سكوت بيسنت... من «كسر» بنك إنجلترا إلى إدارة وزارة الخزانة الأميركية

زملاؤه ومنافسوه السابقون يرون أنه يتمتع بفهم واسع للأسواق المالية

ترمب يستمع إلى سكوت بيسنت وهو يتحدث عن الاقتصاد في أشفيل في أثناء الحملة الانتخابية (أ.ب)
ترمب يستمع إلى سكوت بيسنت وهو يتحدث عن الاقتصاد في أشفيل في أثناء الحملة الانتخابية (أ.ب)
TT

سكوت بيسنت... من «كسر» بنك إنجلترا إلى إدارة وزارة الخزانة الأميركية

ترمب يستمع إلى سكوت بيسنت وهو يتحدث عن الاقتصاد في أشفيل في أثناء الحملة الانتخابية (أ.ب)
ترمب يستمع إلى سكوت بيسنت وهو يتحدث عن الاقتصاد في أشفيل في أثناء الحملة الانتخابية (أ.ب)

قبل ثلاثة عقود من تعيينه لقيادة وزارة الخزانة، طُلب من سكوت بيسنت المساعدة في كسر النظام المالي لبلد آخر. فقد ساعد بيسنت، الذي كان يبلغ من العمر 29 عاماً آنذاك، والذي كان يعمل لدى الممول جورج سوروس، في «كسر» بنك إنجلترا من خلال صفقات ساحقة ضد الجنيه الإسترليني، وذلك كما ورد في تقرير لصحيفة «نيويورك تايمز».

بحسب التقرير الذي أعدته الصحافية مورين فاريل، كان بيسنت ضمن فريق صغير في شركة سوروس الاستثمارية التي جمعت في عام 1992 رهاناً بقيمة 10 مليارات دولار على أن الجنيه الإسترليني كان مبالغاً في قيمته. على الرغم من أن الحكومة البريطانية حاولت دعم العملة، فإنها لم تكن قادرة على تحمل الضغط، وانخفضت قيمة الجنيه الإسترليني.

حصل صندوق سوروس على أكثر من مليار دولار، بالإضافة إلى الفضل (والسمعة السيئة) في تنظيم واحدة من أكثر الصفقات جرأة في «وول ستريت».

عندما أعلن الرئيس المنتخب دونالد ترمب اختياره لبيسنت وزيراً للخزانة، الأسبوع الماضي، لم يكن هناك أي ذكر لعلاقته بسوروس. لكن خبرة بيسنت في صندوق سوروس - بما في ذلك رهان آخر رفيع المستوى ضد الين الياباني - هي التي ساعدت في تحديد مسيرته المهنية، والتي يراها زملاؤه السابقون وشركاؤه الآخرون بمثابة مؤهلات مهمة.

قال ديفيد سميك، مستشار سوروس في مرحلة الرهان ضد الجنيه الاسترليني، إن بيسنت «كان بإمكانه رؤية نقاط الضعف بطريقة لم يرها معظم الأشخاص الآخرين في الأسواق المالية».

أمضى بيسنت، البالغ من العمر 62 عاماً، ما يقرب من أربعة عقود متداولاً، أو كبير مسؤولي الاستثمار في صناديق التحوط، بما في ذلك فترتان في إدارة شركته الخاصة. ولكنه أيضاً خرج مؤخراً من دائرة الضوء في «وول ستريت».

وقد تم إطلاق أحدث صناديق التحوط الخاصة به، وهو صندوق «كي سكوير كابيتال»، وسط ضجة كبيرة في عام 2016، حيث جمع 4.5 مليار دولار من أموال المستثمرين، بما في ذلك مليارا دولار من سوروس، ولكنه يدير الآن أقل من ذلك بكثير.

وكان صندوق آخر أداره في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين قد حقق أداءً غير ملحوظ بالمثل.

وقال بيسنت في مقابلات أجريت معه إنه بدأ باستراتيجية استثمار خاطئة.

بيسنت، وفق تقرير «نيويورك تايمز»، هو شخص تأخر نسبياً في الانضمام إلى الدائرة المقربة من ترمب؛ فعلى الرغم من أنه كان صديقاً لعقود من الزمن لعائلة الرئيس المنتخب، فإنه لم يتواصل مع ترمب إلا في العام الماضي.

صورة لبيسنت تعود إلى عام 2017 حين شارك في مؤتمر مالي في إيداهو (أ.ف.ب)

معرفة عميقة بالكوارث الاقتصادية

وفي مقابلات أجريت معه، أشاد زملاء بيسنت السابقون وشركاؤه بمعرفته العميقة بالتاريخ والأسواق المالية والكوارث الاقتصادية، وقالوا إن ذلك سيمنحه ميزة واضحة في توجيه وزارة الخزانة، المكلفة بإدارة الاقتصاد الأميركي والصحة المالية للحكومة. ويشمل ذلك إصدار الديون لتمويل عمليات الحكومة، والدفع بالتخفيضات الضريبية التي اقترحها ترمب من خلال الكونغرس، وقيادة المفاوضات الاقتصادية مع الصين والقوى العظمى العالمية الأخرى. وسيتعين عليه أيضاً أن يتصارع مع كيفية تأثير خطط ترمب بشأن التعريفات الجمركية على الاقتصاد والدولار والعجز.

يوم الاثنين، هدّد ترمب بزيادة الرسوم الجمركية على الواردات من الصين وفرض رسوم جديدة على كندا والمكسيك. وقال زملاء بيسنت السابقون إنهم لا يعدّونه من الموالين لترمب، لكنه كان داعماً علناً لخطط الرئيس المنتخب.

