِّف نحو 12 ألفاً من الكوادر البشرية.

ويرى ماكرون أن الشراكات الاستثمارية بين البلدَين تتركز في قطاعات عدة، منها: الطاقة، والمياه، والبيئة، والسياحة، والرياضة، والرعاية الصحية، والغذاء، واكتشاف الفضاء، والطيران، متطلعاً نحو تعزيز هذه الشراكات، وخلق فرص العمل والتدريب، وبناء مزيد من المهارات.

الهيدروجين الأخضر

وبحسب ماكرون، فإن فرنسا تريد أن تكون شريكة في رؤية المملكة للتخلص من الكربون من خلال الابتكار ووسائل النقل الجديدة، نحو الطاقة المتجددة، بما فيها الهيدروجين الأخضر، وتخفيف انبعاثات الكربون.

وتطرَّق إلى الاستثمارات السعودية الهائلة في مجال الذكاء الاصطناعي، وأن بلاده تسير في الاتجاه ذاته، وبالتالي فمن الممكن الاستفادة من الخبرة الفرنسية لتدريب المهارات في هذه التقنية، فلديها أفضل النماذج والشركات الناشئة التي يمكنها العمل على منتجات متخصصة، مع طلبات أقل من حيث الطاقة والقدر الاستيعابي للحواسيب، والجمع بين الذكاء الاصطناعي والتغير المناخي.

وأوضح ماكرون أن فرنسا تبحث أيضاً الشراكة في مشروعات «رؤية 2030» العملاقة مثل: نيوم، والعلا، والقدية، وغيرها، بالإضافة إلى المشاركة في مشروعات «إكسبو 2030» و«كأس العالم 2034»، وأنه يجب العمل المشترك لنقل الخبرات والتكنولوجيا لتنظيم هذه الفعاليات الكبيرة.

وشرح الرئيس الفرنسي كيفية الاستفادة من الخبرات الفرنسية لتطوير أهم المواقع التراثية والمتاحف في السعودية من خلال استحداث تجربة جديدة، وجمع أفضل الخبراء بين البلدين لتطوير هذه المواقع.

«قطار الرياض»

من جهته، أكد وزير الاستثمار السعودي، خالد الفالح، أن العلاقات بين المملكة وفرنسا حقَّقت خطوات مهمة نحو تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين، مبيناً أن الحدث يعدّ فرصةً لتوحيد الجهود في مختلف المجالات الاقتصادية، بما في ذلك الابتكار والتكنولوجيا.

وزير الاستثمار متحدثاً إلى الحضور (الشرق الأوسط)

وأفصح عن استضافة نحو 500 شركة فرنسية رائدة مسجلة لدى وزارة الاستثمار، وأن 30 شركة منها أنشأت مقراتها الإقليمية في الرياض.

وكشف عن توقيع 3 مشروعات ضخمة للطاقة المتجددة بالشراكة مع القطاع الخاص الفرنسي، مؤكداً أن مشروع «قطار الرياض» يشكِّل نموذجاً للتعاون المثمر بين الشركات الفرنسية والسعودية، وهو ما يفتح آفاقاً جديدة للتوسع في هذا المجال، لافتاً في الوقت ذاته إلى الشراكة مع «إيرباص» في مجال الطيران، حيث تم الإعلان عن أكبر طلبية طائرات في 2024.

استحداث فريق عمل

من ناحيته، ذكر رئيس الجانب الفرنسي في مجلس الأعمال السعودي - الفرنسي، رئيس أرباب العمل الفرنسيين (ميديف) لوران جيرمان، أن شركات بلاده تنظر إلى المملكة بوصفها شريكاً حقيقياً، وتستثمر في السعودية لـ3 عوامل رئيسية، أولها رؤية سياسية قوية، ووجود مشروعات كبرى، إضافةً إلى وجود التمويل.

وبيَّن خلال كلمته في المنتدى، أن إحدى الشركات الفرنسية كانت مشارِكةً في مشروع «قطار الرياض» العملاق، الذي تم إطلاقه أخيراً، مؤكداً أن الرياض لديها أحداث عالمية مهمة، وتتطلع الشركات الفرنسية للمشاركة والاستثمار فيها.

واقترح جيرمان استحداث فريق عمل بين البلدين للتنسيق في الفعاليات المستضافة في المملكة والاستثمار فيها؛ لضمان استدامتها، مبيناً أن الشركات الفرنسية تمضي نحو توطين الصناعات في المملكة.

