ثوماروكودي: لا تنمية مستدامة ولا أمن غذائي دون استصلاح الأراضي

مدير «المبادرة العالمية لمجموعة الـ20» تحدث لـ«الشرق الأوسط» في يوم البيئة

مدير مبادرة مجموعة العشرين للحد من تدهور الأراضي (الشرق الأوسط)
مدير مبادرة مجموعة العشرين للحد من تدهور الأراضي (الشرق الأوسط)
TT
20

ثوماروكودي: لا تنمية مستدامة ولا أمن غذائي دون استصلاح الأراضي

مدير مبادرة مجموعة العشرين للحد من تدهور الأراضي (الشرق الأوسط)
مدير مبادرة مجموعة العشرين للحد من تدهور الأراضي (الشرق الأوسط)

أربعة أعوام مرت على إطلاق «المبادرة العالمية للحد من تدهور الأراضي والحفاظ على الموائل الفطرية البرية» من الرياض خلال ترؤسها مجموعة العشرين في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2020. وهي مبادرة تستهدف تحقيق خفض بنسبة 50 في المائة في الأراضي المتدهورة بحلول عام 2040، سيما وأن تلك الظاهرة البيئية تُهدد حياة الملايين من الناس وتعيق التنمية المستدامة. فبيانات بيانات الأمم المتحدة للتصحر تشير إلى أن أكثر من ملياري هكتار من أراضي العالم متدهورة، مما يؤثر على نصف سكان العالم. وتحذر المنظمة الدولية من أنه إذا استمرت الاتجاهات الحالية، سيحتاج العالم إلى استعادة 1.5 مليار هكتار من الأراضي المتدهورة بحلول عام 2030 للوصول إلى أهداف التنمية المستدامة المنصوص عليها في أهداف التنمية المستدامة.

من هنا كان شعار اليوم العالمي للبيئة لعام 2024 في الرياض في الخامس من يونيو (حزيران) الحالي، التركيز على إصلاح الأراضي والتصحر ومقاومة الجفاف لاستعادة الكوكب. وهو ليس الحدث الوحيد الذي يتناول بعمق مكافحة التصحر واستصلاح الأراضي، حيث تعقد الدورة السادسة عشرة لمؤتمر أطراف الاتفاقية (كوب 16) في الرياض في ديسمبر (كانون الأول) المقبل والذي يعدّ أكبر مؤتمر للأمم المتحدة لحماية الأراضي ومكافحة التصحر.

«عمل المبادرة العالمية لاستصلاح الأراضي له تأثير على أهداف التنمية المستدامة المتعددة، خصوصاً للمنطقة العربية التي تعاني من قدر كبير من تدهور الأراضي وتواجه أيضاً تحديات الأمن الغذائي وغيرها»، يقول لـ«الشرق الأوسط» مدير مبادرة مجموعة العشرين للحد من تدهور الأراضي باتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (والمختصرة بمبادرة الأراضي العالمية لمجموعة العشرين)، الدكتور مورالي ثوماروكودي، مشيراً إلى أن التحدي الكبير لمواجهة هذه الظاهرة هو في توفر التمويل والموارد والمال والخبرة الفنية.

ثوماروكودي الموجود في الرياض للمشاركة في العديد من النشاطات والندوات البيئية التي تنظم لمناسبة اليوم العالمي للبيئة، يشرح لـ«الشرق الأوسط» ما أنجز من هذه المبادرة، والتحديات التي تواجهها. فكان الحوار الآتي:

*كيف تساهم مبادرة الأراضي العالمية لـمجموعة العشرين في تحقيق أهداف التنمية المستدامة المتعلقة بالبيئة، خصوصاً في الدول العربية؟

بما أن الهدف يتمثل بخفض 50 في المائة من الأراضي المتدهورة عالمياً بحلول 2040، فإن استصلاح الأراضي هو محور المبادرة، بالإضافة إلى العديد من أهداف التنمية المستدامة، وعلى سبيل المثال حماية البيئة، والقضاء على الجوع، وذلك من خلال الطعام الذي نحصل عليه من الأرض.

تأتي 95 في المائة من جميع الأطعمة و99 في المائة من السعرات الحرارية التي يتم تناولها من الأرض. وبالتالي، فإن عمل المبادرة العالمية لاستصلاح الأراضي له تأثير على أهداف التنمية المستدامة المتعددة، خاصة للمنطقة العربية، التي تعاني من قدر كبير من تدهور الأراضي، وتواجه أيضاً تحديات الأمن الغذائي وغيرها. لذلك، عندما نستصلح الأراضي لن تحسنها فحسب، بل ستساهم أيضاً في الأمن الغذائي وأهداف التنمية المستدامة الأخرى.