وفي مقال نشرته شبكة «فوكس نيوز»، هذا الشهر، كتب أن الاقتصاديين أساءوا فهم التعريفات الجمركية، مشيراً إلى دورها في زيادة الإيرادات للخزانة، وحماية الصناعات المحلية، والعمل بوصفها «أداة تفاوض مع شركائنا التجاريين».

«تأثير الفراشة»

قال كيران كافانا، مدير صندوق التحوط الذي عمل تحت إشراف بيسنت من 2013 إلى 2015 في شركة سوروس، إن بيسنت «بارع جداً في اكتشاف (تأثير الفراشة)».

وهو المصطلح الذي يسمى أيضاً «نظرية الفوضى»، ويُعرّف بأنه موقف حيث يكون الإجراء أو التغيير الذي لا يبدو مهماً له تأثير كبير جداً، وخاصة في أماكن أخرى أو حول العالم.

وعلى سبيل المثال، قال كافانا إن شيئاً ما يحدث في الصين يمكن أن يؤثر على الزراعة أو الصلب في الولايات المتحدة أو سعر سندات الخزانة.

ومع ذلك، تساءل الأشخاص المحيطون ببيسنت عن كيفية ترجمة خبرته إلى وزارة الخزانة. فمع وجود أكثر من 100 ألف موظف، ستكون الوكالة بمثابة تغيير جذري في النطاق والحجم عن أي شيء أداره بيسنت في الماضي.

عُرف عن بيسنت أنه كان يقضي وقتاً أطول في الغوص في البيانات المالية والكتب والدوريات أكثر من الإدارة النشطة أو عقد الاجتماعات مع الموظفين. وقال الأشخاص الذين عملوا معه إنه غالباً ما كان يخصص أيام الجمعة للقراءة، وأشاد العديد من زملائه السابقين بإرشاداته الفردية.

أما في وزارة الخزانة، فسيعمل في عالم مختلف؛ عالم سيتعين عليه فيه التعامل مع السياسة بالإضافة إلى الاقتصاد.

وقال روبرت جونسون، الذي كان زميلاً لبيسنت في وقت خفض قيمة الجنيه الإسترليني: «إن قدرته على إقناع رئيس الولايات المتحدة أو مجلس الشيوخ تختلف عن قدرته على رؤية ما يجب القيام به».

الملياردير الأميركي جورج سوروس (أ.ب)

في شركة «سوروس فاند مانجمنت»، الاسم الحالي للشركة، حيث شغل بيسنت منصب كبير مسؤولي الاستثمار من عام 2011 إلى عام 2015، ساعد في الإشراف على نحو 320 موظفاً، بمن في ذلك 120 من المتخصصين في الاستثمار. وكانت تلك أكبر مسؤولياته الإدارية حتى الآن.

وبيسنت هو ثاني وزير خزانة يختاره ترمب لمنصب وزير الخزانة الذي عمل تحت إشراف سوروس، على الرغم من الاختلافات الآيديولوجية الشديدة بين المحسن الليبرالي والرئيس المنتخب. وكان ستيفن منوشين، الذي خدم في إدارة ترمب الأولى، قد عمل في صندوق سوروس لفترة وجيزة في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ولكنه لم يتداخل مع بيسنت.

العمل لدى سوروس

بدأ بيسنت مسيرته المهنية في مجال التمويل بعد تخرجه في عام 1984 من جامعة ييل، حيث قام بتدريس العديد من دورات الاقتصاد والاستثمار في وقت لاحق. وعمل في بنك «براون براذرز هاريمان» الاستثماري قبل أن ينضم إلى شركة سوروس عام 1991.

وقد أرسل صندوق «كوانتوم» التابع لسوروس بيسنت إلى لندن، حيث انغمس في بيانات الإسكان. واكتشف أن عدداً قليلاً من المواطنين البريطانيين يحملون قروضاً عقارية بسعر فائدة ثابت. وتوقع أنه إذا قام بنك إنجلترا برفع أسعار الفائدة، فإن ذلك سيرفع التكلفة مباشرة على المواطنين بينما كان الاقتصاد في خضم الركود.

في ذلك الوقت، كان الجنيه الإسترليني محصوراً في نطاق العملة الألمانية، بموجب اتفاقية مع معظم الاقتصادات الأوروبية الكبرى تهدف إلى تقليل تقلبات العملات الأجنبية. ولتحقيق ذلك، كان بنك إنجلترا المركزي يشتري أو يبيع الجنيه الإسترليني إذا بدأ يتحرك خارج النطاق، على غرار ما تفعله الصين اليوم للحفاظ على استقرار عملتها.

المراهنة ضد الجنيه الإسترليني

عندما بدأ سوروس وكبير مسؤولي الاستثمار لديه في ذلك الوقت، ستانلي دروكنميلر، في التفكير في المراهنة ضد الجنيه الإسترليني، منحهما فهم بيسنت للاقتصاد البريطاني الثقة بمواجهة بنك إنجلترا. وإحدى الطرق التي يمكن للبنك المركزي أن يحارب بها انخفاض العملة هي رفع أسعار الفائدة، لكن الرهون العقارية ذات السعر العائم جعلت من ذلك مشكلة لبنك إنجلترا.

وقال سميك: «لقد كان يتحسس بأطراف أصابعه عيوب النظام المالي البريطاني».

في ذلك الوقت، كان من غير المعقول أن يكون لدى مستثمري القطاع الخاص الموارد اللازمة لإسقاط أحد أقدم وأكبر البنوك المركزية في العالم. لكن سوروس أصر على أن يراهنوا بما يصل إلى 15 مليار دولار (على الرغم من أنهم في نهاية المطاف احتاجوا إلى 10 مليارات دولار فقط).

وفي وقت لاحق، قال بيسنت للمؤلف سيباستيان مالابي في كتاب «المزيد من المال أكثر من الله»: «يمكننا أن ندفع البنك إلى الحائط».

