من الانتعاش إلى النمو المحدود... الاقتصاد الإسرائيلي يتخبط بعد 320 يوماً من الحرب

«العقد الضائع» يعود للواجهة... ومخاوف من ركود طويل الأمد

دبابة تناور على الجانب الإسرائيلي من الحدود بين إسرائيل وغزة (رويترز)
دبابة تناور على الجانب الإسرائيلي من الحدود بين إسرائيل وغزة (رويترز)
TT

من الانتعاش إلى النمو المحدود... الاقتصاد الإسرائيلي يتخبط بعد 320 يوماً من الحرب

دبابة تناور على الجانب الإسرائيلي من الحدود بين إسرائيل وغزة (رويترز)
دبابة تناور على الجانب الإسرائيلي من الحدود بين إسرائيل وغزة (رويترز)

بعد 320 يوماً من الصراع بين إسرائيل و«حماس»، لا يزال الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من التأثيرات الشديدة للحرب، التي تزداد سوءاً شهراً بعد شهر. ومع استمرار العمليات العسكرية واستنزاف الموارد بشتى أنواعها، تقف إسرائيل عند مفترق طرق اقتصادي حرج، تتجلى آثاره بوضوح في الانخفاض الحاد في النمو، وارتفاع معدلات التضخم، وتفاقم العجز المالي، وخفض التصنيف الائتماني. كما تشير التوقعات إلى أن العجز المالي في موازنة 2024 سيتجاوز التقديرات السابقة بكثير بسبب الإنفاق الدفاعي. وفي هذا السياق، تتزايد المخاوف من استمرار الحرب، وسط التوترات الجيوسياسية والضغوط على الحكومة الإسرائيلية للتعامل مع التداعيات المالية والعسكرية طويلة الأمد.

تباطؤ النمو الاقتصادي

وفقاً للبيانات الصادرة عن دائرة الإحصاء المركزية، سجل الناتج المحلي الإجمالي نمواً سنوياً قدره 1.2 في المائة خلال الفترة من أبريل (نيسان) إلى يونيو (حزيران)، مقارنة بالأشهر الثلاثة السابقة، إلا أنه انخفض بنسبة 1.4 في المائة مقارنة بالربع نفسه من العام الماضي. وهذه النتائج جاءت أقل من توقعات خبراء الاقتصاد التي تراوحت بين 2.3 في المائة و5 في المائة. وعلى أساس نصيب الفرد، انخفض الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4 في المائة في الربع.

وجاءت هذه الأرقام بعد فترة انتعاش شهدها الاقتصاد في بداية العام، حيث سجل نمواً سنوياً قدره 17.3 في المائة خلال الربع الأول من 2024، عقب انكماش حاد بنسبة 20.6 في المائة في الربع الأخير من 2023، عندما تسبب اندلاع الحرب في 7 أكتوبر (تشرين الأول) في تقليص الإنفاق الاستهلاكي والتجارة والاستثمار بشكل ملحوظ.

وفي يوليو (تموز)، خفّض بنك إسرائيل توقعاته لنمو الاقتصاد، مشيراً إلى زيادة خطر التصعيد مع «حزب الله» على الحدود الشمالية، متوقعاً أن ينمو الاقتصاد بنسبة 1.5 في المائة في عام 2024، و4.2 في المائة في عام 2025. وهذا أقل من توقعات النمو السابقة في أبريل التي بلغت 2 في المائة في عام 2024 و5 في المائة في عام 2025، في حين تتوقع وزارة المالية الإسرائيلية نمواً بنسبة 1.9 في المائة لهذا العام.

