«اليورو» تحت الضغط: ماذا بعد الانتخابات الفرنسية؟

مخاوف أوروبية من حكومة يمينية... وإيطاليا تخشى عدوى الأزمة

علما فرنسا والاتحاد الأوروبي على واجهة دار البلدية في أميان (رويترز)
علما فرنسا والاتحاد الأوروبي على واجهة دار البلدية في أميان (رويترز)
TT

«اليورو» تحت الضغط: ماذا بعد الانتخابات الفرنسية؟

علما فرنسا والاتحاد الأوروبي على واجهة دار البلدية في أميان (رويترز)
علما فرنسا والاتحاد الأوروبي على واجهة دار البلدية في أميان (رويترز)

«لأنها فرنسا»؛ بهذه العبارة شرح جان كلود يونكر، رئيس المفوضية الأوروبية آنذاك، قرار «بروكسل» عام 2016 منح مرونة لهذه الدولة المؤسسة الكبيرة في الاتحاد الأوروبي بشأن قواعد موازنة التكتل.

واستمر هذا الصبر حتى مع تحمل الاتحاد الأوروبي أزمة الديون السيادية التي كادت تؤدي إلى إغراق «اليورو» وأجبرت الدول الصغرى والأكثر مديونية، مثل اليونان والبرتغال، على تبني إجراءات تقشف صارمة، وفق «رويترز».

ولكن أي تسامح مع الاستثناء الفرنسي قد ينتهي إذا أسفرت الانتخابات الفرنسية المبكرة عن حكومة يمينية متطرفة متشككة في «اليورو»؛ مما قد يؤدي إلى توتر العلاقات مع العواصم الأوروبية الأخرى واختبار أسس «مشروع اليورو» ذاتها.

ويصر حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان على أنه لن يفجر الموازنة الفرنسية. ولكن تبقى الأسئلة حول كيفية تمويل خطط الإنفاق المكلفة ضمن قواعد الموازنة الجديدة لمنطقة اليورو، وما إذا كان «المصرف المركزي الأوروبي» قادراً على التدخل للمساعدة إذا انقلبت الأسواق المالية على فرنسا.

وقال الاقتصادي في «بيرينبرغ»، هولغر شميدينغ: «إذا كان بإمكان دولة ما تجاهل القواعد وتتلقى مساعدة من (المركزي)، فسيثير هذا شكوكاً كبيرة حول القيمة المستقبلية لـ(اليورو) ومدى تماسكه».

ومثل هذه المخاوف ليست على جدول الأعمال الرسمي لقمة الاتحاد الأوروبي المقرر انعقادها يوم الخميس. ولكن مع تقدم حزب «التجمع الوطني» في استطلاعات الرأي لجولة التصويت التي تبدأ في 30 يونيو (حزيران) الحالي، فمن المحتمل أن تشغل عقول زملاء الرئيس إيمانويل ماكرون.

وقالت مصادر رفيعة المستوى في الحكومة الألمانية إنها شعرت بالفزع من قرار ماكرون المفاجئ بالدعوة إلى انتخابات قد تؤدي إلى تشكيل حكومة بقيادة حزب «التجمع الوطني». وقارنه أحدهم بالمقامرة المشؤومة التي خاضها رئيس الوزراء البريطاني السابق ديفيد كاميرون بشأن الاستفتاء على خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي.

وفي إيطاليا، مع أكبر حصيلة ديون من فرنسا، فإن مسحة من الشماتة بشأن مصائب فرنسا تقابلها مخاوف من أن الأزمة الفرنسية قد تمتد عبر جبال الألب، وفق ما قال فرنشيسكو غاليتي من شركة «بوليسي سونار» للاستشارات في روما.

وشبّه كبير الاقتصاديين الأول في «المركزي الأوروبي» وأحد مهندسي «اليورو»، أوتمار إيسينغ، ديون إيطاليا وفرنسا بـ«سيف ديموقليس المسلط فوق الاتحاد»، الذي من المحتم أن ينهار ما لم تعالَج المشكلة.

وحتى اليونان لن تمنح فرنسا أي تهاون، حيث أكد محافظ مصرفها المركزي، يانيس ستورناراس، أن جميع الدول الأعضاء يجب أن تحترم قواعد الاتحاد الأوروبي.

