صندوق النقد الدولي يشيد بالتحول الاقتصادي «غير المسبوق» في السعودية

توقع 3.5 % نمواً غير نفطي وأشار إلى أن التضخم قيد الاحتواء وسط انخفاضات «تاريخية» للبطالة

قال صندوق النقد الدولي إن الجهود الرامية إلى تنويع الأنشطة الاقتصادية بدأت تؤتي ثمارها (واس)
قال صندوق النقد الدولي إن الجهود الرامية إلى تنويع الأنشطة الاقتصادية بدأت تؤتي ثمارها (واس)
TT

صندوق النقد الدولي يشيد بالتحول الاقتصادي «غير المسبوق» في السعودية

قال صندوق النقد الدولي إن الجهود الرامية إلى تنويع الأنشطة الاقتصادية بدأت تؤتي ثمارها (واس)
قال صندوق النقد الدولي إن الجهود الرامية إلى تنويع الأنشطة الاقتصادية بدأت تؤتي ثمارها (واس)

أشاد صندوق النقد الدولي بالتحول الاقتصادي «غير المسبوق» في السعودية في ظل «رؤية 2030»، بما في ذلك إصلاحات المالية العامة والبيئة التنظيمية للأعمال. وإذ توقع وصول النمو غير النفطي في السعودية إلى نحو 3.5 في المائة في 2024، قال إن «السياسات الاقتصادية الكلية الاحترازية والتغيرات التي أحدثت تحولات في المملكة ساعدت على إعطاء دفعة للنمو غير النفطي». كما أعلن أن معدل البطالة في السعودية يسجل انخفاضات تاريخية، وأن التضخم في السعودية يظل قيد الاحتواء، مرحباً بالعملية الأخيرة لتعديل متطلبات التمويل المتعلقة بأهداف «رؤية 2030».

وقد أصدر صندوق النقد الدولي بياناً في ختام بعثة مشاورات المادة الرابعة لعام 2024، رحبت به وزارة المالية السعودية.

الجدعان خلال ترؤسه اجتماع اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية في صندوق النقد الدولي وإلى جانبه المديرة العامة كريستالينا غورغييفا (أ.ف.ب)

وقال الصندوق في بداية البيان: «يحرز التحول الاقتصادي غير المسبوق الذي تشهده المملكة العربية السعودية تقدماً كبيراً في الوقت الحالي. وقد ساعدت السياسات الاقتصادية الكلية الاحترازية، والتغيرات التي أحدثت تحولات - بما في ذلك من خلال الإصلاحات في المالية العامة وفي البيئة التنظيمية للأعمال، وقوة الطلب المحلي على إعطاء دفعة للنمو غير النفطي. ويظل التضخم قيد الاحتواء. ولا تزال عملية إعادة ترتيب أولويات الإنفاق وتعديل برامج الإنفاق الكبرى جارية. وقد بدأت الجهود الرامية إلى تنويع الأنشطة الاقتصادية تؤتي ثمارها. وبناءً على هذه النجاحات؛ سيكون من المهم الحفاظ على زخم النمو غير النفطي واستقرار القطاع المالي، ومواصلة التخفيف من حدة مخاطر فورة النشاط الاقتصادي، وعكس مسار تراجع الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج، وضمان العدالة بين الأجيال».

وأوضح أن النشاط الاقتصادي في السعودية لا يزال قوياً، وأنه «في حين يشير النمو غير النفطي في الربع الأول من عام 2024 إلى بعض التراجع في النشاط الاقتصادي - يقدر خبراء الصندوق أن فجوة الناتج تظل في معدلات موجبة، بما يقرب من 2 في المائة من إجمالي الناتج المحلي غير النفطي المحتمل»، مشيراً إلى أن الاقتصاد تمكن من تجاوز التوترات الجغرافية - السياسية في منطقة الشرق الأوسط بشكل جيد، وذلك بفضل محدودية انكشاف الأنشطة التجارية والمالية للمخاطر المتأتية من المناطق المتأثرة بهذه التوترات وعدم انقطاع عمليات الشحن.

