من الانتعاش إلى النمو المحدود... الاقتصاد الإسرائيلي يتخبط بعد 320 يوماً من الحرب

«العقد الضائع» يعود للواجهة... ومخاوف من ركود طويل الأمد

دبابة تناور على الجانب الإسرائيلي من الحدود بين إسرائيل وغزة (رويترز)
دبابة تناور على الجانب الإسرائيلي من الحدود بين إسرائيل وغزة (رويترز)
TT

من الانتعاش إلى النمو المحدود... الاقتصاد الإسرائيلي يتخبط بعد 320 يوماً من الحرب

دبابة تناور على الجانب الإسرائيلي من الحدود بين إسرائيل وغزة (رويترز)
دبابة تناور على الجانب الإسرائيلي من الحدود بين إسرائيل وغزة (رويترز)

بعد 320 يوماً من الصراع بين إسرائيل و«حماس»، لا يزال الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من التأثيرات الشديدة للحرب، التي تزداد سوءاً شهراً بعد شهر. ومع استمرار العمليات العسكرية واستنزاف الموارد بشتى أنواعها، تقف إسرائيل عند مفترق طرق اقتصادي حرج، تتجلى آثاره بوضوح في الانخفاض الحاد في النمو، وارتفاع معدلات التضخم، وتفاقم العجز المالي، وخفض التصنيف الائتماني. كما تشير التوقعات إلى أن العجز المالي في موازنة 2024 سيتجاوز التقديرات السابقة بكثير بسبب الإنفاق الدفاعي. وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف من استمرار الحرب، وسط التوترات الجيوسياسية والضغوط على الحكومة الإسرائيلية للتعامل مع التداعيات المالية والعسكرية طويلة الأمد.

تباطؤ النمو الاقتصادي

وفقاً للبيانات الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية، سجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً سنوياً قدره 1.2 في المائة خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران)، مقارنة بالأشهر الثلاثة السابقة، إلا أنه انخفض بنسبة 1.4 في المائة مقارنة بالربع نفسه من العام الماضي. وهذه النتائج جاءت أقل من توقعات خبراء الاقتصاد التي تراوحت بين 2.3 في المائة و5 في المائة. وعلى أساس نصيب الفرد، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4 في المائة في الربع.

وجاءت هذه الأرقام بعد فترة انتعاش شهدها الاقتصاد في بداية العام، حيث سجل نمواً سنوياً قدره 17.3 في المائة خلال الربع الأول من 2024، عقب انكماش حاد بنسبة 20.6 في المائة في الربع الأخير من 2023، عندما تسبب اندلاع الحرب في 7 أكتوبر (تشرين الأول) في تقليص الإنفاق الاستهلاكي والتجارة والاستثمار بشكل ملحوظ.

وفي يوليو (تموز)، خفّض بنك إسرائيل توقعاته لنمو الاقتصاد، مشيراً إلى زيادة خطر التصعيد مع «حزب الله» على الحدود الشمالية، متوقعاً أن ينمو الاقتصاد بنسبة 1.5 في المائة في عام 2024، و4.2 في المائة في عام 2025. وهذا أقل من توقعات النمو السابقة في أبريل التي بلغت 2 في المائة في عام 2024 و5 في المائة في عام 2025، في حين تتوقع وزارة المالية الإسرائيلية نمواً بنسبة 1.9 في المائة لهذا العام.

منظر عام لمدينة حيفا الساحلية الإسرائيلية (أ.ف.ب)

