مقترحات ترمب الاقتصادية تعيد تشكيل سياسة «الفيدرالي» بشأن الفائدة

التضخم والنمو يضعان «الاحتياطي» أمام خيارات معقدة لعام 2025

مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

مقترحات ترمب الاقتصادية تعيد تشكيل سياسة «الفيدرالي» بشأن الفائدة

مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

قبل بضعة أسابيع، كان المسار المتوقع لبنك الاحتياطي الفيدرالي واضحاً. فمع تباطؤ التضخم وإضعاف سوق العمل، بدا أن البنك المركزي على المسار الصحيح لخفض أسعار الفائدة تدريجياً.

وفي سبتمبر (أيلول)، توقّع المسؤولون في «الفيدرالي» أن يقوموا بتخفيض سعر الفائدة الرئيسي أربع مرات في العام المقبل، بالإضافة إلى ثلاثة تخفيضات أخرى هذا العام، وفق وكالة «أسوشييتد برس».

ومع ذلك، تغير هذا التوقع بشكل سريع. فقد أدت عدة تقارير اقتصادية أقوى من المتوقع، إلى جانب مقترحات السياسات التي قدمها الرئيس المنتخب دونالد ترمب، إلى تحول واضح في نبرة «الفيدرالي»، مما قد يعني خفضاً أقل لأسعار الفائدة وأسعار فائدة أعلى مما كان متوقعاً.

ومن المرجح أن يؤدي تباطؤ خفض الفائدة إلى استمرار ارتفاع أسعار الرهن العقاري وتكاليف الاقتراض الأخرى بالنسبة للمستهلكين والشركات. وستظل قروض السيارات باهظة الثمن، وستظل الشركات الصغيرة تعاني من أسعار فائدة مرتفعة.

وفي خطاب ألقاه الأسبوع الماضي في دالاس، أوضح رئيس الاحتياطي الفيدرالي، جيروم باول، أن البنك المركزي ليس في عجلة من أمره لخفض الفائدة في كل اجتماع دوري يعقده كل ستة أسابيع. وقال: «الاقتصاد لا يرسل أي إشارات تدعونا للاستعجال في خفض الفائدة». وأضاف: «القوة التي نراها حالياً في الاقتصاد تمنحنا القدرة على اتخاذ قراراتنا بعناية».

وتُعتبر تعليقاته بمثابة إشارة إلى أن الفيدرالي قد يخفض الفائدة بوتيرة أبطأ في عام 2025، وهو ما أدى إلى تراجع أسعار الأسهم بعد الارتفاع الذي شهدته عقب انتخاب ترمب.

وقد اقترح ترمب فرض تعريفات جمركية أعلى على جميع الواردات، بالإضافة إلى ترحيل جماعي للمهاجرين غير الشرعيين، وهي خطوات يقول الاقتصاديون إنها قد تؤدي إلى تفاقم التضخم. كما اقترح الرئيس المنتخب قائمة من التخفيضات الضريبية وتخفيف القيود التنظيمية، مما قد يساعد في تحفيز النمو الاقتصادي لكنه قد يؤدي أيضاً إلى تفاقم التضخم إذا لم تتمكن الشركات من إيجاد عدد كافٍ من العمال لتلبية زيادة الطلب من المستهلكين.

وتشير البيانات الاقتصادية الأخيرة إلى أن ضغوط التضخم قد تكون أكثر استمرارية، والنمو الاقتصادي أكثر مرونة مما كان يُعتقد قبل عدة أشهر فقط. وفي مؤتمر صحافي حديث، أشار باول إلى أن الاقتصاد قد يشهد تسارعاً في عام 2025.

ويعتقد التجار في «وول ستريت» وبعض الاقتصاديين الآن أنه من المحتمل أن تكون هناك تخفيضات بمقدار 2 في المائة فقط من أسعار الفائدة في العام المقبل بدلاً من 4 في المائة. وبينما من المحتمل أن يخفض «الفيدرالي» سعر الفائدة الرئيسي عندما يعقد اجتماعه في منتصف ديسمبر (كانون الأول)، يتوقع المتداولون أن تكون هناك احتمالية متساوية لأن يبقي البنك المركزي على سعر الفائدة دون تغيير.

