رئيس «الدرعية للتطوير»: ماضون في تنفيذ خططنا ونتطلع لوجهة سياحية عالمية

سعد أكد لـ سعي الشركة للمساهمة في الناتج المحلي السعودي بـ18.6 مليار دولار بحلول 2030

أحد مشاريع الدرعية (الشرق الأوسط)
أحد مشاريع الدرعية (الشرق الأوسط)
TT

رئيس «الدرعية للتطوير»: ماضون في تنفيذ خططنا ونتطلع لوجهة سياحية عالمية

أحد مشاريع الدرعية (الشرق الأوسط)
أحد مشاريع الدرعية (الشرق الأوسط)

يُتوقع أن يساهم المشروع في إيجاد نحو 178 ألف وظيفة مباشرة

شدَّد رئيس شركة «الدرعية للتطوير» محمد سعد، على أن الشركة تمضي بخطى ثابتة ومتقدمة، نحو تنفيذ خططها الرئيسة والشاملة، نحو إنشاء وجهة سياحية في منطقة الدرعية، شمال غربي العاصمة السعودية الرياض؛ حيث تتطلع لتكون ملتقى تجمع عالمي، على مساحة 14 كيلومتراً مربعاً، وتصبح موطناً للعيش والعمل والترفيه لنحو 100 ألف شخص، بحلول 2030.

وأوضح رئيس شركة «الدرعية للتطوير» في حديث إلى «الشرق الأوسط»، أن الشركة ستكون المطوِّر الذي يقف وراء خطة طموح لإنشاء ما سيكون فعلياً مدينة جديدة على هذه الأرض؛ حيث تتبع الشركة نموذجاً تطويرياً شاملاً، يضمن وجود البنية التحتية المناسبة، لدعم خطط التطوير العمراني التي تشمل الوحدات السكنية والمكاتب الإدارية والفنادق الجديدة والمراكز الفنية والثقافية ومناطق التسوق والنوادي والمطاعم والمقاهي، ذات المستوى العالمي.

وأكد أن كل ما سبق سيصب في صالح تحقيق أهداف «رؤية 2030»، وهو الدور الذي تلعبه شركة «الدرعية»، مما يساعد في خلق اقتصاد حيوي وأكثر تنوعاً في البلاد.

عوامل نجاح الاستراتيجية

ولفت سعد إلى أن وجود خطة رئيسية شاملة ومفصلة حول الاستراتيجية، يُعد أكبر وأهم عامل لإنجاح شركة تطوير مثل «الدرعية» التي تعمل على بناء مشروع بهذا الحجم والأهمية، وهذا بدوره يساعد على جذب نخبة من أمهر المهندسين المعماريين وشركات المقاولات ومزودي الخدمات العالميين؛ خصوصاً في مجال ممارسات البناء المستدامة، مما يساعد في تحقيق أهداف المشروع.

وشرح بأن «الدرعية» تعاقدت مع أكثر من 100 شريك دولي في مجالات مختلفة: «ونرحب دائماً بفتح باب التعاون المشترك، لا سيما أنه يُنظر إلى مشروعنا الآن بوصفه واحداً من أكثر المشاريع جاذبية في العالم».

وحول إمكانية بناء مدينة جديدة لإحياء أخرى تاريخية، وتعزيز وجودها بوصفها مركزاً ثقافياً، قال سعد: «ندرك تماماً المسؤولية الكبيرة الملقاة على عاتقنا، بوصفنا (المطور المسؤول) عن مشروع الدرعية، والحاجة إلى العمل وفق مخطط رئيسٍ مدروس، ونسعى إلى العمل على نهج فريد من نوعه، ندمج فيه الاحتفاء بالماضي، واحتضان الحاضر، والتطلع إلى مستقبل مزدهر».

وأضاف: «لا شك في أن الجانب الثقافي ونمط الحياة يلعبان دوراً مهماً في الدرعية، ولكن هذا مجرد جزء مما يعد مشروع تنمية حضرية أكبر بكثير ومتكاملاً... ولعل أحد أهم العناصر التي تميز مشروع الدرعية هو المباني والقصور التاريخية التي تحمل طابع التراث المعماري النجدي الذي يصل قِدم تاريخه إلى 300 عام».