البطالة

وقال صندوق النقد الدولي إن معدل البطالة سجل انخفاضات تاريخية، وإن معدل البطالة الكلي بين السعوديين بلغ 7.7 في المائة في الربع الأخير من عام 2023 - مقترباً من بلوغ هدف 7 في المائة المحدد في «رؤية 2030»، وإن معدلات المشاركة في سوق العمل ظلت في مستويات مرتفعة تاريخياً، وإن كانت ثابتة نسبياً على مدى السنة الماضية لكل من الرجال والنساء، على الرغم من أن معدل مشاركة المرأة لا يزال يتجاوز المستهدف في «رؤية 2030».

التضخم

ومن جانب آخر، تباطأ التضخم الكلي بسرعة على الرغم من وجود بعض مواطن الضغط، وفق بيان الصندوق. فبعد أن بلغ التضخم على أساس سنوي ذروته بنسبة 3.4 في المائة في يناير (كانون الثاني) 2023، تراجع إلى 1.6 في المائة في أبريل (أيار) 2024. إلا أن أسعار الإيجارات آخذة في التزايد بمعدل سريع يبلغ نحو 10 في المائة في ظل تدفقات العمال الأجانب إلى البلاد والخطط الكبيرة لإعادة التطوير في الرياض وجدة. وقد ارتفعت أيضاً أسعار الجملة في الآونة الأخيرة في انعكاس لزيادة تكاليف المدخلات. وحتى يومنا هذا، لوحظت بعض الزيادة في أجور العمالة الماهرة.

وأشار إلى أن فائض الحساب الجاري سجل تراجعاً كبيراً، انعكاساً لانخفاض الصادرات النفطية وللنمو القوي في الواردات ذات الصلة بالاستثمار. في حين بلغت حيازة البنك المركزي السعودي (ساما) من صافي الأصول الأجنبية 423.7 مليار دولار في أبريل 2024، وهو رقم أعلى قليلاً من مستواه في نهاية عام 2023. ولا تزال الاحتياطات كبيرة، حيث تمثل 15.6 شهر من الواردات و208 في المائة على مقياس صندوق النقد الدولي لكفاية الاحتياطيات في نهاية عام 2023.

الآفاق والمخاطر الاقتصادية

وذكر البيان أن خبراء صندوق النقد الدولي رحّبوا بالعملية الأخيرة لتعديل متطلبات التمويل المتعلقة بأهداف «رؤية 2030»، حيث إن تطبيق التعديل أدى إلى إعادة ترتيب أولويات الإنفاق عن طريق زيادة وتيرة تنفيذ بعض المشاريع والاستراتيجيات القطاعية، وتمديد الجدول الزمني لمشاريع أخرى. وقال إن هذه العملية «ستساعد على ضمان التسلسل المناسب للإنفاق الموجه إلى الحد من مخاطر فورة النشاط الاقتصادي والحفاظ على استدامة المالية العامة والمركز الخارجي».

النمو غير النفطي

وتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ النمو غير النفطي نحو 3.5 في المائة في عام 2024، مع تراجع نمو الاستثمار قبل أن يرتفع في عام 2025 وما بعده، بفضل صندوق الثروة السيادي (صندوق الاستثمارات العامة) وفي الفترة السابقة على بطولة كأس آسيا 2027، والألعاب الشتوية الآسيوية 2029، ومعرض «إكسبو» العالمي 2030، من بين عوامل أخرى.

كما توقع انكماش الناتج النفطي بنسبة 4.6 في المائة في عام 2024، وارتفاعه بنسبة 5.1 في المائة في عام 2025، نتيجة تمديد خفض إنتاج النفط في عام 2024 وتعافى الإنتاج تدريجياً إلى 10 ملايين برميل يومياً في عام 2025. وقال إنه «في ظل هذه الافتراضات، ستزيد وتيرة نمو إجمالي الناتج المحلي الكلي ليبلغ نحو 4.5 في المائة في عام 2025 قبل أن يستقر عند نسبة 3.5 في المائة سنوياً على المدى المتوسط».