لا مجال للتساهل

تشير التقارير الاستطلاعية إلى أن حزب «التجمع الوطني» سيظهر بوصفه أكبر حزب؛ سواء بالأغلبية الواضحة أو من دونها، لمتابعة «التعايش» المحرج مع ماكرون حتى الانتخابات الرئاسية عام 2027.

وتتعرض القدرة المالية الفرنسية بالفعل للمساءلة بعدما وضع صندوق النقد الدولي علامات استفهام على كيفية تقليص عجز الموازنة الذي يبلغ نحو 5.1 في المائة هذا العام. كما خفضت وكالتان تصنيفها الائتماني.

وفي الواقع، ترجع خطايا فرنسا المالية إلى ما قبل تاريخ ماكرون بكثير؛ فقد سجلت عجزاً في الموازنة أكبر من نسبة 3 في المائة التي فرضها الاتحاد الأوروبي طيلة القسم الأعظم من الأعوام الخمسة والعشرين منذ دخلت هذه القواعد حيز التنفيذ.

وقالت الخبيرة الاقتصادية في جامعة «كوين ماري» بلندن ومؤلفة كتاب «ما الذي تعانيه فرنسا؟»، بريجيت غرانفيل، إن «رفض فرنسا في التسعينات المقترحات الألمانية بشأن اتحاد سياسي أكثر اكتمالاً، يعكس الرغبة في الاحتفاظ بالسيادة على مواردها المالية».

وتوقعت أن يخفف حزب «التجمع الوطني»، الذي تخلى منذ مدة طويلة عن دعواته إلى ترك عملة موحدة مقبولة على نطاق واسع من قبل الناخبين الفرنسيين، من خططه بما يكفي لإرضاء «بروكسل» إذا وصل إلى السلطة.

وقالت غرانفيل في مقابلة: «ليس لديهم خيار؛ إلا إذا كانوا يريدون ترك (اليورو)».

وقد طمأنت تصريحات «التجمع الوطني» بهذا المعنى المستثمرين، الذين كانوا يطالبون بعلاوة قدرها 70 نقطة أساس فقط لامتلاك سندات فرنسية مدتها 10 سنوات بدلاً من نظيراتها الألمانية الأكثر أماناً؛ وهو مستوى بعيد كل البعد عن الذروة التي بلغت 190 نقطة لفرنسا ونحو 560 نقطة لإيطاليا خلال فترة أزمة الديون عام 2011.

وقال فيليب لين، كبير الاقتصاديين في «المركزي الأوروبي»، لـ«رويترز» إن التحركات في سوق السندات الفرنسية لا تبدو «غير منظمة»، مما يعني أنها لا تستوفي أحد شروط تدخل «المركزي».

حكايات تحذيرية

ويشير المراقبون إلى حكايات تحذيرية تتراوح من اليونان؛ حيث ركعت الحكومة اليسارية على ركبتيها بسبب الضغوط المالية والسياسية، إلى بريطانيا؛ حيث اضطرت رئيسة الوزراء، ليز تروس، إلى الاستقالة بعد الكشف عن الموازنة التي أثارت قلق المستثمرين.

ويؤكد معظم المحللين أن «المركزي الأوروبي» لديه الأدوات اللازمة لوقف عدوى الأزمة الفرنسية من خلال شراء سندات الدول الأخرى التي تحترم الإطار المالي للاتحاد الأوروبي، مما يعني أن باريس قد تجد نفسها معزولة في أوقات الحاجة.

وقال عضو «المركزي الأوروبي» السابق، إيوالد نوفوتني: «هناك بالطبع احتمال أن تتدخل فرنكفورت إذا كان للمشكلات مع فرنسا نوع من الآثار السلبية الخارجية على دول أخرى، مثل إيطاليا».

واستشهد مسؤول في الاتحاد الأوروبي بروما بوصفها نموذجاً لباريس بعد أن خففت رئيسة الوزراء، جيورجيا ميلوني، من لهجتها المناهضة للاتحاد الأوروبي بمجرد انتخابها في عام 2022.

وقد ساعد هذا، إلى جانب دعمها موقف الاتحاد الأوروبي بشأن الحربين في أوكرانيا وغزة، إيطاليا في الإبقاء على المفوضية والأسواق المالية في صفها على الرغم من رفع توقعاتها للعجز بشكل متكرر.