الاستثمارات الرئيسية

وعن تخصيص استثمارات بقيمة 63.2 مليار دولار لمشروع الدرعية، قال: «لدينا استراتيجية استثمار شاملة تغطي جوانب التطوير كافة، بدءاً من البنية التحتية الحديثة وحتى الأصول الملموسة، مثل منطقة التسوق في ميدان الدرعية المعلن عنها مؤخراً، وهي التي تضم 400 منفذ للبيع بالتجزئة، بالإضافة إلى دار الأوبرا الملكية بالدرعية، والتي تزيد مساحتها على 45 ألف متر مربع».

وأضاف: «من ضمن مشاريعنا التي تم الإعلان عنها مؤخراً (الدرعية آرينا) التي ستكون واحدة من أهم وأكبر المواقع الترفيهية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط، بمساحة 76 ألف متر مربع و20 ألف مقعد».

وأكد أن الشركة طرحت فرصاً استثمارية في قلب الأصول التي تم افتتاحها في ديسمبر (كانون الأول) عام 2022، وأبرزها حي الطريف التاريخي، ومطل البجيري الذي يضم مجموعة من المطاعم والمقاهي، والتي شهدت حضور أكثر من مليوني زائر حتى الآن.

وتابع: «ستكون الدرعية أيضاً حاضنة لأكثر من 40 فندقاً بسعة تصل إلى أكثر من 6500 غرفة، ووحدات سكنية تتسع لنحو 100 ألف شخص، وملعب للغولف، ومركز للفروسية، ومئات المطاعم ومحال البيع بالتجزئة، ومراكز للفنون، ومتاحف، كما سنعلن عن مزيد من الأصول الجديدة الضخمة، مع نهاية العام الجاري، في حدث (بشاير الدرعية 2024)».

ولفت إلى أنه باعتبار المشروع أحد المشاريع العملاقة المدعومة من «صندوق الاستثمارات العامة»، فإنهم يدركون الدور الحيوي الذي يمكن أن تلعبه «الدرعية» في «إيجاد فرص عمل جديدة، لا سيما في أثناء عمليات البناء والتشييد، وكذلك في مجال تشغيل المرافق الكثيرة والمتنوعة التي ننشئها. إلى جانب توفير وظائف في قطاعات أخرى، مثل السياحة والضيافة والترفيه والبيع بالتجزئة، وغيرها».

وتوقع سعد «أن يصل إجمالي عدد الوظائف المتنوعة التي سيوفرها المشروع إلى نحو 178 ألف وظيفة مباشرة، يستفيد منها الشباب والشابات السعوديون الموهوبون».

مراحل المشروع

وتطرق الرئيس التنفيذي لشركة «الدرعية للتطوير» لمراحل تنفيذ المشروع، وقال: «نحن أمام مشروع تطويري ضخم جداً، يجري تنفيذه على قدم وساق وفق مراحل محددة بشكل واضح، فلدينا أصول قائمة ومفتوحة بالفعل، بينما يجري تطوير كثير من المشاريع الكُبرى، مثل ميدان الدرعية، ووادي صفار، ودار الأوبرا الملكية، و(الدرعية آرينا)، وغيرها».

وأضاف: «بدأنا في وضع حجر الأساس لكثير من الأصول الأخرى المتنوعة. على سبيل المثال: وضعنا حجر الأساس لـ7 فنادق فاخرة تنتمي لكبرى العلامات التجارية في العالم، منها فنادق: (ريتز كارلتون)، و(فور سيزونز)، و(سيكس سينسز)، و(أوبروي)، و(أمان)».

وأكد أن فندق «باب سمحان» الذي تطوره سلسلة فنادق «ذا لاكشري كوليكشن» سيكون من أوائل هذه الفنادق، ومن المقرر افتتاحه نهاية العام الجاري. ومن بين المشاريع التي تم وضع حجر الأساس لها أيضاً: فنادق «ريتز كارلتون الدرعية»، و«أدريس الدرعية»، و«كابيلا الدرعية»، و«فور سيزونز الدرعية»، بالإضافة إلى «أوبروي» و«أمان» و«سيكس سينسز» في وادي صفار.