*ما الاستراتيجيات المحددة التي تنتهجها المبادرة لمكافحة التصحر وتحقيق الاستدامة البيئية في المناطق الأكثر تضرراً؟

لدينا استراتيجية غنية بالتفاصيل، تتضمن تبادل أفضل الممارسات، بغض النظر عن التحديات التي تواجهها المنطقة العربية. وجلب أفضل الممارسات يمثل العنصر الأول، سواء كانت المشاركة من أجزاء أخرى من العالم أو في المنطقة.

كما تضم الاستراتيجية عنصر بناء القدرات لتحقيق استصلاح الأراضي. لذلك هناك برنامج في المبادرة لتدريب الأشخاص، والشباب، والخبراء، ونحن ننقل هذا البرنامج إلى المنطقة العربية.

كذلك، نعمل مع القطاع الخاص؛ لأن بإمكانه أن يلعب دوراً كبيراً في تحقيق استصلاح الأراضي. ونحن نعمل مع المجتمعات المحلية في كل عنصر من الاستراتيجية سواء في مجال المشاركة، أو بناء القدرات، أو تشجيع القطاع الخاص، أو التواصل مع المجتمع، وذلك لأن جزءاً كبيراً من الأراضي محمي ومُدار من قبل هذه المجتمعات. وندعم التنمية بشكل فعال في كل هذه المجالات.

*ما الدور الذي تلعبه السعودية في دعم وتنسيق جهود المبادرة؟ وكيف يمكن للدول الأخرى المشاركة بفاعلية؟

كانت المملكة هي التي بادرت بالفكرة الكاملة لهذه المبادرة تحت الرئاسة السعودية لـمجموعة العشرين؛ إذ تمكنت خلال اجتماع وزراء البيئة من إقناع الأعضاء الآخرين بوضع استصلاح الأراضي على رأس جدول الأعمال. ونتيجة لذلك، وافقت دول أخرى عليها وتعهدت بالمساهمة من خلال توفير الخبرة الفنية وتقديم الدعم والحوكمة لهذه المبادرة. لذلك، أصبحت الآن مبادرة عالمية حقيقية للأراضي.

تلعب السعودية دوراً قيادياً للغاية في مجال استصلاح الأراضي، ليس فقط داخل المملكة، ولكن أيضاً على مستوى الشرق الأوسط.

وأعتقد أن الدور الأكبر الذي تلعبه السعودية هو إبراز قضية تدهور الأراضي إلى صدارة النقاش العالمي في كل منتدى، كما سيُعقد مؤتمر أطراف اتفاقية مكافحة التصحر (COP 16)، في ديسمبر (كانون الأول) المقبل، في الرياض، لذا، نحن ممتنون للغاية لحكومة المملكة على دفعها بقضية الأراضي إلى صميم النقاش العالمي الراهن.

التركيز على إصلاح الأراضي والتصحر ومقاومة الجفاف شعار اليوم العالمي للبيئة الذي تستضيفه الرياض (موقع المبادرة الخضراء)
التركيز على إصلاح الأراضي والتصحر ومقاومة الجفاف شعار اليوم العالمي للبيئة الذي تستضيفه الرياض (موقع المبادرة الخضراء)

*ما التحديات الرئيسية التي تواجه تنفيذ مبادرة الأراضي العالمية لـمجموعة العشرين في الدول النامية؟ وكيف يتم التغلب عليها؟

عند تحديد التحديات الرئيسية كانت هناك ستة عناصر هي: أولاً عدم وجود تشريعات وطنية أو المزيد من استصلاح الأراضي، وثانياً حيازة الأراضي على الأرض لتكون الأفضل، وثالثاً يتعلق بالتمويل اللازم لاستصلاح الأراضي، ورابعاً الخبرة الفنية المحتملة اللازمة لأفضل حال، وخامساً المؤسسات اللازمة للترميم، وسادساً حول القطاع الخاص... وليس بالضرورة أن تواجه كل دولة كل المشاكل. ولكن في البلدان النامية على وجه الخصوص، فإن توفّر التمويل والموارد والمال والخبرة الفنية يمثل تحدياً كبيراً. وهذا هو المكان الذي يمكن للدول العربية أن تلعب فيه دوراً في توجيه كل من المعرفة الفنية والموارد المالية لتحقيق استصلاح الأراضي.