وأضاف أن المملكة أكثر دولة استضافت وفوداً من «ميديف» كونها لديها أكبر عدد من المشروعات المستقبلية، وللمساهمة في هذه الأهداف العملية لتكون السعودية قائدةً في هذا المجال.

جانب من حضور الوزراء والمسؤولين (الشرق الأوسط)

طلبات شراء الطائرات

من جانبه، أفاد نائب الرئيس التنفيذي لـ«إيرباص» الفرنسية، فاوتر فان فيرش، في حديثه إلى «الشرق الأوسط»، بأن الشركة تمتلك نحو 200 طائرة تجارية تعمل في سماء المملكة، مع طلبات مستقبلية لشراء 300 طائرة إضافية.

وأكمل أن الشركة تدير أيضاً أكثر من 120 مروحية في المملكة، إلى جانب نحو 80 طائرة عسكرية، بالإضافة إلى أقمار اصطناعية.

وواصل فان فيرش أن «إيرباص» ملتزمة بدعم «رؤية 2030»، لافتاً إلى أن هناك فرصاً كبيرة للمساهمة في تحقيق أهداف المملكة في مجال النقل، حيث تهدف الرؤية إلى زيادة عدد المسافرين القادمين إلى المملكة 3 مرات بحلول عام 2030، ما يتطلب إضافة مزيد من الطائرات.

وأبان أن «إيرباص» يمكنها تلبية هذا الطلب من خلال توفير طائراتها المتاحة حالياً، مع إمكانية تقديم طرازات جديدة مثل «إيرباص A350» في المستقبل.

ووفق فان فيرش، فإن المملكة تمتلك إمكانات كبيرة في مجال وقود الطيران المستدام وربما الهيدروجين في المستقبل، وهو ما يفتح المجال لتعميق التعاون بين الجانبين في هذا المجال.

وتابع نائب الرئيس التنفيذي، أن شركته تتمتع بحصة سوقية كاملة في قطاع الطائرات ذات الممر الواحد مع طرازَي «A320» و«A321»، مشيراً إلى أن جميع شركات الطيران السعودية ستستخدم طائرات «إيرباص» من هذه الفئة.

واختتم حديثه بأن هناك تعاوناً مستمراً في توسيع أسطول الطائرات، مع توقعات بأن تتم إضافة طائرات «A330» الجديدة قريباً، بالإضافة إلى إمكانية إدخال طائرات «A350» في المستقبل.

توقيع الاتفاقات

إلى ذلك تمَّ توقيع اتفاقات استثمارية عدة في قطاع الطاقة، بحضور الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، وزير الطاقة السعودي الأمير عبد العزيز بن سلمان، وذلك بين عدد من الشركات، أبرزها «أرامكو السعودية»، و«توتال إنرجيز»، و«الشركة السعودية لشراء الطاقة»، و«فيوليا»، و«سرك».

وفي مجال النقل واللوجيستيات، تمَّ توقيع اتفاقية بين وزارة الاستثمار، ووزارة الاقتصاد والتخطيط، وشركة «سي إم إي - سي جي إم». وكانت هناك أيضاً اتفاقية بين «طيران السعودية» و«إيرفرنس».


مقالات ذات صلة

محمد بن سلمان: «رؤية 2030» تدخل ذروة التنفيذ ومرحلتها الثالثة ترسيخ لمكتسبات التحول الوطني

الاقتصاد الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي (الشرق الأوسط)

محمد بن سلمان: «رؤية 2030» تدخل ذروة التنفيذ ومرحلتها الثالثة ترسيخ لمكتسبات التحول الوطني

أكد ولي العهد السعودي، رئيس مجلس الوزراء، رئيس مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، الأمير محمد بن سلمان، أن «رؤية 2030» أحدثت نقلة نوعية في مسيرة تنمية المملكة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد لوز «أولام» (رويترز)

«سالك» السعودية ترفع حصتها في «أولام» السنغافورية إلى 80.01 في المائة

رفعت «سالك» السعودية، حصتها في شركة «أولام الزراعية» من 35.43 إلى 80.01 في المائة، بصفقة قيمتها 1.88 مليار دولار، لتعزيز الأمن الغذائي.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
الاقتصاد وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف يتحدث للحضور في مناسبة سابقة (سدايا)

السعودية: قفزة بالمحتوى المحلي إلى 51 % باستثمارات 4.8 مليار دولار

منذ إطلاق هيئة المحتوى المحلي والمشتريات الحكومية وتفعيل أدوارها، أصبحت أداة هائلة لجذب الاستثمارات، وتعزيز التوطين، ونقل التقنية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص مشاركون في المؤتمر الدولي لسوق العمل في الرياض (واس)

خاص السعودية تربط الاستقدام بالأنظمة الرقمية لتعزيز الامتثال وحماية الأجور

تشهد سوق العمل في السعودية تحولات متسارعة مدفوعة بإصلاحات ضمن «رؤية 2030»، وتستهدف تعزيز الامتثال، وحماية الأجور، ورفع كفاءة البيئة التشغيلية.