حقق فريق سوروس أرباحاً تزيد على مليار دولار من تلك الصفقة على مدار أسابيع.

لم يكن هذا الربح دون تكاليف، فقد كلفت القضية برمتها دافعي الضرائب البريطانيين مليارات الدولارات، وأدت إلى خسارة حزب المحافظين في الانتخابات، والتي استقال على أثرها رئيس الوزراء جون ميجور.

عام 2000، ترك بيسنت سوروس ليؤسس صندوق التحوط الخاص به، «بيسنت كابيتال». وقد حقق الصندوق، الذي ركز في البداية على تداول الأسهم، نتائج متباينة. وبحلول عام 2005، جرّب بيسنت التقاعد لفترة وجيزة وأعاد للمستثمرين أموالهم وأغلق الصندوق.

المراهنة على شينزو آبي

عام 2011، عاد بيسنت إلى شركة سوروس، بعد بضع سنوات في شركة أخرى، وبدأ في دراسة ما سيصبح مهنة ثانية تحدد مسيرته المهنية. في عام 2012، التقى بمستشارٍ لشينزو آبي، الذي سرعان ما أصبح رئيس وزراء اليابان للمرة الثانية. أخبره المساعد عن خطط آبي لإخراج اليابان من الركود الانكماشي الذي دام عقوداً من الزمان، وهو الجهد الذي أصبح يُعرف باسم «اقتصاد آبي».

إذا نجح آبي، فإن الين الياباني سوف يضعف، وسترتفع الأسهم في البلاد، كما استنتج بيسنت.

في عام 2013، أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال» بأن الرهان العملاق ضد الين أتى بثماره، حيث حقق الصندوق أرباحاً بلغت نحو مليار دولار في غضون بضعة أشهر فقط. قال زملاء سابقون إن شركة سوروس، مع بيسنت على رأس القيادة، حققت عائدات تزيد على 20 في المائة في معظم السنوات.

ولكن كان معروفاً عنه أيضاً أنه كان يتعارض مع سوروس في بعض الأحيان. وقال بيسنت في مقابلة لكتاب «داخل بيت المال: كبار المتداولين في صناديق التحوط حول الربح في الأسواق العالمية»: «يحب جورج أن تجادله إذا كنت على حق، ولهذا السبب أعتقد أنني نجحت هناك».

في حين يقول بعض زملائه السابقين إنه لم يكن سراً أنه كان أكثر تحفظاً من سوروس، وهو متبرع بارز للديمقراطيين، فقد وصفوه بأنه «غير سياسي» في مكان العمل.

لكن إعلان بيسنت في عام 2015 عن أنه سيترك إدارة صناديق سوروس جاء فجأة، وفقاً لخمسة موظفين سابقين، وجعل زملاءه مذهلين؛ إذ ركان العديد منهم يعملون بشكل مباشر في الصفقات معه في ذلك الوقت، (بقي حتى نهاية عام 2015).

وقال اثنان من الأشخاص إن بيسنت كان محبطاً من العمل تحت قيادة سوروس وابنه روبرت، الذي شغل منصب رئيس الشركة آنذاك، وكان مستعداً لبدء صندوقه الخاص مرة أخرى.

كما قال شخصان إن سوروس أعطى بيسنت ملياري دولار لبدء «كي سكوير»، وتحدث الرجلان بضع مرات فقط بعد ذلك.

وبعد عامين، في عام 2018، استعاد سوروس أمواله. افتتحت «كي سكوير» أعمالها بأكبر مجموعة من الأموال على الإطلاق، لكن أداءها كان باهتاً. تظهر البيانات من أحد مستثمري الصندوق أنه خسر أموالاً أو تعادل بين عامي 2018 و2021، رغم الأداء القياسي لأسواق الأسهم على مستوى العالم. لقد انكمش جزئياً لأنه قام بتدوير صندوق واحد إلى عمل جديد، ولديه أيضاً صناديق وخطوط أعمال مساعدة أخرى.

بداية جديدة

الآن من المقرر أن يبدأ بيسنت بداية جديدة أخرى. في حين لا يتمتع وزير الخزانة بالسيطرة المباشرة على السياسة النقدية، والتي تقع تحت سلطة بنك الاحتياطي الفيدرالي، تحدث بيسنت مراراً وتكراراً عن حالة الدولار الأميركي، وهو موضوع كان يدرسه منذ فترة عمله تحت قيادة سوروس.

قال ترمب، في إعلانه عن الاختيار، إنه يريد المساعدة في «الحفاظ على الدولار الأميركي بوصفه عملة احتياطية للعالم».

وقال جونسون، زميل بيسنت السابق، والذي يشغل الآن منصب رئيس معهد التفكير الاقتصادي الجديد غير الربحي: «ما يحتاجه العالم الآن في فترة انتقالية هو شخص يفهم كل التبعات والآثار الجانبية الهشة للسياسات التي تتبناها. أعتقد أن سكوت هو أحد الأشخاص القلائل الذين يتمتعون بالذكاء الفكري والخبرة الكافية للجلوس في قمرة القيادة لهذا التحدي».


مقالات ذات صلة

روسيا ترفع عائداتها الضريبية من النفط والغاز 9.3 % في أكتوبر

الاقتصاد مضخة نفط خارج مدينة ألميتيفسك في جمهورية تتارستان الروسية (رويترز)

روسيا ترفع عائداتها الضريبية من النفط والغاز 9.3 % في أكتوبر

أظهرت بيانات وزارة المالية الروسية ارتفاع العائدات الضريبية من مبيعات النفط والغاز بنسبة 9.3 في المائة لتصل إلى 971.2 مليار روبل (11.83 مليار دولار) في أكتوبر.