*كيف تتعامل المبادرة مع تأثيرات التغير المناخي على التصحر وتدهور الأراضي، وما الحلول المستدامة المقدمة في هذا السياق؟

تلعب الأراضي دوراً مزدوجاً، حيث يمكن أن تساهم في تغير المناخ، وفي الوقت نفسه، يمكن أن تخفف من حدته. وفي استراتيجيتنا، نحن نروج لاستصلاح الأراضي بكل الوسائل، بما في ذلك استعادة الغطاء النباتي للتربة والتشريعات والتنوع النباتي والمادة العضوية في التربة، وكل ذلك يساهم في الحد من تغير المناخ.

كما يمكن للأراضي أيضاً أن تكون مكاناً لتخزين الكربون من خلال التشجير أو عن طريق امتصاصه بالتربة.

*ما النتائج الملموسة التي حققتها المبادرة حتى الآن؟ وما الأهداف المستقبلية المرجوة؟

لقد أنشأنا بالفعل قاعدة بيانات عالمية لاستصلاح الأراضي، وهي تجميع لأفضل الممارسات المتاحة حول تدهور الأراضي على مستوى العالم. ستتضمن هذه القاعدة المعلومات من جميع المصادر العامة المتاحة وجميع اللغات الممكنة.

وبدأنا في تدريب المئات من الخبراء حول العالم على مختلف موضوعات الأراضي، في مجالات متنوعة مثل استصلاح مناطق التعدين، واستعادة الغطاء النباتي باستخدام التقنية الحيوية الزراعية، واستخدام المعلومات الجغرافية المكانية لإدارة الأراضي.

علاوة على ذلك، قمنا بتعزيز برنامج أكاديمي عالمي للزراعة المستدامة واستصلاح الأراضي. وأخيراً، وضعنا برنامجاً للشباب لتمكينهم من استخدام الأراضي منصةً لبناء أعمال تجارية ناشئة، وذلك ليس فقط لتوفير فرص عمل لأنفسهم، ولكن أيضاً لتوفير فرص عمل للآخرين، مع تحقيق الفائدة للطبيعة في الوقت نفسه، وهذه جميعها إنجازات حققناها بالفعل.

أما المرحلة التالية لنا، فهي بالطبع توسيع نطاق كل شيء. لذلك، نستهدف الوصول إلى عشرات الآلاف من الأشخاص، وتدريب مليون شخص من الجامعة، وتشجيع 10 آلاف شخص على بدء أعمال تجارية.

وهناك عدد كبير جداً من الشباب في المنطقة يبحثون عن وظائف وفرص عمل، لذلك نريد أن نخبرهم بأن تدهور الأراضي ليس فقط أزمة بيئية، ولكنه أيضاً فرصة اقتصادية ضخمة لتغيير هذا الوضع.

ونريد أيضاً تدريب الجيل الجديد من الطلاب الصغار في مدارسهم الخاصة على استصلاح الأراضي وزرع شبكة حب للطبيعة؛ إذ نستهدف إنشاء شبكة في نحو 10 ملايين مدرسة في العالم، ولدينا مختبر افتراضي يتعلم فيه الأطفال عن تدهور الأراضي ويمارسون عمليات الاستصلاح، لأنه عندما يهتم كل طالب في الشرق الأوسط بهذه القضية فسيتغير الوضع تماماً.

*كيف يمكن للقطاع الخاص والمجتمع المدني المساهمة في دعم أهداف مبادرة مجموعة العشرين للأرض؟

هناك طريقتان رئيسيتان يمكن للقطاع الخاص من خلالهما المساهمة في تحقيق استصلاح الأراضي، تُعنى الأولى بتقديم الموارد المالية لدعم مبادرات استصلاح الأراضي، وتطبيق أفضل الممارسات في التشجير والزراعة والتعدين، والتي من شأنها تقليل تدهور الأراضي.

ومع ذلك، نعتقد أن الفرصة الأكثر جاذبية للقطاع الخاص تكمن في رؤية استصلاح الأراضي فرصةً تجارية؛ إذ تبحث مئات الشركات حول العالم عن خبراء لتنفيذ مشاريع الاستصلاح.

