السودان: هل من دور للتطبيقات المصرفية في قيام «سوق سوداء» للعملات؟

مواطنون أمام فرع بنك الخرطوم في وسط السودان (رويترز)
مواطنون أمام فرع بنك الخرطوم في وسط السودان (رويترز)
TT

السودان: هل من دور للتطبيقات المصرفية في قيام «سوق سوداء» للعملات؟

مواطنون أمام فرع بنك الخرطوم في وسط السودان (رويترز)
مواطنون أمام فرع بنك الخرطوم في وسط السودان (رويترز)

أكثر من مليونَي مواطن سوداني لجأوا إلى دول الجوار وحول العالم، هرباً من القتال والمعارك العنيفة المستمرة منذ أكثر من عام في أغلب أنحاء البلاد. وإزاء الأزمة الاقتصادية التي تعصف بالبلاد، وفقدان مصادر الدخل، أصبح المواطنون يعتمدون على المساعدات النقدية التي تأتيهم من ذويهم. ولكن كون السودان خارج النظام المصرفي العالمي منذ أحداث أكتوبر (تشرين الأول) 2023، يمنع مصارفها من إنجاز عمليات تحويل مالية بالعملات الأجنبية. وهو ما يدفع بعضهم إلى القيام بعمليات تحويل بالجنيه السوداني من خلال تطبيقات مصرفية، ما نقل مركز تداول العملات الأجنبية من جهة، وعزز إنشاء «أسواق عملات سوداء» خارج البلاد من جهة أخرى.

لكن مصدراً رفيعاً في بنك الخرطوم –أحد أعرق المصارف السودانية– ورائد التطبيقات المصرفية، نفى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» استخدام تطبيقه واسع الانتشار والمعروف باسم «بنكك»، في الاتجار بالعملات. وإذ أكد أن هذا التطبيق متاح للجميع في كل مكان، قال: «لم نسمع بأنه يتم استخدامه في تجارة العملة».

عرض وطلب

وأرجع الخبير الاقتصادي والناطق باسم حزب «البعث» عادل خلف الله، في تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، أسباب ازدهار أسواق العملات خارج السودان، إلى ما سمَّاه «توسع الفجوة بين العرض والطلب»، وفقدان البلاد نحو 80 في المائة من مصادر النقد الأجنبي نتيجة للحرب، ما أسهم في تغير اتجاه تحويلات المغتربين المقدرة بنحو 7 مليارات دولار قبيل نهاية عام 2021، إلى أسرهم وأنشطتهم خارج البلاد، بسبب النزوح واللجوء، وما وفرته التطبيقات المصرفية الإلكترونية من تسهيلات.

أسرار مصرفية

وقال مدير الموارد البشرية في بنك الخرطوم، نصر الدين عبد الواحد، لـ«الشرق الأوسط»، إن تطبيق «بنكك» ساعد المواطنين -لا سيما في مناطق النزاع- في الحصول على النقود من داخل السودان وخارجه. وشرح بأن معلومات العملاء سرية لا يمكن للمصرف الإفصاح عنها، مكتفياً بالقول: «من يتمتعون بخدمة (بنكك) عددهم كبير جداً». ووصف المعلومات التي يتم تداولها في مواقع التواصل الاجتماعي حول هذا التطبيق بأنها «شائعات» مجهولة المصدر.

وأوضح الإداري الرفيع في المصرف، أن انقطاعات شبكة الاتصالات وعدم استقرارها في بعض المناطق، تعد من التحديات التي تواجه بنك الخرطوم وتطبيق «بنكك»، داعياً المواطنين إلى «الاتصال بمركز خدمات المشتركين في حالة واجهتهم أي مشكلة في التطبيقات».