تراجع الإنتاج وزيادة الاستهلاك

خلال الربع الثاني، انخفض إنتاج الأعمال بنسبة 1.9 في المائة، في حين تراجعت صادرات السلع والخدمات بنسبة 8.3 في المائة. ورغم زيادة طفيفة بنسبة 1.1 في المائة في الاستثمار في الأصول الثابتة، وصف الخبراء الاقتصاديون نمو الناتج المحلي الإجمالي في هذا الربع بأنه مخيب للآمال؛ نظراً لانكماش الصادرات وضعف الاستثمارات. إضافة إلى ذلك، لا تزال استثمارات البناء منخفضة بنسبة 26 في المائة على أساس سنوي بسبب نقص العمال الفلسطينيين، كما أن إغلاق الشركات الزراعية والتجارية في الشمال والجنوب أضر بالنمو الاقتصادي بشكل مباشر. في المقابل، ارتفع الاستهلاك الحكومي بنسبة سنوية بلغت 8.2 في المائة مقارنة بـ2.6 في المائة في الربع السابق، مما زاد من المخاوف بشأن اعتماد النمو الاقتصادي بشكل مفرط على الإنفاق العام المرتفع المرتبط باحتياجات الحرب. كما ارتفع الاستهلاك الخاص بنسبة 12 في المائة، متجاوزاً مستويات ما قبل الحرب.

خفض التصنيف الائتماني

تأتي بيانات النمو الضعيفة بعد خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل من «إي بلس» إلى «إيه» من قبل وكالة «فيتش»، التي تتوقع استمرار الحرب حتى عام 2025. وحذرت الوكالة من أن التصعيد إلى جبهات متعددة قد يؤدي إلى إنفاق عسكري إضافي كبير، وتدمير البنية التحتية، وإلحاق المزيد من الضرر بالنشاط الاقتصادي والاستثمار. وأبقت على نظرتها المستقبلية «سلبية»، وهو ما يعني إمكانية خفض التصنيف مرة أخرى. وكانت «فيتش» ثالث وكالة ائتمان عالمية تخفض تصنيف إسرائيل هذا العام، بعد «ستاندرد آند بورز» و«موديز» بسبب ارتفاع المخاطر الجيوسياسية.

عجز مالي متزايد

في يوليو، اتسع العجز المالي إلى 8.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مدى الأشهر الاثني عشر السابقة، مقارنة بـ7.6 في المائة في يونيو، حيث تجاوز الإنفاق الحكومي في الشهر الماضي البالغ 49.4 مليار شيقل (13 مليار دولار) إيرادات الدولة البالغة 40.9 مليار شيقل. وكان هذا الشهر هو الرابع الذي يتجاوز فيه العجز سقف الهدف الحكومي البالغ 6.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي المحدد لنهاية عام 2024، مع الإشارة إلى أن إسرائيل سجلت عجزاً في الموازنة بنسبة 4.2 في المائة في عام 2023.

وأشارت وزارة المالية حينها في تقريرها الشهري إلى أن «الزيادة تعود بشكل رئيسي إلى ارتفاع الإنفاق على الدفاع والأمن، وكذلك من قبل الوزارات المدنية بسبب الحرب، بالإضافة إلى المدفوعات الصارمة الناتجة عن الاتفاقيات».

فلسطينيون يعودون إلى الجهة الشرقية لمدينة خان يونس بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من المنطقة (رويترز)

ثلاثية تضغط على الاقتصاد

ارتفع معدل التضخم السنوي في يوليو إلى 3.2 في المائة من 2.9 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى قراءة منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. وكان هذا الارتفاع مدفوعاً بزيادة ضغوط الأسعار على الغذاء والإسكان والتعليم والثقافة والترفيه. في الوقت نفسه، ارتفع التضخم الأساسي إلى 2.9 في المائة في يوليو من 2.7 في المائة في يونيو، مما يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي في ظل التحديات المستمرة.

كما شهدت إسرائيل ارتفاعاً ملحوظاً في معدلي الفقر والبطالة. فقد ارتفع معدل الفقر بنسبة 2.6 نقطة مئوية، ليصل إلى 25.3 في المائة في منتصف عام 2024، في حين ارتفع معدل البطالة بنسبة 1.7 نقطة مئوية، ليصل إلى 6.2 في المائة في يوليو 2024، مما يعني فقدان مئات الآلاف من فرص العمل.