وهدفنا هو تشجيع القطاع الخاص على رؤية هذا المجال فرصةً تجارية مربحة، والبدء في الانخراط في مشاريع الاستصلاح.

إن المبادرات الخضراء، مثل المبادرة الخضراء للشرق الأوسط والمبادرة العالمية لاستصلاح الأراضي، جميعها تتطلب مشاركة عدد كبير من الجهات الفاعلة في القطاع الخاص لتنفيذها بنجاح.

وبالانتقال إلى المجتمع المدني، نتصور دوره شريكاً فعالاً في تحقيق أهداف المبادرة العالمية لاستصلاح الأراضي، وذلك من خلال العمل بشكل مباشر على تنفيذ مشاريع استصلاح الأراضي على أرض الواقع، والمطالبة بالتشريعات الوطنية التي تدعم استصلاح الأراضي، وكذلك الدعوة إلى قيام المؤسسات التعليمية المحلية بإدراج تعليم استصلاح الأراضي ضمن مناهجها الدراسية.

*ما الأدوات والتقنيات الحديثة التي تعتمدها المبادرة في رصد ومتابعة تنفيذ البرامج والمشاريع المتعلقة بالأرض والتصحر؟

الهدف الأهم هو الاستفادة من تحليل الاستشعار عن بعد. وعلى المستوى العالمي، قمنا بإنشاء منصة جغرافية مكانية يمكننا من خلالها تحديد المناطق المتدهورة، حيث نستخدم الذكاء الاصطناعي لتحديد المناطق التي لديها إمكانية الاستصلاح.

لقد أكملنا للتو مشروعاً قمنا فيه بدراسة مناطق التعدين القديمة في جنوب أفريقيا باستخدام الذكاء الاصطناعي، وهذا يمهد الطريق لتحديد التقنيات التي يمكننا استخدامها للمضي قدماً، ونخطط أيضاً للعمل مع تقنيات مثل الروبوتات الصناعية وإنترنت الأشياء.

وفي بعض الحالات، يمكن تحقيق الاستصلاح الفعلي والمختبري على نطاق واسع باستخدام أدوات ميكانيكية أو روبوتية، خاصة في المناطق التي لا يعدّ العمل البشري فيها الخيار الأمثل.

*ما الخطط المستقبلية لتوسيع نطاق المبادرة لتشمل المزيد من الدول والمناطق المتضررة؟

حالياً، نقوم برسم خريطة عالمية تحدد الدول الأكثر تضرراً، وكذلك الدول التي قطعت بالفعل التزاماً بأولوية الأراضي. ونبحث عن المبادرات الموجودة بالفعل في المنطقة وأماكن أخرى لاستصلاح الأراضي. ومن خلال هذه الخريطة، سنحدد الدول التي يمكننا تقديم المساعدة لها، سواء كانت مساعدة مالية أو فنية أو دعوية، ومن ثم نركز جهودنا عليها.

ولكننا نرغب أيضاً في العمل مع الدول المختلفة التي تمتلك الموارد والخبرات لدعم الدول المحتاجة. لذلك، نسعى إلى أن نكون بمثابة منصة لمشاركة تلك المعارف والموارد.


مقالات ذات صلة

«ناسا»: مستويات سطح البحار ارتفعت أكثر من المتوقع عام 2024

بيئة تضاعف معدل ارتفاع مستوى سطح البحر على مدى 30 عاماً حيث ارتفع مستواه عالمياً بمقدار 10 سنتيمترات منذ بدء تسجيل بيانات ارتفاع المحيطات عبر الأقمار الاصطناعية في عام 1993 (رويترز)

«ناسا»: مستويات سطح البحار ارتفعت أكثر من المتوقع عام 2024

ارتفعت مستويات سطح البحار على مستوى العالم في عام 2024 أكثر من المتوقع بسبب التمدد الحراري لمياه البحار وذوبان الصفائح والأنهار الجليدية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ لي زيلدين مدير وكالة حماية البيئة الأميركية حالياً يظهر أمام لجنة البيئة والأشغال العامة في مجلس الشيوخ الأميركي في مبنى الكابيتول واشنطن 16 يناير 2025 (إ.ب.أ)

وكالة الحماية البيئة الأميركية تلغي منحاً بقيمة 20 مليار دولار

ألغت وكالة حماية البيئة الأميركية اتفاقيات مِنح تعود إلى فترة الرئيس الأميركي السابق جو بايدن قيمتها 20 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق تستهدف السعودية زراعة أكثر من 100 مليون شجرة مانجروف (واس)

المانجروف والسواحل السعودية... جهود متواصلة لزراعة 100 مليون شجرة

برزت عدة حملات لزراعة أكثر من 10 آلاف شتلة على سواحل 5 مناطق في السعودية، تزامناً مع اليوم العالمي للأراضي الرطبة، بمشاركة لافتة من قبل المتطوعين.