ونبَّه عبد الواحد عملاء المصرف من فئة أطلق عليها «السماسرة» الذين يزعمون مساعدة الناس في استعادة الخدمة أو معالجة الأعطال مقابل المال، ودعاهم إلى الابتعاد عنهم. وقال: «هؤلاء فئة غير أمينة، وللأسف منتشرون بكثرة في وسائل التواصل الاجتماعي». وراجت على نطاق واسع أحاديث عن استعداد بعض الأشخاص لمعالجة مشكلات التطبيقات المالية في حال تعطلها لأسباب فنية أو إدارية أو إلكترونية، مقابل مبالغ مالية متفق عليها؛ خصوصاً بالنسبة للأشخاص الموجودين خارج البلاد، أو المناطق خارج سيطرة الحكومة؛ حيث لا توجد فروع عاملة للبنوك.

دور البنك المركزي

حلَّت التطبيقات المصرفية مشكلات كبيرة يعاني منها الاقتصاد السوداني والمواطنون خلال الحرب. فقبل الحرب، كان الاعتماد عليها داخلياً أقل مما هو عليه الآن، ولكن بسبب الحرب أصبح الاعتماد عليها كبيراً؛ خصوصاً بالنسبة للعملاء خارج البلاد. ويؤكد خبراء أهمية أن تكون لبنك السودان المركزي رقابة محكمة على هذه التطبيقات، وتبنِّي سياسات تحد من الممارسات السالبة للمضاربات المصرفية أو التعاملات الإلكترونية.

وقال الخبير الاقتصادي محمد الناير لـ«الشرق الأوسط»، إن الهجوم الذي يُشَن على التطبيقات المصرفية يستند على معلومات غير دقيقة. وأضاف: «التطبيقات المصرفية ساهمت في حل مشكلات اقتصادية للأسر منذ بداية الحرب وحتى الآن». ودعا الناير بنك السودان المركزي إلى وضع سياسات مالية تمكِّنه من الاستفادة من التطبيقات، ووقف استغلالها بما يتسبب في الضرر للاقتصاد، وإلى تبني سياسات لترشيد الواردات وقصرها على السلع الضرورية، وزيادة حجم الصادرات، والاستفادة من الذهب والحد من تهريبه، مع ترشيد الاتفاق العام، بما يحافظ على سعر صرف العملة الوطنية.

«سوق العملات السوداء»

وأرجع عادل خلف الله ظهور «السوق السوداء» إلى حقبة تاريخية، بدأت بأول خفض لسعر صرف العملة الوطنية وربطها بالدولار، واعتماد سياسة تعدد سعر الصرف في عام 1978، إثر رضوخ نظام مايو (أيار) لوصفة صندوق النقد الدولي. وقال: «منذ ذلك التاريخ، ظهر ما عرفت بـ(سوق العملات السوداء) أو الموازية، وبلغت ذروتها في عهد حكومة (الإنقاذ) لعدة أسباب، من أهمها: زيادة أعداد السودانيين العاملين في الخارج، وتوسع الطلب الحكومي على النقد الأجنبي الناتج عن تصفية القطاع العام، وتحطيم قواعد الإنتاج ومصادر النقد الأجنبي».

وتابع: «لعب التمكين الاقتصادي لرموز نظام (الإنقاذ)، وتخصيص شركات مملوكة لهم للعمل في هذا النشاط، وتأثير العقوبات الاقتصادية على البلاد، دوراً كبيراً في ازدياد وتعاظم تجارة العملات في الأسواق الموازية وخارج النظام المصرفي».

ووفقاً لخلف الله، فإن أبرز تجليات أزمة الاقتصاد السوداني تتمثل في تنامي شح النقد الأجنبي، وانخفاض احتياطي البنك المركزي من العملات الأجنبية، في مقابل تنامي الطلب عليها، وعلى رأسه الطلب الحكومي. وتابع: «تفاقم تدهور سعر الصرف مقابل الدولار والعملات الأخرى، بعد الإجراءات التي اتخذها رئيس (مجلس السيادة) عبد الفتاح البرهان في 21 أكتوبر 2021. وزاد الطين بلة بعد الحرب في منتصف أبريل (نيسان) 2023».