منظر عام لمدينة حيفا الساحلية الإسرائيلية (أ.ف.ب)

تراجع الإنتاج وزيادة الاستهلاك

خلال الربع الثاني، انخفض إنتاج الأعمال بنسبة 1.9 في المائة، في حين تراجعت صادرات السلع والخدمات بنسبة 8.3 في المائة. ورغم زيادة طفيفة بنسبة 1.1 في المائة في الاستثمار في الأصول الثابتة، وصف الخبراء الاقتصاديون نمو الناتج المحلي الإجمالي في هذا الربع بأنه مخيب للآمال؛ نظراً لانكماش الصادرات وضعف الاستثمارات. إضافة إلى ذلك، لا تزال استثمارات البناء منخفضة بنسبة 26 في المائة على أساس سنوي بسبب نقص العمال الفلسطينيين، كما أن إغلاق الشركات الزراعية والتجارية في الشمال والجنوب أضر بالنمو الاقتصادي بشكل مباشر. في المقابل، ارتفع الاستهلاك الحكومي بنسبة سنوية بلغت 8.2 في المائة مقارنة بـ2.6 في المائة في الربع السابق، مما زاد من المخاوف بشأن اعتماد النمو الاقتصادي بشكل مفرط على الإنفاق العام المرتفع المرتبط باحتياجات الحرب. كما ارتفع الاستهلاك الخاص بنسبة 12 في المائة، متجاوزاً مستويات ما قبل الحرب.

خفض التصنيف الائتماني

تأتي بيانات النمو الضعيفة بعد خفض التصنيف الائتماني لإسرائيل من «إي بلس» إلى «إيه» من قبل وكالة «فيتش»، التي تتوقع استمرار الحرب حتى عام 2025. وحذرت الوكالة من أن التصعيد إلى جبهات متعددة قد يؤدي إلى إنفاق عسكري إضافي كبير، وتدمير البنية التحتية، وإلحاق المزيد من الضرر بالنشاط الاقتصادي والاستثمار. وأبقت على نظرتها المستقبلية «سلبية»، وهو ما يعني إمكانية خفض التصنيف مرة أخرى. وكانت «فيتش» ثالث وكالة ائتمان عالمية تخفض تصنيف إسرائيل هذا العام، بعد «ستاندرد آند بورز» و«موديز» بسبب ارتفاع المخاطر الجيوسياسية.

عجز مالي متزايد

في يوليو، اتسع العجز المالي إلى 8.1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مدى الأشهر الاثني عشر السابقة، مقارنة بـ7.6 في المائة في يونيو، حيث تجاوز الإنفاق الحكومي في الشهر الماضي البالغ 49.4 مليار شيقل (13 مليار دولار) إيرادات الدولة البالغة 40.9 مليار شيقل. وكان هذا الشهر هو الرابع الذي يتجاوز فيه العجز سقف الهدف الحكومي البالغ 6.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي المحدد لنهاية عام 2024، مع الإشارة إلى أن إسرائيل سجلت عجزاً في الموازنة بنسبة 4.2 في المائة في عام 2023.

وأشارت وزارة المالية حينها في تقريرها الشهري إلى أن «الزيادة تعود بشكل رئيسي إلى ارتفاع الإنفاق على الدفاع والأمن، وكذلك من قبل الوزارات المدنية بسبب الحرب، بالإضافة إلى المدفوعات الصارمة الناتجة عن الاتفاقيات».

فلسطينيون يعودون إلى الجهة الشرقية لمدينة خان يونس بعد انسحاب قوات الاحتلال الإسرائيلي من المنطقة (رويترز)

ثلاثية تضغط على الاقتصاد

ارتفع معدل التضخم السنوي في يوليو إلى 3.2 في المائة من 2.9 في المائة في الشهر السابق، مسجلاً أعلى قراءة منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. وكان هذا الارتفاع مدفوعاً بزيادة ضغوط الأسعار على الغذاء والإسكان والتعليم والثقافة والترفيه. في الوقت نفسه، ارتفع التضخم الأساسي إلى 2.9 في المائة في يوليو من 2.7 في المائة في يونيو، مما يزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي في ظل التحديات المستمرة.