وأشار إلى أنه من المخطط أن توفر «الدرعية» وحدات سكنية لنحو 100 ألف شخص، من خلال مجموعة واسعة ومختلفة من أماكن الإقامة، من الشقق إلى المساكن التي تستهدف العملاء المحليين والدوليين. وشدد على أن الاستراتيجيات المتبعة في عمليات التطوير تراعي اتباع ممارسات البناء المستدامة وتنفيذها بدقة، والتأكيد على ترشيد استهلاك المياه، وتعزيز كفاءة استخدام الطاقة.

وسلَّط الضوء على مساعي وأهداف الشركة في جعل الدرعية نقطة محورية لمجتمع الفنون والثقافة المحلية والإقليمية والدولية، وقال: «نفخر بإنشاء أول دار أوبرا ملكية في المملكة؛ حيث يمكننا من خلالها اكتشاف المواهب المحلية ومساندتها. وبالنسبة لمركز الدرعية لفنون المستقبل -وجهة الفنانين السعوديين المستقبلية- فإنه يُتيح الفرصة للفنانين للتعبير عن مواهبهم، وإظهار قدراتهم الإبداعية، مما يثري المشهد الفني في البلاد».

دعم الاقتصاد السعودي

ولفت سعد إلى أن الشركة تعمل على جذب ما يقدر بنحو 50 مليون زيارة سنوياً في المستقبل، مما يساعد على دعم أحد أهم أهداف «رؤية 2030»، المتمثل في تحقيق زيادة في الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 3 أضعاف، ليصل إلى 10 في المائة من الاقتصاد السعودي، وستُسهم الدرعية بـأكثر من 70 مليار ريال (18.6 مليار دولار) من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة، بحلول عام 2030.

وقال: «يجب التأكيد هنا على أننا نبني مكاناً للناس للعيش والعمل والاستمتاع بالحياة، ونحن ملتزمون بتعزيز الرخاء والمساهمة بشكل كبير ومؤثر في الاقتصاد الكلي للبلاد».

وحول أن شركة «الدرعية» تأخذ الطابع المؤسسي، وكيفية تحقيق التوازن بين تحقيق العوائد والمشاركة في التنمية، قال سعد: «تُعد شركة (الدرعية) أحد المشاريع العملاقة والرائدة في المملكة، والمملوكة لصندوق الاستثمارات العامة، ولكن بوصفنا شركة، فنحن لدينا دوافع تجارية، والالتزام بعقود شراكات عالمية، وتوفير فرص استثمارية ضخمة، وافتتاح هذه المشاريع الواعدة والطموحة التي تمتاز بالتنوع والتفرد. وبكل تأكيد ستتحقق إيرادات وعوائد تُساهم في تعزيز التنمية الاقتصادية والاجتماعية في البلاد».

تاريخ الدرعية

يعود تاريخ تأسيس الدرعية إلى منتصف القرن التاسع الهجري (الخامس عشر الميلادي)؛ حيث شكلت نقطة انطلاقٍ للدولة السعودية، وعاصمة سياسية وثقافية واجتماعية، وتتبع الدرعية إدارياً منطقة الرياض، وتبعد عن العاصمة الرياض 20 كيلومتراً، وتبلغ مساحتها نحو 2020 كيلومتراً مربعاً، ويبلغ عدد سكانها نحو 74 ألف نسمة.

وكانت منظمة الأمم المتحدة للعلوم والتربية والثقافة «اليونيسكو» قد أعلنت في عام 2010 حي الطريف التاريخي في الدرعية موقعاً تراثياً عالميّاً، كما اختارت المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الألسكو» أواخر عام 2021، الدرعية، عاصمة للثقافة العربية لعام 2030، لتصبح ثاني مدينة سعودية يقع عليها الاختيار، بعد الرياض عام 2000.



أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
TT

أزعور لـ«الشرق الأوسط»: السعودية تمتلك «مصدات مالية» قوية لمواجهة تداعيات الحرب

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)

«هي صدمة متعددة الأبعاد»... هكذا اختصر مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، المشهد القاتم الذي يعصف بالمنطقة، واصفاً الحرب الحالية بأنها زلزال لم تشهده الجغرافيا السياسية والاقتصادية منذ خمسة عقود، وأنها أصابت أحد أكثر الممرات الاقتصادية حيوية في العالم، حيث لم تكتفِ بزعزعة أسواق الطاقة، بل امتدت لتعطل طرق التجارة وتضرب ثقة قطاع الأعمال، مما خلق حالة من الغموض تتطلب استجابات غير تقليدية. وأكد في المقابل أن السعودية نجحت خلال السنوات الأخيرة في بناء مؤسسات مالية صلبة وتنويع مصادر دخلها، مما يمنحها مساحة للمناورة رغم الضغوط.