مقالات ذات صلة

غارة على دارفور تقتل قيادياً بارزاً في حكومة «الدعم السريع»

شمال افريقيا القيادي في تحالف «تأسيس» أسامة حسن الذي اغتيل في غارة على منزله في مدينة نيالا (تحالف «تأسيس«)

غارة على دارفور تقتل قيادياً بارزاً في حكومة «الدعم السريع»

قُتل قيادي في التحالف المؤسس للحكومة المدعومة من «قوات الدعم السريع»، في ضربة شنها الجيش السوداني على منزله في العاصمة نيالا بجنوب دارفور.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا طلاب إحدى المدارس خلال احتجاجات سابقة في الخرطوم (أ.ف.ب)

حكومة «الدعم السريع» تعلن «امتحانات الثانوية» في مناطقها

في خطوة عدّها البعض تُكرس تقسيم السودان إلى دولتين، أعلنت حكومة «تأسيس» بقيادة «قوات الدعم السريع» إجراء امتحانات الشهادة الثانوية في مناطقها.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا وزير الري المصري خلال حفل مشروع «المرونة المائية» بالسفارة البريطانية في القاهرة الثلاثاء (مجلس الوزراء المصري)

مصر على أعتاب «الندرة المطلقة» للمياه

قال وزير الموارد المائية والري المصري هاني سويلم إن بلاده «تُعد من أكثر دول العالم جفافاً وتعتمد بشكل شبه كامل على نهر النيل» 

وليد عبد الرحمن (القاهرة )
شمال افريقيا صورة جوية لملاجئ مؤقتة بمخيم أدري في تشاد للسودانيين الذين فرّوا من الصراع بدارفور (رويترز)

السودان يمدد فتح معبر «أدري» مع تشاد وسط ضغوط دولية

أعلنت وزارة الخارجية السودانية تمديد فتح معبر «أدري» على الحدود مع تشادية لـ3 أشهر أخرى، أمام المعونات الإنسانية وسط ضغوط دولية ومخاوف أمنية.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا من وقفة للأساتذة المضربين (لجنة أساتذة الجامعات السودانية)

أساتذة الجامعات السودانية يُنفذون إضراباً عن العمل لتدني الرواتب

دخل إضراب أساتذة الجامعات السودانية الشامل والمفتوح عن العمل؛ احتجاجاً على تدني الرواتب، يومه الثاني، وتوقفت الدراسة بشكل كامل، بينما لا تلوح في الأفق بوادر حل.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
TT

تنسيق دولي لضمان أمن الطاقة واستقرار سلاسل التوريد المتأثرة بالحرب

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

اتفقت وكالة الطاقة الدولية، وصندوق النقد والبنك الدوليان، يوم الأربعاء، على تشكيل مجموعة تنسيق تهدف إلى تعظيم استجابة هذه المؤسسات للآثار الطاقية والاقتصادية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط.

وأكد رؤساء المؤسسات الثلاث، في بيان مشترك حول تداعيات الأزمة وآليات العمل المستقبلي، أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطرابات كبيرة طالت الأرواح وسبل العيش في المنطقة، وأدت إلى أحد أكبر أوجه نقص الإمدادات في تاريخ أسواق الطاقة العالمية. وأشار رؤساء المؤسسات إلى أن تأثير هذه الأزمة جوهري، وعالمي، وغير متماثل إلى حد كبير، حيث يتضرر مستوردو الطاقة بشكل غير متناسب، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل.

وأوضح البيان أن آثار الأزمة انتقلت بالفعل عبر ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، مما أثار مخاوف جدية بشأن أسعار المواد الغذائية أيضاً. كما تأثرت سلاسل التوريد العالمية، بما في ذلك إمدادات الهيليوم، والفوسفات، والألومنيوم، وغيرها من السلع الأساسية، فضلاً عن تأثر قطاع السياحة نتيجة تعطل الرحلات الجوية في مراكز الطيران الرئيسية بمنطقة الخليج.

