الاتحاد الأوروبي يدرس خطة لإسقاط إمبراطورية الغاز الروسية

يبحث في حظر استخدام موانئه من أجل إعادة تصدير إمدادات موسكو المتجهة إلى دول ثالثة

هيكل قائم على الجاذبية الخرسانية لمشروع الغاز الطبيعي المسال 2 في القطب الشمالي قيد الإنشاء في منطقة مورمانسك الروسية (رويترز)
هيكل قائم على الجاذبية الخرسانية لمشروع الغاز الطبيعي المسال 2 في القطب الشمالي قيد الإنشاء في منطقة مورمانسك الروسية (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يدرس خطة لإسقاط إمبراطورية الغاز الروسية

هيكل قائم على الجاذبية الخرسانية لمشروع الغاز الطبيعي المسال 2 في القطب الشمالي قيد الإنشاء في منطقة مورمانسك الروسية (رويترز)
هيكل قائم على الجاذبية الخرسانية لمشروع الغاز الطبيعي المسال 2 في القطب الشمالي قيد الإنشاء في منطقة مورمانسك الروسية (رويترز)

يتجه الاتحاد الأوروبي إلى فرض عقوبات «صارمة» على قطاع الغاز «المربح» في روسيا، للمرة الأولى منذ أن غزت موسكو أوكرانيا قبل أكثر من عامين، حسب مجلة «بوليتيكو» الأميركية.

ونقلت المجلة عن 3 دبلوماسيين من الاتحاد الأوروبي، أن المفوضية الأوروبية تستعد، كجزء من حزمة العقوبات الرابعة عشرة، لإصدار حظر على إعادة بيع الغاز الطبيعي المسال الروسي في موانئ الاتحاد الأوروبي.

وقالوا إن المفوضية ستطلب أيضاً «فرض قيود على 3 مشاريع روسية جديدة للغاز الطبيعي المسال».

لكن المقترحات المطروحة على الطاولة، حسب المجلة: «لن تمس سوى جزء صغير من المليارات التي تحصل عليها موسكو سنوياً من الغاز الطبيعي المسال، مما يترك لديها الكثير من الأموال التي تدعم آلتها الحربية».

لقد سعت روسيا منذ فترة طويلة إلى زيادة حصتها في السوق العالمية للغاز الطبيعي المسال، لكن الحرب وما تلاها من انخفاض حاد في الصادرات البرية إلى أوروبا عززت أهمية هذه الطموحات. وتريد موسكو زيادة إنتاج الغاز الطبيعي المسال ثلاثة أضعاف بحلول عام 2030، مما يضيف ما لا يقل عن 35 مليار دولار من الإيرادات السنوية.

وذكرت «بلومبرغ» أن من بين القضايا المطروحة للنقاش خطة لحظر استخدام موانئ الاتحاد الأوروبي لإعادة تصدير الإمدادات الروسية المتجهة إلى دول ثالثة. وهذا أمر مهم لأن مصانع الغاز الطبيعي المسال الروسية في منطقة القطب الشمالي بعيدة بشكل استثنائي، لذلك عادة ما يتم تسليم الوقود أولاً إلى بلجيكا أو فرنسا لإعادة تصديره إلى آسيا أو أي ميناء أوروبي آخر. وسيؤدي تقييد هذه الممارسة إلى إجهاد أسطول الشحن الروسي إلى نقطة الانهيار.

وتهدف عقوبات الغاز الطبيعي المسال إلى خنق الأعمال المربحة لموسكو التي تحافظ على نقل شحناتها من الطاقة حول العالم. ومع ذلك، كما هو مكتوب في مسودة المقترحات - التي لا تزال عرضة للتغيير بحسب «بوليتيكو» - فإن العقوبات لن تصل إلا إلى نحو ربع أرباح روسيا من الغاز الطبيعي المسال البالغة 8 مليارات يورو، وفقاً للخبراء والبيانات التي حللتها الصحيفة.

ويأتي ذلك وسط تحذيرات متكررة من أن جهود الاتحاد الأوروبي والغرب لخنق عائدات الوقود الأحفوري في موسكو قد باءت بالفشل إلى حدٍ كبير. ورغم أن الاتحاد الأوروبي حظر واردات الفحم الروسي والنفط الخام المنقول بحراً، فإن العديد من الثغرات وأساليب المراوغة أدت إلى إبقاء الأموال تتدفق إلى الكرملين.