غازي الحارثي (الرياض)
يوميات الشرق اهتمام كبير بالنمر العربي للحفاظ عليه من الانقراض (الشرق الأوسط)

فعاليات ومبادرات سعودية احتفاءً باليوم العالمي لـ«النمر العربي»

احتفت الهيئة الملكية لمحافظة العُلا باليوم العالمي للنمر العربي، الذي يوافق 10 فبراير من كل عام، إذ نظمت العديد من الفعاليات والمبادرات المجتمعية.

«الشرق الأوسط» (العلا)
يوميات الشرق أحد الثعابين التي نقلتها شركة «نقل الزواحف» في سيدني من منزل (صفحة الشركة عبر فيسبوك)

رجل يعثر على 102 ثعبان أسود سام في حديقة منزله بسيدني

قال رجل من مدينة سيدني الأسترالية إنه كان «مندهشاً تماماً» عندما أمسك صائدو الثعابين بأكثر من 102 ثعبان سام من فناء منزله الخلفي.

«الشرق الأوسط» (سيدني)

العالم يبحث عن ردود على «هجوم ترمب التجاري»

رجل يقرأ صحيفة «ذي إيكونوميك تايمز» خارج مقر البورصة الهندية (رويترز)
رجل يقرأ صحيفة «ذي إيكونوميك تايمز» خارج مقر البورصة الهندية (رويترز)
TT
20

العالم يبحث عن ردود على «هجوم ترمب التجاري»

رجل يقرأ صحيفة «ذي إيكونوميك تايمز» خارج مقر البورصة الهندية (رويترز)
رجل يقرأ صحيفة «ذي إيكونوميك تايمز» خارج مقر البورصة الهندية (رويترز)

وسط بحث عن طرق الرد، دعا شركاء الولايات المتحدة التجاريون الأساسيون إلى الحوار غداة الهجوم التجاري الضخم الذي شنه الرئيس دونالد ترمب وأدى إلى انخفاض البورصات العالمية وإثارة مخاوف من عواقب وخيمة على الاقتصاد العالمي.

وبينما دعا أغلب زعماء العالم للحوار مع الولايات المتحدة بحثا عن مخارج للمأزق الجديد، تحرك البعض بإجراءات دفاعية شملت فرض رسوم انتقامية وتحريك دعوى أمام منظمة التجارة العالمية من الصين.

سفينة حاويات عملاقة تابعة لـ«كوسكو» الصينية في ميناء لونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)
سفينة حاويات عملاقة تابعة لـ«كوسكو» الصينية في ميناء لونغ بيتش بولاية كاليفورنيا الأميركية (أ.ف.ب)

رد انتقامي وتكتلات جديدة

وقالت وزارة المالية الصينية يوم الجمعة إنها ستفرض رسوما جمركية إضافية بنسبة 34 في المائة على جميع السلع الأميركية اعتبارا من 10 أبريل (نيسان) ردا على الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

كما أعلنت بكين عن ضوابط على صادرات المعادن الأرضية النادرة المتوسطة والثقيلة إلى الولايات المتحدة اعتبارا من الرابع من أبريل. وقالت وزارة التجارة في بيان: «الهدف من تطبيق الحكومة الصينية لضوابط تصدير المواد ذات الصلة وفقا للقانون هو حماية الأمن القومي والمصالح الوطنية بشكل أفضل، والوفاء بالتزامات دولية».

كما أضافت بكين 11 كيانا إلى قائمة «الكيانات غير الموثوقة»، ما يسمح لها باتخاذ إجراءات عقابية ضد كيانات أجنبية. وفي ذات الوقت، أكدت بكين أنها رفعت شكوى أمام منظمة التجارة العالمية ضد الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة على صادراتها. وأوضحت وزارة التجارة في بيان أن «الصين رفعت شكوى بموجب آلية تسوية النزاعات في منظمة التجارة العالمية» أمام هذه الهيئة.