وقدّر بقاء معدل التضخم ثابتاً عند نسبة 1.9 في المائة في عام 2024، مدعوماً بربط العملة بالدولار، وسياسات محلية داعمة. وتوقع أيضاً احتواء الضغوط التضخمية عن طريق الدعم المحلي ومرونة عرض العمالة الوافدة، على الرغم من التوقعات بوجود فجوة موجبة في الناتج على المدى المتوسط.

كما توقع أن يسجل الحساب الجاري عجزاً في عام 2024، يبلغ في المتوسط نحو 2.3 في المائة من إجمالي الناتج المحلي ما بين عامي 2026 و2029، بسبب انخفاض عائدات صادرات النفط وزيادة الواردات ذات الصلة بالاستثمار. وقال إن الاحتياطيات الدولية ستظل كبيرة، بمتوسط 13 شهراً من تغطية الواردات على المدى المتوسط. وتوفر الأصول الأجنبية في حيازة صندوق الثروة السيادي والكيانات الأخرى المرتبطة بالحكومة مزيداً من هوامش الأمان القوية.

آفاق النمو

وقال صندوق النقد الدولي: «تتسم المخاطر المحيطة بآفاق النمو بأنها متوازنة بوجه عام في ظل ارتفاع درجة عدم اليقين. فعلى الجانب الإيجابي، يمكن للتنفيذ السريع للإصلاحات والاستثمارات أن يحقق مكاسب نمو أقوى أو في وقت أقرب من المتوقع».

وتوقع الصندوق أن يزداد اتساع عجز المالية العامة الكلي في هذا العام إلى نحو 3 في المائة نتيجة انخفاض الإيرادات مع خفض إنتاج النفط.

وقال: «ستكون الجهود الجديرة بالترحيب التي تبذلها الحكومة لتعزيز مؤسسات المالية العامة ضرورية لضمان إحراز تقدم نحو تحقيق أهداف المملكة العربية السعودية للنمو والاستقرار. وينبغي لتنفيذ قاعدة للمالية العامة، تتضمن آلية مزدوجة تتألف من حد أقصى لنمو النفقات وهدف لصافي الأصول المالية للحكومة المركزية، أن يساعد على الحد من تزامن الإنفاق من الموازنة مع تقلبات أسعار النفط الدولية».

ودعا الصندوق إلى تعجيل وتيرة التقدم المُحرَز في الآونة الأخيرة في وضع إطار لإدارة الأصول والخصوم السيادية.

بيئة الأعمال

وقال صندوق النقد الدولي: «إن الإصلاحات الرامية إلى تحسين بيئة الأعمال في المملكة العربية السعودية وجاذبيتها للاستثمار الأجنبي تشهد تقدماً جيداً»، وتابع إنه يمكن مواصلة تعزيز نمو القطاع الخاص والمساعدة على جذب مزيد من الاستثمار الأجنبي المباشر والمساهمة في نمو الإنتاجية الكلية لعوامل الإنتاج من خلال العمل الجاري لإعطاء دفعة لرأس المال البشري في ظل برنامج تنمية رأس المال البشري، ومواصلة زيادة مشاركة المرأة في سوق العمل، واتخاذ خطوات كبيرة في عملية التحول الرقمي والجاهزية للذكاء الاصطناعي، وترشيد الرسوم والضرائب، وزيادة إمكانية الحصول على الأراضي والتمويل، وتعزيز الحوكمة.

وقال «الصندوق» إن السعودية «تظل ملتزمة بالوصول بصافي الانبعاثات إلى مستوى الصفر بحلول عام 2060، وإن السلطات تواصل الاستثمار في الطاقة المتجددة، وكفاءة استهلاك الطاقة، والهيدروجين النظيف، وتكنولوجيات احتجاز الكربون».


مقالات ذات صلة

خاص رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون خلال لقائه وفد جمعية مصارف لبنان (الرئاسة اللبنانية)

خاص أولويات الحرب لم تحجب مواجهات مالية «مستمرة» في لبنان

تستمر القضايا المالية والنقدية العالقة في لبنان، بتوليد مزيد من الاستحقاقات الحيوية، في وقت اعترف فيه صندوق النقد بأن الأزمة نظامية.