وكان صندوق النقد الدولي خفَّض في تقرير «آفاق الاقتصاد العالمي» توقعات نمو دول الخليج لعام 2026؛ بسبب تداعيات حرب إيران، مع تفاوت لافت في حجم التأثير بين البلدان بحسب درجة انكشافها على أسواق الطاقة والتجارة، وتوفر بدائل لضمان صادراتها النفطية. ففي البلدان المصدّرة للنفط المتضررة من الصراع، يُتوقع حالياً انكماش خمسة من ثمانية اقتصادات في عام 2026. وتواجه قطر الانخفاض الأكثر حدة في التوقعات نتيجة ما لحق ببنيتها التحتية من أضرار هائلة. وفي المقابل، تواجه سلطنة عُمان تراجعاً طفيفاً في التوقعات بسبب وقوع منفذها البحري بالكامل خارج مضيق هرمز، كما يُتوقع أن تستفيد من تحسن أرصدة ماليتها العامة وحسابها الجاري بفضل ارتفاع أسعار النفط. فيما برزت السعودية في مقدِّمة الدول التي ستُحقِّق نمواً هذا العام بنحو 3.1 في المائة، بفضل أنابيب النفط البديلة.

سفن شحن في الخليج العربي قرب مضيق هرمز (رويترز)

من جهته، أوضح أزعور خلال حلقة نقاش افتراضية حول آخر مستجدات صندوق النقد الدولي بشأن تأثير حرب الشرق الأوسط على اقتصادات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، أن هذه الصدمة الاستثنائية التي ضربت قلب الممرات التجارية والطاقة العالمية، تقابلها صلابة مؤسسية في السعودية؛ حيث أكد أن المملكة نجحت في بناء «مصدات» مالية قوية من خلال تنويع الدخل وتقوية مؤسساتها، مما يمنحها الحيز المالي الكافي للمضي قدماً في طموحات «رؤية 2030» وحماية مشاريعها العملاقة من شظايا الاضطرابات الإقليمية.

مؤسسات مالية قوية

وشرح أزعور في إجابته على سؤال «الشرق الأوسط» أن السعودية عملت بذكاء لربط سياستها المالية بـ«مرساة» متوسطة المدى. وأوضح أن عملية «إعادة ترتيب أولويات المشاريع» التي تقوم بها المملكة هي ممارسة اقتصادية صحية وطبيعية تفرضها تغيرات الظروف الدولية، والهدف منها هو ضمان استمرار الغرض الجوهري لـ«رؤية 2030» في تنويع الاقتصاد وخلق الوظائف، مؤكداً أن المملكة تمتلك القدرة على التكيف مع اضطرابات طرق التجارة بفضل المؤسسات المالية القوية التي تم بناؤها.

تصدع البنية التحتية للطاقة

وأوضح أزعور أن الصدمة الحالية اتخذت من قطاع الهيدروكربونات مركزاً لها، حيث تشير البيانات والرسوم البيانية إلى توقف مفاجئ لتدفق أكثر من 12 مليون برميل يومياً من النفط والغاز. وشرح أن هذا التعطل لم يقف عند حدود الطاقة، بل تمدد ليصيب «القطاع الحقيقي»؛ حيث سجلت السياحة في معظم دول مجلس التعاون تراجعاً ملحوظاً، كما تضررت ثقة قطاع الأعمال، وظهرت تداعيات ذلك بوضوح في اتساع هوامش الائتمان وتذبذب العملات، وكان الجنيه المصري الشاهد الأكبر على وطأة هذه الهزات الارتدادية العنيفة.

شعار صندوق النقد الدولي (رويترز)

سيناريوهات «يوم الحساب»

وعند الانتقال للحديث عن المستقبل، رسم أزعور ملامح «السيناريو المرجعي» الذي يفترض انتهاء الأعمال القتالية بحلول منتصف العام، ومع ذلك، أوضح أن الأسواق يجب أن تتأهب لأسعار نفط أعلى بـ10 دولارات للبرميل. وحذر بشدة من سيناريو «أكثر تعقيداً» قد يقفز فيه النفط إلى متوسط 130 دولاراً لفترة طويلة، مبيناً أن هذا التحول سيحول الأزمة من صدمة عرض إلى عبء ثقيل على موازين الدول المستوردة للنفط مثل الأردن وتونس، حيث سيؤدي لانكماش حاد في الحساب الجاري.