وفي غضون ذلك، نقلت وسائل إعلام حكومية يوم الجمعة عن نائب وزير التجارة الصيني لينغ جي القول، في لقاء مع مسؤولين مجريين، إن بلاده مستعدة للعمل مع الاتحاد الأوروبي من أجل الحفاظ على نظام تجاري متعدد الأطراف قائم على القواعد وتعزيز الثقة في التجارة العالمية بعد الرسوم الجمركية الأميركية.

وقال لينغ في اجتماع للجنة الاقتصادية المشتركة بين الصين والمجر في بودابست إن الصين مستعدة للعمل مع التكتل للتصدي بشكل حاسم لسياسات الحماية الاقتصادية والتصرف بأحادية.

رجل على دراجة في أحد شوارع العاصمة الروسية موسكو (إ.ب.أ)
رجل على دراجة في أحد شوارع العاصمة الروسية موسكو (إ.ب.أ)

إجراءات حماية

ومن جهة أخرى، قال الكرملين يوم الجمعة إن على روسيا اتخاذ إجراءات إضافية للتقليل من الأثر السلبي لاضطرابات الأسواق العالمية على اقتصادها بعد فرض الرئيس الأميركي رسوما جمركية جديدة. وأضاف دميتري بيسكوف المتحدث باسم الكرملين أن الاقتصاد الروسي لا يزال على قوته بفضل الإجراءات التي تتخذها الحكومة.

شاحنات تعبر جسر «بلو ووتر» بين كندا والولايات المتحدة (أ.ف.ب)
شاحنات تعبر جسر «بلو ووتر» بين كندا والولايات المتحدة (أ.ف.ب)

تغيير الاتجاه

ومن جانبها، قالت ميلاني جولي وزيرة الخارجية الكندية يوم الجمعة إن العلاقات مع الولايات المتحدة لن تعود أبدا لسابق عهدها بعد أن أعلن ترمب فرض رسوم جمركية جديدة واسعة يوم الأربعاء، مضيفة أن بلادها تمارس أقصى قدر من الضغط على إدارة ترمب، وأن كندا تعتزم تحويل اتجاهها إلى أوروبا وآسيا لإيجاد أسواق جديدة.

وذكرت وزيرة الخارجية الكندية أن «السؤال هو حجم رأس المال السياسي الذي يرغب الرئيس ترمب في إنفاقه على الركود، لأننا نعرف أن هذه الرسوم سوف تضر الاقتصاد، ونعرف أن كل هذا الغموض التجاري سوف يؤثر في نهاية المطاف على عادات المستهلك، وفي الوقت ذاته على مناخ الاستثمار». وأضافت: «نعرف أنه يتعين علينا تغيير الاتجاه، وهذا هو ما سنفعله».

وكانت كندا قد ردت على بدء تطبيق قرار ترمب فرض رسوم بنسبة 25 في المائة على السيارات المستوردة، بفرض رسوم مضادة على بعض وارداتها من السيارات من الولايات المتحدة.

وصرح رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يوم الخميس بأن أوتاوا ستفرض رسوما بنسبة 25 في المائة على كل وارداتها من السيارات الأميركية التي لا يتم إنتاجها وفقا لاتفاق تجارة أميركا الشمالية الذي يضم المكسيك وكندا والولايات المتحدة. وأضاف كارني أن الولايات المتحدة لم تعد شريكا وديا لكندا وأن بلاده ستدافع عن مصالحها وسيادتها.

رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا في مؤتمر صحافي بالعاصمة طوكيو (أ.ف.ب)

«أزمة وطنية»

من جانبه، أعلن رئيس الوزراء الياباني شيغيرو إيشيبا الجمعة أن الرسوم الجمركية التي فرضتها واشنطن على المنتجات اليابانية بنسبة 24 في المائة تشكل «أزمة وطنية» للأرخبيل الذي يعتمد بشكل كبير على الصادرات إلى الولايات المتحدة.

وقال إيشيبا أمام البرلمان إن هذه الرسوم الجمركية الإضافية «يمكن وصفها بأنها أزمة وطنية»، مشيرا إلى أن «الحكومة تبذل قصارى جهدها مع جميع الأطراف المعنيين»... لكن إيشيبا حضّ على اعتماد مقاربة «هادئة» حيال المفاوضات مع إدارة ترمب التي فرضت أيضا رسوما بنسبة 25 في المائة على صادرات السيارات، دخلت حيز التطبيق هذا الأسبوع.