علي زين الدين (بيروت)
الاقتصاد وزير الاقتصاد المكسيكي مارسيلو إبرارد (يمين) يصافح المفوض الأوروبي للتجارة والأمن الاقتصادي ماروس سيفكوفيتش خلال افتتاح قمة الأعمال المكسيكية الأوروبية في مكسيكو سيتي (إ.ب.أ)

المكسيك وأوروبا توقعان اتفاقاً تجارياً لتقليل الاعتماد على أميركا

تستعد المكسيك والاتحاد الأوروبي لتوقيع اتفاق تجارة حرة جديد طال انتظاره، في خطوة تحمل أبعاداً اقتصادية وجيوسياسية واضحة بتقليص الاعتماد على أميركا.

«الشرق الأوسط» (مكسيكو سيتي)
الاقتصاد معرض للتوظيف في جامعة هوايان شرق الصين (أ.ف.ب)

الصين تنفي إجبار شركات التكنولوجيا على رفض الاستثمارات الأجنبية

صرحت الهيئة الصينية المعنية بالتخطيط الاستراتيجي، الجمعة، بأن الحكومة لم تُلزم شركات التكنولوجيا الصينية قط برفض الاستثمارات الأجنبية

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد سيدة تتسوَّق في متجر بالعاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس (أ.ف.ب)

متنفس جديد لاقتصاد الأرجنتين بمليار دولار من صندوق النقد

حصلت الأرجنتين على دفعة جديدة بقيمة مليار دولار من صندوق النقد الدولي، في خطوة تمنح حكومة الرئيس خافيير ميلي متنفساً اقتصادياً جديداً.

«الشرق الأوسط» (بوينس آيرس)

ماليزيا: إمدادات الطاقة كافية حتى نهاية يوليو

ارتفعت تكاليف الشحن إلى الشرق الأوسط بنسب تتراوح بين 50 و80 % جراء حرب إيران (رويترز)
ارتفعت تكاليف الشحن إلى الشرق الأوسط بنسب تتراوح بين 50 و80 % جراء حرب إيران (رويترز)
TT

ماليزيا: إمدادات الطاقة كافية حتى نهاية يوليو

ارتفعت تكاليف الشحن إلى الشرق الأوسط بنسب تتراوح بين 50 و80 % جراء حرب إيران (رويترز)
ارتفعت تكاليف الشحن إلى الشرق الأوسط بنسب تتراوح بين 50 و80 % جراء حرب إيران (رويترز)

قال أكمل ناصر وزير الاقتصاد الماليزي، يوم الاثنين، إن بلاده تمتلك إمدادات طاقة تكفي حتى نهاية يوليو (تموز) في ظل الاضطرابات الناجمة عن الحرب في إيران، وذلك استناداً إلى بيانات صادرة عن شركة الطاقة الحكومية (بتروناس).

وأضاف ناصر في مؤتمر صحافي دوري، أن احتياطيات ماليزيا الحالية من إمدادات الكهرباء تكفي أيضا لتلبية الزيادة الحالية في الطلب.

وتابع أن تكاليف الشحن إلى الشرق الأوسط ارتفعت بنسب تتراوح بين 50 في المائة و80 في المائة، في حين صعدت علاوات التأمين بسبب الحرب بنسبة تصل إلى 3 في المائة.

وأشار إلى المخاطر التي يتعرض لها قطاع السلع الأولية في ماليزيا بسبب ارتفاع تكاليف اللوجستيات، قائلاً إن قيمة القطاع هبطت 14.7 في المائة في الربع الأول من 2026 مقارنة بالعام الماضي بسبب انخفاض صادرات المنتجات الرئيسية مثل الكاكاو والمطاط وزيت النخيل والأخشاب.

