5 تحديات تواجه غورغييفا في ولايتها الثانية بصندوق النقد الدولي

إعادة تعيينها مديرةً عامةً استبقت اجتماعات الربيع الأسبوع المقبل

المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي خلال جلسة الموافقة على إعادة تعيين غورغييفا (إكس)
المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي خلال جلسة الموافقة على إعادة تعيين غورغييفا (إكس)
TT

5 تحديات تواجه غورغييفا في ولايتها الثانية بصندوق النقد الدولي

المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي خلال جلسة الموافقة على إعادة تعيين غورغييفا (إكس)
المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي خلال جلسة الموافقة على إعادة تعيين غورغييفا (إكس)

حصلت كريستالينا غورغييفا، المديرة العامة الحالية لصندوق النقد الدولي، على دعم الدول الأوروبية لولاية ثانية مدتها 5 سنوات تبدأ في الأول من أكتوبر (تشرين الأول). فهل أداؤها في ولايتها الأولى هو الذي برر هذا الدعم؟

وجاء قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي إعادة تعيين غورغييفا «بالتوافق» وفق البيان الصادر عنه، قبل أيام من اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن، حيث يجتمع وزراء المالية ومحافظو المصارف المركزية والاقتصاديون من جميع أنحاء العالم بين 15 و20 أبريل (نيسان) لمناقشة المجالات ذات الاهتمام العالمي.

وكان وزراء المالية الأوروبيون اتفقوا في 12 مارس (آذار) الماضي، في بروكسل، على الالتفاف حول ترشيح غورغييفا، وهي من أصل بلغاري، كبرهان على وحدة الاتحاد الأوروبي. وقد عني هذا الدعم أن السباق أصبح مفروغاً منه لصالح غورغييفا التي تنتهي فترة ولايتها الأولى في سبتمبر (أيلول) المقبل.

وعلى الرغم من أن المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي له الكلمة الأخيرة من الناحية الفنية بشأن من يتم تعيينه، فإن هذا المنصب يذهب تقليدياً إلى أوروبي، في حين يقود أميركي البنك الدولي. فسلف غورغييفا كانت كريستين لاغارد الفرنسية التي كانت وزيرة للمالية، وهي ترأس اليوم المصرف المركزي الأوروبي، وقبلها دومينيك شتراوس كان، الفرنسي الذي اضطر للتنحي من منصبه إثر فضيحة جنسية، ورودريغو دي راتو الإسباني الذي شغل منصب وزير الاقتصاد بين 1996-2004... وغيرهم. لكن على الرغم من الدعم الذي حصلت عليه من الاتحاد الأوروبي، فإن غورغييفا تعرضت لحملة من مجموعة من الجمهوريين في مجلس النواب الأميركي الذين طالبوا بأن تستخدم الولايات المتحدة نفوذها لاستبدالها «بسبب سوء الإدارة»، مستشهدين بتقارير عن عدم القدرة على تحميل الصين المسؤولية عن ممارساتها في الإقراض والعملة؛ إذ أرسل رئيس لجنة الخدمات المالية بمجلس النواب باتريك ماكهنري، والنائبان فرينش هيل وبلين لوتكيماير، رسالة إلى وزيرة الخزانة جانيت يلين يدعونها إلى البحث عن بديل عن غورغييفا بعد 3 أيام على تلقيها دعماً أوروبياً.

قادت غورغييفا صندوق النقد الدولي منذ عام 2019، وذلك بعد فترة قضتها رئيسةً مؤقتةً للبنك الدولي منذ عام 2017. وأمضت ست سنوات مفوضةً لبلغاريا في الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2021، كادت تُجبر على الخروج من صندوق النقد الدولي بعد مزاعم بأنها عبثت بالبيانات خلال فترة وجودها في البنك الدولي لإرضاء الصين. لكن تمت تبرئتها لاحقاً من قبل صندوق النقد الدولي ونفت بشدة ارتكاب أي مخالفات.

لقد شهدت السنوات الخمس الماضية تقاطع أزمات عالمية، بما في ذلك جائحة «كوفيد- 19»، والحرب الروسية - الأوكرانية وعدم الاستقرار الجيوسياسي المتزايد، وهي عوامل دفعت بالاقتصاد العالمي إلى المجهول بعد تفاقم معدلات التضخم. وكان لهذا تأثيرات اقتصادية واجتماعية وسياسية واسعة النطاق، وخاصة في البلدان المنخفضة الدخل.