عبير حمدي (الرياض)
الاقتصاد مدخل برج مجموعة «تداول السعودية» في المركز المالي بالعاصمة الرياض (الشرق الأوسط)

تراجع أرباح «تداول السعودية» 53.9 % في الربع الأول وسط استثمارات استراتيجية

أعلنت مجموعة «تداول السعودية» القابضة نتائجها المالية الأولية للربع الأول من عام 2026، مُظهرةً تراجعاً في صافي الأرباح.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

طفرة تداول السندات والأسهم تنقذ أرباح «باركليز» من فخ «الائتمان الخاص»

شعار بنك «باركليز» على لافتة خارج أحد فروع البنك في وستمنستر بوسط لندن (أ.ف.ب)
شعار بنك «باركليز» على لافتة خارج أحد فروع البنك في وستمنستر بوسط لندن (أ.ف.ب)
TT

طفرة تداول السندات والأسهم تنقذ أرباح «باركليز» من فخ «الائتمان الخاص»

شعار بنك «باركليز» على لافتة خارج أحد فروع البنك في وستمنستر بوسط لندن (أ.ف.ب)
شعار بنك «باركليز» على لافتة خارج أحد فروع البنك في وستمنستر بوسط لندن (أ.ف.ب)

أعلن بنك «باركليز» يوم الثلاثاء، عن تحقيق أرباح للربع الأول جاءت متماشية مع التوقعات، حيث نجح الأداء المستقر للبنك الاستثماري بفضل طفرة التداول، في موازنة مخصصات بقيمة 200 مليون جنيه إسترليني (270 مليون دولار) لتغطية خسارة ناتجة عن الانكشاف على شركة واحدة.

وسجل البنك البريطاني أرباحاً قبل الضريبة للفترة من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار) بلغت 2.8 مليار جنيه إسترليني، بزيادة طفيفة على 2.7 مليار جنيه إسترليني المسجلة قبل عام، وهو ما جاء متوافقاً مع توقعات المحللين وفقاً لبيانات «إل إس إي جي». كما أعلن البنك عن برنامج جديد لإعادة شراء الأسهم بقيمة 500 مليون جنيه إسترليني.

أداء البنك الاستثماري وملف «MFS»

ارتفع دخل البنك الاستثماري بنسبة 4 في المائة مقارنة بالعام الماضي، ليصل إلى 4 مليارات جنيه إسترليني، متماشياً مع توقعات المحللين البالغة 3.9 مليار جنيه. ولم يكشف البنك رسمياً عن اسم الشركة التي تسببت في مخصصات الخسارة البالغة 200 مليون جنيه في بنكه الاستثماري.

ومع ذلك، كان المستثمرون يتوقعون هذه الخطوة بعد انهيار شركة «MFS» في فبراير (شباط) الماضي، وهي مقرض يتخذ من لندن مقراً له ومتخصص في القروض العقارية المعقدة. وأثار انهيار «MFS» تساؤلات حول إجراءات التدقيق التي اتخذتها البنوك المقرضة، بما في ذلك باركليز، وحول صحة سوق الائتمان الخاص بشكل عام.

وكان مصدر مطلع قد صرح لـ«رويترز» في وقت سابق، بأن بنك «باركليز» يطالب بنحو 495 مليون جنيه إسترليني نتيجة انكشافه على شركة «MFS».


أرباح «بي بي» تتجاوز التوقعات عند 3.2 مليار دولار مدفوعة بـ«طفرة» تجارة النفط

شعار «بي بي» في محطة وقود بواشنطن (أ.ب)
شعار «بي بي» في محطة وقود بواشنطن (أ.ب)
TT

أرباح «بي بي» تتجاوز التوقعات عند 3.2 مليار دولار مدفوعة بـ«طفرة» تجارة النفط

شعار «بي بي» في محطة وقود بواشنطن (أ.ب)
شعار «بي بي» في محطة وقود بواشنطن (أ.ب)

أعلنت شركة «بي بي» (BP)، يوم الثلاثاء، تحقيق أرباح في الربع الأول بلغت 3.2 مليار دولار (على أساس تكلفة الاستبدال الأساسية، وهو المقياس الذي تعتمده الشركة لصافي الدخل)، متجاوزة توقعات المحللين التي كانت تشير إلى 2.67 مليار دولار، ومقارنة بـ1.38 مليار دولار قبل عام.