وقال مدير مركز «بروغل» للأبحاث الاقتصادية في بروكسل، جيرومين زيتلماير، إن «خطاب حزب (التجمع الوطني) حتى الآن لا يشير إلى أنه يسعى إلى مواجهة كبيرة مع المفوضية الأوروبية يمكن أن تؤدي إلى أزمة مالية».

لكنه أشار إلى أنه إذا انتهى الأمر بمسؤوليه إلى إدارة وزارات رئيسية، فقد يعوقون تحركات الاتحاد الأوروبي لإصلاح أسواق الطاقة وتعزيز التحول الأخضر وتعزيز القدرة التنافسية للكتلة من خلال إصلاح أسواق رأس المال.

وأضاف: «إذا انتُخب اليمين المتطرف، فهذه أخبار سيئة بالنسبة إلى التكامل في الاتحاد الأوروبي؛ لأنهم سيسيطرون على المناصب الحكومية المشاركة في معظم أبعاد صنع سياسة الاتحاد».

وتابع: «السؤال هو ما إذا كان هذا الأمر قابلاً للعكس، أم وجودياً».


مقالات ذات صلة

الدولار يستعيد بريقه مع تبدد آمال وقف إطلاق النار في إيران

الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستعيد بريقه مع تبدد آمال وقف إطلاق النار في إيران

استعاد الدولار الأميركي زخم صعوده مقابل العملات الرئيسية خلال تعاملات يوم الخميس، لينهي بذلك يومين من التراجع.

«الشرق الأوسط» (هونغ كونغ)
الاقتصاد أوراق نقدية من الدولار الأميركي واليورو (رويترز)

الدولار يتأهب لأكبر مكاسب شهرية منذ يوليو وسط اشتعال توترات الشرق الأوسط

اتجه الدولار نحو تحقيق أكبر مكاسبه الشهرية منذ يوليو، الثلاثاء، وبرز كأقوى الأصول الآمنة، حيث أدت حرب إيران إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة مخاطر الركود العالمي.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

سندات منطقة اليورو تتجه نحو أسوأ أداء شهري منذ سنوات

ارتفعت سندات حكومات منطقة اليورو بشكل طفيف يوم الجمعة، بينما تتجه الديون قصيرة الأجل نحو أسوأ أداء شهري لها منذ سنوات، في ظل ارتفاع حاد لأسعار الطاقة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد أوراق نقدية من فئة الدولار الأميركي (رويترز)

الدولار يستجمع قواه مع تعافي الثقة وتراجع توقعات رفع الفائدة الأميركية

حافظ الدولار الأميركي على مكاسبه مع انطلاق التداولات الآسيوية، يوم الخميس، مدعوماً باستعادة المستثمرين لثقتهم تدريجياً في الأسواق.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد أوراق نقدية من اليورو (رويترز)

تراجع عوائد سندات منطقة اليورو مع هبوط النفط وتحسن شهية المخاطرة

تراجعت عوائد سندات منطقة اليورو يوم الأربعاء، بقيادة السندات الإيطالية، بعد أن كانت الأكثر تضرراً منذ اندلاع الحرب الإيرانية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

مخاوف حرب إيران تدفع لأكبر تخارج من الأصول اليابانية في عقدين

رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
TT

مخاوف حرب إيران تدفع لأكبر تخارج من الأصول اليابانية في عقدين

رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)
رجل يقف أمام شاشة تعرض حركة الأسهم في وسط العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ف.ب)

