«كوب 29» يواجه تحدي الاتفاق على هدف عالمي جديد لتمويل المناخ

الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة لـ«الشرق الأوسط»: مؤتمر باكو يجب أن يكون تمكينياً

امرأة تمرّ بالقرب من لافتة مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ «كوب 29» في باكو (رويترز)
امرأة تمرّ بالقرب من لافتة مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ «كوب 29» في باكو (رويترز)
TT

«كوب 29» يواجه تحدي الاتفاق على هدف عالمي جديد لتمويل المناخ

امرأة تمرّ بالقرب من لافتة مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ «كوب 29» في باكو (رويترز)
امرأة تمرّ بالقرب من لافتة مؤتمر الأمم المتحدة لتغير المناخ «كوب 29» في باكو (رويترز)

ابتداءً من يوم الاثنين، يجتمع العالم في العاصمة الأذربيجانية باكو للمشاركة في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (كوب 29) والذي ينعقد في ظل تنامي تحديات المناخ من موجات شديدة الارتفاع إلى فيضانات مدمرة وعواصف عاتية. وهو ما يفرض على الحكومات المشارِكة في النسخة التاسعة والعشرين من المؤتمر «الاتفاق على هدف عالمي جديد لتمويل المناخ لدعم البلدان النامية وإنقاذ الاقتصاد العالمي ومليارات الأرواح من التأثيرات المناخية الجامحة»، وفق ما قال الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ سيمون ستيل، في مقابلة مع «الشرق الأوسط».

وقد أُطلق على مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ اسم «مؤتمر كوب المالي»؛ نظراً لأن هدفه الرئيسي هو الاتفاق على الأموال التي يجب توجيهها سنوياً لمساعدة البلدان النامية على التعامل مع التكاليف المرتبطة بالمناخ، في وقت لا يزال التمويل نقطة خلافية عالقة منذ سنوات حول حجم المبالغ المطلوبة والجهة التي يجب أن تدفع وما الذي ينبغي تمويله.

التمويل «هو أمر نحتاج إليه بشدة»، وفق ما قال ستيل لـ«الشرق الأوسط» عشية المؤتمر الذي يستغرق انعقاده أكثر من عشرة أيام، مشيراً إلى أن السعودية تحظى بسجل حافل في المفاوضات الدولية في مجال الدعوة إلى زيادة العمل والتمويل من أجل التكيف مع التغير المناخي، وأنها «قدمت من خلال مبادراتها للتكيف أمثلة بارزة في مجالات مثل زيادة حماية الأرض والبحر، وتشجيع التشجير واستصلاح الأراضي».

الأمين التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الإطارية بشأن تغير المناخ سيمون ستيل (الأمم المتحدة)

يهيمن على المؤتمر هذا العام «إن.سي.كيو.جي»، وهو يعني الهدف الكمي الجماعي الجديد، ويشير إلى هدف التمويل السنوي الجديد المرتبط بالمناخ، والذي من المفترض أن يبدأ العمل به عندما ينتهي سريان التعهد الحالي الذي تبلغ قيمته 100 مليار دولار في نهاية هذا العام، والذي لم يتم الالتزام به بشكل كلي.

بحسب ستيل، يجب أن تتوصل جميع الحكومات إلى اتفاق بشأن هدف عالمي جديد للتمويل المناخي؛ وذلك لدعم الدول النامية وضمان أن الفوائد الكبرى للعمل المناخي تُوزع بشكل عادل بين جميع الأمم والشعوب. وقال: «الهدف الجديد الطموح يصبّ في مصلحة كل دولة وكل اقتصاد. لأنه لا يمكننا منع أزمة المناخ من تدمير جميع الاقتصادات - بما في ذلك الاقتصادات الأكبر والأكثر ثراءً - إلا إذا كان لدى كل دولة الوسائل اللازمة لاتخاذ إجراءات مناخية أقوى بكثير، وبناء مجتمعات وسلاسل توريد قادرة على الصمود».