«الشرق الأوسط» (موسكو)
خاص مصنع إنتاج النفط في رأس تنورة بالقرب من الدمام في المنطقة الشرقية من المملكة (أ.ف.ب)

خاص من أرباح «أرامكو» إلى إيرادات الميزانية... كيف تنتقل عوائد النفط؟

أظهرت النتائج المالية لـ«أرامكو» وتقرير أداء الميزانية العامة للربع الثالث، اللذان صدرا في اليوم نفسه، اختلافاً بين نمو أرباح الشركة وتراجع الإيرادات الحكومية.

هلا صغبيني (الرياض)
الاقتصاد جانب من أفق العاصمة السعودية الرياض (واس)

نمو الإيرادات غير النفطية يعزز مرونة الميزانية السعودية

أظهرت نتائج الميزانية السعودية للربع الثالث من عام 2026 تحولاً لافتاً في هيكل الإيرادات، مع تجاوز الإيرادات غير النفطية نظيرتَها النفطية لأول مرة منذ 2020.

بندر مسلم (الرياض)
الاقتصاد مبنى الكابيتول في واشنطن قبل يوم واحد من انتخابات التجديد النصفي (أ.ب)

عجز أميركا يلاحق انتخابات الكونغرس... والدين يتجاوز حجم الاقتصاد

دخلت الولايات المتحدة انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، الثلاثاء، وسط ضغوط مالية متصاعدة، بعدما تجاوز الدين العام حجم الناتج الاقتصادي السنوي للبلاد.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد صورة الملك تشارلز الثالث على ورقة نقدية من فئة خمسة جنيهات إسترلينية (رويترز)

الإسترليني يحافظ على استقراره مع ترقب قرار بنك إنجلترا بشأن الفائدة

استقر الجنيه الإسترليني إلى حد كبير أمام الدولار واليورو الاثنين مع تحول اهتمام المستثمرين من الموازنة البريطانية التي أُعلنت الأسبوع الماضي

«الشرق الأوسط» (لندن)

قطار الخليج ينتقل إلى مرحلة التنفيذ... شبكة عابرة للدول الست بحلول 2030

صورة جماعية بعد توقيع اتفاقية الربط السككي والتي حضر مراسمها ولي العهد البحريني (مجلس التعاون)
صورة جماعية بعد توقيع اتفاقية الربط السككي والتي حضر مراسمها ولي العهد البحريني (مجلس التعاون)
TT

قطار الخليج ينتقل إلى مرحلة التنفيذ... شبكة عابرة للدول الست بحلول 2030

صورة جماعية بعد توقيع اتفاقية الربط السككي والتي حضر مراسمها ولي العهد البحريني (مجلس التعاون)
صورة جماعية بعد توقيع اتفاقية الربط السككي والتي حضر مراسمها ولي العهد البحريني (مجلس التعاون)

في ظل اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز وما تفرضه من تحديات على حركة التجارة وسلاسل الإمداد، وقَّعت دول مجلس التعاون الخليجي، الأحد، في المنامة، الاتفاقية العامة لمشروع الربط بالسكك الحديدية، في خطوة تستهدف وضع إطار مشترك لتنفيذ الشبكة وتشغيلها، وتعزيز تكامل منظومات النقل بين الدول الست.

وتأتي الاتفاقية في مرحلة تتزايد فيها أهمية تنويع خيارات النقل والإمداد، بعدما أظهرت اضطرابات الملاحة في مضيق هرمز والممرات البحرية المحيطة به مدى تأثر حركة البضائع بالتوترات الإقليمية، وما يصاحبها من ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين والحاجة إلى مسارات بديلة. وفي هذا السياق، يبرز مشروع القطار الخليجي بوصفه جزءاً من منظومة أوسع للتكامل اللوجستي، وليس بديلاً عن النقل البحري الذي يظل مكوناً أساسياً في حركة التجارة الدولية والخليجية.

وجرى توقيع الاتفاقية برعاية وحضور ولي العهد رئيس مجلس الوزراء البحريني الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، وبمشاركة وزراء النقل والمواصلات في دول المجلس، والأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي، لتشكل أساساً تنظيمياً للتعاون بين الدول الأعضاء في تنفيذ شبكة تمتد لنحو 2117 كيلومتراً، وتربط الكويت بالسعودية والبحرين وقطر والإمارات وصولاً إلى سلطنة عُمان، مع استهداف تشغيلها بالكامل بحلول ديسمبر (كانون الأول) 2030.

أعضاء لجنة وزراء النقل والمواصلات بدول مجلس التعاون في صورة رسمية في المنامة (مجلس التعاون)

وتحدد الاتفاقية التزامات الدول الأعضاء وآليات العمل والتنسيق بينها، إلى جانب الأطر الفنية والتشغيلية ومتطلبات السلامة، بما يضمن تكامل الشبكة الخليجية مع خطوط السكك الحديدية الوطنية.

وقال وزير المواصلات والاتصالات البحريني الدكتور الشيخ عبد الله بن أحمد آل خليفة، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن كل دولة ستتولى تمويل وتنفيذ الجزء الواقع ضمن أراضيها، موضحاً أن الدول لم تبرم اتفاقات مسبقة مع شركاء دوليين لتمويل المشروع أو تنفيذه، وإن مشاركة الشركات العالمية يمكن أن تتركز في تقديم الخبرات والخدمات الفنية والتكنولوجية، وفق احتياجات كل دولة.