شهدت الأسهم اليابانية أكبر تدفق أسبوعي لرؤوس الأموال الأجنبية الخارجة منذ عقدين، خلال الأسبوع المنتهي في 28 مارس (آذار) الماضي، حيث أدى ارتفاع أسعار النفط، مدفوعاً بالحرب في الشرق الأوسط، إلى ازدياد المخاوف من ضعف النمو العالمي وأرباح الشركات. وباع المستثمرون الأجانب ما قيمته 4.45 تريليون ين (27.92 مليار دولار) من الأسهم اليابانية، مسجِّلين بذلك أكبر صافي مبيعات أسبوعي منذ يناير (كانون الثاني) 2005 على الأقل، وهو التاريخ الذي بدأت فيه وزارة المالية اليابانية بجمع هذه الإحصاءات. وقام المستثمرون الأجانب ببيع أسهم يابانية بقيمة نحو 8.35 تريليون ين منذ بدء الحرب في إيران في 28 فبراير (شباط). وشهدت الأسواق تراجعاً حاداً يوم الخميس مع تصاعد المخاوف من الحرب في إيران، حيث انخفضت أسعار الأسهم وارتفعت أسعار النفط بعد تصريح الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأنَّ واشنطن قد تشنُّ ضربةً «شديدة للغاية» على إيران في غضون أسابيع، مما بدَّد الآمال في وضوح موعد انتهاء الصراع في الشرق الأوسط. كما شهدت السندات اليابانية تدفقات أجنبية خارجة حادة بلغت 6.81 تريليون ين، وهي الأكبر خلال أسبوع منذ ديسمبر (كانون الأول) 2022. وتخلى المستثمرون الأجانب عن سندات يابانية طويلة الأجل بقيمة 2.65 تريليون ين، وسندات قصيرة الأجل بقيمة 4.16 تريليون ين، مسجِّلين بذلك أكبر صافي مبيعات أسبوعي لهم منذ 27 ديسمبر 2025. وفي المقابل، أضاف المستثمرون اليابانيون صافي 140.6 مليار ين إلى أسهمهم الأجنبية، مواصلين بذلك سلسلة مشترياتهم الصافية للأسبوع السادس على التوالي. ومع ذلك، باعوا سندات أجنبية طويلة الأجل بقيمة 945.4 مليار ين، وسندات قصيرة الأجل بقيمة 224.4 مليار ين.

• تراجع «نيكي»

وفي التعاملات اليومية، انخفض مؤشر «نيكي» الياباني للأسهم بأكثر من 2 في المائة يوم الخميس، متراجعاً عن مكاسبه خلال الجلسة، بعد أن تلاشت الآمال في إنهاء سريع للصراع في الشرق الأوسط، إثر تعهد الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشنِّ مزيد من الضربات على إيران. وأغلق مؤشر «نيكي» منخفضاً بنسبة 2.38 في المائة عند 52.463.27 نقطة، بعد أن ارتفع بنسبة 0.97 في المائة في وقت سابق من الجلسة. كما تراجع مؤشر «توبكس» الأوسع نطاقاً عن مكاسبه المبكرة، منهياً الجلسة منخفضاً بنسبة 1.61 في المائة عند 3.611.67 نقطة. وفي خطاب متلفز، قال ترمب إن الجيش الأميركي قد حقَّق أهدافه تقريباً في إيران. لكنه لم يقدِّم جدولاً زمنياً واضحاً لإنهاء الحرب المستمرة منذ شهر، وتعهد بقصف البلاد حتى تعود إلى «العصور الحجرية». وقال كازواكي شيمادا، كبير الاستراتيجيين في شركة «إيواي كوزمو» للأوراق المالية: «لم يكن في خطابه أي جديد. لو أعلن إنهاء الحرب فوراً، لكانت سوق الأسهم قد شهدت ارتفاعاً ملحوظاً». وأضاف: «بدلاً من ذلك، بدأ المستثمرون ببيع الأسهم لجني أرباحهم من الارتفاع الأخير، وكأنهم كانوا يتوقَّعون ذلك». وشهد المؤشر ارتفاعاً هذا الأسبوع على أمل خفض التصعيد في الحرب، بعد أن سجَّل أسوأ أداء شهري له منذ الأزمة المالية العالمية عام 2008 في مارس. وارتفع مؤشر «نيكي» إلى متوسطه المتحرك لـ25 يوماً عند نحو 54.258 نقطة في وقت سابق من الجلسة، وهو ما عدّه شيمادا إشارة إلى أن مؤشر «نيكي» قد بلغ أدنى مستوياته.