وقال الرئيس التنفيذي للاستثمار في شركة «بلانت موران» للاستشارات المالية، جيم بيرد: «أتوقع بالتأكيد أن يخففوا من وتيرة الخفض». وأضاف: «إمكانية بقاء النمو قوياً يجب أن تثير التساؤلات حول ما إذا كانوا سيشعرون بالحاجة أو القدرة على خفض الفائدة بالسرعة التي كانوا يتوقعونها».

ويتوقع اقتصاديون في «بنك أميركا» أن يظل التضخم السنوي عالقاً فوق 2.5 في المائة، وهو أعلى من الهدف الذي يحدده «الفيدرالي» عند 2 في المائة. ويرجع ذلك جزئياً إلى احتمال أن تدفع مقترحات ترمب الاقتصادية، إذا تم تنفيذها، إلى زيادة الضغوط السعرية. والآن، يتوقع الاقتصاديون أن يتم خفض الفائدة ثلاث مرات في الأشهر المقبلة، في ديسمبر، ومارس (آذار)، ويونيو (حزيران). ويتوقعون أن يتوقف «الفيدرالي» عن خفض الفائدة عندما يصل سعر الفائدة الرئيسي حالياً إلى 4.6 في المائة إلى 3.9 في المائة.

وكتب المحلل في بنك الاستثمار «إيفركور آي إس آي»، كريشنا غوها، الأسبوع الماضي: «نعتقد أن رئاسة ترمب القادمة تساهم في تغيير نبرة (الفيدرالي) - بما في ذلك باول - نحو موقف أكثر حذراً وتحفظاً بشأن وتيرة ونطاق الخفض في الفائدة».

وقد تعهد ترمب بفرض تعريفات تصل إلى 60 في المائة على جميع السلع الصينية وتعريفات «عامة» تتراوح بين 10 و20 في المائة على كل السلع الأخرى التي تدخل إلى الولايات المتحدة. ويوم الأربعاء، حذر مسؤول تنفيذي كبير في «وول مارت»، أكبر شركة تجزئة في العالم، من أن مقترحات ترمب بشأن التعريفات قد تجبر الشركة على رفع الأسعار على السلع المستوردة.

وقال المدير المالي لـ«وول مارت»، جون ديفيد ريني، لوكالة «أسوشييتد برس»: «التعريفات ستكون تضخمية للعملاء». وقد أصدرت شركات أخرى في مجال السلع الاستهلاكية والتجزئة، مثل «لويز»، و«ستانلي بلاك أند ديكر»، و«كولومبيا سبورتسوير»، تحذيرات مشابهة.

وفي محاولة لتحديد المستوى المناسب لأسعار الفائدة، يواجه صانعو السياسة في «الفيدرالي» عقبة كبيرة: فهم لا يعرفون إلى أي مدى يمكنهم خفض الفائدة قبل الوصول إلى مستوى لا يحفز ولا يقيّد الاقتصاد - ما يسمى «سعر الفائدة المحايد». ولا يريد المسؤولون خفض الفائدة إلى مستوى منخفض جداً مما يؤدي إلى سخونة الاقتصاد وإعادة إشعال التضخم. كما أنهم لا يريدون الحفاظ على الفائدة مرتفعة جداً مما يضر بسوق العمل والاقتصاد ويعرضهما لخطر الركود.

وقد تطور انقسام غير معتاد بين المسؤولين الـ19 في لجنة تحديد أسعار الفائدة في «الفيدرالي» حول أين يقع السعر المحايد. ففي سبتمبر، توقّع المسؤولون بشكل جماعي أن السعر المحايد يتراوح بين 2.4 في المائة و3.8 في المائة. وقد أشارت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، إلى أن هذا النطاق أصبح أكبر بمرتين عما كان عليه قبل عامين.

وفي خطاب حديث، اقترحت لوغان أن سعر الفائدة الرئيسي لـ«الفيدرالي» قد يكون أعلى قليلاً من المستوى المحايد حالياً. وإذا كان الأمر كذلك، فهذا يعني أن القليل من التخفيضات للفائدة ستكون ضرورية.