وقال أكمل إنه من المتوقع أن ينخفض إجمالي صادرات السلع الزراعية 13.48 في المائة إلى 170.2 مليار رينجيت (43 مليار دولار) في 2026، بينما من المتوقع أن تتراجع الواردات 3.28 في المائة إلى 72.47 مليار رينجيت.

وأضاف أكمل أنه جرى تقديم توصيات للوزارة المعنية بالسلع الأولية لاستكشاف إمكانية شحن منتجات زيت النخيل إلى دول أخرى لضمان تنويع التجارة والحفاظ على القدرة التنافسية لصادرات ماليزيا.


وزيرة مالية الهند: الوقود والأسمدة والعملات الأجنبية ركائزنا لمواجهة الأزمة

وزيرة المالية الهندية نيرمالا سيثارامان تتحدث إلى وسائل الإعلام (أرشيفية - رويترز)
وزيرة المالية الهندية نيرمالا سيثارامان تتحدث إلى وسائل الإعلام (أرشيفية - رويترز)
TT

وزيرة مالية الهند: الوقود والأسمدة والعملات الأجنبية ركائزنا لمواجهة الأزمة

وزيرة المالية الهندية نيرمالا سيثارامان تتحدث إلى وسائل الإعلام (أرشيفية - رويترز)
وزيرة المالية الهندية نيرمالا سيثارامان تتحدث إلى وسائل الإعلام (أرشيفية - رويترز)

دعت وزيرة المالية الهندية، نيرمالا سيثارامان، يوم الاثنين، إلى التركيز على ما وصفتها بـ«الركائز الثلاث»؛ المتمثلة في الوقود والأسمدة والعملات الأجنبية، في ظل تصاعد الضغوط الناتجة عن أزمة الطاقة وتداعياتها على الاقتصاد الهندي.

وشددت سيثارامان على أهمية دعوة رئيس الوزراء، ناريندرا مودي، إلى ترشيد استهلاك العملات الأجنبية، في وقت تواجه فيه الهند ضغوطاً متصاعدة نتيجة أزمة الخليج.

وكان مودي قد دعا في وقت سابق من الشهر الحالي المواطنين إلى تقليل استهلاك الوقود والعملات الأجنبية، وتجنب شراء الذهب، ضمن إجراءات تهدف إلى تعزيز إدارة صدمة الطاقة والتحديات الاقتصادية الراهنة، وفق «رويترز».

وقالت سيثارامان إن «دعوة رئيس الوزراء إلى ترشيد استهلاك العملات الأجنبية قدر الإمكان أمر بالغ الأهمية»، مضيفة أن التركيز على «الركائز الثلاث» - الوقود والأسمدة والعملات الأجنبية - يجب أن يُنظر إليه في هذا السياق.

وتأتي هذه التصريحات في ظل تداعيات ارتفاع أسعار النفط الخام واضطرابات الإمدادات عقب إغلاق مضيق هرمز نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران.

وأضافت الوزيرة، خلال فعالية في مومباي، أن ارتفاع أسعار النفط والأسمدة والذهب يشكل تحديات خارجية كبيرة أمام الاقتصاد الهندي.

وتُعدّ الهند ثالث أكبر مستورد ومستهلك للنفط في العالم، وقد رفعت أسعار البنزين والديزل مجدداً يوم الاثنين، في رابع زيادة خلال شهر مايو (أيار) الحالي، في محاولة لتعويض جزء من الخسائر.

كما أشارت سيثارامان إلى أن إيرادات الحكومة الهندية قد تتأثر بنحو تريليون روبية في السنة المالية 2027؛ نتيجة خفض الرسوم الجمركية على الوقود.

ارتفعت الروبية الهندية إلى أعلى مستوى لها في أسبوعين، فيما تراجعت علاوات العقود الآجلة يوم الاثنين، بعد أن أدى انخفاض أسعار النفط؛ مدفوعاً بتنامي التفاؤل بشأن إمكانية التوصل إلى اتفاق سلام بين الولايات المتحدة وإيران، إلى تحسن في معنويات الأسواق الآسيوية.