قرارات السياسة النقدية

رغم تباطؤ النمو الاقتصادي، من غير المرجح أن يخفض بنك إسرائيل تكاليف الاقتراض في قراره القادم بشأن أسعار الفائدة، وذلك بسبب ارتفاع التضخم بشكل مستمر (3.2 في المائة)، وهو خارج نطاق الهدف المحدد من المصرف المركزي بين 1 في المائة و3 في المائة. ويرى خبراء الاقتصاد أن الأرقام الضعيفة للنمو تعود إلى مشكلات في العرض وليس في الطلب، مما يعني أن تخفيضات أسعار الفائدة قد لا تكون فعالة في تعزيز النمو. ويأتي هذا التوجه في ظل مؤشرات تسارع التضخم في مؤشر يوليو وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، التي تزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي.

تراجع قياسي في السياحة

شهد قطاع السياحة تراجعاً حاداً في الفترة الأخيرة، حيث انخفض عدد السياح بشكل ملحوظ من نحو 300 ألف في سبتمبر (أيلول) إلى 89 ألفاً في أكتوبر، ثم إلى 38 ألفاً فقط في نوفمبر. وانسحب هذا الانخفاض الكبير على إيرادات القطاع، إذ تراجعت من 1.4 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2023 إلى 464 مليون دولار في الربع الأخير.

واستمر النزيف خلال النصف الأول من العام، حيث تراجع عدد الزوار بشكل حاد إلى 500 ألف زائر فقط، مقارنة بـ2.1 مليون زائر في الفترة نفسها من العام الماضي. وشهد القطاع تحولاً جذرياً بعد السابع من أكتوبر، إذ انقلبت موازين السياحة بشكل كامل، فبينما كانت الغالبية العظمى من السياح تأتي من خارج إسرائيل، أصبح الإسرائيليون يشكلون الآن نحو 30 في المائة من إجمالي عدد النزلاء في الفنادق، في حين انخفضت نسبة السياح الأجانب إلى 70 في المائة.

يتجول الناس في البلدة القديمة بالقدس عبر باب الخليل حيث يتسبب الصراع في إحداث دمار بقطاع السياحة (رويترز)

التوقعات المستقبلية

تتوقع وكالة «فيتش» أن تزيد الحكومة الإسرائيلية الإنفاق العسكري بشكل دائم بنحو 1.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مما يزيد من الضغوط على الموازنة ومستويات الديون. وقالت الوكالة إن المالية العامة تضررت، وتوقعت عجزاً في الميزانية بنسبة 7.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 لتمويل الإنفاق على الأمن والدفاع. ومن المتوقع أن تؤثر هذه النفقات سلباً على نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل، التي من المتوقع أن ترتفع إلى 75 في المائة، مما قد يؤثر سلباً على التصنيف الائتماني لإسرائيل.

ونظراً للعواقب الجيوسياسية والمحلية لحالة الحرب المستمرة، فمن المتوقع أن يستمر تآكل مكانة إسرائيل الدولية، مع تزايد المخاوف بشأن الاستثمار فيها، وخاصة في قطاع التكنولوجيا.

وفيما يتصل بالعواقب الاقتصادية الطويلة الأجل للحرب في الشمال مع لبنان، فإن أي زيادة في علاوة المخاطر سوف تؤدي إلى زيادة كبيرة في مدفوعات الفائدة على الدين العام الإسرائيلي، الذي من المرجح أن يظل في مستوى يتراوح بين 1.3 في المائة و1.5 في المائة، مقارنة بمستوى ما قبل الحرب وهو 0.8 في المائة. بالإضافة إلى ذلك، فإن خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى المستوى الموصى به وهو 60 في المائة سوف يكون مهمة صعبة قد تستغرق أكثر من عقد من الزمان. وكانت آخر مرة تجاوزت فيها نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل 80 في المائة خلال الانتفاضة الثانية، عندما وصلت إلى 93 في المائة في عام 2003. ورغم عدة سنوات من النمو السريع، كان انخفاض هذه النسبة بطيئاً، ولم تصل إلى 60 في المائة حتى عام 2017.