متطوعة تعمل على زراعة شتلات في أرض متصحرة بالعراق (رويترز)

الخسائر والأضرار

في عام 2023، أقرّ «كوب 28» خلال انعقاده في الإمارات، تفعيل صندوق «الخسائر والأضرار» للتعويض على الدول الأكثر تضرراً من تغيّر المناخ، بعدما كان «كوب 27» في مصر قد أقرّ إنشاءه. وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قال مجلس إدارة الصندوق إنه اتخذ قرارات مهمة نحو التشغيل الكامل للصندوق في اجتماع باكو، وهو ما يرسي الأساس للصندوق لصرف التمويل للمرة الأولى في عام 2025.

ورأى ستيل في هذا الإطار، أنه «من مصلحة كل بلد في العالم ضمان أن يكون مؤتمر باكو مؤتمراً تمكينياً؛ مما يساعد على ترجمة التقدم المحرَز في اتفاق الإمارات إلى نتائج حقيقية تنعكس على الاقتصاد على أرض الواقع، وهذا يشمل بالتأكيد النتائج المتعلقة بالتكيف مع التغير المناخي من أجل حماية الأرواح وسبل كسب العيش». وأوضح أن «التكيف مع التأثيرات المتفاقمة لتغير المناخ هو أمر أساسي لضمان سلامة وازدهار كل دولة واقتصاد وشعب. فنحن ببساطة لا يمكننا مكافحة تغير المناخ دون الاستعداد لتأثيراته».

أسواق الكربون

ودعا ستيل مؤتمر «كوب 29» إلى تقديم مجموعة طموحة من النتائج بشأن المادة 6 المتعلقة بأسواق الكربون والتي هي أنظمة تجارية يتم فيها شراء أرصدة الكربون وبيعها؛ بهدف تقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري.

وينص «اتفاق باريس» على استخدام آليات السوق هذه من خلال المادة 6، و«يمكن أن توفر تلك الآليات سبلاً إضافية مهمة لتنفيذ الخطط المناخية الوطنية، لتكمل الإجراءات الوطنية الرامية إلى خفض الانبعاثات من مصدرها... ويمكن لأسواق الكربون أن تساعد في دفع وتمويل التحول اللازم للتصدي لأزمة المناخ بالسرعة والحجم المطلوبين»، وفق ستيل.

وقال: «في العام المقبل في بيليم، سينصبّ اهتمام خاص على ما إذا كانت الخطط المناخية الوطنية الجديدة - المعروفة باسم المساهمات المحددة وطنياً - التي يجب على الدول أن تقدمها في عام 2025 – على المستوى المطلوب للحد من الاحتباس الحراري عند 1.5 درجة مئوية. إنه العام العصيب الذي يمكننا أن نثبت فيه للعالم أننا جميعاً مستعدون أخيراً لاغتنام الفرص المتاحة أمامنا».

التعاون الدولي أساس

وحذَّر ستيل من أن أزمة المناخ العالمية تضرب الآن كل الاقتصادات، بما في ذلك جميع اقتصادات مجموعة العشرين؛ مما يؤثر على الحياة وسبل العيش في كل البلاد. وشدد على أنه «من دون اتخاذ إجراءات مستدامة وتعاون دولي، ستستمر هذه التأثيرات في التفاقم بسرعة في جميع الدول».

وقال: «التعاون الدولي أمر ضروري لجعل جميع الاقتصادات والناس أكثر قدرة على الصمود في مواجهة هذه الآثار المناخية المتفاقمة ومعالجة أسبابها بطريقة سريعة وعادلة ومنظمة».

أضاف: «لا يمكن لأي بلد أن يجد حلولاً لهذه التحديات بمفرده. نحن أقوى وأكثر فاعلية عندما نعمل معاً. ولهذا السبب؛ لدينا مفاوضات مناخية دولية، تقوم المملكة العربية السعودية بصفتها مشاركاً فيها بدور حيوي».

وإذ نوّه بالتقدم المحرز في مكافحة تغير المناخ، مشدداً على أنه «من دون التعاون العالمي الذي تضطلع به الأمم المتحدة من خلال عملية مؤتمرات الأطراف التي تقودها الحكومات، سنتجه نحو مستويات كارثية من ارتفاع حرارة الأرض، والتي من المحتمل ألا تتمكن معظم البشرية من البقاء بسببها».