كما شهدت إسرائيل ارتفاعاً ملحوظاً في معدلي الفقر والبطالة. فقد ارتفع معدل الفقر بنسبة 2.6 نقطة مئوية، ليصل إلى 25.3 في المائة في منتصف عام 2024، في حين ارتفع معدل البطالة بنسبة 1.7 نقطة مئوية، ليصل إلى 6.2 في المائة في يوليو 2024، مما يعني فقدان مئات الآلاف من فرص العمل.

قرارات السياسة النقدية

رغم تباطؤ النمو الاقتصادي، من غير المرجح أن يخفض بنك إسرائيل تكاليف الاقتراض في قراره القادم بشأن أسعار الفائدة، وذلك بسبب ارتفاع التضخم بشكل مستمر (3.2 في المائة)، وهو خارج نطاق الهدف المحدد من المصرف المركزي بين 1 في المائة و3 في المائة. ويرى خبراء الاقتصاد أن الأرقام الضعيفة للنمو تعود إلى مشكلات في العرض وليس في الطلب، مما يعني أن تخفيضات أسعار الفائدة قد لا تكون فعالة في تعزيز النمو. ويأتي هذا التوجه في ظل مؤشرات تسارع التضخم في مؤشر يوليو وارتفاع المخاطر الجيوسياسية، التي تزيد من تعقيد الوضع الاقتصادي.

تراجع قياسي في السياحة

شهد قطاع السياحة تراجعاً حاداً في الفترة الأخيرة، حيث انخفض عدد السياح بشكل ملحوظ من نحو 300 ألف في سبتمبر (أيلول) إلى 89 ألفاً في أكتوبر، ثم إلى 38 ألفاً فقط في نوفمبر. وانسحب هذا الانخفاض الكبير على إيرادات القطاع، إذ تراجعت من 1.4 مليار دولار في الربع الثالث من عام 2023 إلى 464 مليون دولار في الربع الأخير.

واستمر النزيف خلال النصف الأول من العام، حيث تراجع عدد الزوار بشكل حاد إلى 500 ألف زائر فقط، مقارنة بـ2.1 مليون زائر في الفترة نفسها من العام الماضي. وشهد القطاع تحولاً جذرياً بعد السابع من أكتوبر، إذ انقلبت موازين السياحة بشكل كامل، فبينما كانت الغالبية العظمى من السياح تأتي من خارج إسرائيل، أصبح الإسرائيليون يشكلون الآن نحو 30 في المائة من إجمالي عدد النزلاء في الفنادق، في حين انخفضت نسبة السياح الأجانب إلى 70 في المائة.

يتجول الناس في البلدة القديمة بالقدس عبر باب الخليل حيث يتسبب الصراع في إحداث دمار بقطاع السياحة (رويترز)

التوقعات المستقبلية

تتوقع وكالة «فيتش» أن تزيد الحكومة الإسرائيلية الإنفاق العسكري بشكل دائم بنحو 1.5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، مما يزيد من الضغوط على الموازنة ومستويات الديون. وقالت الوكالة إن المالية العامة تضررت، وتوقعت عجزاً في الميزانية بنسبة 7.8 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2024 لتمويل الإنفاق على الأمن والدفاع. ومن المتوقع أن تؤثر هذه النفقات سلباً على نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل، التي من المتوقع أن ترتفع إلى 75 في المائة، مما قد يؤثر سلباً على التصنيف الائتماني لإسرائيل.

ونظراً للعواقب الجيوسياسية والمحلية لحالة الحرب المستمرة، فمن المتوقع أن يستمر تآكل مكانة إسرائيل الدولية، مع تزايد المخاوف بشأن الاستثمار فيها، وخاصة في قطاع التكنولوجيا.