لكن مسؤولين آخرين يختلفون في الرأي. وفي مقابلة حديثة مع وكالة «أسوشييتد برس»، قال رئيس «الفيدرالي» في شيكاغو، أوستين غولسبي، إنه يعتقد أن السعر المحايد أقل بكثير من السعر الحالي لـ«الفيدرالي». وإذا كان الأمر كذلك، فربما يكون من المناسب إجراء المزيد من خفض الفائدة.

وقال غولسبي: «ما زلت أعتقد أننا بعيدون عما يعتقده أي شخص أنه المحايد». وأضاف: «لا يزال أمامنا طريق طويل لنقطعه».

وربما يكون العامل الأكبر غير المؤكد هو كيفية تأثير مقترحات ترمب بشأن التعريفات والترحيل وتخفيضات الضرائب على قرارات «الفيدرالي» بشأن الفائدة. وقد شدد باول على أن «الفيدرالي» لن يغير سياسته حتى يتضح ما هي التغييرات التي ستنفذها الإدارة الجديدة.

كما هو الحال دائماً مع الفيدرالي، تجنب باول التعليق المباشر على السياسات الرئاسية، لكنه أقر بأن اقتصاديي الفيدرالي يقيمون الآثار المحتملة لرئاسة ترمب.

وقال باول: «نحن فعلاً لا نعرف ما هي السياسات التي سيتم تنفيذها». وأضاف: «نحن لا نعرف على أي مدى زمني».

عامل آخر هو أن الاقتصاد الآن مختلف كثيراً عما كان عليه عندما تولى ترمب منصبه في يناير (كانون الثاني) 2017. مع انخفاض معدل البطالة عن مستوياته السابقة، يقول الاقتصاديون إن التحفيز الإضافي من خلال تخفيضات الضرائب قد يخلق طلباً أكبر مما يمكن للاقتصاد تحمله، مما قد يساهم في إشعال التضخم.

وكتب الاقتصادي السابق في صندوق النقد الدولي والباحث البارز في معهد «بيترسون» للاقتصاد الدولي، أوليفييه بلانشارد، في تعليق حديث: «تخفيضات الضرائب، بدءاً من اقتصاد قريب من التوظيف الكامل، سوف تؤدي إلى التضخم، وبالتالي، ارتفاع أسعار الفائدة وسياسة نقدية أقوى من جانب بنك الاحتياطي الفيدرالي».


مقالات ذات صلة

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

الاقتصاد جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مارتينز كازاكس يلقي كلمة خلال مؤتمر اقتصادي في ريغا بلاتفيا (رويترز)

عضو في «المركزي الأوروبي»: لا تأثيرات تضخمية كبيرة لارتفاع الطاقة

أكد عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، مارتينز كازاكس، أنَّه لا يمكن استبعاد رفع أسعار الفائدة في 30 أبريل (نيسان) في الوقت الراهن.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد طائرة تمر خلف منشآت تخزين الكيروسين بمطار لييغ في بلجيكا (إ.ب.أ)

وكالة الطاقة الدولية تحذّر: أوروبا تملك وقود طائرات لـ6 أسابيع فقط

قال رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، يوم الخميس، إن أوروبا تمتلك ما يكفي من وقود الطائرات لمدة تقارب ستة أسابيع، محذّراً من احتمال إلغاء رحلات جوية.

«الشرق الأوسط» (باريس )
الاقتصاد كيفن وورش يتحدث خلال مؤتمر حول السياسة النقدية في معهد هوفر بجامعة ستانفورد بكاليفورنيا (رويترز)

تعثر «الانتقال السلس»... شكوك حول تثبيت مرشح ترمب لقيادة «الفيدرالي» قبل مايو

تبدو احتمالات الانتقال السلس وفي الوقت المحدد للقيادة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي إلى كيفن وورش، مرشح الرئيس الأميركي دونالد ترمب لرئاسة البنك المركزي مهددة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متسوقون داخل أحد المتاجر الكبرى في نيس بفرنسا (رويترز)

«تضخم اليورو» يقفز إلى 2.6 % في بيانات مُعدّلة وسط تداعيات الحرب

قفز معدل التضخم في منطقة اليورو إلى 2.6 في المائة خلال مارس (آذار) الماضي، مدفوعاً بارتفاع أسعار الطاقة نتيجة الحرب في الشرق الأوسط، وفق بيانات مُعدّلة.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.