وحذر رؤساء المؤسسات من أن تقلبات السوق الناتجة عن ذلك، وضعف العملات في الاقتصادات الناشئة، والمخاوف بشأن توقعات التضخم، تزيد من احتمال اتخاذ سياسات نقدية أكثر تشدداً وتؤدي إلى ضعف النمو الاقتصادي.

مجموعة تنسيق لمواجهة الأزمة

في ظل هذه الأوقات التي تتسم بعدم اليقين الشديد، شدد البيان على ضرورة توحيد جهود المؤسسات الثلاث لمراقبة التطورات، وتنسيق التحليلات، ودعم صناع السياسات لتجاوز هذه الأزمة. ويستهدف هذا التنسيق بشكل خاص الدول الأكثر عرضة للآثار المترتبة على الحرب، وتلك التي تواجه مساحة محدودة للسياسات ومستويات عالية من الديون.

ولضمان استجابة منسقة، اتفق الرؤساء على تشكيل مجموعة عمل تتولى المهام التالية:

  • تقييم حدة الآثار: عبر تبادل البيانات المنسقة حول أسواق الطاقة وأسعارها، والتدفقات التجارية، والضغوط على المالية العامة وميزان المدفوعات، واتجاهات التضخم، والقيود المفروضة على تصدير السلع الأساسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
  • تنسيق آلية الاستجابة: التي قد تشمل تقديم مشورة سياساتية مستهدفة، وتقييم الاحتياجات التمويلية المحتملة، وتوفير الدعم المالي المرتبط بها (بما في ذلك التمويل الميسر)، واستخدام أدوات تخفيف المخاطر حسب الاقتضاء.
  • حشد أصحاب المصلحة: إشراك الشركاء الدوليين والإقليميين والثنائيين الآخرين لتقديم دعم منسق وفعال للدول المحتاجة.

واختتم رؤساء المؤسسات بيانهم بالتأكيد على التزامهم بالعمل المشترك لحماية الاستقرار الاقتصادي والمالي العالمي، وتعزيز أمن الطاقة، ودعم البلدان والمتضررين في مسيرتهم نحو التعافي المستدام، والنمو، وخلق فرص العمل من خلال الإصلاحات اللازمة.


صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
TT

صدمة الطاقة قد تقلب الحرب على إيران إلى أزمة اقتصادية

ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)
ترمب يتحدث خلال مراسم توقيع أمر تنفيذي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض (أرشيفية - إ.ب.أ)

رغم إصرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحرب تقترب من نهايتها، فإن النقاشات داخل البيت الأبيض تبدو أقل اطمئناناً بكثير. فالمسألة لم تعد محصورة في تكلفة العمليات العسكرية أو في سؤال متى تنتهي الحملة، بل باتت تدور أيضاً حول ما الذي سيحدث إذا بقيت إمدادات الطاقة مختنقة وارتفع النفط إلى 150 دولاراً أو حتى 200 دولار للبرميل. هذا هو جوهر القلق الذي تعكسه المناقشات الأخيرة في الإدارة، بحسب تقرير في «بوليتيكو»، والذي يتحدث عن تعامل داخلي مع 100 دولار بوصفها «خط أساس» لا سقفاً، وعن بحث أفكار طارئة لاحتواء الصدمة الاقتصادية المحتملة.

المفارقة أن الأسواق التقطت، يوم الأربعاء، إشارات ترمب الإيجابية أكثر مما التقطت تحذيرات خبراء الطاقة. فقد تراجع برنت إلى قرب 102 دولار، بل هبط في لحظة ما دون 100 دولار، بعد قوله إن القوات الأميركية قد تغادر خلال «أسبوعين أو ثلاثة». لكن هذا التراجع لا يلغي أن الأسعار كانت قد قفزت بقوة طوال مارس (آذار)، وأن السوق لا تزال تتعامل مع إغلاق أو تعطيل مضيق هرمز باعتباره الخطر الأكبر والأكثر مباشرة على الاقتصاد العالمي.