وفيما يتصل بالعواقب الاقتصادية الطويلة الأجل للحرب في الشمال مع لبنان، فإن أي زيادة في علاوة المخاطر سوف تؤدي إلى زيادة كبيرة في مدفوعات الفائدة على الدين العام الإسرائيلي، الذي من المرجح أن يظل في مستوى يتراوح بين 1.3 في المائة و1.5 في المائة، مقارنة بمستوى ما قبل الحرب وهو 0.8 في المائة. بالإضافة إلى ذلك، فإن خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي إلى المستوى الموصى به وهو 60 في المائة سوف يكون مهمة صعبة قد تستغرق أكثر من عقد من الزمان. وكانت آخر مرة تجاوزت فيها نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل 80 في المائة خلال الانتفاضة الثانية، عندما وصلت إلى 93 في المائة في عام 2003. ورغم عدة سنوات من النمو السريع، كان انخفاض هذه النسبة بطيئاً، ولم تصل إلى 60 في المائة حتى عام 2017.

وبحسب معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي، فإن انخفاض معدلات النمو في ثلاثة سيناريوهات (استمرار الوضع الحالي، والتصعيد في الشمال، والتوصل إلى اتفاق على أساس الصفقة المقترحة لإطلاق سراح الرهائن، ووقف القتال في غزة وانسحاب قوات جيش الدفاع الإسرائيلي من القطاع) إلى جانب زيادة في الإنفاق الأمني، من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم خطر الركود الاقتصادي، مما قد يتسبب في مشاكل اقتصادية تذكر بفترة «العقد الضائع» التي أعقبت حرب يوم الغفران (حرب أكتوبر 1973 عندما استنفدت الموازنة وانخفض معدل النمو في الاقتصاد إلى النصف أو أكثر). وقد تتطلب هذه الظروف تخفيضات إضافية في موازنات الوزارات الحكومية المختلفة، مما سيؤدي إلى خفض التمويل المخصص للتعليم والصحة والرعاية الاجتماعية والبنية التحتية، وهي قطاعات تهدف إلى تعزيز الإنتاجية الاقتصادية في إسرائيل.


مقالات ذات صلة

باكستان تؤكد التزامها بدعم جهود استعادة السلام والاستقرار الإقليميَّين

شؤون إقليمية وزير الخارجية الباكستاني محمد إسحاق دار (إ.ب.أ)

باكستان تؤكد التزامها بدعم جهود استعادة السلام والاستقرار الإقليميَّين

أجرى نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية الباكستاني، محادثةً هاتفيةً مع وزير الخارجية الإيراني أكد خلالها دعم بلاده لجهود إحياء السلام في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد )
أوروبا سفن شحن قرب مضيق هرمز 11 مارس 2026 (رويترز) p-circle

بريطانيا تجهِّز سفينة إنزال برمائية بمسيَّرات لإزالة ألغام مضيق هرمز

قال تقرير صحافي إن بريطانيا تستعد لتجهيز سفينة الإنزال البرمائية «لايم باي»، بأنظمة متطورة من الطائرات المسيَّرة المخصصة لكشف وإزالة الألغام.

«الشرق الأوسط» (لندن)
المشرق العربي أقارب جندي قتل في هجوم جوي على قاعدة الحبانية يرفعون علم العراق خلال تشييع جثمانه (أ.ف.ب)

محاولات عراقية لحصر «قرار الحرب بيد الدولة»

كشفت مصادر أمنية عراقية عن تطور لافت في مسار التحقيقات المرتبطة بهجمات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي استهدفت مواقع مختلفة.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي علم العراق معلقًا فوق الأنقاض في موقع مُدمَّر داخل قاعدة الحبانية العسكرية غرب البلاد (أ.ف.ب)

التصعيد الإقليمي يحرك دعوات لحل البرلمان العراقي

طالبت جماعة ضغط عراقية بحل البرلمانين الاتحادي في بغداد والإقليمي في أربيل والذهاب إلى انتخابات مبكرة خلال 6 أشهر

فاضل النشمي (بغداد)
أوروبا وزير الدفاع الألماني ​بوريس بيستوريوس (أ.ف.ب) p-circle

وزير الدفاع الألماني: جاهزون للمساعدة في ضمان «أي سلام» بين أميركا وإيران

 قال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، اليوم الخميس، إن بلاده جاهزة للمساعدة في ضمان تنفيذ أي اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (برلين)

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
TT

ممرات عربية بديلة لإنهاء تحكّم إيران بسلاسل الإمداد العالمية

صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)
صورة قديمة لامتداد خط أنابيب التابلاين (أرامكو)

في خضم التحولات الجيوسياسية التي تعصف بممرات الطاقة العالمية، طُرحت رؤية اقتصادية سورية طموحة تتقاطع مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030»؛ لإنهاء عقود من الارتهان لمضيق هرمز.