صراف يحمل أوراقاً نقدية من العملة الهندية بمحطة وقود في أحمد آباد (رويترز)

الروبية تتنفس الصعداء

في سياق متصل، ارتفعت الروبية بنسبة 0.4 في المائة لتصل إلى 95.2775 مقابل الدولار، مواصلة مكاسبها للجلسة الثالثة على التوالي.

وفي المقابل، انخفضت علاوات العقود الآجلة للدولار مقابل الروبية، مع تراجع العائد الضمني لأجل عام واحد إلى 3.25 في المائة. وكانت العملة قد سجلت الأسبوع الماضي أدنى مستوى لها على الإطلاق عند 96.96، قبل أن تتلقى دعماً من تدخل قوي من «البنك المركزي الهندي» خلال يومي الخميس والجمعة.

وتراجع «خام برنت» بأكثر من 5 في المائة يوم الاثنين إلى 97.8 دولار للبرميل، وهو أدنى مستوى له في أكثر من أسبوعين؛ مما عزز شهية المخاطرة ودعم عملات الدول المستوردة للنفط مثل الهند وإندونيسيا والفلبين.

ورغم استمرار التوترات المرتبطة بمخاطر إغلاق مضيق هرمز، فإن الولايات المتحدة وإيران تقتربان من التوصل إلى اتفاق، مع بقاء خلافات رئيسية قائمة بين الجانبين.

وقال بنك «إم يو إف جي» في مذكرة إن تخفيف الضغوط على عملات مثل الروبية الهندية والروبية الإندونيسية والبيزو الفلبيني يتطلب تراجع المخاطر الجيوسياسية، لا سيما التوصل إلى اتفاق أميركي - إيراني يضمن حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.

وأضاف البنك أن زوج الدولار/ الروبية قد يمتد في ارتفاعه إلى مستوى 100 إذا استمر التصعيد مع إيران، غير أن تدخل «بنك الاحتياطي الهندي»، واحتمال رفع أسعار الفائدة، قد يوفّران دعماً مؤقتاً للعملة.

وأكد محافظ «بنك الاحتياطي الهندي»، سانجاي مالهوترا، أن البنك سيتخذ «كل ما يلزم» لضمان حركة منظمة في سوق الصرف الأجنبي، مشيراً إلى أن الروبية أصبحت، بعد تراجعها الأخير، مقيّمة بأقل من قيمتها الحقيقية؛ سواء أكان من حيث السعر الاسمي أم الحقيقي. وتابع أنه بمجرد استقرار الأوضاع في غرب آسيا، فقد تشهد الروبية بعض التعافي.

وأشار إلى امتلاك «البنك» أدوات كافية، بما في ذلك احتياطات تبلغ نحو 700 مليار دولار، لاحتواء أي تحركات مضاربية غير مبررة.

كما لفت إلى ضرورة اتخاذ تدابير للحد من عجز الحساب الجاري، وهو ما تعمل الحكومة على معالجته، إلى جانب الحاجة إلى تحسين وضع الحساب الرأسمالي.

وأكد أن المهمة الأساسية لـ«بنك الاحتياطي الهندي» هي استهداف التضخم، مضيفاً: «إذا سمحت مسارات التضخم الحالية بهامش للسياسة النقدية، فإننا ندعم النمو».

وتشير تقارير سابقة إلى أن السلطات النقدية قد تلجأ إلى أدوات إضافية لدعم الروبية، من بينها برامج إيداع الهنود غير المقيمين وتعديلات ضريبية على استثمارات الديون.


رئيس الفريق التفاوضي: الاتفاقية الخليجية - البريطانية خطوة استراتيجية في عالم مضطرب

الجاسم وبراينت يتعانقان بعد توقيع الاتفاقية في لندن وسط تصفيق المفاوضين (وزارة الاقتصاد البريطانية)
الجاسم وبراينت يتعانقان بعد توقيع الاتفاقية في لندن وسط تصفيق المفاوضين (وزارة الاقتصاد البريطانية)
TT

رئيس الفريق التفاوضي: الاتفاقية الخليجية - البريطانية خطوة استراتيجية في عالم مضطرب