وبحسب معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإن انخفاض معدلات النمو في ثلاثة سيناريوهات (استمرار الوضع الحالي، والتصعيد في الشمال، والتوصل إلى اتفاق على أساس الصفقة المقترحة لإطلاق سراح الرهائن، ووقف القتال في غزة وانسحاب قوات جيش الدفاع الإسرائيلي من القطاع) إلى جانب زيادة في الإنفاق الأمني، من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم خطر الركود الاقتصادي، مما قد يتسبب في مشاكل اقتصادية تذكر بفترة «العقد الضائع» التي أعقبت حرب يوم الغفران (حرب أكتوبر 1973 عندما استنفدت الموازنة وانخفض معدل النمو في الاقتصاد إلى النصف أو أكثر). وقد تتطلب هذه الظروف تخفيضات إضافية في موازنات الوزارات الحكومية المختلفة، مما سيؤدي إلى خفض التمويل المخصص للتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والبنية التحتية، وهي قطاعات تهدف إلى تعزيز الإنتاجية الاقتصادية في إسرائيل.


مقالات ذات صلة

إردوغان: نعمل على تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران

شؤون إقليمية ​الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (د.ب.أ)

إردوغان: نعمل على تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران

قال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، اليوم الأربعاء، إن أنقرة تعمل على تمديد وقف إطلاق النار بين الولايات المتحدة وإيران وتخفيف التوتر وضمان استمرار المحادثات.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
يوميات الشرق رسومات صغيرة... بعيدة عن الحرب (بيت بيروت)

«بيت بيروت» في الحرب: لقاء النزوح بذاكرة المدينة

«بيت بيروت» الذي مثَّل ذات يوم «خطاً للفصل»، يجري العمل على تحويله «مساحةً للقاء»...

فاطمة عبد الله (بيروت)
العالم أستراليا ستخصص ما يصل إلى 5 مليارات دولار أسترالي في تمويل جديد للطائرات المُسيرة (رويترز)

أستراليا تعلن زيادة الإنفاق المخصص للطائرات المُسيّرة

ستُخصص أستراليا ما يصل إلى 5 مليارات دولار أسترالي (3 مليارات يورو) في تمويل جديد للطائرات المُسيرة، من أجل تكييف دفاعاتها مع أشكال القتال الجديدة.

«الشرق الأوسط» (سيدني)
شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
المشرق العربي إغلاق نفق في شارع فلسطين بمخيم اليرموك من قبل الدفاع المدني السوري (مجموعة العمل من أجل فلسطينيي سوريا)

هبوط أرضي مفاجئ في مخيم اليرموك يفتح باب أنفاق الحرب

شهد شارع فلسطين في دمشق هبوطاً أرضياً مفاجئاً أدى إلى تشكّل حفرة عميقة، تبيّن لاحقاً أنها ناتجة عن نفق قديم من مخلفات الحرب، دون تسجيل إصابات.

«الشرق الأوسط» (دمشق)

ضغوط الحرب الإيرانية تلاحق الشركات الأوروبية وتكبح توقعات الأرباح

أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
TT

ضغوط الحرب الإيرانية تلاحق الشركات الأوروبية وتكبح توقعات الأرباح

أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)
أفق مدينة فرانكفورت الألمانية (رويترز)

تلقي الحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران بظلالها على توقعات الشركات الأوروبية، من شركات الطيران إلى تجارة التجزئة، رغم الآمال بتحقيق أرباح قوية في الربع الأول، مع ضغط ارتفاع أسعار الطاقة واضطراب سلاسل الإمداد وتباطؤ النمو على التوقعات المستقبلية.

وقالت شركة «تيسكو»، أكبر شركة تجزئة غذائية في بريطانيا، إن حالة عدم اليقين المرتبطة بالنزاع قد تؤثر على الأرباح، في حين خفضت شركة صناعة الشوكولاته «باري كاليبوت» توقعات الأرباح بسبب اضطرابات في سلاسل الإمداد المرتبطة بالحرب، وفق «رويترز».

كما حذرت شركة «إيزي جيت» البريطانية، يوم الخميس، من خسارة أكبر في النصف الأول، ما ضغط على سهمها، في حين قالت شركة التجزئة البريطانية «دانلم» إن العملاء يقيّدون إنفاقهم بسبب حالة عدم اليقين المرتبطة بالنزاع.

ويعتمد الكثير على مدة استمرار الصراع بين إيران وإسرائيل، وسط آمال متزايدة باتفاق سلام قد يعيد فتح مضيق هرمز ويخفف تدفقات النفط التي رفعت الأسعار العالمية.