وتطرح مبادرة (4+1)، التي كشف عنها مستشار وزارة الاقتصاد والصناعة السورية أسامة قاضي لـ«الشرق الأوسط»، خريطة طريق تجمع بين إنشاء شبكة قطارات سريعة حديثة وإعادة إحياء أنابيب النفط (التابلاين) التاريخي؛ بهدف تحويل الجغرافيا السورية والسعودية منصةً لوجيستيةً عالمية تربط ثلاث قارات.

وتستهدف هذه المبادرة الاستراتيجية، التي تأتي في توقيت بالغ الحساسية، تأمين تدفق نحو 7 ملايين برميل نفط يومياً بعيداً عن التهديدات الإيرانية، وضمان استقرار أسواق الغذاء والطاقة عالمياً.

وتهدف المشاريع المطروحة إلى كسر حلقة «الابتزاز الجيوسياسي» المرتبط بمرور أكثر من 20 في المائة من إمدادات الطاقة العالمية عبر مضيق هرمز، من خلال إيجاد ممرات برية آمنة ومستقرة تخفض تكاليف النقل وتعزز أمن الإمدادات.

وجاء الإعلان عن هذه الرؤية في ظل تعطل حركة الملاحة البحرية وتصاعد التوترات الإقليمية؛ ما يمنح مشاريع الربط السككي وأنابيب النفط العابرة للحدود زخماً استثنائياً بصفتها بدائل مستدامة تضع المملكة في قلب تدفقات التجارة العالمية بين آسيا وأوروبا.

قطار سريع

ويعد مشروع إنشاء خط قطار سريع تتراوح سرعته بين 200 و300 كيلومتر/ساعة، يربط المملكة بسوريا مروراً بالأردن، مستفيداً من امتداد شبكة السكك الحديدية السعودية إلى منفذ الحديثة، من أبرز تلك المشاريع.

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، أوضح قاضي أن هذا المشروع يترجم عملياً مستهدفات «رؤية السعودية»، من حيث تنويع الاقتصاد وتعظيم دور المملكة بصفتها مركزاً لوجيستياً عالمياً، ورفع كفاءة سلاسل الإمداد، وإعمار سوريا، والمساهمة في النهوض الاقتصادي العربي، كما أنه يحوّل الجغرافيا قيمةً اقتصادية مباشرة، ويضع المملكة في قلب تدفقات التجارة بين آسيا وأوروبا.

والجدوى الخاصة بهذا المشروع ليست نظرية، بحكم أن أكثر من 70 في المائة من البنية داخل السعودية قائمة حتى منفذ الحديثة؛ ما يخفّض تكلفته وتسارعه، حسب قاضي، الذي قال: «إن كل دولار يُستثمر فيه سيولّد عائداً مركباً عبر رسوم عبور، وخدمات لوجيستية، ومناطق صناعية، وتوسّع الصادرات، وفي الوقت نفسه يوفر مساراً مكمّلاً يحدّ من اختناقات الممرات البحرية، ويعزّز استقرار تدفقات النفط والغاز، وهذه ليست فقط بنية نقل، بل أداة لخفض تذبذب الأسعار ورفع موثوقية الإمدادات ويخلق قيمة مضافة ويعزّز الأمن الغذائي العربي».