إنجاز المشروع وموعد التشغيل

وفي مؤشر على تقدم الأعمال، أعلن البديوي أن نسبة الإنجاز في مشروع سكة الحديد الخليجية بلغت 55.9 في المائة، مؤكداً أن الاتفاقية تمثل إطاراً مشتركاً ينظم التزامات الدول الأعضاء في تنفيذ المشروع وتشغيله بصورة متكاملة، ويحدد آليات العمل والجدول الزمني لاستكماله.

ويستهدف المشروع التشغيل الكامل للشبكة في ديسمبر (كانون الأول) 2030، بطول إجمالي يقدر بنحو 2117 كيلومتراً، ليربط الكويت بالسعودية والبحرين وقطر والإمارات وصولاً إلى سلطنة عُمان. وتعمل الدول الأعضاء على استكمال المسارات الوطنية ومكونات الربط، مع إمكانية تشغيل الوصلات بين الدول المتجاورة تباعاً بعد اكتمال متطلباتها، دون انتظار انتهاء الشبكة بأكملها.

وتشير التقديرات إلى أن الشبكة ستنقل نحو 6 ملايين مسافر و200 مليون طن من البضائع في عام 2030، على أن يرتفع عدد المسافرين إلى أكثر من 8 ملايين، وحجم الشحن إلى 271 مليون طن بحلول 2045. وتصل سرعة قطارات الركاب إلى 200 كيلومتر في الساعة، بينما تتراوح سرعة قطارات الشحن بين 80 و120 كيلومتراً في الساعة.

الاجتماع الـ30 للجنة وزراء النقل والمواصلات بدول مجلس التعاون (مجلس التعاون)

وتربط الشبكة، وفق مسارها المخطط، المراكز الاقتصادية والصناعية والموانئ والمراكز اللوجستية في دول المجلس، بما يعزز حركة التجارة البينية، ويسهل انتقال الركاب والبضائع، ويفتح المجال أمام فرص استثمارية ووظائف جديدة في قطاعات النقل والخدمات المرتبطة به.

تمويل وطني وشراكات محتملة

وفيما يتعلق بتكلفة المشروع، كانت التقديرات السابقة للبنية التحتية الأساسية تتراوح بين 15.4 و16 مليار دولار، غير أن الوزير البحريني أوضح أن هذه التقديرات تخضع للمراجعة في ضوء ارتفاع تكاليف مواد البناء والخدمات والأعمال الإنشائية، من دون إعلان رقم محدث للتكلفة الإجمالية.

وأشار إلى أن تمويل كل دولة للجزء الواقع ضمن أراضيها لا يمنع مشاركة القطاع الخاص في بعض المكونات، بعد إجراء الدراسات الاقتصادية والمالية اللازمة، لافتاً إلى أن طبيعة الشراكات المحتملة ستختلف بحسب كل جزء من المشروع، ولا يوجد نموذج واحد مطروح للتنفيذ عبر الشبكة بأكملها.

وفي البحرين، يرتبط تنفيذ المشروع بخطط الربط مع السعودية عبر جسر الملك حمد المقترح، الذي يتضمن مساراً للسكك الحديدية إلى جانب الطريق البري، بما يتيح ربط محطة الركاب الدولية في البحرين بشبكة القطارات السعودية. ويشكل هذا الربط أحد المكونات الأساسية لاستكمال اتصال البحرين بالشبكة الخليجية.

اضطرابات الملاحة تعزز أهمية التكامل اللوجستي

وتكتسب الاتفاقية أهمية إضافية في ضوء التحديات التي واجهت حركة الشحن في المنطقة خلال الفترة الماضية، ولا سيما مع تراجع حركة السفن في ميناء خليفة بن سلمان البحريني، وما ترتب على ذلك من زيادة الاعتماد على النقل البري والموانئ البديلة في دول الجوار.

وفي هذا السياق، أشاد البديوي بالتعاون الذي قدمته السعودية والإمارات وسلطنة عُمان خلال فترة الاعتداءات الإيرانية، من خلال التسهيلات والتنسيق وإتاحة مسارات بديلة لنقل البضائع، بما ساعد على استمرار سلاسل الإمداد إلى بقية دول المجلس. وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز التكامل بين منظومات النقل، وتنويع مسارات الإمداد، ورفع مستوى الجاهزية والتنسيق المشترك لمواجهة الأزمات، مشيراً إلى أن قطاع النقل والتخزين في دول المجلس حقق نمواً حقيقياً بنسبة 5.7 في المائة خلال عام 2025، ليكون من بين الأنشطة الاقتصادية غير النفطية الأعلى نمواً.

البديوي يتحدث خلال مراسم توقيع الاتفاقية لربط دول المجلس بمشروع سكة الحديد (مجلس التعاون)

وكان قادة دول المجلس قد وجّهوا، خلال اللقاء التشاوري التاسع عشر للمجلس الأعلى الذي عُقد في جدة في 28 أبريل (نيسان) 2026، بإعداد دراسة لتعزيز التكامل اللوجستي بين دول المجلس، في إطار مساعٍ أوسع لتطوير منظومة النقل وتنويع طرق التجارة والإمداد.

التشغيل لا ينتظر اكتمال الشبكة

ومن العناصر المهمة في خطة المشروع إمكان تشغيل خطوط الربط بين الدول المتجاورة فور استكمال المكونات اللازمة لها، من دون اشتراط انتظار اكتمال الشبكة الخليجية بأكملها. ويتيح هذا التوجه الاستفادة من الأجزاء الجاهزة تدريجياً، بدلاً من ربط بدء التشغيل النهائي بإنجاز جميع المسارات في الدول الست.

وفي البحرين، يرتبط مشروع السكك الحديدية الخليجية بمسار الربط مع السعودية عبر جسر الملك حمد المقترح، الذي يتضمن وصلة للسكك الحديدية إلى جانب الطريق البري، بما يتيح ربط محطة الركاب الدولية في البحرين بشبكة السكك الحديدية السعودية.