• ارتفاع العوائد

وبالتزامن مع تراجع الأسهم، ارتفعت عوائد السندات الحكومية اليابانية يوم الخميس، بعد أن بدَّد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الآمال في إنهاء سريع للحرب في الشرق الأوسط، مما أثَّر سلباً على نتائج مزاد السندات القياسية لأجل 10 سنوات. وقفز عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات بمقدار 9 نقاط أساس ليصل إلى 2.39 في المائة، مُسجِّلاً أعلى مستوى له منذ فبراير 1999، والذي تم قياسه يوم الاثنين. وقفز عائد السندات لأجل 20 عاماً بمقدار 15 نقطة أساس ليصل إلى 3.21 في المائة، وارتفع عائد السندات لأجل 30 عاماً بمقدار 9 نقاط أساس ليصل إلى 3.705 في المائة. وتتحرَّك العوائد عكسياً مع أسعار السندات. وقال شويتشي أوساكي، مدير محافظ أول في شركة «ميغي ياسودا» لإدارة الأصول: «ازدادت حالة عدم اليقين بشأن حرب الشرق الأوسط بعد خطاب ترمب، مما أثَّر على مزاد سندات الـ10 سنوات». وأضاف: «ربما كان المزاد مدعوماً بطلب من المتعاملين الذين احتاجوا لتغطية مراكز البيع المكشوف». بلغت نسبة العرض إلى التغطية في المزاد، وهي مقياس للطلب، 2.57 مرة، مقارنةً بـ3.3 مرة في المزاد السابق. وتتعرَّض عوائد سندات الحكومة اليابانية لضغوط تصاعدية، ويتوخَّى المستثمرون الحذر في شراء السندات وسط توقعات السوق برفع «بنك اليابان» أسعار الفائدة في وقت مبكر من هذا الشهر. وأدى ضعف الين وارتفاع أسعار النفط إلى زيادة مخاطر التضخم، مما عزَّز التوقعات برفع أسعار الفائدة مبكراً. وقد تراجع الين بعد خطاب ترمب. وقال كينتارو هاتونو، رئيس قسم الدخل الثابت العالمي في شركة إدارة الأصول «أسيت مانجمنت وان»: «إضافةً إلى ذلك، هناك عوامل تدعم رفع بنك اليابان أسعار الفائدة، حيث يُتوقَّع أن تُشدِّد البنوك المركزية الكبرى سياساتها النقدية». وتزداد توقعات شركات الوساطة العالمية بأن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة في وقت مبكر من شهر أبريل (نيسان)، بينما تُقلل من توقعات خفض «بنك إنجلترا» أسعار الفائدة، بعد أن حذَّر صناع السياسات من أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران تُؤجج مخاطر التضخم. وأضاف هاتونو: «إذا استمرَّت اليابان في سياستها النقدية المنخفضة، فإنَّ الفجوة في أسعار الفائدة ستتسع، وهذا قد يُضعف الين أكثر».


بعد عام من «تعريفات يوم التحرير»... الدولار يستعيد قوته كملاذ آمن

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
TT

بعد عام من «تعريفات يوم التحرير»... الدولار يستعيد قوته كملاذ آمن

أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)
أوراق نقدية من الدولار الأميركي (رويترز)

بعد مرور عام على فرض الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعريفات «يوم التحرير» الشاملة، يبدو الدولار في وضع أقوى بكثير، إذ استعيدت مكانته كملاذ آمن في ظل الحرب الدائرة في الشرق الأوسط.

فقد ارتفع الدولار بنحو 1.6 في المائة في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2026، مسجلاً أفضل أداء ربع سنوي له منذ أواخر 2024، مدعوماً بمكانة الولايات المتحدة كمصدر للطاقة، ولجوء المستثمرين إلى السيولة النقدية في ظل حالة عدم اليقين العالمية، وفق «رويترز».

ويمثل هذا تناقضاً صارخاً مع الوضع قبل عام، حين أدت تعريفات ترمب إلى انخفاض حاد في قيمة الدولار، كرد فعل من المستثمرين على تصاعد حالة عدم اليقين بشأن السياسات الأميركية، فضلاً عن الهجمات الكلامية التي شنّها ترمب على مجلس الاحتياطي الفيدرالي وابتعاده عن الحلفاء والمؤسسات الدولية.

على سبيل المثال، انخفض مؤشر الدولار، الذي يقيس قيمة العملة الأميركية مقابل سلة من العملات العالمية الرئيسية، بنسبة تقارب 10 في المائة خلال العام الماضي، مسجلاً أسوأ أداء له منذ عام 2017.