وقد أدت التوترات الإقليمية المتصاعدة إلى اضطراب الأسواق، ما أثار مخاوف من أن يؤدي نزاع طويل الأمد إلى مزيد من ارتفاع أسعار النفط، وبالتالي زيادة التضخم وتراجع الطلب الاستهلاكي.

مستويات النشاط لم تنهَر «بشكل حاد» بعد

من المتوقع أن تُعلن الشركات الأوروبية عن أرباح «مستقرة نسبياً» للربع من يناير (كانون الثاني) إلى مارس (آذار)، حسب سياران كالاغان، رئيس أبحاث الأسهم الأوروبية في «أموندي»، رغم أن الحرب الإيرانية أثرت على نحو ثلث هذه الفترة.

وقال كالاغان: «يستغرق الأمر وقتاً حتى تنتقل أسعار النفط المرتفعة إلى الاقتصاد، لذا لم تنخفض مستويات النشاط بشكل حاد».

ورغم أن المستثمرين يقدّرون أن تعرض الشركات الأوروبية الكبرى المباشر للشرق الأوسط لا يتجاوز نسباً منخفضة من خانة الآحاد، فإن التباطؤ الاقتصادي، واضطرابات سلاسل الإمداد، وعدم اليقين، وارتفاع التضخم تُعد المخاطر الرئيسية.

ومع ذلك، فإن حجم التأثير سيعتمد على مدة استمرار الحرب. وقد تراجعت الأسهم الأوروبية في الأسابيع الأولى من الصراع، لكنها تعافت لاحقاً مع تحسن المعنويات.

وقال بن ريتشي، رئيس أسهم الأسواق المتقدمة في «أبردين»: «لا أعتقد أن نتائج الربع الأول ستكون مخيبة للآمال، لكن التوقعات لبقية العام قد تكون كذلك».

وقد ظهرت بالفعل بعض نتائج قطاع أشباه الموصلات التي دعمت توقعات الأرباح القوية نسبياً، إذ أعلنت شركة «إيه إس إم إل»، أكبر مورد عالمي لمعدات صناعة الرقائق، نتائج فصلية أفضل من المتوقع ورفعت توقعاتها السنوية مع استمرار طفرة الذكاء الاصطناعي. كما سجلت شركة «أيكسرون» الألمانية لآلات الرقائق طلبات قوية ورفعت توقعاتها للإيرادات لعام 2026.

قطاع الطاقة يرتفع والاستهلاك يتراجع

تؤثر الحرب بشكل متباين على القطاعات المختلفة. إذ يُتوقع أن تسجل شركات مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي القياسي نمواً في أرباح الربع الأول بنسبة 4.2 في المائة، وفق تقرير «إل إس إي جي»، لكن ذلك يعود بشكل أساسي إلى قطاع الطاقة.

وقد دعمت أسعار النفط المرتفعة شركات الطاقة، ومن المتوقع أن تحقق الشركات الأوروبية الكبرى أرباحاً أعلى بنسبة 24 في المائة مقارنة بالعام الماضي. وأشارت شركة «توتال إنيرجيز» إلى استفادتها من ارتفاع أسعار الطاقة بسبب الحرب، رغم توقف 15 في المائة من إنتاج المجموعة الفرنسية.

كما يُتوقع أن يستفيد قطاع الطاقة المتجددة أيضاً. وقال هانس يورغ باك، كبير مديري المحافظ في «دي دبليو إس»، إن الأزمة أبرزت اعتماد أوروبا على واردات الوقود الأحفوري.

وقال: «الخلاصة يجب أن تكون تسريع إدخال مصادر الطاقة البديلة والاستثمار في الشبكات».

وفي المقابل، قد تضر معدلات التضخم المرتفعة شركات الاستهلاك والسلع الفاخرة، لكنها قد تفيد البنوك، حسب كالاغان.

وقال: «هناك حديث واسع عن احتمال رفع البنوك المركزية لأسعار الفائدة، وقد يقوم البنك المركزي الأوروبي برفعها مرتين إضافيتين بإجمالي 50 نقطة أساس، ما قد يكون إيجابياً للقطاع المصرفي الأوروبي».