ويشكل هذا الربط أحد المكونات الأساسية للاتصال المباشر بين البحرين وبقية الشبكة الخليجية، في ظل اعتماد الجزيرة حالياً على جسر الملك فهد في حركة النقل البري مع السعودية. وتستمر الدراسات والإجراءات المتعلقة بمشروع جسر الملك حمد ومكوناته، بما فيها وصلة السكك الحديدية، باعتبارها جزءاً من متطلبات استكمال الربط بين البلدين.

تكامل مع النقل البحري لا منافسة له

ورغم أن اضطرابات الملاحة أعادت تسليط الضوء على أهمية السكك الحديدية، فإن المشروع لا يستهدف إحلال النقل البري محل النقل البحري، بل تكامل الوسيلتين. فالقطارات يمكن أن تنقل البضائع من الموانئ إلى المراكز الصناعية والأسواق الداخلية، وتوفر مساراً إضافياً للتوزيع بين الدول، بينما تظل السفن الوسيلة الرئيسية لنقل كميات كبيرة من التجارة الدولية عبر المسافات الطويلة.

كما أن تحويل الشبكة إلى جزء من ممرات لوجستية دولية أوسع يتطلب دراسات وتفاهمات وتنسيقاً إضافياً بين الدول والجهات المعنية، ولا يقتصر على استكمال خطوط السكك الحديدية داخل دول المجلس.

وعلى المستوى الاقتصادي، يُتوقع أن يدعم المشروع التجارة البينية، ويعزز الربط بين مناطق الإنتاج والاستهلاك، ويفتح المجال أمام استثمارات في النقل والخدمات اللوجستية والصناعات المرتبطة بها، فضلاً عن توفير فرص عمل في مجالات الإنشاء والتشغيل والصيانة والخدمات المساندة.

الاجتماع الـ30 للجنة وزراء النقل والمواصلات بدول مجلس التعاون (مجلس التعاون)

يذكر أن فكرة المشروع تعود إلى ديسمبر (كانون الأول) 2009، عندما أقر المجلس الأعلى لمجلس التعاون إنشاء سكة حديد تربط الدول الأعضاء، انطلاقاً من الأثر المتوقع للمشروع في تيسير الحركة التجارية وتنقل المواطنين والمقيمين، وتعزيز الترابط الاقتصادي بين دول المنطقة.

ومع تقدم العمل على المشروع، أقر المجلس الأعلى إنشاء الهيئة الخليجية للسكك الحديدية في ديسمبر 2021، لتتولى تنسيق الجهود بين الدول ومتابعة متطلبات الربط والتشغيل، وتوفير إطار مؤسسي للعمل المشترك في قطاع السكك الحديدية.

وشهد المشروع تقدماً في أعمال التنفيذ داخل الدول الأعضاء، إذ تجاوزت نسبة الإنجاز 50 في المائة وفق ما أُعلن في مايو (أيار) 2026. ويعكس ذلك التقدم الذي تحقق على مستوى المشروعات الوطنية، مع استمرار الحاجة إلى استكمال المكونات العابرة للحدود وتوحيد المتطلبات الفنية والتشغيلية اللازمة لتشغيل الشبكة بصورة متكاملة.


مصر: عودة الخط الملاحي «إيفر غرين» للعبور من قناة السويس

سفينة عملاقة تحمل حاويات تابعة للخط الملاحي «إيفر غرين» تعبر قناة السويس (هيئة قناة السويس)
سفينة عملاقة تحمل حاويات تابعة للخط الملاحي «إيفر غرين» تعبر قناة السويس (هيئة قناة السويس)
TT

مصر: عودة الخط الملاحي «إيفر غرين» للعبور من قناة السويس

سفينة عملاقة تحمل حاويات تابعة للخط الملاحي «إيفر غرين» تعبر قناة السويس (هيئة قناة السويس)
سفينة عملاقة تحمل حاويات تابعة للخط الملاحي «إيفر غرين» تعبر قناة السويس (هيئة قناة السويس)

أعلن الفريق أسامة ربيع، رئيس هيئة قناة السويس، عودة الخط الملاحي «إيفر غرين EVER GREEN» للعبور مُجدداً من قناة السويس، حيث شهدت حركة الملاحة بالقناة، الأحد، العبور الأول لسفينة الحاويات العملاقة «EVER EON» ضمن قافلة الشمال في رحلتها القادمة من هولندا والمُتجهة إلى سنغافورة.

وتتبع السفينة الخط الملاحي «إيفر غرين»، ويبلغ طول السفينة 369 متراً، وعرضها 53.6 متر، بحمولة كلية 185 ألف طن، وتستطيع أن تحمل على متنها حتى 16556 حاوية مكافئة (TEU).

وتعمل السفينة حالياً ضمن الخدمة الملاحية «NEU 7»، والتي يُشغلها التحالف الملاحي «Ocean Alliance» وتربط بشكل مباشر بين الموانئ الرئيسية على طريق التجارة بين الشرق الأقصى وشمال غربي أوروبا.

وأكد ربيع أن عودة الخط الملاحي «إيفر غرين» للعبور مجدداً من قناة السويس يعد مؤشراً إيجابياً على عودة حركة التجارة العالمية إلى مسارها المُستدام بين الشرق والغرب. مشيراً إلى أن الخط الملاحي يعتزم عودة مزيد من رحلاته عبر القناة خلال الفترة المُقبلة بعد فترة انقطاع دامت نحو ثلاث سنوات منذ اندلاع أزمة البحر الأحمر.

وأوضح رئيس الهيئة أن قناة السويس نجحت في استعادة عديد من الخدمات الملاحية التابعة للخطوط الملاحية الكبرى والتي تعمل على خط التجارة بين أوروبا وآسيا، في خطوة تعكس الأهمية الاستراتيجية للقناة بوصفها محوراً رئيسياً في الربط بين الشرق والغرب.