ويتضمن المشروع إحياء مسار خط الحجاز بحكم أنها جزء من الشبكة الحديثة؛ ما يمنح المشروع عمقاً تاريخياً ويخفض التكاليف، ويفتح الربط شمالاً نحو تركيا، وجنوباً نحو المدينة المنورة.

وللوصول إلى المشروع قبل عام 2030، يجب تقسيمه حزماً تعمل بالتوازي داخل الأردن وسوريا، مع قيادة برامج مشتركة، بحيث يتم، وفقاً لقاضي، البدء بـ«خط شحن» حديث عالي الكفاءة و«خط ركاب» متوسط السرعة، ثم رفع السرعات تدريجياً في المقاطع ذات الجدوى.

وأوضح قاضي أن التكلفة التقديرية لهذا المشروع تتراوح بين 12 و25 مليار دولار لسيناريو مختلط (شحن + ركاب سريع جزئياً)، وترتفع في حال تعميم السرعات العالية على كامل المسار، لكن العائد الاستراتيجي - لوجيستياً وطاقياً وغذائياً - يجعله من أعلى المشاريع مردوداً في المنطقة.

ومما يسرع من تنفيذ المشروع أن الجزء السعودي قائم حتى مدينة الحديثة، بينما تصل المسافة من الحديثة إلى دمشق نحو 700 كيلومتر، وبين دمشق وأنطاكيا نحو 350 كيلومتر.

وأشار قاضي إلى أن سرعة القطار في المرحلة الأولى من المشروع ستصل إلى نحو 120 – 200 كيلومتر/ساعة، وفي المرحلة الثانية إلى 200 – 300 كيلومتر/ساعة، في حين يستغرق تحضيره وتمويله أقل من سنة، والتنفيذ المرحلي المتوازي أقل من ٤ سنوات، بحيث يحتفل البلدان بتشغيل أولي للخط قبل عام 2030.

ورأى أن الأمن الغذائي العربي لن يتحقق عبر الاستيراد فقط، بل عبر بناء ممرات لوجيستية ذكية، وهذا المشروع يحول المنطقة منصةً لإعادة توزيع الغذاء عالمياً، تبدأ من الهند وآسيا، وتعبر الخليج وسوريا، لتصل إلى أوروبا.

«التابلاين» لتحييد «هرمز»

من ضمن مشاريع (4+1)، إعادة إحياء خط أنابيب نقل النفط «التابلاين» الذي نشأ عام 1947 بطول 1664 كيلومتراً، ويمتد من مدينة بقيق السعودية إلى ميناء صيدا اللبناني على البحر الأبيض المتوسط، مع تعديل نهايته ليصب في ميناء بانياس السوري، بحيث يتم ضخ ما بين 5 و7 ملايين برميل يومياً عبر أربعة خطوط متوازية، وذلك بعدما أغلق المشروع بشكل نهائي في تسعينات القرن الماضي.

هذا المشروع، وفق قاضي، هو صمام أمان لاستقرار أسواق الطاقة العالمية؛ لأنه «عندما نخلق ممراً برياً آمناً للنفط والغاز من الخليج إلى البحر المتوسط، فإننا نُخرج جزءاً كبيراً من تجارة الطاقة العالمية من دائرة المخاطر الجيوسياسية، وخاصة تلك المرتبطة بمضيق هرمز. بمعنى آخر، نحن لا ننقل الطاقة فقط، بل ننقل العالم من اقتصاد مهدد بالاختناقات إلى اقتصاد مستقر متعدد المسارات».

كركوك - بانياس والغاز القطري

المشروع الثالث، هو إعادة تأهيل خط «كركوك – بانياس» لنقل النفط، واستبداله بخطوط متوازية تضخ من مليون إلى 3 ملايين برميل نفط يومياً من مدينة كركوك العراقية إلى ميناء بانياس، بعدما كان يضخ نحو 300 ألف برميل.

ويتمثل المشروع الرابع بمد خط لنقل الغاز القطري الذي بدأ ينقطع بسبب «مشاكل مضيق هرمز وإيران».