سيناريو 150 و200 دولار

السبب الأساسي هو أن الخطر لم يعد نظرياً. فمضيق هرمز يمر عبره نحو خُمس تجارة النفط والغاز العالمية، ومع استمرار الاختناقات والهجمات على الملاحة والطاقة، بدأت الأسواق تدخل مرحلة مختلفة: مرحلة النقص المادي الفعلي، لا مجرد الخوف النفسي أو المضاربة. وكالة الطاقة الدولية حذرت، الأربعاء، من أن خسائر الإمدادات في أبريل (نيسان) قد تتضاعف مقارنة بمارس، بعدما كان الشهر الماضي يستفيد جزئياً من شحنات كانت قد غادرت قبل تفاقم الأزمة.

هذا يعني أن الأثر الحقيقي قد يكون مؤجلاً لا غائباً. فحتى لو انخفض النفط لساعات أو أيام بفعل تصريحات سياسية، فإن نقص الديزل ووقود الطائرات وارتفاع تكلفة النقل قد يواصلان الضغط على الاقتصاد. لذلك فإن الحديث عن 150 دولاراً لم يعد يُقرأ بوصفه تهويلاً إعلامياً فقط، فيما يبدو سيناريو 200 دولار مرتبطاً خصوصاً باستمرار إغلاق هرمز أو بتوسع الضربات على البنية التحتية للطاقة.

أسعار البنزين معروضة في محطة وقود تابعة لشركة «شل» في أوستن بتكساس (أ.ف.ب)

الخطط المطروحة

المؤكد حتى الآن أن إدارة ترمب لا تعلن خطة واحدة حاسمة، لكنها تبحث سلّة أدوات طوارئ. يشير تقرير «بوليتيكو» إلى بحث «صلاحيات طارئة إضافية» وإلى تنسيق عبر «المجلس الوطني لهيمنة الطاقة»، مع انخراط وزارات الدفاع والطاقة والتجارة والخارجية والداخلية في هذه المناقشات. كما ينقل أن مسؤولين في البيت الأبيض يدرسون كل فكرة يمكن أن تخفف أسعار الطاقة أو تحد من اضطراب سلاسل التوريد.

وعلى المستوى الدولي، تبدو الخيارات الأكثر واقعية هي السحب الإضافي من الاحتياطات الاستراتيجية، وهو أمر قالت وكالة الطاقة الدولية إنها تدرسه بعد سحب قياسي سابق بلغ 400 مليون برميل.

كما يجري الحديث في بعض الدوائر عن إجراءات لخفض الطلب، لا العرض فقط، مثل تشجيع العمل عن بُعد أو تدابير ترشيد استهلاك الوقود إذا تفاقمت الأزمة. لكن المشكلة أن هذه الأدوات تخفف الصدمة ولا تُنهيها، لأن العطب الأساسي يبقى في المرور عبر هرمز وفي سلامة منشآت الطاقة المتضررة.

أما الخيارات الأكثر حساسية سياسياً، مثل تقييد الصادرات النفطية الأميركية لخفض الأسعار المحلية، فهي تظل مثار قلق داخل قطاع الطاقة نفسه، لأنها قد تربك السوق أكثر مما تعالجها. كذلك فإن زيادة الإنتاج الأميركي ليست وصفة سريعة؛ فالولايات المتحدة منتج ضخم فعلاً، لكن توسيع الإمداد بسرعة يواجه قيوداً لوجيستية وتكريرية وسوقية. لهذا تبدو واشنطن، في الجوهر، قادرة على شراء الوقت أكثر من قدرتها على فرض عودة فورية إلى «الوضع الطبيعي».

سفينة شحن ترفع العلم الهندي حاملةً غاز البترول المسال عبر مضيق هرمز لدى وصولها إلى ميناء مومباي (إ.ب.أ)

التداعيات المحتملة

في الداخل الأميركي، الخطر السياسي يوازي الخطر الاقتصادي. فمتوسط البنزين تجاوز 4 دولارات للغالون، وأي قفزة جديدة ستتحول سريعاً إلى عبء على الأسر، خصوصاً الفئات الأفقر، عبر الوقود والنقل وأسعار السلع. وهذا ما يجعل صدمة النفط أشبه بـ«ضريبة» واسعة النطاق على الاستهلاك، تستنزف الدخل المتاح وتضغط على شعبية البيت الأبيض والجمهوريين قبل انتخابات التجديد النصفي.