ونقلت «بلومبرغ» عن إيشيبا قوله: «ندرس أكثر الخطوات فعالية، مثل فرض رسوم انتقامية أو اللجوء إلى منظمة التجارة العالمية»، مضيفا أنه لا يفهم الأساس الذي استندت إليه واشنطن في احتساب الرسوم الجمركية على اليابان.

وكان رئيس الحكومة اليابانية دعا وزراءه الخميس إلى أن «يدرسوا من كثب» التعريفات الجديدة و«يتخذوا كل الإجراءات الضرورية بما يشمل الدعم التمويلي» للصناعات المحلية وحماية الوظائف، بحسب ما أفاد الناطق باسم الحكومة يوشيماسا هاياشي الصحافيين، والذي أشار إلى أن رئيس الوزراء سيعقد الجمعة اجتماعا مع قادة الأحزاب السياسية، بما فيها المعارضة، للتداول بشأن سبل مواجهة الإجراءات الأميركية الجديدة.

وجدد هاياشي موقف اليابان بأن الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب «مؤسفة للغاية»، وأن لطوكيو «مخاوف جدية» مما إذا كانت تتوافق مع قواعد منظمة التجارة العالمية والاتفاقات التجارية المتبادلة مع واشنطن.

وصرّح محافظ بنك اليابان، كازو أويدا، يوم الجمعة، بأن البنك المركزي سيدرس بدقة تأثير الرسوم الجمركية الأميركية على اقتصاد البلاد عند وضع السياسة النقدية، محذراً من أن الرسوم المرتفعة ستؤثر على الأرجح على النمو الاقتصادي العالمي والمحلي.

وإلى جانب التأثير المباشر على التجارة العالمية، فإن رسوم ترمب الجمركية، المحددة بنسبة 24 في المائة على السلع اليابانية، قد تؤثر على معنويات الشركات وتحركات السوق من خلال زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، وفقاً لتصريح أويدا.

وفي مسعى لحلحلة الأزمة على ما يبدو، اتفقت اليابان وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة على تعزيز تعاونها في مجال الطاقة، مدعوماً بمصادر الغاز الطبيعي المسال الأميركي، وفقاً لبيان مشترك صادر عن وزراء خارجية الدول الثلاث يوم الجمعة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى إعلانه الرسوم الجمركية الجديدة في حديقة البيت الأبيض مساء الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى إعلانه الرسوم الجمركية الجديدة في حديقة البيت الأبيض مساء الأربعاء (رويترز)

إساءة استخدام السلطة

وفي سياق مواز، رفعت منظمة «تحالف الحريات المدنية الجديدة»، وهي جماعة قانونية محافظة، يوم الخميس، ما وصفته بأول دعوى قضائية تسعى إلى منع فرض دونالد ترمب رسوماً جمركية على الواردات الصينية، قائلةً إن الرئيس الأميركي تجاوز صلاحياته.

وتزعم الدعوى، المرفوعة أمام محكمة اتحادية في فلوريدا، أن ترمب يفتقر إلى السلطة القانونية لفرض الرسوم الجمركية الشاملة التي كُشف عنها يوم الأربعاء، بالإضافة إلى الرسوم الجمركية التي أُقرت في الأول من فبراير (شباط)، بموجب قانون الصلاحيات الاقتصادية الطارئة الدولية.

وقال أندرو موريس، كبير مستشاري التقاضي في «تحالف الحريات المدنية الجديدة»، في بيان: «باستخدامه سلطة الطوارئ لفرض رسوم جمركية شاملة على الواردات من الصين لا يجيزها القانون، أساء الرئيس ترمب استخدام هذه السلطة، وانتهك حق الكونغرس في التحكم في الرسوم الجمركية، وأخلّ بمبدأ الفصل بين السلطات الذي يكفله الدستور».

وتطلب الدعوى من القاضي وقف تطبيق الرسوم الجمركية وإنفاذها، وإلغاء تغييرات ترمب على جدول الرسوم الجمركية الأميركية. وتنص الدعوى على أن الرؤساء لا يمكنهم فرض الرسوم الجمركية إلا بإذن من الكونغرس، وبموجب قوانين تجارية معقدة تحدد كيفية وتوقيت التصريح بها.