ارتفاع الآن... ولكن إلى متى؟

على الرغم من انتعاش الدولار مطلع عام 2026، يشير المحللون إلى أن العملة لا تزال تواجه ضغوطاً هبوطية على المدى الطويل، في ظل استمرار التساؤلات بشأن هيمنتها على التجارة والتمويل العالميين.

احتياطيات النقد الأجنبي

تراقب البنوك المركزية من كثب أي مؤشرات على تحول الدول عن الدولار. وتشير أحدث بيانات لجنة احتياطيات النقد الأجنبي التابعة لصندوق النقد الدولي للربع الأخير من عام 2025 إلى انخفاض تدريجي طفيف في حصة الدولار من الاحتياطيات العالمية.

ورغم ذلك، تظل عملات مثل اليورو واليوان أبرز المستفيدين من أي تراجع في حصة الدولار، لكن التحولات الأخيرة كانت طفيفة جداً بحيث لم تؤثر بشكل ملموس على مكانة الدولار الإجمالية. ولا يُتوقع أن يفقد الدولار موقعه كأكبر عملة احتياطية في العالم في أي وقت قريب، نظراً لهيمنة الولايات المتحدة على الاقتصاد العالمي والتجارة وأسواق الدين.

الاستثمار الأجنبي

تفوق قيمة الأصول الأميركية التي يمتلكها المستثمرون الأجانب بكثير على قيمة الأصول التي يمتلكها المستثمرون الأميركيون في الخارج، بفضل التدفقات الاستثمارية الخارجية المستمرة، مما يعزز قوة العملة الأميركية. ومع ذلك، يشير المحللون إلى أن أي تباطؤ في هذه التدفقات قد يؤثر سلباً على قوة الدولار.


صدمة الطاقة تختبر توقعات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
TT

صدمة الطاقة تختبر توقعات التضخم ومستقبل أسعار الفائدة

مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)
مبنى بنك الاحتياطي الفيدرالي في واشنطن (رويترز)

يواجه محافظو البنوك المركزية حول العالم مهمة بالغة التعقيد، تكاد تلامس المستحيل: فهم سلوك الشركات، والنقابات العمالية، والأسر في الوقت الفعلي، لتقدير كيفية تفاعلهم مع أوضاعهم المالية في ظل صدمة طاقة جديدة.

ويدرس صناع السياسات خيار رفع أسعار الفائدة لمواجهة الضغوط التضخمية المتزايدة، لكن اتخاذ هذه الخطوة يبقى مشروطاً بقناعتهم بأن ارتفاع تكاليف الطاقة الناتج عن الحرب في إيران سينتقل إلى بقية الأسعار، بما يؤدي إلى ترسيخ توقعات تضخم أعلى على مستوى الاقتصاد ككل، وفق «رويترز».

يتسوق الناس في أحد متاجر نيويورك (رويترز)

غير أن التحدي الأبرز يكمن في صعوبة قياس هذه التوقعات بدقة. فعلى الرغم من امتلاك البنوك المركزية طيفاً واسعاً من الأدوات، بما في ذلك الاستطلاعات والمؤشرات السوقية والنماذج التحليلية، فإنَّ جميعها تعاني من أوجه قصور، إن لم تكن عيوباً جوهرية.

ومنذ جائحة «كوفيد-19»، كثَّفت البنوك المركزية جهودها لتطوير أدوات جديدة تسدّ فجوات البيانات السلوكية، غير أن قياس توقعات التضخم لا يزال أقرب إلى فن قائم على التقدير منه إلى علم دقيق.

حذر متزايد في قرارات الفائدة

هذا الغموض قد يدفع صناع السياسات إلى رفع سقف الحذر قبل الإقدام على تشديد السياسة النقدية، إذ يفضّلون عادة انتظار دلائل أكثر صلابة، لتقليل مخاطر اتخاذ قرارات خاطئة.

وقال توم باركين، رئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في ريتشموند، إن فهم طريقة تفكير واضعي الأسعار يمثل عنصراً حاسماً، مضيفاً أن قرار رفع الفائدة سيعتمد على ما إذا كانت توقعات التضخم ستبدأ بالفعل في التحرك صعوداً، وهو ما لم يتحقق بعد، وفق تقديره.

تحولات سلوكية منذ 2022

يتمثل أحد أبرز التعقيدات في تغير سلوك الأفراد والشركات. ففي عام 2022، ومع محدودية الخبرة في التعامل مع التضخم السريع، كانت عمليات تعديل الأسعار والأجور تتسم بالجمود النسبي.