ويبدأ الخط من قطر إلى الأردن وبعد ذلك سوريا وصولاً إلى تركيا ومن ثم أوروبا، على أن ينبثق منه المشروع الخامس بمد وصلة نقل إلى بانياس.

وأوضح قاضي في حديثه، أن سوريا كانت تاريخياً قلب طرق التجارة العالمية، واليوم يمكن أن تعود إلى هذا الدور، ولكن بمنطق القرن الحادي والعشرين: «سكك حديدية سريعة، وموانٍ ذكية، وممرات طاقة متكاملة»، وإذا نجحت مشاريع (4+1)، فإن دمشق لن تكون فقط عاصمة سياسية، بل عاصمة لوجيستية واقتصادية تربط ثلاث قارات. أضاف: «نحن ننتقل من مفهوم الجغرافيا السياسية إلى الجيو-اقتصاد، ومن يملك الممرات يملك التأثير، وسوريا مؤهلة لأن تكون أحد أهم الممرات في العالم، ومشاريع (4+1) تعيد تعريف المنطقة ليس كمنطقة صراعات، بل كمنطقة عبور وازدهار».

صورة قديمة تظهر عمليات نقل أنابيب التابلاين (أرامكو)

بعد الأزمات الأخيرة، أدرك العالم أن الاعتماد على الممرات البحرية فقط هو مخاطرة استراتيجية، وما يتم تقديمه من مشاريع وفق قاضي هو «بديل بري مستقر، يقلل من تكلفة النقل ويزيد من أمن الإمدادات، وهي ليست بديلاً عن البحر، بل توازن ضروري يمنع أي جهة من احتكار حركة التجارة العالمية».

وشدد قاضي على أن إعمار سوريا يجب ألا تكون إعادة بناء حجارة، بل بناء دور اقتصادي، وهذه المشاريع تخلق اقتصاد عبور يدر مليارات الدولارات سنوياً، وعشرات ألوف فرص العمل، وتدفع بعجلة النمو الاقتصادي السوري، وبهذا النموذج، تصبح سوريا دولة منتجة للخدمات اللوجيستية والطاقة، وليست فقط متلقية للمساعدات».

وبينما علمت «الشرق الأوسط»، أن هذه المشاريع هي «قيد الدراسة من قِبل كثير من الجهات الحكومية السورية والعربية»، أبان قاضي أن تكلفتها تصل إلى أقل من 30 مليار دولار، وهي في حاجة إلى تمويل من ثلاثة صناديق سيادية عربية على الأقل في المنطقة وصندوق سيادي أوروبي. وعدّ المشاريع أنها «أول اختبار حقيقي لفكرة التكامل الاقتصادي العربي، وإذا نجح هذا النموذج، يمكن تعميمه ليصبح نواة لسوق عربية مشتركة حقيقية، وستُذكر في التاريخ بصفتها أحد أهم مشاريع القرن الحادي والعشرين في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي التي تتناغم مع (رؤية السعودية 2030) بجعل الشرق الأوسط أوروبا جديدة، وسوريا هي درّة الشرق الأوسط».

من جهته، رأى الباحث في الشؤون السياسية والاقتصادية، باسل كويفي، أن الحديث عن هذه المشاريع يمثل طرحاً لاستراتيجية «الجيوبوليتيك الطاقي» التي يمكن أن تعيد تشكيل وجه الشرق الأوسط بالكامل. لكنه لفت لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه رغم النظرة المتفائلة، فحزمة هذه المشاريع تحتاج إلى تمويل ضخم واستثمارات كبيرة، وثقة ائتمانية عالية واستقرار نقدي، والأهم توافق سياسي شامل.


وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)
TT

وزراء طاقة «السبع» يتناولون التداعيات الاقتصادية لحرب الشرق الأوسط

محطة وقود في لندن (أ.ب)
محطة وقود في لندن (أ.ب)

اجتمع وزراء دول «مجموعة السبع» ومسؤولو البنوك المركزية يوم الاثنين، لمواجهة التداعيات الاقتصادية الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط، والتي تسببت في قفزة هائلة بأسعار الطاقة، وأثارت مخاوف جدية على الاقتصاد العالمي.