الجاسم وبراينت يتعانقان بعد توقيع الاتفاقية في لندن وسط تصفيق المفاوضين (وزارة الاقتصاد البريطانية)
الجاسم وبراينت يتعانقان بعد توقيع الاتفاقية في لندن وسط تصفيق المفاوضين (وزارة الاقتصاد البريطانية)

دخلت دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة حقبة جديدة من التعاون الاستراتيجي الشامل، عقب الإعلان الرسمي في لندن عن اختتام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين. وتمثل هذه خطوة تحولاً هيكلياً يعزز التدفقات الاستثمارية وفتح آفاق رحبة أمام مجتمعات الأعمال في الأسواق السبع، في أول اتفاقية من نوعها تبرمها المنظومة الخليجية مع دولة من مجموعة السبع.

ووصف المنسق العام للمفاوضات ورئيس الفريق التفاوضي الخليجي، الدكتور رجاء المرزوقي، الاتفاقية بأنها خطوة استراتيجية حتمية لإعادة توجيه حركة التجارة والاستثمار المشترك، لا سيما في وقت يرزح فيه الاقتصاد العالمي تحت وطأة مستويات مرتفعة من عدم اليقين والتقلبات الحمائية.

وقال المرزوقي، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، إن حجم التجارة البينية بين دول الخليج وبريطانيا يبلغ حالياً ما يعادل 80 مليار دولار، مشيراً إلى أن الاتفاقية مرشحة لرفع حجم التبادل التجاري بأكثر من 60 في المائة، استناداً إلى ما أظهرته تجارب اتفاقيات التجارة الحرة المماثلة حول العالم.

دول الخليج تعتبر أن اتفاقية التجارة الحرة مع بريطانيا هي خطوة استراتيجية لإعادة توجيه حركة التجارة والاستثمار (مجلس التعاون)

تخفيف الآثار السلبية

وأضاف أن توقيع الاتفاقية يأتي في توقيت حساس للاقتصاد العالمي، في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بقرارات الولايات المتحدة المتعلقة برفع الرسوم الجمركية وإلغاء بعض الاتفاقيات التجارية السابقة، الأمر الذي يضاعف الحاجة إلى بيئة قانونية مستقرة وواضحة تنظم العلاقات الاقتصادية الدولية.

وبيّن المرزوقي أن الاتفاقية تسهم في تخفيف الآثار السلبية لهذه المتغيرات عبر تقليل المخاطر وتوفير رؤية مستقبلية واضحة، نظراً لما تتضمنه من التزامات قانونية تفصيلية ومتبادلة بين الطرفين ضمن إطار تجارة حرة شامل. كما لفت إلى تميزها بطابع شمولي لا يقتصر على السلع التقليدية، بل يمتد ليرسم أطراً متكاملة لقطاعات الاستثمار، والخدمات، والخدمات المالية الحديثة.

بوابة لنقل التقنية والمعرفة وجذب الاستثمار

وأشار المسؤول الخليجي إلى أن اتفاقيات التجارة الحرة تُعد من أبرز الأدوات المحفزة لجذب الاستثمارات الأجنبية ونقل التقنية، لافتاً إلى أن تجارب عدد من الدول أظهرت ارتفاع تدفقات الاستثمار الأجنبي بأكثر من 30 في المائة عقب توقيع اتفاقيات مشابهة.

وأكَّد أن أهمية الاتفاقية الخليجية - البريطانية تتعزز بالنظر إلى مكانة بريطانيا بوصفها من الدول المصدرة للتقنية والاستثمارات الأجنبية، الأمر الذي يمنح اقتصادات الخليج فرصاً إضافية لتوسيع قاعدة الاستثمارات النوعية ونقل المعرفة والتقنيات المتقدمة.