ترابط مصالح المنطقة

وشرح أزعور بعمق مدى ترابط مصالح المنطقة، موضحاً أن دولاً مثل باكستان ومصر والأردن تعتمد بشكل بنيوي على دول الخليج، ليس فقط في تأمين الطاقة، بل في «شرايين الحياة» المالية. وأكد أن أي اضطراب في الخليج يترجم فوراً إلى تراجع في تحويلات المغتربين (التي تمثل 5 في المائة من الناتج المحلي لبعض الدول) وتوقف في التدفقات الرأسمالية، محذراً من أن استمرار الحرب قد يحول أزمة الطاقة إلى «كارثة أمن غذائي» للدول الهشة بسبب ارتفاع تكلفة الأسمدة والسلع الأساسية.

«ابقوا البارود جافاً»

وفي الجزء الأكثر حزماً من عرضه، أوضح أزعور أن «مساحة المناورة» أمام الحكومات باتت تضيق بسبب المديونية العالية التي خلفتها الجائحة. واستشهد بنصيحة «وزير مالية خليجي» بضرورة «إبقاء البارود جافاً»، شارحاً أن الدول مطالبة اليوم بالرشاقة في استخدام هوامش الأمان المتاحة لها. وشدد على ضرورة «المعايرة» الدقيقة للسياسات؛ بحيث يتم إلغاء الدعم الشامل وتوجيهه نقدياً للفئات الضعيفة، مع ضرورة الحفاظ على «تشديد نقدي» لمحاربة التضخم، والاعتراف بأن مرونة سعر الصرف هي الدرع الحقيقية لحماية الاقتصاد من الهزات العنيفة.

ورأى أزعور أن هذه الأزمة، رغم قسوتها، يجب أن تكون نقطة تحول تفرض إعادة تفكير جذرية في الاستراتيجيات الاقتصادية طويلة الأمد للمنطقة. وأوضح أن الاعتماد المفرط على مسارات تجارية وطاقية أحادية بات يشكل خطراً وجودياً في عالم يتسم بالتقلبات الجيوسياسية المتسارعة، مشدداً على أن «اليوم التالي» للحرب لا ينبغي أن يكون عودة للنماذج القديمة، بل انطلاقة نحو بناء «اقتصاد المرونة».

وشرح أن هذا التحول الجذري يتطلب مسارات عمل متوازية؛ تبدأ بتسريع وتيرة تنويع القواعد الإنتاجية لتقليل الحساسية تجاه صدمات أسعار الطاقة، وصولاً إلى تعميق التكامل الاقتصادي الإقليمي الذي أثبتت الأزمة أنه ليس مجرد خيار سياسي، بل هو «درع أمان» اقتصادية مشتركة. كما أشار إلى ضرورة تعزيز الأمن الغذائي والمائي عبر الابتكار، لضمان ألا تظل لقمة عيش شعوب المنطقة رهينة لتعطل سلاسل الإمداد العالمية.

وفي رسالة لصنّاع القرار، أكد أزعور أن الاستقرار المالي المستدام لا يتحقق فقط بإدارة الأزمات عند وقوعها، بل ببناء «مخففات صدمات» هيكلية في صلب الأنظمة الاقتصادية، تجعل من دول المنطقة فاعلاً قادراً على امتصاص الهزات الكبرى والتحول نحو نمو أكثر استدامة وشمولاً، بعيداً عن تقلبات الجغرافيا السياسية وحروبها الممتدة.


بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
TT

بنك اليابان يحذِّر من مخاطر استمرار توترات حرب إيران

محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)
محافظ بنك اليابان كازو أويدا في مؤتمر صحافي سابق بمقر البنك في العاصمة طوكيو (رويترز)

قال البنك المركزي الياباني، يوم الثلاثاء، إنه يجب على اليابان توخي الحذر من المخاطر التي تهدد النظام المالي للبلاد، والناجمة عن التطورات في الشرق الأوسط، محذراً من أن استمرار التوترات قد يُبقي أسعار الطاقة مرتفعة، ويزيد من حالات تعثر الشركات. وقال بنك اليابان في تقرير نصف سنوي: «يحافظ النظام المالي الياباني على استقراره بشكل عام».