«قطار الخليج»... شبكة عابرة للحدود تربط الدول الـ6 وتعيد رسم خريطة النقل والتجارة

أعلام دول «مجلس التعاون الخليجي» (وكالة الأبناء القطرية)
أعلام دول «مجلس التعاون الخليجي» (وكالة الأبناء القطرية)
TT

«قطار الخليج»... شبكة عابرة للحدود تربط الدول الـ6 وتعيد رسم خريطة النقل والتجارة

أعلام دول «مجلس التعاون الخليجي» (وكالة الأبناء القطرية)
أعلام دول «مجلس التعاون الخليجي» (وكالة الأبناء القطرية)

يمثل مشروع سكة حديد دول «مجلس التعاون الخليجي» أحد أكبر مشروعات الربط الإقليمي في المنطقة؛ إذ يستهدف إنشاء شبكة سكك حديدية تمتد عبر الدول الخليجية الـ6، لتسهيل انتقال الركاب والبضائع، وتعزيز التجارة البينية، وربط المراكز الاقتصادية والصناعية والموانئ الخليجية ضمن منظومة نقل واحدة.

وبعد سنوات من التخطيط والدراسات والإجراءات التنظيمية، يتقدم المشروع خطوة جديدة مع توقيع دول «المجلس»، الأحد، الاتفاقية العامة للربط السككي في العاصمة البحرينية المنامة، بما يوفر إطاراً مشتركاً لتنفيذ الشبكة وتشغيلها وتنسيق مواصفاتها الفنية والتشغيلية.

وتشهد المنامة، الأحد، مراسم توقيع «الاتفاقية العامة لربط دول مجلس التعاون بمشروع السكة الحديد»، برعاية وحضور الأمير سلمان بن حمد آل خليفة، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء البحريني، وبمشاركة وزراء النقل والمواصلات في دول «المجلس» والأمين العام لـ«مجلس التعاون» جاسم البديوي.

وتأتي الاتفاقية لتضع إطاراً عاماً للتنسيق بين الدول الأعضاء، وتحدد مسؤولياتها في تنفيذ المشروع وتشغيله، إلى جانب توحيد المعايير الفنية والتشغيلية ومتطلبات السلامة، بما يمهد لربط الشبكات الوطنية ضمن منظومة خليجية متكاملة.

وتعود فكرة المشروع إلى ديسمبر (كانون الأول) 2009، عندما أقر «المجلس الأعلى لمجلس التعاون» إنشاء سكة حديد تربط الدول الأعضاء بعضها ببعض، انطلاقاً من «أهمية تطوير وسائل النقل الإقليمية وتيسير حركة التجارة والتنقل، ودعم الاستثمارات المشتركة، وتعزيز التكامل الاقتصادي الخليجي».

ويشمل المشروع الدول الـ6: السعودية، والإمارات، والكويت، والبحرين، وقطر، وسلطنة عُمان، ضمن شبكة يبلغ طول مسارها الإجمالي نحو 2117 كيلومتراً، وتتراوح التكلفة التقديرية للبنية التحتية الأساسية بين 15.4 و16 مليار دولار.

خريطة مشروع «سكة حديد دول مجلس التعاون» (الهيئة الخليجية للسكك الحديدية)

شبكة واحدة في 6 دول

يقوم المشروع على ربط شبكات السكك الحديدية الوطنية في دول «مجلس التعاون» ضمن منظومة إقليمية متكاملة، بما يسمح بانتقال القطارات بين الدول من دون أن تشكل الحدود الوطنية عائقاً أمام حركة النقل، مع توحيد المواصفات الفنية والتشغيلية ومتطلبات السلامة، وضمان ما يُعرف بالتشغيل البيني بين الشبكات.

ولا يقتصر المشروع على نقل الركاب، بل يستهدف أيضاً تطوير حركة الشحن ونقل البضائع، بما يتيح ربط المراكز الصناعية والتجارية والموانئ والمناطق اللوجيستية الخليجية، ويفتح المجال أمام انتقال أعلى كفاءة للسلع بين الأسواق الخليجية.

ووفق المواصفات المعلنة للمشروع، فقد صُممت شبكة الركاب لاستيعاب قطارات تصل سرعتها إلى 200 كيلومتر في الساعة، فيما تتراوح السرعة المستهدفة لقطارات الشحن بين 80 و120 كيلومتراً في الساعة. ومن شأن هذا التنوع أن يجعل الشبكة وسيلة للنقل بين المدن، وفي الوقت نفسه ممراً لوجيستياً يخدم حركة التجارة وسلاسل الإمداد.

كيف سينفَّذ المشروع؟

يتطلب تنفيذ شبكة عابرة لـ6 دول تنسيقاً يتجاوز إنشاء خطوط السكك الحديدية، ليشمل الجوانب التنظيمية والتشغيلية والفنية، فضلاً عن تحديد مسؤوليات كل دولة وآليات الربط بين شبكاتها الوطنية.

وفي هذا الإطار، قرر «المجلس الأعلى لمجلس التعاون» في ديسمبر 2021 إنشاء «الهيئة الخليجية للسكك الحديدية»، لتتولى تنظيم صناعة النقل السككي في دول المجلس، والتنسيق بين الدول الأعضاء لمتابعة تنفيذ المشروع وتشغيله بوصفه خطاً إقليمياً واحداً متكاملاً، إلى جانب العمل على ضمان توافق الشبكات الوطنية وتكاملها.