وفي الوقت نفسه، لم يحرز الاتحاد الأوروبي سوى تقدم ضئيل في معاقبة قطاع الغاز الطبيعي المسال في موسكو. وعلى الرغم من أن الوقود كان يشكل 5 في المائة فقط من استهلاك الغاز في الاتحاد الأوروبي في العام الماضي، فإنه يظل يدر النقد ويعتمد عليه الكرملين لشن الحرب. وكانت فرنسا وإسبانيا وبلجيكا أكبر مراكز الغاز فائق التبريد، الذي يتم بعد ذلك تصدير الكثير منه إلى دول مثل ألمانيا وإيطاليا.

كسر الجليد

إن وقف إعادة بيع الغاز الطبيعي المسال الروسي إلى الاتحاد الأوروبي سيتطلب من موسكو إصلاح نموذج أعمالها الحالي - وهو ليس بالأمر الهين، وفق «بوليتيكو». فمن دون الموانئ الأوروبية كمحطة توقف مريحة، سيتعين على روسيا استخدام كاسحات الجليد المجهزة خصيصاً لاختراق جليد البحر القطبي الشمالي - الذي يعاني من نقص في المعروض - لتوصيل غازها إلى آسيا.

ومن شأن ذلك أن يضر بمصنع يامال للغاز الطبيعي المسال الضخم في روسيا والذي تبلغ تكلفته 27 مليار دولار في أقصى شمال سيبيريا، وفق لورا بيج، خبيرة الغاز في شركة تحليلات بيانات «كبلر». وقالت: «إذا لم يتمكنوا من النقل في أوروبا، فقد يضطرون إلى الاعتماد على ناقلاتهم الجليدية في رحلات أطول»، مما يعني أن روسيا «قد لا تكون قادرة على إخراج أكبر عدد ممكن من الشحنات من يامال لأن سفنها لا تستطيع العودة من هناك بسرعة».

وقال بيتراس كاتيناس، محلل الطاقة في مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف، وهو مركز أبحاث، إن هذا التحول من شأنه أن يحدث فجوة بقيمة ملياري يورو في عائدات الغاز الطبيعي المسال في روسيا، بناءً على أرقام العام الماضي.

وهذا مبلغ كبير، ولكنه لا يمثل سوى 28 في المائة من أرباح الغاز الطبيعي المسال في روسيا وما يزيد قليلاً عن خمس صادراتها إلى الاتحاد الأوروبي في العام الماضي.

وقال كاتيناس إن الحظر «يعد خطوة أولى جيدة إلى الأمام»، لكنه «ليس كافياً» إذا كان الاتحاد الأوروبي يريد خنق التدفق النقدي للكرملين.

وفي الوقت نفسه، فإن العقوبات المحتملة على مشاريع الغاز الطبيعي المسال الروسية - بما في ذلك مشروع الغاز الطبيعي المسال 2 في القطب الشمالي Arctic LNG 2، ومصنع مورمانسك، ومحطة UST Luga للغاز الطبيعي المسال - هي «نمر من ورق»، كما قال كاتيناس، حيث لا يرسل أي منهم حالياً شحنات إلى أوروبا.

طموحات بوتين للغاز في القطب الشمالي

تعد منشأة الغاز الطبيعي المسال 2 في القطب الشمالي بقيادة «نوفاتك بي جي إس سي» Novatek PJSC، على بحر كارا الجليدي، جزءاً رئيسياً من خطط موسكو لتعزيز الصادرات وتجديد الخزائن. ومنذ أشهر، كانت مستعدة لشحن الغاز الطبيعي المسال إلى أسواق جديدة، كبديل لتجارة خطوط الأنابيب الأوروبية التي كانت مربحة في السابق، وفق «بلومبرغ»

ومع ذلك، فإن العملية الضخمة الجديدة التي تبلغ قيمتها 25 مليار دولار لا تزال في وضع الخمول تقريباً، وهي أول جزء من مجمع إنتاج الطاقة في روسيا يتم تقييدها بشكل فعال من خلال القيود الأميركية.

بفضل العمليات القديمة، تعد روسيا حالياً رابع أكبر مصدر للغاز الطبيعي المسال على مستوى العالم، لكن القيود المفروضة على سفينة الغاز الطبيعي المسال الرائدة في القطب الشمالي 2 تعيق تطلعاتها للمضي قدماً. والأمر الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لموسكو هو أنها قدمت مخططاً لأي جهود غربية مستقبلية لكبح جماح دخل الكرملين من الغاز من خلال استهداف عمليات مثل يامال أو سخالين 2 في الشرق الأقصى - التي لا تزال تقدم للعملاء في أوروبا وآسيا.