ولكن التقرير أشار إلى أن ارتفاع أسعار الطاقة قد يؤدي إلى زيادة تكاليف شراء السلع الأساسية للشركات، والتأثير على سلاسل التوريد، مما قد يزيد من مخاطر التعثر، على الرغم من أن إقراض أكبر 3 بنوك يابانية للشرق الأوسط لا يزال محدوداً.

وأضاف التقرير: «لا يزال من الضروري إيلاء اهتمام دقيق لاحتمالية تأثير ذلك على الأوضاع المالية للشركات، وإدارة تدفقاتها النقدية».

وأشار التقرير أيضاً إلى المخاطر المرتبطة بازدياد نشاط المؤسسات غير المصرفية، مثل صناديق التحوط، وشركات الأسهم الخاصة، ومقرضي الائتمان الخاص.

ووفقاً للتقرير، لم تُقدِّم البنوك اليابانية الكبرى حتى الآن سوى نحو 9 في المائة من إجمالي قروضها الخارجية للصناديق الأجنبية، بما في ذلك الأسهم الخاصة والائتمان، مما يدل على أن انكشافها لا يزال محدوداً في الوقت الراهن. ومع ذلك، ذكر بنك اليابان أن القطاع المصرفي المحلي يزداد ترابطاً مع المؤسسات غير المصرفية الأجنبية، محذراً من أن الضغوط التي تُؤثر على هذه المؤسسات من حيث الائتمان أو السيولة «قد تنتقل بسهولة أكبر إلى القطاعات المصرفية في مختلف الدول».

وقد واجهت بعض صناديق الائتمان الخاصة في الولايات المتحدة طلبات استرداد مرتفعة؛ حيث سارع المستثمرون الأفراد القلقون إلى سحب استثماراتهم، وسط مخاوف بشأن الشفافية والتقييمات والاضطرابات الناجمة عن الذكاء الاصطناعي.

ولا يزال سوق الائتمان الخاص في اليابان صغيراً نسبياً، نظراً لسهولة حصول الشركات على قروض مصرفية تقليدية، لكن البنوك اليابانية زادت من تمويلها لصناديق الائتمان الخاصة العالمية في السنوات الأخيرة سعياً وراء عوائد أعلى.


اليابان تلغي قيود تصدير الأسلحة وتفتح أبوابها للسوق الدولية

سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)
سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)
TT

اليابان تلغي قيود تصدير الأسلحة وتفتح أبوابها للسوق الدولية

سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)
سفينة حربية يابانية بميناء «داروين» في أستراليا (أ.ب)

كشفت اليابان، الثلاثاء، عن أكبر تعديل شامل لقواعد تصدير الأسلحة منذ عقود، حيث ألغت القيود المفروضة على مبيعات الأسلحة الخارجية وفتحت الطريق أمام تصدير السفن الحربية والصواريخ... وغيرهما من الأسلحة.

وتُعدّ هذه الخطوة، التي تهدف إلى تعزيز القاعدة الصناعية الدفاعية اليابانية، خطوة أخرى نحو الابتعاد عن القيود السلمية التي شكلت سياسة طوكيو الأمنية في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية. كما تُشكل الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط ضغطاً على إنتاج الأسلحة الأميركي؛ مما يُوسع الفرص المتاحة لليابان. في الوقت نفسه، يسعى حلفاء الولايات المتحدة في أوروبا وآسيا إلى تنويع مصادر التوريد؛ إذ تبدو التزامات واشنطن الأمنية الراسخة أقل يقيناً في ظل رئاسة دونالد ترمب. وقالت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، في منشور على موقع «إكس»: «لا يمكن لأي دولة بمفردها حماية سلامها وأمنها، ومن الضروري وجود دول شريكة يدعم بعضها بعضاً في مجال المعدات الدفاعية».