وتقول الدعوى: «تتطلب هذه القوانين تحقيقات مسبقة، ونتائج واقعية مفصلة، ​​وتوافقاً وثيقاً بين السلطة التشريعية ونطاق الرسوم الجمركية». وأضافت الدعوى أن القانون الذي استند إليه ترمب لم يُستخدم قط لفرض الرسوم الجمركية، ولا يسمح للرؤساء إلا باتخاذ الإجراءات اللازمة لمعالجة حالة طوارئ محددة.

وأعلن ترمب حالة الطوارئ بسبب مزاعم تواطؤ الصين في وباء المواد الأفيونية في الولايات المتحدة، واصفاً الرسوم الجمركية بأنها أداة تفاوضية لوقف تدفق هذه المخدرات القاتلة. وتقول الدعوى القضائية إن هذا التبرير هو ذريعة لفرض رسوم جمركية تهدف إلى خفض العجز التجاري الأميركي مع زيادة الإيرادات الضريبية.

سفينة شحن مليئة بالحاويات تغادر ميناء باسير بانجانغ في سنغافورة (أ.ف.ب)
سفينة شحن مليئة بالحاويات تغادر ميناء باسير بانجانغ في سنغافورة (أ.ف.ب)

مساع للتفاوض

من جانبه، قال وزير التجارة التركي عمر بولات يوم الجمعة إن تركيا ترغب في التفاوض مع الولايات المتحدة لإزالة الرسوم الجمركية الإضافية البالغة عشرة في المائة التي أعلنها الرئيس دونالد ترمب.

وأضاف بولات أن هذه الرسوم «هي الأفضل من بين الأسوأ»؛ بالنظر إلى فرضها بنسب أعلى على العديد من الدول الأخرى. وأوضح في بيان: «نريد مناقشة هذه المسألة في مفاوضات مع وزارة التجارة الأميركية وممثلها التجاري... نظرا لوجود فائض قدره 2.4 مليار دولار لصالح الولايات المتحدة في الميزان التجاري بين البلدين لعام 2024».

غير مبررة

وفي غضون ذلك، قال وزير مالية تشيلي ماريو مارسيل إن رسوم ترمب الجمركية «غير مبررة»، محذرا من أنها ستكون «صدمة للاقتصاد العالمي».

وقال مارسيل إن الرسوم الجمركية التي تبلغ نسبتها 10 في المائة المفروضة على دولته سيكون لها تأثير «محدود»، لأن الضرائب لا تنطبق على أهم صادرات تشيلي- الخشب والنحاس. ومع ذلك، قال إن الرسوم الجمركية قد تؤثر على القدرة التنافسية للإنتاج الزراعي في تشيلي.

ويشار إلى أن الولايات المتحدة تعتبر ثاني أكبر شريك تجاري لتشيلي بعد الصين. وقال مارسيل للصحافيين: «إنه وضع يجب أن نواجهه بهدوء وذكاء».

حاويات على قطارات في ميناء لوس أنجليس الأميركي (أ.ف.ب)
حاويات على قطارات في ميناء لوس أنجليس الأميركي (أ.ف.ب)

محاولات للمواءمة

وفي محاولة للمواءمة مع الوضع الجديد، تعتزم شركة «جي بي سي» البريطانية لمعدات البناء مضاعفة مساحة مصنعها الجديد في ولاية تكساس الأميركية بهدف تعزيز حجم الإنتاج في الولايات المتحدة وتقليل آثار الرسوم الجمركية الجديدة التي أعلنها ترمب.

وكانت «جي بي سي»، وهي من أكبر الشركات الخاصة في بريطانيا، وتعمل في مجال تصنيع معدات البناء والزراعة مثل الحفارات والجرارات، تعتزم بناء مصنع جديد على مساحة 500 ألف قدم مربع في مدينة سان أنطونيو.

وأعلنت الشركة يوم الجمعة بعد إعلان فرض رسوم جمركية بنسبة 10 في المائة على الواردات البريطانية للولايات المتحدة، أنها تعتزم الآن مضاعفة مساحة المصنع الجديد إلى مليون قدم مربع.

ونقلت «بلومبرغ» عن رئيس الشركة أنطوني بامفورد قوله: «لقد حفزنا الرئيس ترمب لتقييم كيف يمكننا صناعة مزيد من المنتجات في الولايات المتحدة، التي ظلت تمثل سوقا مهمة للشركة منذ بيع أول معداتنا في السوق الأميركية عام 1964».