تأتي هذه التحركات بعد الهجمات التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي، ورد طهران باستهداف الدول المصدِّرة للخام في المنطقة، وتعطيل معظم الشحنات عبر الخليج. وقد أدى هذا الضغط على الإمدادات إلى رفع أسعار النفط والغاز الطبيعي، ما أحدث تأثيرات متلاحقة وقوية على سلاسل التوريد في صناعات متعددة.

وصرح وزير المالية الفرنسي، رولاند ليسكيور، بأن «مجموعة السبع» حشدت وزراء المالية والطاقة ومسؤولي البنوك المركزية في أول اجتماع بهذا الشكل الموسع، منذ تأسيس المجموعة عام 1975. وقال للصحافيين قبيل الاجتماع: «نعلم أن ما يحدث الآن في الخليج له تداعيات طاقوية، واقتصادية، ومالية، وقد يمتد ليشمل معدلات التضخم... الهدف هو مراقبة التطورات وتبادل التشخيصات؛ خصوصاً فيما يتعلق بالاضطرابات المحتملة».

وشارك في الاجتماع الذي عُقد عبر تقنية الفيديو، ممثلون عن وكالة الطاقة الدولية، ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، وصندوق النقد الدولي، والبنك الدولي. وتسعى الولايات المتحدة، من خلال المجموعة التي ترأس فرنسا دورتها الحالية، إلى حشد الدعم لإنهاء الحصار الإيراني لممر مضيق هرمز الملاحي.

التحرك السريع

وفي ظل الضغوط المتزايدة، سارعت الحكومات لإقرار تدابير تحد من تأثير نقص الإمدادات وتحليق أسعار الطاقة؛ حيث أعلنت الحكومة الفرنسية يوم الجمعة عن تخصيص 70 مليون يورو (80 مليون دولار) لدعم قطاعات الصيد والزراعة والنقل خلال شهر أبريل (نيسان). وشدد ليسكيور على ضرورة أن يكون الدعم «مستهدفاً وسريعاً»، مؤكداً أن «هذه أزمة تؤثر علينا جميعاً وتتطلب تحركاً سريعاً وعادلاً».


«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
TT

«السوق السعودية» تسجل أعلى مستوياتها منذ شهر ونصف

مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)
مستثمران يتابعان تحركات سهم أحد البنوك في «السوق المالية السعودية» (أ.ف.ب)

أنهى مؤشر السوق الرئيسية السعودية جلسة الاثنين على ارتفاع بنسبة 0.8 في المائة ليغلق عند 11 ألفاً و167 نقطة، مسجلاً أعلى إغلاق منذ شهر ونصف، وبتداولات بلغت قيمتها الإجمالية نحو 6.1 مليار ريال.

وشهدت السوق ارتفاعاً في أبرز الأسهم القيادية، حيث ارتفع سهما «أرامكو السعودية» و«مصرف الراجحي» بأكثر من واحد في المائة، ليصل سعراهما إلى 27.28 ريال و105.40 ريال على التوالي.

وقفز سهم «سابتكو» بنسبة 10 في المائة عند 9.88 ريال، عقب إعلان الشركة عن نتائجها المالية للربع الرابع من 2025، وارتفع سهم «بترو رابغ» بنسبة 7 في المائة، وسط تداولات بلغت نحو 15 مليون سهم.

وصعد سهم «أنابيب السعودية» بنسبة 5 في المائة بعد توقيع الشركة عقداً مع «أرامكو» بقيمة 127 مليون ريال، بينما سجل سهم «صالح الراشد» أعلى إغلاق منذ الإدراج عند 67.20 ريال، لتصل مكاسب السهم منذ الإدراج إلى نحو 50 في المائة.