ويلغي التعديل الذي أقرته حكومة تاكايتشي 5 فئات تصدير كانت تقصر معظم الصادرات العسكرية على معدات الإنقاذ والنقل والإنذار والمراقبة وإزالة الألغام. وبدلاً من ذلك، فسيقوم الوزراء والمسؤولون بتقييم مزايا كل صفقة بيع مقترحة. وستُبقي اليابان على 3 مبادئ تصديرية تُلزمها: إجراء فحص دقيق، وفرض ضوابط على عمليات النقل إلى دول ثالثة، وحظر البيع للدول المتورطة في نزاعات. لكن الحكومة، في عرض توضيحي للتغييرات، ذكرت أنه يمكن استثناء بعض الحالات عند الضرورة لحماية الأمن القومي.

* دول تستكشف الفرص

وأفاد مسؤولون ودبلوماسيون يابانيون وكالة «رويترز» بأن دولاً؛ من بولندا إلى الفلبين، تستكشف فرص التوريد في إطار تحديث قواتها. وذكر مصدران أن إحدى أولى الصفقات قد تكون تصدير سفن حربية مستعملة إلى مانيلا. ورحب وزير الدفاع الفلبيني، غيلبرتو تيودورو، بتغيير اليابان قواعدها، مصرحاً، في بيان منه، بأن ذلك سيوفر إمكانية الوصول إلى «معدات دفاعية عالية الجودة» من شأنها «تعزيز القدرة على الصمود المحلي» و«الإسهام في الاستقرار الإقليمي من خلال الردع». وتُشكل الفلبين، إلى جانب سلسلة الجزر الجنوبية الغربية لليابان، جزءاً مما يطلق عليه المخططون العسكريون «سلسلة الجزر الأولى»، وهي سلسلة من الجزر تُقيد وصول الصين من مياهها الساحلية إلى غرب المحيط الهادئ. ومع ازدياد النفوذ الإقليمي لبكين، عززت مانيلا وطوكيو علاقاتهما الأمنية؛ ففي سبتمبر (أيلول) الماضي، وقعتا اتفاقية تُسهل على قوات كل من الدولتين العمل في أراضي الدولة الأخرى، وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، خففتا قواعد تبادل الإمدادات العسكرية.

وقال جورج غلاس، سفير الولايات المتحدة لدى اليابان، في 10 أبريل (نيسان) الحالي: «لن تُعزز هذه الخطوة التاريخية القدرات الدفاعية للدول المتعاونة مع التحالف الياباني - الأميركي فقط، بل ستُقوي أيضاً قدرتنا الجماعية على صون السلام في جميع أنحاء المنطقة وحماية الحرية بشكل أكبر».

وتأمل طوكيو أن تُسهم صادرات الدفاع في دعم قاعدتها الصناعية عبر زيادة حجم الإنتاج، وخفض تكلفة الوحدة، وإضافة طاقة تصنيعية يُمكن الاعتماد عليها في حال وقوع أزمة عسكرية. وتستطيع شركات مثل «ميتسوبيشي للصناعات الثقيلة» بناء أنظمة متطورة تشمل الغواصات والطائرات المقاتلة والصواريخ، لكنها اعتمدت لعقود على طلبات صغيرة من عميل واحد؛ هو «قوات الدفاع الذاتي اليابانية».

وقال جيفري هورنونغ، الخبير بالسياسة الأمنية اليابانية في مؤسسة «راند»: «لقد أدى ذلك إلى ارتفاع التكاليف وزيادة أوجه القصور. وعبر توسيع الأسواق، يأملون الاستفادة من وفورات الحجم وضخّ حيوية جديدة في القاعدة الصناعية اليابانية، لا سيما لدى كثير من الشركات الصغيرة». وتواصل اليابان جهودها غير المسبوقة لتعزيز جيشها، حيث تشتري صواريخ وطائرات نفاثة شبحية وطائرات مسيّرة، تقول إنها ضرورية لردع أي تهديد من الصين، بما في ذلك حول جزرها القريبة من تايوان... وقد صرّحت بكين بأن نياتها في شرق آسيا وغيره سلمية.

كما تعمل طوكيو على تطوير طائرة مقاتلة من الجيل التالي بالتعاون مع بريطانيا وإيطاليا لنشرها في منتصف ثلاثينات القرن الحالي، وذلك في إطار استراتيجية لتقاسم تكاليف التطوير والحصول على تكنولوجيا جديدة. وقد زادت اليابان إنفاقها الدفاعي بشكل مطرد في السنوات الأخيرة ليصل إلى اثنين في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن تعلن حكومة تاكايتشي عن زيادات أخرى هذا العام عند إصدارها استراتيجية أمنية جديدة.