وقد أشارت شركتا «إل في إم إتش» و«هيرميس» إلى أن مبيعات الربع الأول تأثرت بالحرب في إيران، التي قلصت الإنفاق في الشرق الأوسط وأخرت تعافي القطاع.

فائزون انتقائيون

ورغم وجود بعض «الفائزين الانتقائيين»، فإن الصراع لا يدعم أرباح الشركات الأوروبية بشكل عام، حسب كريستوف بيرغر، كبير مسؤولي الاستثمار في الأسهم الأوروبية لدى «أليانز جي آي».

وكان بيرغر قد توقع قبل اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) نمواً في أرباح الشركات الأوروبية بنسبة عالية من خانة الآحاد إلى خانة العشرات، لكنه خفّض توقعاته الآن إلى نمو «جيد» لكنه دون مستويات مزدوجة الرقم للربع الأول.

وقالت «إل إس إي جي» إن الإيرادات في الربع الأول يُتوقع أن تنخفض في المتوسط بنسبة 0.6 في المائة باستثناء قطاع الطاقة، ما يشير إلى أن جهود خفض التكاليف وإعادة الهيكلة قد تؤتي ثمارها.

إعادة شراء الأسهم

ورغم أن بعض الشركات خفّضت توزيعات الأرباح المقترحة، فإنه لا توجد مؤشرات على أن هذا تحول عام حتى الآن، حسب المستثمرين.

في المقابل، زادت الشركات من عمليات إعادة شراء الأسهم لوقف تراجع الأسواق، حسب ماركوس موريس إيتون، مدير المحافظ في «أليانس بيرنشتاين».

وقال: «شهدنا زيادة ملحوظة في عمليات إعادة شراء الأسهم، حيث توفر التقييمات الحالية عائداً جيداً على الاستثمار للعديد من الشركات».


18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)
مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)
TT

18 مليون خدمة و4 ملايين مستثمر... قفزة نوعية لبيئة الأعمال في السعودية

مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)
مستثمر يطالع كتيباً للتعرف على خدمات «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» (المركز)

تشهد بيئة الأعمال في السعودية تطوراً متسارعاً؛ مدعوماً بحزمة من الإصلاحات والخدمات الرقمية المتكاملة، حيث زاد عدد الخدمات المقدمة منذ مارس (آذار) 2020 على 18 مليون خدمة، استفاد منها نحو 4 ملايين مستثمر، في مؤشر واضح على تنامي جاذبية السوق وتحسن كفاءة الإجراءات.

وفي الوقت الذي تواصل فيه المنصات الحكومية تعزيز تجربة المستثمر عبر نافذة موحدة، فإن الربع الأول من العام الحالي سجل نمواً لافتاً في تأسيس الشركات والمؤسسات، إلى جانب توسع ملحوظ في توثيق المتاجر الإلكترونية، وارتفاع وتيرة التراخيص في عدد من القطاعات الحيوية؛ مما يعكس حراكاً اقتصادياً نشطاً يدعم مستهدفات التنمية ويعزز تنافسية الاقتصاد الوطني.

ووفق تقرير صادر عن «المركز السعودي للتنافسية والأعمال»، اطلعت «الشرق الأوسط» على نسخة منه، فقد بلغ عدد المتاجر الإلكترونية التي وُثّقت نحو 41 ألف متجر، في الوقت الذي وصل فيه عدد طلبات إنشاء رمز موحد إلى نحو 40 ألف طلب.

توزيع التراخيص

وطرحت 31 جهة حكومية 60 مشروعاً عبر منصة «استطلاع» خلال الربع الأول من العام الحالي، فيما بلغ إجمالي الآراء والملحوظات بشأن المشروعات نحو 4435.

وفي الربع الأول من العام الحالي أُسّس أكثر من 26.6 ألف شركة جديدة، و41.8 ألف مؤسسة، إضافة إلى 608 متاجر إلكترونية موثقة، حيث مكنت «منصة الأعمال» المستثمرين من إنجاز إجراءات بدء أعمالهم الاقتصادية، عبر تقديم جميع الخدمات ذات العلاقة من خلال وجهة واحدة متكاملة مع جميع الجهات الحكومية المعنية.