وقد حقق قطاع «العملاء والمنتجات» في الشركة الذي يضم مكتب تداول النفط -الذي كانت «بي بي» قد أشارت سابقاً إلى أدائه القوي الاستثنائي هذا الربع- أرباحاً قبل الفوائد والضرائب بلغت 3.2 مليار دولار، متفوقاً على متوسط تقديرات المحللين البالغ 2.5 مليار دولار. وقد ساعد الارتفاع الحاد في أسعار النفط، الناتج عن الحرب في الشرق الأوسط، الشركات الأوروبية الكبرى على جني مليارات الدولارات نتيجة أزمة إمدادات الطاقة.

في المقابل، جاءت نتائج قطاعات «الغاز والطاقة منخفضة الكربون» و«إنتاج النفط والعمليات» أدنى قليلاً من التوقعات.

تحديات الإنتاج والديون

وأوضحت «بي بي» أن هوامش الوقود من المتوقع أن «تظل حساسة» لتكاليف الإمداد والظروف السائدة في منطقة الشرق الأوسط. كما تتوقع الشركة أن يكون إنتاج قطاع «التنقيب والإنتاج» لعام 2026 أقل بسبب تداعيات الصراع المستمر.

من جهة أخرى، ارتفع صافي الدين ليصل إلى 25.3 مليار دولار، صعوداً مما يزيد قليلاً على 22 مليار دولار في الربع السابق، مدفوعاً بانخفاض التدفق النقدي التشغيلي الذي بلغ 2.9 مليار دولار.

وقالت ميغ أونيل، في أول نتائج رسمية لها في منصب الرئيس التنفيذي لشركة «بي بي» منذ توليها المهام في أبريل (نيسان): «نحن نمضي في الاتجاه الصحيح، حيث نعمل على تعزيز الميزانية العمومية ومواصلة تسريع وتيرة الإنجاز». وتعد أونيل خامس رئيس تنفيذي للشركة منذ عام 2020.


بنوك «وول ستريت» ترفع حيازاتها من السندات الأميركية لأعلى مستوى منذ 2007

شخاص يسيرون على طول شارع «وول ستريت» بالقرب من بورصة نيويورك (رويترز)
شخاص يسيرون على طول شارع «وول ستريت» بالقرب من بورصة نيويورك (رويترز)
TT

بنوك «وول ستريت» ترفع حيازاتها من السندات الأميركية لأعلى مستوى منذ 2007

شخاص يسيرون على طول شارع «وول ستريت» بالقرب من بورصة نيويورك (رويترز)
شخاص يسيرون على طول شارع «وول ستريت» بالقرب من بورصة نيويورك (رويترز)

قفزت حيازات كبار المتعاملين في «وول ستريت» من سندات الخزانة الأميركية إلى أعلى مستوياتها منذ أعقاب الأزمة المالية العالمية، حيث دفع توجه إدارة ترمب نحو تقليص القيود التنظيمية البنوك للعودة بقوة إلى سوق الديون البالغ حجمها 31 تريليون دولار.

ووفقاً لحسابات «فاينانشال تايمز» المستندة إلى بيانات بنك الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، ارتفع متوسط صافي مخزونات سندات الخزانة لدى «المتعاملين الأوليين» (Primary Dealers) –وهي البنوك الكبرى التي تغطي اكتتابات الديون الحكومية– إلى نحو 550 مليار دولار هذا العام، مقارنة بأقل من 400 مليار دولار في عام 2025. وتمثل هذه الحيازات قرابة 2 في المائة من إجمالي سوق السندات، وهي أعلى نسبة تُسجل منذ عام 2007.

ويؤكد محللون، ومستثمرون، وتنفيذيون في القطاع المالي أن تخفيف قواعد رأس المال الأميركية يشجع المصارف الكبرى على تسهيل المزيد من عمليات تداول السندات، مما يساعدها على استعادة جزء من المكانة التي فقدتها لصالح مجموعات مالية أخرى بعد أزمة عام 2008.

وفي هذا الصدد، قال أجاي راجادياكشا، رئيس الأبحاث العالمية في بنك «باركليز»: «البنوك اليوم تلعب دوراً أكبر كوسيط بفضل التغييرات في التنظيمات، وأيضاً بسبب التحول في عقليتها الرقابية».