خسائر «غازبروم»

وفي هذا الوقت، أعلنت شركة «غازبروم» الروسية، عملاق الطاقة الروسي المملوك معظمه للكرملين، «أسوأ خسارة لها منذ ربع قرن»، حيث خسرت 629 مليار روبل (7 مليارات دولار تقريباً) خلال العام الماضي، مع انخفاض إيراداتها.

وكان هذا أسوأ بكثير من الخسارة التي توقعتها السوق البالغة 447 مليار روبل، بحسب وكالة «إنترفاكس» للأنباء. كما أنها تتعارض بشكل حاد مع الأرباح البالغة 1.2 تريليون روبل المتوقعة في عام 2022.

كما سجلت الشركة خسارة صافية في المبيعات بلغت 364 مليار روبل في عام 2023، وهو ما يمثل أيضاً خيبة أمل من أرباح 1.9 تريليون روبل التي شوهدت في العام السابق. وانخفض إجمالي الإيرادات أيضاً إلى 8.5 تريليون روبل في عام 2023، وهو انخفاض من 11.7 تريليون روبل في العام السابق.

وكانت هذه الأرقام المخيبة للآمال راجعة في الأغلب إلى انخفاض صادرات «غازبروم» الأوروبية بشكل كبير، نتيجة للعقوبات المستمرة التي فرضتها أوروبا على كل من «غازبروم» والعديد من موظفيها الأفراد بسبب الحرب الروسية الأوكرانية.


مقالات ذات صلة

«قطر للطاقة» تعلن اكتشافاً جديداً للهيدروكربونات قبالة سواحل الكونغو

الاقتصاد موقع إنغا أحد مصادر الطاقة الخضراء في جمهورية الكونغو الديمقراطية (أ.ف.ب)

«قطر للطاقة» تعلن اكتشافاً جديداً للهيدروكربونات قبالة سواحل الكونغو

أعلنت «قطر للطاقة» عن اكتشاف جديد للمواد الهيدروكربونية، في المياه البحرية قبالة سواحل جمهورية الكونغو.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد تتوزع مناطق الامتياز المطروحة على مناطق جغرافية واسعة (وكالة الأنباء العمانية)

عُمان تطرح 5 مناطق امتياز جديدة في قطاعي النفط والغاز

أعلنت وزارة الطاقة والمعادن العمانية طرح 5 مناطق امتياز جديدة في قطاعي النفط والغاز للتنافس بين الشركات البترولية المحلية والعالمية.

«الشرق الأوسط» (مسقط)
الاقتصاد سيارات «ماروتي سوزوكي سيليريو» متوقفة بجانب خط سكة حديد فرعي داخل مصنع «ماروتي سوزوكي» في مانسار (رويترز)

مركز صناعة السيارات في الهند يرفع الحد الأدنى للأجور لاحتواء الاحتجاجات

رفعت حكومة ولاية هاريانا الحد الأدنى للأجور للعمال غير المهرة إلى 165 دولاراً شهرياً، من نحو 120 دولاراً.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد رئيس وزراء أستراليا أنتوني ألبانيز في زيارة إلى موقع لتخزين الغاز الطبيعي المسال بجزيرة جورونغ السنغافورية (أ.ف.ب)

وزراء مالية «رابطة آسيان» قلقون من تداعيات توتر حرب إيران

عبّر وزراء المالية ومحافظو البنوك المركزية بـ«رابطة آسيان» عن قلقهم ⁠إزاء تأثير التوترات المستمرة نتيجة الحرب بإيران على التجارة العالمية والاستقرار ⁠الجيوسياسي

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد تظهر أسعار الوقود المرتفعة في محطة تابعة لـ«شيفرون» قرب المحيط الهادئ (أ.ف.ب)

«شيفرون» تتوقع قفزة في أرباح التنقيب والإنتاج بدعم ارتفاع أسعار النفط والغاز

أعلنت شركة «شيفرون»، الخميس، أنها تتوقع زيادة أرباح قطاع «التنقيب والإنتاج» خلال الربع الأول من العام، لتتراوح بين 1.6 و2.2 مليار دولار مقارنة بالربع السابق.

«الشرق الأوسط» (هيوستن (الولايات المتحدة))

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.