وبخصوص التراخيص الصادرة لبدء الأعمال، كان النصيب الأكبر منها، خلال الفصل الأول، لقطاع التعليم بـ1277 رخصة، ثم الإعلام بـ442، تليها (مكانياً) الرياض بنحو 105، وأخيراً القطاع السياحي بنحو 57 رخصة.

وأعلن «المركز» عن خدمات متاحة حالياً عبر المنصة، هي: تصفية شركة زاولت قرار تعيين مُصفٍّ، وتصفية شركة لم تزاول، وشطب السجل التجاري الرئيسي لشركة بناءً على حكم قضائي، وتسجيل مستورد/ مصدر جديد.

سيدة تتحدث إلى أحد منسوبي «المركز» في إحدى الفعاليات المقامة بالسعودية (واس)

تحسين بيئة الأعمال

وفي وثيقة إلكترونية واحدة تعزز موثوقية البيانات وتدعم التحديث المستمر، تمكن ما يزيد على 5692 ألف منشأة تجارية من إصدار رمزها الإلكتروني منذ إطلاق خدمة «الرمز الإلكتروني الموحد».

وبشأن إصلاحات بيئة الأعمال بالتكامل مع الجهات المعنية خلال الربع الأول، كشف «المركز» عن تمكين مجموعة شركات من تقديم خدمات الشحن الجوي مثل: وساطة الشحن، ومناولة الشحنات في مناطق الإيداع، والشحن السريع في قرى الشحن بمطارَي «الملك خالد الدولي» و«الملك فهد الدولي».

والأثر من ذلك الإصلاح هو تنمية الحركة الجوية، وتحسين الخدمات المقدمة، بالإضافة إلى زيادة النشاط الاقتصادي، وخلق فرص عمل جديدة.

وقد تمكنت أيضاً من انتقاء أحكام قضائية ذات علاقة بقطاع الأعمال، بما فيها الأحكام التجارية والإدارية، ونشرها باللغتين العربية والإنجليزية في البوابة العلمية القضائية التابعة لوزارة العدل؛ بهدف تعزيز القدرة على التنبؤ بالأحكام، وتعزيز الشفافية، وزيادة الوعي بالمبادئ التي تقوم عليها في الحالات المتشابهة. وأيضاً إصدار الاشتراطات البلدية الخاصة بالمباني التعليمية الأهلية، في خطوة تعزز امتثال المستثمرين في القطاع عن طريق حوكمة إنشاء وتشغيل المنشآت وضبط معايير السلامة والتخطيط العمراني فيها.

وأطلقت وزارة التجارة حملات توعوية بالأنظمة المتعلقة بممارسة الأعمال، مثل نظام الشركات، والسجل التجاري، ونظام الأسماء التجارية.

ومن الإصلاحات التي أجرتها الحكومة في الربع الأول، إيجاد حلول ومحفزات تمويلية مع «بنك الرياض» و«صندوق التنمية الصناعية السعودي»، تمكن المنشآت الصغيرة والمتوسطة في القطاع اللوجيستي من الاستثمار في المشروعات المتعلقة بالمنظومة.

التقارير الدولية

وتحقيقاً لأهداف «رؤية 2030» المتعلقة برفع تنافسية المملكة عالمياً، فإن أعمال «المركز» تتضمن دراسة وتحليل ومتابعة نحو 31 تقريراً عالمياً معتبراً، ومراقبة أداء البلاد في مؤشرات تلك التقارير، كاشفاً عن تحسن «مجموع نتائج السعودية (score)» مقارنة بالعام الماضي، وعن أنها الآن ثالث أعلى دولة في المجموع بين 53 دولة، حيث أشار التقرير إلى ريادة الرياض عالمياً في تمويل رواد الأعمال والسياسات الحكومية الداعمة، وارتفاع مستوى الوعي بتطبيقات الذكاء الاصطناعي، وزيادة نسبة البالغين الذين بدأوا مشروعاً ريادياً.