وفي ديسمبر 2023، وافق المجلس الوزاري الخليجي على أن يكون ديسمبر 2030 الموعد المستهدف للتشغيل الكامل للمشروع بين الدول الأعضاء، مع إتاحة تشغيل خطوط الربط بين أي دولتين متجاورتين فور الانتهاء من تنفيذ الجزء الرابط بينهما، من دون انتظار اكتمال الشبكة الخليجية بأكملها.

ويعني ذلك أن تنفيذ المشروع وتشغيله يمكن أن يتقدما على مراحل، بحيث تبدأ الاستفادة من المقاطع المكتملة قبل اكتمال جميع الخطوط، مما يتيح للدول الأعضاء تحقيق مكاسب تدريجية من الاستثمار في الشبكة.

وتأتي «الاتفاقية العامة»، التي ستوقعها الدول الأحد، في هذا السياق؛ إذ تضع إطاراً للتنسيق بشأن التنفيذ والتشغيل، وتوحيد المواصفات الفنية والتشغيلية، وتحديد مسؤوليات الدول، وتعزيز دور «الهيئة الخليجية للسكك الحديدية» في متابعة مراحل المشروع ومعالجة العقبات التي قد تواجهه.

وكان «المجلس الأعلى» قد أقر «الاتفاقية العامة» للمشروع في ديسمبر 2025، تمهيداً لاستكمال الإجراءات اللازمة بين الدول الأعضاء، وصولاً إلى مراسم التوقيع الحالية.

جانب من العاصمة البحرينية المنامة (أ.ف.ب)

البحرين والربط مع السعودية

يمثل الربط بين البحرين والسعودية أحد المسارات المهمة في الشبكة الخليجية؛ إذ تخطط البحرين للاتصال بشبكة السكك الحديدية عبر «جسر الملك حمد» المقترح، الذي يتضمن مسارات مخصصة لحركة القطارات إلى جانب حركة المركبات.

ويكتسب هذا الربط أهمية تتجاوز تسهيل انتقال الركاب بين البلدين؛ إذ يتيح للبحرين الاتصال بالشبكة الإقليمية الأوسع، والاستفادة من خطوط النقل التي تربط السعودية ببقية دول «المجلس»، بما يدعم حركة البضائع والتجارة والوصول إلى الموانئ والمراكز اللوجيستية.

لماذا تزداد أهمية المشروع الآن؟

تأتي الخطوة الجديدة في وقت أظهرت فيه الاضطرابات الإقليمية، وما رافقها من تحديات لحركة الملاحة، مدى تأثر التجارة وسلاسل الإمداد بالاعتماد على مسارات نقل محددة، خصوصاً في منطقة الخليج ومضيق هرمز.

وقد دفعت هذه التطورات دول المنطقة إلى البحث عن خيارات أوسع تنوعاً ومرونة لنقل البضائع، وتعزيز الربط بين الموانئ والمراكز التجارية عبر وسائل النقل البرية والسكك الحديدية.

وفي هذا السياق، أشار الشيخ عبد الله بن أحمد آل خليفة، وزير المواصلات والاتصالات البحريني، إلى أن صعوبات عبور السفن مضيق هرمز أبرزت أهمية تسريع تنفيذ مشروع الربط السككي وتعزيز التكامل بين شبكات النقل الخليجية.

وأوضح أن البحرين لجأت، في ظل التحديات التي واجهت حركة الملاحة وانخفاض حركة السفن في «ميناء خليفة بن سلمان»، إلى زيادة الاعتماد على النقل البري وموانئ بديلة في دول خليجية مجاورة، من بينها ميناء جدة الإسلامي في السعودية، وميناءي صحار والدقم في سلطنة عُمان، والفجيرة في الإمارات، لنقل البضائع منها براً إلى البحرين.

وتكشف هذه التجربة عن أهمية وجود منظومة نقل إقليمية مترابطة، تتيح تنويع مسارات وصول البضائع وتخفيف الاعتماد على وسيلة نقل واحدة أو ممر بحري محدد، وإن كانت شبكة السكك الحديدية لا تمثل بديلاً مباشراً عن النقل البحري، بل مكملاً له ضمن منظومة أوسع لسلاسل الإمداد.

مكاسب اقتصادية تتجاوز النقل

إلى جانب دورها في تسهيل حركة الركاب والشحن، يُنتظر أن تسهم الشبكة الخليجية في خفض تكاليف نقل بعض البضائع، وتحسين كفاءة انتقالها بين الأسواق، وتعزيز الترابط بين المناطق الصناعية والموانئ والمراكز التجارية.

كما يمكن أن تدعم حركة السياحة والتنقل بين «دول المجلس»، وتفتح فرصاً استثمارية في الخدمات اللوجيستية والمستودعات ومراكز الشحن والخدمات المرتبطة بالسكك الحديدية، فضلاً عن تعزيز جاذبية المناطق التي تمر بها الخطوط للاستثمارات والأنشطة الاقتصادية.

وتوفر السكك الحديدية، بصفتها وسيلة نقل جماعي، خياراً أعلى كفاءة في استهلاك الطاقة وفي تقليل الانبعاثات مقارنة ببعض وسائل النقل الأخرى، لا سيما في نقل كميات كبيرة من البضائع والركاب، بما يدعم توجه دول الخليج إلى تطوير منظومات نقل أفضل استدامة.

ومع توقيع «الاتفاقية العامة»، ينتقل المشروع إلى «مرحلة أكبر تقدماً من التنسيق بين الدول الأعضاء، لكن التحدي الرئيسي سيظل في استكمال البنية التحتية الوطنية، وضمان التوافق الفني والتشغيلي بين الشبكات، والالتزام بالجداول الزمنية المحددة، وصولاً إلى الهدف المعلن بتشغيل الشبكة الخليجية بالكامل بحلول ديسمبر 2030».