وقال: «نحن الآن في طريقنا إلى الوصول إلى نحو 3 درجات مئوية حسب الأهداف والسياسات الحالية، الأمر الذي سيظل مدمّراً لكل الاقتصادات؛ ولهذا السبب يجب على كل مؤتمر من مؤتمرات الأطراف - بما في ذلك مؤتمر الأطراف (كوب 29) المقبل في باكو – أن يحرز تقدماً سريعاً وملحوظاً. فكل عام يتبقى في هذا العقد هو عام بالغ الأهمية، هذا إذا أردنا تحقيق أهداف اتفاقية باريس».

مبادرات السعودية

وقال ستيل إن السعودية تلعب دوراً محورياً في المفاوضات، حيث تساهم بفاعلية في تعزيز الحوار والمشاركة الفعالة بين الدول، وتدفع نحو تبني حلول مناخية منسقة تخدم مصالح الجميع، لا سيما في مجال التحول إلى الطاقة المتجددة بزيادة نسبتها إلى 50 في المائة بحلول 2030، وبلوغ صافي انبعاثات صفري بحلول عام 2060. وأوضح أنها تدرك أهمية زيادة الطموحات المناخية على المستوى العالمي، ضمن خططها لزيادة سعة مشاريع الطاقة المتجددة إلى 130 غيغاواط بحلول 2030؛ تماشياً مع التزامها المستمر بتعزيز مستقبل أكثر استدامة.

ومن خلال مبادراتها للتكيف في مجالات عدة، منها زيادة حماية الأرض والبحر، وتشجيع التشجير واستصلاح الأراضي، أفاد ستيل بأن المملكة تحظى بسجل حافل في المفاوضات الدولية في مجال الدعوة إلى زيادة العمل والتمويل من أجل التكيف مع التغير المناخي.

فتاة تزرع الأشجار ضمن «مبادرة السعودية الخضراء» (واس)

وتعكس المبادرات البيئية بالمملكة، مثل: «السعودية الخضراء» و«الشرق الأوسط الأخضر» اللتين تهدفان إلى تقليل الانبعاثات الكربونية وتمكين التنمية المستدامة، مع تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في هذا المجال، التزام البلاد بتوجيه الاستثمارات نحو البنية التحتية للطاقة المتجددة وحماية التنوع البيولوجي؛ مما يخلق فرص عمل جديدة ويساهم في التنويع الاقتصادي.

الاستجابة المستدامة

في خضم هذه التحديات، أشار الأمين التنفيذي إلى الدور الكبير للابتكار التكنولوجي في إيجاد حلول للتكيف مع تغير المناخ. فباستخدام تقنيات مثل الذكاء الاصطناعي، يمكن تحسين استراتيجيات التكيف ومراقبة تأثيرات المناخ، بما يعزز من قدرة المجتمعات على التأقلم مع التغيرات السريعة.

مع ذلك، يتعين إدارة هذه التقنيات بحذر لضمان توافقها مع الأهداف البيئية والمناخية العالمية، خصوصاً فيما يتعلق باستهلاك الطاقة والموارد، وفقاً للأمين التنفيذي.

كذلك، بـيَّن ستيل أن التحول نحو الاقتصاد الأخضر يمثل خطوة حاسمة في التعامل مع أزمة المناخ. وجزء منه يتضمن حماية الغابات والمناطق البحرية، والتي تعدّ أساسية للحد من الانبعاثات الكربونية وبناء قدرة الطبيعة على التكيف مع التغيرات المناخية.

تعزيز الاستثمارات

ولفت ستيل إلى أن استثمارات التكيف مع تغير المناخ يمكن أن تكون محورية في حماية الناس والاقتصادات، ودفع الفرص والازدهار، وتقليل الخسائر البشرية والاقتصادية. ولتحقيق عالم قادر على الصمود أمام التغيرات المناخية، يجب تعزيز الاستثمارات، والتخطيط، والتعاون في هذا المجال.

وقال إن خطط التكيف الوطنية هي الأساس لبناء القدرة على الصمود، لكن حالياً، 58 دولة فقط من الدول النامية تمتلك هذه الخطط. وحض المزيد من البلدان على تقديم خططها وتحديد احتياجاتها المحلية.