المرزوقي خلف الجاسم خلال توقيع اتفاقية التجارة الحرة الخليجية البريطانية (د.ب.أ)

وشدَّد المنسق العام للمفاوضات على أن هذه الخطوة، بالتزامن مع الاتفاقيات التجارية الأخرى التي تبرمها دول مجلس التعاون مع اقتصادات شرقية كبرى وفي مقدمتها الصين، تعزز الاستفادة القصوى من الموقع الاستراتيجي للمنطقة كحلقة وصل بين الشرق والغرب، وتدعم تبني علاقات اقتصادية متوازنة مع مختلف الشركاء الدوليين.

مرحلة جديدة

من جانبه، أكد الرئيس التنفيذي لمجموعة «إتش إس بي سي»، جورج الحداري، أن دول مجلس التعاون الخليجي باتت تمثل منطقة ذات أهمية متزايدة من الناحية الاستراتيجية، في ظل ما توفره من فرص نمو طويلة الأجل، مشيراً إلى أن المجموعة المصرفية تتمتع بحضور تاريخي وعميق في دول الخليج الست، إلى جانب المملكة المتحدة التي تُعد إحدى الأسواق الرئيسية للبنك.

وقال الحداري، في تعليق أرسله إلى «الشرق الأوسط»، إن وجود البنك في المنطقة يتيح له التعرف بشكل مباشر على الفرص التي ستنتج عن الاتفاقية الجديدة، مؤكداً استعداد البنك للمساهمة في تعميق الروابط الاقتصادية ودعم الشركات والمؤسسات لبناء شراكات جديدة وتعزيز الاستثمار وتحقيق مزيد من النمو.

الرئيس التنفيذي لمجموعة «إتش إس بي سي» جورج الحداري

توقيع البيان المشترك

وكان الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي وقّع مع وزير الدولة البريطاني لشؤون التجارة كريس براينت، في لندن، بياناً مشتركاً المشترك لختام مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة بين الجانبين الأربعاء الماضي، وذلك بعد جولات تفاوض استمرت لسنوات.

ووصف البديوي الاتفاقية بأنها «نقلة نوعية» في العلاقات الخليجية - البريطانية، مؤكداً أنها ستسهم في تعزيز المسارات الاقتصادية بين المنطقتين لأجيال مقبلة، مضيفاً أن الاتفاقية لم تكن وليدة الصدفة، بل جاءت نتيجة «سنوات من العمل والإرادة السياسية المشتركة» بين دول الخليج الست والمملكة المتحدة.

التزام لندن

وكانت وزارة الخارجية البريطانية قالت، في وقت سابق، إن اتفاقية التجارة الحرة مع دول مجلس التعاون الخليجي تعكس التزام لندن بشراكة طويلة الأمد مع السعودية والإمارات والكويت وقطر والبحرين وعُمان، مشيرة إلى أنها أول اتفاقية تجارة حرة يبرمها المجلس مع دولة من مجموعة السبع.

وأضافت أن الاتفاقية ستوفر إطاراً قانونياً يعزز اليقين والاستقرار للشركات والمستثمرين، في ظل تنسيق سياسي وأمني متزايد بين الجانبين.

وبحسب البيانات البريطانية، يبلغ حجم التجارة الحالية بين بريطانيا ودول الخليج نحو 52.9 مليار جنيه إسترليني (72 مليار دولار)، مع توقعات بزيادة التبادل التجاري بنحو 20 في المائة، بما يعادل 15.5 مليار جنيه إسترليني (21 مليار دولار) سنوياً.

كما ستسهم الاتفاقية في تسهيل الصادرات الخليجية إلى السوق البريطانية، ودعم قطاعات الخدمات والمهن، وتبسيط إجراءات التأشيرات وزيارات الأعمال.

وقال وزير الأعمال والتجارة البريطاني بيتر كايل إن الاتفاقية تمثل «خطوة كبيرة» في الشراكة بين المملكة المتحدة ودول الخليج، وستفتح فرصاً جديدة للتجارة والاستثمار والابتكار.

بينما أكدت المفوضة التجارية البريطانية لمنطقة الشرق الأوسط وباكستان سارة موني أن الاتفاقية ستخفض الرسوم الجمركية وتعزز صادرات الجانبين، بما يمنح المستثمرين ثقة أكبر لاتخاذ قرارات طويلة الأجل.