تخفيف قيود «نسبة الرافعة المالية»

وكانت الجهات الرقابية الأميركية قد أقرت في وقت متأخر من العام الماضي خططاً لتخفيف ما يُعرف بـ«نسبة الرافعة المالية التكميلية المعززة» (SLR)، وهي القاعدة التي تحدد مقدار رأس المال الذي يجب على أكبر البنوك الأميركية الاحتفاظ به مقابل إجمالي أصولها (دون تعديل المخاطر).

وقد لاقت هذه الجهود، التي قادتها ميشيل بومان، نائبة رئيس الاحتياطي الفيدرالي للإشراف المصرفي، ترحيباً واسعاً من تنفيذيي «وول ستريت» الذين أصروا طويلاً على أن قواعد رأس المال الصارمة دفعت البنوك بعيداً عن القيام بدور صانع السوق.

بومان، التي عيّنها الرئيس دونالد ترمب العام الماضي، حاججت بأن التنظيمات التي تلت عام 2008 رغم أنها جعلت البنوك أكثر أماناً، فإنها حدت من بعض الأنشطة منخفضة المخاطر، وجعلت سوق السندات أكثر هشاشة.

شخص ينتظر على رصيف مترو أنفاق وول ستريت في الحي المالي بمانهاتن (رويترز)

وقال مارك كابانا، رئيس استراتيجية الأسعار الأميركية في «بنك أوف أميركا»: «كنا متشككين في أن هذه التغييرات سيكون لها تأثير ملموس، لكن لدينا الآن أدلة على أن تعديلات نسبة الرافعة المالية أثرت فعلياً على حيازات المتعاملين، والتي ارتفعت بشكل ملحوظ خلال الأشهر القليلة الماضية».

كما أشار بنك «مورغان ستانلي» هذا الشهر إلى تخصيص المزيد من رأس المال لتداول السندات بفضل هذه المراجعات التنظيمية.

تغيير في هيكل السوق ومخاوف من «الهشاشة»

قبل الأزمة المالية، كانت البنوك الكبرى هي الركيزة الأساسية لسوق السندات، لكن منذ ذلك الحين، استحوذت صناديق التحوط وشركات التداول المتخصصة على دور أكبر، وأكثر أهمية، وفق ما جاء في تقرير «فاينانشال تايمز».

وكان توسع هذه الجهات كمشترين وصناع سوق أمراً حيوياً، خاصة أن التخفيضات الضريبية وبرامج الإنفاق الضخمة دفعتا العجز الفيدرالي إلى 6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. ومع ذلك، فإن هؤلاء الداخلين الجدد ضخوا كميات غير مسبوقة من «الرافعة المالية» في السوق، مما زاد من مخاطر حدوث خلل وظيفي خلال لحظات التداول المذعورة، كما حدث في عام 2020 حين اضطر الاحتياطي الفيدرالي للتدخل.

من جانبها، حذرت ييشا ياداف، الأستاذة في كلية الحقوق بجامعة فاندربيلت، من أن تخفيف القيود لا يضمن عودة دائمة للبنوك، قائلة: «نحن نتراجع عن قواعد الميزانية العمومية، لكن لا يوجد ضمان أن هذا سينجح بشكل دائم».

واتفق معها جاي باري، رئيس استراتيجية الأسعار العالمية في «جي بي مورغان»، قائلاً: «المتعاملون الأوليون لن يلعبوا نفس الدور الذي كانوا يلعبونه قبل 2008، فالتداول اليوم يتم بطريقة مختلفة، وصناديق التحوط والمتداولون مرتفعو التردد سيظلون يشكلون جزءاً كبيراً من السوق».

متداول يعمل في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

إلغاء التنظيمات بوصفها قوة دافعة للأرباح

يعد إصلاح قاعدة (SLR) جزءاً من توجه أميركي أوسع لإلغاء التنظيمات، مما ساعد في تعزيز أرباح عمالقة «وول ستريت»، وكان أحد الدوافع وراء المستويات القياسية لإعادة شراء الأسهم في الربع الأول من هذا العام.

وتشير أبحاث من «كواليسن غرينتش» إلى أن أكبر ستة بنوك ذات أهمية نظامية كانت تحتفظ برأسمال فائض كبير حتى نهاية عام 2025 –بمتوسط 2.4 في المائة– تحسباً لقواعد «بازل 3» الصارمة. ومع التعديلات التنظيمية الأخيرة، يرى الخبراء أن المبرر للاحتفاظ بهذه «المصدات الفائضة الضخمة» قد تبخر، مما يفتح الباب أمام مزيد من التوسع في تداول الديون الحكومية.