وشرح أنه في المستقبل القريب، ستكون كل دولة ملزمة بتقديم خطة مناخية وطنية جديدة، تعرف باسم المساهمات المحددة وطنياً، لتحديد مسار الحكومات الذي سيتبعونه لمكافحة تغير المناخ، وفقاً للمعايير العالمية المتفق عليها.

وأوضح أن «الدول التي ستنجح في تسريع جهودها المناخية هي تلك التي تعتمد خططاً تشمل جميع القطاعات الاقتصادية، تجذب الاستثمارات المحلية والدولية، وتفتح آفاقاً جديدة للابتكار والتطور في الطاقة المتجددة والتقنيات النظيفة، وأكد الأمين التنفيذي أهمية أن يتعاون صانعو السياسات من مختلف المجالات مثل الطاقة، البنية التحتية، الزراعة، التكنولوجيا والتعليم لتحقيق هذا الهدف».

وشدّد على أن التطورات التكنولوجية مثل الذكاء الاصطناعي و التكنولوجيا الرقمية يمكن أن تلعب دوراً رئيسياً في تحسين كفاءة استهلاك الطاقة وتقليل التأثيرات السلبية لتغير المناخ؛ الأمر الذي يعزز التحول نحو مصادر طاقة أكثر استدامة ويُسهم في تحقيق التنمية المستدامة على المدى الطويل.

وختم مجدداً رسالته بأنه «من خلال العمل الجماعي فقط، سنتمكن من مواجهة هذه الأزمة وحماية كوكب الأرض للأجيال القادمة».


مقالات ذات صلة

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

العالم طرق مغطاة بالطين في جنوب شرقي البرازيل بعد هطول أمطار غزيرة (د.ب.أ)

مقتل 22 شخصاً على الأقل جراء أمطار غزيرة في البرازيل

كشفت السلطات المحلية اليوم الثلاثاء أن ما لا يقل عن 22 شخصاً لقوا حتفهم بعد هطول أمطار غزيرة على ولاية ميناس جيرايس جنوب شرقي البرازيل.

«الشرق الأوسط» (برازيليا)
يوميات الشرق الشتاء في فنلندا يستمر ما بين مائة ومائتي يوم (رويترز)

حيث لا يذوب الجليد: ما أكثر دول العالم برودة؟

تشهد ولايات عدة في شمال شرقي الولايات المتحدة حالياً عاصفة ثلجية قوية، دفعت السلطات إلى إصدار تحذيرات لأكثر من 40 مليون نسمة، بسبب سوء الأحوال الجوية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق حبات البن بعد جمعها من على الشجر قبل تحميصها (بيكسباي)

دراسة تحذر من تأثير موجات الحر على زراعة قهوة «أرابيكا»

في ضوء دراسة جديدة، حذرت المنظمة الأمريكية غير الربحية «كلايمت سنترال» من عواقب محتملة لزيادة أيام الحر على محاصيل القهوة في المناطق الاستوائية.

«الشرق الأوسط» (برلين)
يوميات الشرق الغبار والأتربة يحجبان الرؤية لمسافات بعيدة (رويترز)

هل ازدادت حدة العواصف الترابية في مصر خلال السنوات الأخيرة؟

شهدت مصر، الجمعة، أجواء غير مستقرة بسبب هبوب عاصفة ترابية خيَّمت على البلاد وملأت الأجواء بالأتربة، وتسببت في انخفاض الرؤية الأفقية إلى أقل من 500 متر.

أحمد حسن بلح (القاهرة )
أوروبا وزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال استقباله مفوضة شؤون التوسع بالاتحاد الأوروبي مارتا كوس في أنقرة الجمعة (الخارجية التركية)

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها

الاتحاد الأوروبي لمنظور جديد في العلاقات مع تركيا دون التطرق لعضويتها... ولا تقدم في مفاوضات «شنغن» أو تحديث الاتحاد الجمركي.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«الفيدرالي» يتمسك بـ «التشدد» وسط قرع طبول الحرب

منظر لواجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
منظر لواجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

«الفيدرالي» يتمسك بـ «التشدد» وسط قرع طبول الحرب

منظر لواجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
منظر لواجهة مبنى مجلس الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