أمّا خارجياً، فالتداعيات أوسع. أوروبا تستعد لاستقبال آثار نقص الإمدادات خلال أبريل ومايو (أيار)، وآسيا تعاني أصلاً شحاً في وقود الطائرات والديزل والغاز النفطي المسال. وقد حذرت وكالة الطاقة الدولية من أن الأزمة الراهنة قد تتجاوز، من حيث الحجم والتشابك، صدمات طاقة كبرى سابقة، بينما خفضت مؤسسات اقتصادية توقعات النمو في أوروبا بسبب التضخم وتكلفة الطاقة. بعبارة أخرى، لا يهدد نفط الـ150 دولاراً أو الـ200 دولار جيوب المستهلكين فقط، بل يهدد أيضاً النمو، والتضخم، وأسعار الفائدة، واستقرار الأسواق.

لهذا يمكن القول إن لدى إدارة ترمب «خططاً» بالمعنى الإجرائي، لا «حلّاً» بالمعنى الاستراتيجي. هناك أدوات طوارئ، واحتياطات يمكن السحب منها، ومناقشات مستمرة لاحتواء الأسعار. لكن نجاح هذه الأدوات يبقى رهناً بالمتغير الأهم: هل ينتهي القتال فعلاً؟ وهل يُفتح مضيق هرمز بصورة آمنة ومستقرة؟ إذا كان الجواب نعم، فقد يبقى سيناريو 150 أو 200 دولار مجرد كابوس استباقي. أما إذا طال أمد الحرب أو استمر تعطيل الملاحة، فإن البيت الأبيض قد يجد نفسه أمام حقيقة قاسية: الانتصار العسكري وحده لا يكفي إذا كان ثمنه صدمة نفطية عالمية.


مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
TT

مخزونات النفط الأميركية تقفز بـ5.5 مليون برميل وتدفع الأسعار إلى التراجع

منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)
منصة حفر جنوب ميدلاند بتكساس (رويترز)

أظهرت بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية الصادرة الأربعاء، زيادة غير متوقعة وكبيرة في مخزونات النفط الخام بالولايات المتحدة خلال الأسبوع الماضي، في حين سجلت مخزونات البنزين والمشتقات النفطية تراجعاً ملحوظاً.

وقفزت مخزونات الخام بمقدار 5.5 مليون برميل لتصل إلى 461.6 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 27 مارس (آذار)، وهو رقم تجاوز بكثير توقعات المحللين في استطلاع «رويترز» التي كانت تشير إلى زيادة متواضعة قدرها 814 ألف برميل فقط. كما ارتفعت المخزونات في مركز التسليم الرئيسي في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بنحو 520 ألف برميل.

وحافظت أسعار النفط على خسائرها المسجلة في وقت سابق من الجلسة عقب صدور هذه البيانات؛ حيث تراجع خام برنت العالمي إلى 101.85 دولار للبرميل (بانخفاض قدره 2.12 دولار)، بينما هبط خام غرب تكساس الوسيط الأميركي إلى 99.32 دولار للبرميل (بانخفاض 2.06 دولار).

نشاط المصافي والمشتقات

سجل التقرير انخفاضاً في عمليات تكرير الخام بنحو 219 ألف برميل يومياً، مع تراجع معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.8 في المائة. وفيما يخص المنتجات النهائية:

  • البنزين: تراجعت المخزونات بمقدار 0.6 مليون برميل لتصل إلى 240.9 مليون برميل.
  • المشتقات (الديزل وزيت التدفئة): سجلت انخفاضاً أكبر من المتوقع بمقدار 2.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجع طفيف قدره 0.6 مليون برميل فقط.

كما أشار التقرير إلى انخفاض صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام بمقدار 209 آلاف برميل يومياً خلال الأسبوع الماضي.