وتقدمت المملكة 3 مراتب وحلّت في المرتبة الـ59 عالمياً من أصل 184 دولة. وحققت المرتبة الـ6 من أصل 14 في المنطقة والشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وتقدمت كذلك في 7 من أصل 12 محوراً فرعياً.

وحققت البلاد تقدماً في نتائج «تقرير المرأة - أنشطة الأعمال والقانون 2026»، بتسجيل أعلى زيادة في عدد النقاط على مستوى العالم في محور «الأطر الداعمة».

ألف إصلاح اقتصادي

وكان وزير التجارة رئيس مجلس إدارة «المركز السعودي للتنافسية والأعمال»، الدكتور ماجد القصبي، افتتح مقر «مركز المعرفة (knowledge-hub)» في الرياض، وذلك بالشراكة بين «البنك الدولي» و«المركز».

وقال القصبي إن بدء أعمال «مركز المعرفة» في نشر ثقافة الإصلاحات للدول المستفيدة يتزامن مع مشارفة وصول «المركز السعودي للتنافسية والأعمال» إلى تنفيذ ألف إصلاح اقتصادي وتنموي لتطوير وتحسين البيئة التنافسية، بالتكامل مع 65 جهة حكومية.


«دار غلوبال» تحصل على قرض مشترك بـ250 مليون دولار من «الإمارات دبي الوطني»

زياد الشعار الرئيس التنفيذي لـ«دارغلوبال» وأحمد القاسم رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني» بعد توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)
زياد الشعار الرئيس التنفيذي لـ«دارغلوبال» وأحمد القاسم رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني» بعد توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)
TT

«دار غلوبال» تحصل على قرض مشترك بـ250 مليون دولار من «الإمارات دبي الوطني»

زياد الشعار الرئيس التنفيذي لـ«دارغلوبال» وأحمد القاسم رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني» بعد توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)
زياد الشعار الرئيس التنفيذي لـ«دارغلوبال» وأحمد القاسم رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني» بعد توقيع الاتفاقية (الشرق الأوسط)

أعلنت شركة «دار غلوبال» عن حصولها على تسهيلات قرض مشترك لأجل بقيمة 250 مليون دولار مقدمة من بنك الإمارات دبي الوطني، في خطوة تهدف إلى دعم خططها للنمو وتسريع توسعها في الأسواق العالمية الرئيسية.

وأوضحت الشركة أن التمويل، الذي يأتي ضمن «مشروع راديوم 2»، جرى ترتيبه بمشاركة مجموعة من المقرضين الإقليميين، فيما تولى «الإمارات دبي الوطني كابيتال» دور المنظم الرئيسي المشترك ومدير الاكتتاب والوكيل الحصري للوثائق.

ويأتي هذا التمويل في إطار استراتيجية «دار غلوبال»، المملوكة بأغلبية من «دار الأركان» السعودية، لتعزيز حضورها الدولي، حيث سيسهم في دعم تطوير مشاريعها الحالية والسعي إلى فرص استثمارية جديدة في أسواق مختارة.

وقال أحمد القاسم، رئيس الخدمات المصرفية للأعمال في «الإمارات دبي الوطني»، إن الصفقة تعكس ثقة المؤسسات المالية بقدرة البنك على هيكلة وتنفيذ عمليات تمويل مشتركة واسعة النطاق، مشيراً إلى أن الإقبال من المقرضين يعكس الطلب المستمر على التمويل المرتبط بقطاع العقارات.

وأضاف أن البنك صمم التسهيلات بما يتوافق مع طموحات «دار غلوبال»، بما يعزز تقديم حلول تمويلية مخصصة تدعم النمو المستدام في قطاع العقارات الفاخرة عالمياً.

من جانبه، قال زياد الشعار، الرئيس التنفيذي لشركة «دار غلوبال»، إن التمويل يوفر سيولة إضافية ومرونة مالية تدعم تطوير المشاريع الحالية، مع الحفاظ على نهج انتقائي في اقتناص الفرص الجديدة، مؤكداً أن تنويع مصادر التمويل يظل محورياً في استراتيجية الشركة مع توسعها الدولي.