في خطوة كانت تترقبها الأسواق العالمية بحذر، قرر مجلس الاحتياطي الفيدرالي الإبقاء على أسعار الفائدة ثابتة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة، محاولاً امتصاص الصدمات الجيوسياسية الناجمة عن اشتعال الجبهات العسكرية في الشرق الأوسط. لكنّ القضية الأهم في هذا المنعطف لم تعد تكمن في القرار بحد ذاته، بل في «حالة عدم اليقين» التي باتت تُخيّم على آفاق المستقبل؛ حيث يجد البنك المركزي نفسه عالقاً بين رغبته في كبح التضخم العنيد وبين مخاوف الانزلاق نحو ركود تضخمي تُغذيه قفزات أسعار الطاقة واضطرابات الملاحة الدولية.

هذا التثبيت وهو الثاني من نوعه هذا العام، وإن بدا استقراراً مؤقتاً، فإنه يعكس في جوهره تحولاً نحو سياسة «التحوط القصوى»؛ إذ باتت قرارات الاحتياطي الفيدرالي رهينة لتطورات الميدان العسكري بقدر ارتهانها للبيانات الاقتصادية، مما يفتح الباب أمام كافة السيناريوهات في الاجتماعات المقبلة، بما فيها العودة إلى رفع الفائدة إذا ما استمرت نيران الأزمات الإقليمية في إلهاب مؤشرات التضخم العالمي.

فرغم إبقاء الفائدة ثابتة، فإن كواليس الاجتماع شهدت تحولاً؛ حيث بدأت فكرة «رفع الفائدة» تتسلل إلى طاولة النقاش لأول مرة منذ اندلاع حرب إيران، مدفوعة بقفزة أسعار النفط بنسبة 50 في المائة واختناق حركة التجارة في مضيق هرمز. ورأى محللو بنك «بي إن بي باريبا» أن الاحتياطي الفيدرالي قد يتجه نحو ما يسمى بـ«منحى السياسة المتماثل»، وهو وضع يصبح فيه احتمال رفع الفائدة مساوياً تماماً لاحتمال خفضها. هذا التطور يأتي بعد أن تآكلت ثقة المستثمرين في سيناريو التيسير النقدي الذي كان سائداً قبل هجمات 28 فبراير (شباط)، لدرجة أن بنك «دويتشه بنك» طرح التساؤل الصعب: هل يمكن للاحتياطي الفيدرالي رفع الفائدة في 2026؟

تضخم «عنيد» وسوق عمل مهتزة

أظهرت البيانات أن مشكلة التضخم لدى «الفيدرالي» أعمق من مجرد صدمة حربية؛ إذ كان التضخم «الأساسي» (الذي يستبعد أسعار الطاقة والغذاء المتذبذبة) يبدو «عنيداً» حتى قبل أزمة إيران. وكشفت محاضر اجتماع شهر يناير (كانون الثاني) الماضي أن عدداً من المسؤولين كانوا يميلون بالفعل لوصف قرارات الفائدة المستقبلية بأنها «ثنائية الاتجاه»، مما يفتح الباب أمام «الرفع» إذا ظل التضخم فوق مستهدف 2 في المائة، ومع اشتعال أسعار النفط حالياً، يُتوقع أن يضغط هؤلاء الأعضاء لتعديل بيان السياسة النقدية ليعكس هذا التوجه، وسط ترقب الأسواق لمدى مراجعة البنك لتوقعاته للتضخم «العام» و«الأساسي» لهذا العام.

ومن جهة أخرى، يواجه البنك سوق عمل مهتزاً؛ حيث كشف تقرير التوظيف لشهر فبراير عن خسارة مفاجئة لـ92 ألف وظيفة، مما أثار قلق «جناح الحمائم» الذين يخشون أن يؤدي التمسك بأسعار فائدة مرتفعة، تزامناً مع تراجع القوة الشرائية، إلى انهيار حاد في التوظيف والنشاط الاستهلاكي.

هذا التناقض بين «الأسعار المشتعلة» و«الوظائف المفقودة» هو ما أعاد «سيناريو الرفع» إلى الواجهة كخيار مرير قد يفرضه استمرار الأزمة.