لكن، وفق ما أشارت إليه إيزابيل شنابل، عضو مجلس إدارة البنك المركزي الأوروبي، فإن تجربة التضخم المؤلمة في السنوات الأخيرة جعلت التوقعات أكثر هشاشة، وبالتالي أكثر حساسية لصدمات أسعار الطاقة.

وبالنسبة للشركات، لم يعد تعديل الأسعار حدثاً سنوياً كما كان قبل الجائحة، بل أصبح أكثر تكراراً، مما يجعل وتيرة التغيير - وليس حجمه فقط - مؤشراً مهماً على تحولات التوقعات.

أدوات تقليدية... وقيود واضحة

لطالما اعتمدت البنوك المركزية على الاستطلاعات ومؤشرات السوق لتقدير توقعات التضخم. غير أن هذه الأدوات تعاني من قيود واضحة؛ فالاستطلاعات تُجرى بوتيرة محدودة ولا تواكب التحولات السريعة، كما أن آفاقها الزمنية لا تتماشى دائماً مع احتياجات صناع القرار.

أما المؤشرات السوقية، فتتأثر بعلاوات المخاطر التي يطلبها المستثمرون، مما يجعلها تعكس مزيجاً من التوقعات الفعلية ومعنويات السوق، وبالتالي تُضعف دقتها.

وتكمن أهمية هذه التقديرات في أن المستثمرين باتوا يتوقعون حالياً رفع البنك المركزي الأوروبي لأسعار الفائدة مرتين أو ثلاث مرات هذا العام، وبنك إنجلترا مرتين، في حين تراجعت توقعات خفض الفائدة من قبل «الاحتياطي الفيدرالي» خلال عام 2026.

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

ابتكار لسد فجوات المعرفة

لمواجهة هذه التحديات، طوَّرت البنوك المركزية أدوات جديدة، تشمل متابعة توقعات الأجور من خلال اتفاقيات النقابات، وإجراء استطلاعات مباشرة مع الشركات، والتواصل مع المديرين التنفيذيين لرصد سلوك التسعير.

كما تراقب وتيرة تغيّر الأسعار بشكل أكثر دقة، وتعمل على تحسين النماذج الاقتصادية التي أخفقت سابقاً في توقُّع موجة التضخم المرتبطة بالجائحة والحرب في أوكرانيا.

ويُعد فهم الفروق بين صدمة التضخم الحالية وتلك التي شهدها العالم قبل أربع سنوات أمراً محورياً في رسم السياسات، إذ تختلف الظروف جذرياً اليوم.

بيئة اقتصادية مختلفة

فأسعار الفائدة مرتفعة بالفعل، والسياسات المالية أكثر تشدُّداً، وسوق العمل تُظهر بوادر تباطؤ، كما أن الأسر لم تعد تمتلك فوائض نقدية كبيرة كما كان الحال خلال الجائحة.

وفي هذا السياق، أشار محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، إلى أن الاقتصاد يدخل هذه المرحلة مع تباطؤ تدريجي في التضخم، وضعف في سوق العمل، ونمو دون إمكاناته.

كما تؤكد الشركات، وفق ما تنقله البنوك المركزية، تراجع قدرتها على تمرير زيادات الأسعار، مما يعكس ضعفاً في القوة التسعيرية عبر معظم القطاعات.

توازن دقيق ومخاطر قائمة

ورغم الثقة النسبية الحالية في استقرار توقعات التضخم على المدى الطويل، فإن استمرار الحرب وارتفاع أسعار الطاقة قد يؤديان إلى تغيير هذا المسار.

فمع ارتفاع تكاليف المعيشة اليومية، مثل الوقود، تزداد احتمالات ترسخ توقعات تضخم أعلى، غير أن توقيت حدوث ذلك يظل غير واضح، مما يترك لصناع السياسات مساحة واسعة للاجتهاد والتقدير.

وفي هذا الإطار، لخَّص بريموز دولينك، مسؤول السياسات في البنك المركزي الأوروبي، المشهد بالقول: إن علم الاقتصاد، رغم اعتماده على التحليل، لا يخلو بطبيعته من عنصر الحكم الشخصي والتقدير.