وكشف «مخطط النقاط» عن انقسام حاد داخل «الفيدرالي». فجناح الصقور دفع باتجاه رفع الفائدة قبل نهاية العام، محذرين من أن التضخم ظل فوق مستهدف 2 في المائة لمدة 5 سنوات متتالية، وأن صدمة الطاقة الحالية قد تخرج التوقعات عن السيطرة. فيما جناح الحمائم، وعلى رأسهم الحاكم ستيفن ميران، مالوا نحو خفض الفائدة فوراً، خوفاً من هشاشة سوق العمل بعد فقدان الوظائف المفاجئ الشهر الماضي، وتحسباً لتباطؤ الاستهلاك نتيجة غلاء البنزين.

وقد أدى الصراع في الشرق الأوسط إلى صدمة في أسعار الطاقة، ما قد يرفع تكلفة السلع الاستهلاكية ويعيد إشعال التضخم المرتفع الذي يحاول الاحتياطي الفيدرالي احتواءه منذ عام 2022.

ضغوط ترمب وصراع الاستقلالية

وما يزيد المشهد تعقيداً الضغط المستمر من الرئيس دونالد ترمب، الذي يواصل وصف جيروم باول بلقب «متأخر جداً»، مطالباً بخفض الفائدة لدعم النمو. ومع اقتراب تولي كيفن وورش» (الذي يعده ترمب مؤيداً للخفض) رئاسة البنك في منتصف مايو (أيار)، يجد الاحتياطي الفيدرالي نفسه في صراع بين الاستقلالية التقنية والضغوط السياسية المباشرة.

وقالت ديان سونك، كبيرة الاقتصاديين في «كي بي إم جي»: «المسرح مهيأ لتحول توقعات (الفيدرالي) نحو الركود التضخمي، حيث نتوقع رفع تقديرات التضخم والبطالة وخفض توقعات النمو». وأشارت إلى أن «مخطط النقاط» قد يظهر انقساماً حاداً بين مسؤولين يطالبون بخفض الفائدة لحماية سوق العمل التي خسرت 92 ألف وظيفة في فبراير، وصقورٍ يطالبون برفعها قبل نهاية العام للسيطرة على الأسعار.

تمثل حرب إيران الصدمة الثانية التي يوجهها ترمب لتوقعات الاحتياطي الفيدرالي، بعد «صدمة التعريفات الجمركية» قبل عام. ومع ابتعاد التضخم عن مستهدفه البالغ 2 في المائة، يخشى صناع السياسة أن إرسال إشارات بخفض الفائدة الآن قد يُفهم كأنه ضعف في الالتزام بمكافحة الغلاء.


روسيا: صراع الشرق الأوسط يفجر أسوأ أزمة طاقة منذ 40 سنة

نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك (رويترز)
TT

روسيا: صراع الشرق الأوسط يفجر أسوأ أزمة طاقة منذ 40 سنة

نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك (رويترز)

قال نائب ​رئيس الوزراء الروسي ألكسندر نوفاك، يوم الأربعاء، إن الصراع في ‌الشرق ‌الأوسط يُعطل ​جزءاً ‌كبيراً ⁠من ​إمدادات الطاقة العالمية، ⁠وقد يتسبب في أشد أزمة طاقة منذ 40 ⁠عاماً.

وأضاف: «يؤثر الصراع ‌الحالي ‌في ​الشرق ‌الأوسط ‌على ما لا يقل عن 20 مليون برميل ‌يومياً. وهذا هو حجم النفط ⁠ومشتقاته ⁠الذي كان يمر عبر مضيق هرمز يومياً قبل 19 يوماً فقط».


أسعار الطاقة تزحف نحو مناطق خطرة على الاقتصاد العالمي

خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)
خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)
TT

أسعار الطاقة تزحف نحو مناطق خطرة على الاقتصاد العالمي

خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)
خريطة توضح مضيق هرمز (رويترز)

قفزت أسعار الطاقة العالمية إلى مستويات قياسية في جلسة دراماتيكية واحدة يوم الأربعاء، مدفوعة بتسارع وتيرة العمليات العسكرية التي استهدفت قلب البنية التحتية للغاز في إيران. وجاء هذا الاشتعال السعري فور إعلان استهداف حقل «بارس» الجنوبي الإيراني -أكبر حقل غاز في العالم- بضربة إسرائيلية، ما أثار ذعراً فورياً في الأسواق من إطالة أمد الصراع وتحوله إلى حرب استنزاف شاملة للطاقة.

وسجلت أسعار النفط قفزة هائلة بنحو 10 دولارات للبرميل، أي بنحو 8 في المائة، ليتجاوز خام برنت عتبة 110 دولارات، حتى الساعة 02:34 بتوقيت غرينتش، في حين سجل الخام الأميركي نحو 98.42 دولار للبرميل. ولحقتها أسعار الغاز في أوروبا بارتفاع مماثل، لتستقر عند 55 يورو (63.3 دولار) لكل ميغاواط/ساعة.

وعلى الأرض، شهدت حرب إيران تطورات متسارعة، بعد استهداف إسرائيل حقل غاز «بارس» الجنوبي في إيران، وهو الأكبر في العالم من حيث الاحتياطيات، ويضخ نحو 70 في المائة من إنتاجه للاستهلاك المحلي، ويقوم بتصدير النسبة المتبقية.

وهددت إيران على الفور باستهداف أصول للطاقة في المنطقة، وهو ما قد يتسبب بخفض الإنتاج والإمدادات العالمية بشكل كبير، والتي هي أصلاً متراجعة بفعل تعطل مضيق هرمز الذي تسيطر عليه إيران.

بعد تلك التطورات، زادت المخاوف من إطالة زمن الحرب، ما دفع أسعار الطاقة نحو مناطق حساسة بالنسبة للاقتصاد العالمي، الذي طالما عانى من ارتفاع التضخم بشكل حاد عقب الحرب الروسية الأوكرانية، وقبلها تأثر سلاسل التوريد العالمية جراء جائحة كورونا.

ومن شأن ارتفاع أسعار النفط، وهو السلعة الأولية التي تدخل تقريباً في معظم السلع الأخرى، أن يزيد أسعار جميع السلع التامة الصنع، وبالتالي التضخم، مما ينعكس بالسلب على معدلات النمو في العالم، وحذر خبراء واقتصاديون في هذه المرحلة من الوصول إلى «الركود التضخمي».

خطوة خطرة وغير مسؤولة

وأكد مستشار رئيس مجلس الوزراء المتحدث الرسمي لوزارة الخارجية القطرية، ماجد بن محمد الأنصاري، أن «استهداف البنية التحتية للطاقة يعد تهديداً لأمن الطاقة العالمي ولشعوب المنطقة والبيئة فيها».

وقال في تغريدة على حسابه على منصة «إكس» إن «الاستهداف الإسرائيلي لمنشآت مرتبطة بحقل بارس الجنوبي في إيران والذي يمثل امتداداً لحقل غاز الشمال في قطر، هو خطوة خطرة وغير مسؤولة، في ظل التصعيد العسكري الراهن في المنطقة».

وأضاف: «أكدنا مراراً على ضرورة تجنب استهداف المنشآت الحيوية»، داعياً جميع الأطراف إلى ضبط النفس، والالتزام بالقانون الدولي، والعمل على خفض التصعيد بما يحفظ أمن واستقرار المنطقة.

ويعد حقل «بارس» الجنوبي للغاز في إيران -الذي تتقاسمه مع قطر- أكبر حقل غاز طبيعي في العالم باحتياطيات نحو 51 تريليون متر مكعب من الغاز، ويقع في مياه الخليج العربي، وعادة ما تطلق عليه قطر اسم «حقل الشمال».

ووفق أحدث بيانات إيرانية رسمية، كان الحقل ينتج 716 مليون متر مكعب يومياً من الغاز، يضخ نحو 70 في المائة منه لصالح الاستهلاك المحلي، خاصة محطات الكهرباء والصناعات كثيفة الاستهلاك، وباقي الحصة يتم تخصيصها للتصدير.

ويحتوي الحقل بأكمله (الجزء الإيراني والقطري) على ما يقدّر بنحو 1800 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاستخدام، وهو ما يكفي لتلبية احتياجات العالم لمدة 13 عاماً، أو لتوليد طاقة كهربائية تكفي لتزويد الولايات المتحدة لأكثر من 35 عاماً.

انقطاع الكهرباء في العراق

ولم تقتصر تداعيات استهداف الحقل على الأسعار فحسب، بل امتدت لتضرب أمن الطاقة الجاري في دول الجوار، حيث أعلن العراق توقفاً كاملاً لتدفقات الغاز المستورد، ما تسبب في خسارة فورية لـ 3100 ميغاواط من قدرته الكهربائية.

وقال المتحدث باسم الوزارة، أحمد موسى، إن الانقطاع المفاجئ جاء «نتيجة تداعيات التطورات في المنطقة»، مشيراً إلى أن هذا الفقدان الكبير في الطاقة سيؤثر بشكل مباشر على استقرار التجهيز، خاصة أن الوزارة كانت تعمل على تهيئة المحطات للخدمة قبل دخول موسم الذروة.

ويأتي هذا التطور ليضع ضغوطاً إضافية على قطاع الطاقة في العراق، الذي يعتمد بشكل كبير على الغاز الإيراني لتشغيل محطات التوليد، في وقت تسعى فيه الحكومة لتنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الواردات عبر مشاريع الغاز المصاحب والربط الكهربائي الإقليمي.

ويوم السبت الماضي، قال أحمد موسى، المتحدث ‌باسم وزارة الكهرباء العراقية، إن إجمالي ⁠إمدادات الغاز الإيرانية إلى العراق ارتفع من 6 ملايين متر مكعب إلى ‌18 ⁠مليوناً خلال الأسبوع الماضي، مضيفاً أن الكميات ⁠الإضافية خُصصت لجنوب البلاد.

أميركا تلجأ للنفط الروسي والفنزويلي

ومع إطباق إيران قبضتها على مضيق هرمز وتحكمها في 20 في المائة من حركة النفط العالمية، اندفعت القوى الكبرى لاتخاذ إجراءات طارئة؛ حيث لجأت إدارة ترمب لـ«برغماتية الضرورة» عبر تخفيف العقوبات على النفط الروسي والفنزويلي لتأمين الإمدادات، وسط مخاوف اقتصادية عالمية من الانزلاق نحو «الركود التضخمي». إذ سمحت إدارة ترمب بشراء النفط الروسي دون عقوبات، حتى منتصف أبريل (نيسان) المقبل. كما قررت السماح للشركات الأميركية بممارسة أعمال تجارية مع شركة النفط والغاز المملوكة للدولة في فنزويلا بعد أن خففت وزارة الخزانة العقوبات، مع بعض القيود، حيث تبحث إدارة الرئيس دونالد ترمب عن سبل لتعزيز إمدادات النفط العالمية خلال حرب إيران.

من جهتها، أصدرت وزارة الخزانة تفويضاً واسع النطاق يسمح لشركة «بتروليوس دي فنزويلا» ببيع النفط الفنزويلي مباشرة إلى الشركات الأميركية وفي الأسواق العالمية، وهو تحول كبير بعد أن منعت واشنطن لسنوات التعاملات مع حكومة فنزويلا وقطاع النفط فيها.

وتسلط هذه الخطوة الضوء على الضغوط المتزايدة التي تتعرض لها الإدارة الأميركية الحالية لتخفيف الضغوط على أسعار النفط المرتفعة.

وسجلت أسعار الوقود في أميركا ارتفاعات قياسية، حيث سجل الغالون نحو 5 دولارات هذا الأسبوع، ارتفاعاً من 2.3 دولار، وهو مستوى قياسي لم يعتَد عليه المواطن الأميركي.

ومن المقرر أن تخضع زيادات أسعار الوقود، لتدقيق من محافظي البنوك المركزية حول العالم في إطار توجيههم للسياسة النقدية. غير أن تركيز أسواق النفط منصب بشكل أساسي على مضيق هرمز، الذي تخضع حركة الملاحة فيه حالياً لحسابات سياسية، إذ تسمح إيران لعدد محدود من السفن بالمرور بناء على علاقاتها السياسية، بينما تمنع أو تردع معظم السفن الأخرى.