ففي فترة الجائحة، تمكنت غورغييفا من توجيه الصندوق المنوط به الحفاظ على استقرار النظام المالي والنقدي الدولي من خلال الإقراض، وتقديم المشورة في مجال السياسات الاقتصادية، والمساعدة الفنية؛ إذ وافق على تمويل جديد يزيد عن 360 مليار دولار، وتخفيف خدمة الديون لأفقر البلدان، وتخصيص حقوق السحب الخاصة، والوحدة الحسابية الداخلية لصندوق النقد الدولي بقيمة 650 مليار دولار. وفي عام 2023، وافق الصندوق أيضاً على حزمة مساعدات بقيمة 15.6 مليار دولار لأوكرانيا، وهي المرة الأولى التي يفعل فيها ذلك لدولة في حالة حرب.

وتحت قيادتها، قدم الصندوق تسهيلات تمويل جديدة ومبتكرة، بما في ذلك مرفق القدرة على الصمود والاستدامة ونافذة مواجهة الصدمات الغذائية. فقد قامت بتجديد موارد الصندوق الاستئماني للحد من الفقر وتعزيز النمو، ومنحه القدرة على تعبئة القروض الميسرة لأفقر البلدان الأعضاء. وشاركت في إنشاء الطاولة المستديرة العالمية للديون السيادية. كما حصلت على زيادة في الحصص بنسبة 50 في المائة لتعزيز الموارد الدائمة للصندوق، ووافقت على إضافة رئيس ثالث من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى إلى مجلس إدارة صندوق النقد الدولي.

وسوف يستضيف الصندوق اجتماع طاولة مستديرة للديون السيادية العالمية، حيث من المأمول أن تتمكن الصين وغيرها من الدائنين الثنائيين الكبار من إحراز تقدم في إعادة هيكلة ديون بعض أكثر الاقتصادات ضعفاً في العالم.

كما وافق الصندوق في خلال ولاية غورغييفا على إقراض عدد من الدول، نذكر منها أخيراً قرض الـ8 مليارات دولار لمصر، ولباكستان بقيمة 3 مليارات دولار، ولغانا بقيمة 3 مليارات دولار، ودفعة 4.7 مليار دولار للأرجنتين في إطار برنامج مساعدات بقيمة 44 ملياراً.

وكانت غورغييفا حذرت كثيراً من التأثير الاقتصادي العالمي المترتب على التشتت التجاري الناجم عن تدهور العلاقات بين الولايات المتحدة والصين.

وقد أشاد مجلس إدارة الصندوق بـ«القيادة القوية والذكية» لغورغييفا في فترة ولايتها؛ إذ «تمكنت من التغلب على سلسلة من الصدمات العالمية الكبرى»، وفق بيان إعادة اختيار غورغييفا.

وردت غورغييفا بالإعراب عن امتنانها لمجلس الإدارة، وأنها «تتشرف» باختيارها لولاية ثانية، وقالت إنها تتطلع إلى مواصلة العمل مع الموظفين «الاستثنائيين» في صندوق النقد الدولي.

وأضافت في بيان: «في السنوات القليلة الماضية، ساعد صندوق النقد الدولي بلداننا الأعضاء على اجتياز صدمات متعاقبة تضمنت الجائحة والحروب والصراعات وأزمة تكلفة المعيشة... وكثفنا عملنا بشأن تغير المناخ والهشاشة والصراع والتحول الرقمي، بما يتماشى مع أهميتها المتزايدة لاستقرار الاقتصاد الكلي والاستقرار المالي والنمو والتوظيف».

التحديات

ويبدو أن المرحلة المقبلة لن تكون معالمها واضحة، وسط تنامي التحديات التي ستواجهها غورغييفا في ولايتها الجديدة، ومنها:

توقعات النمو: لا تزال آفاق النمو متدنية على الرغم من تحسنها أخيراً؛ إذ تظل توقعات النمو العالمي على المدى المتوسط أقل كثيراً من المتوسط التاريخي - فهي أعلى قليلاً من 3 في المائة. وهو ما شرحته بوضوح غورغييفا قبل أيام حين حذرت من أن الاقتصاد العالمي يواجه عقداً من «النمو الفاتر» و«السخط الشعبي» على الرغم من تجنب الركود الذي يُخشى كثيراً. وقالت في عرضها للتحديات المقبلة: «الحقيقة المثيرة للقلق هي أن النشاط العالمي ضعيف بالمعايير التاريخية، وأن آفاق النمو تتباطأ منذ الأزمة المالية العالمية»، موضحة أن «التضخم لم يُهزم بالكامل، وقد استُنفدت الاحتياطات المالية وارتفعت الديون، مما يشكل تحدياً كبيراً للمالية العامة في العديد من البلدان».

استعادة استقرار الأسعار، والتي هي مهمة المصارف المركزية للتوصل إلى قرار متى يمكن خفض أسعار الفائدة وإلى أي حد.

ملف الديون المتعثرة: لقد زادت الديون على نحو كبير بعدما اتخذت الحكومات إجراءات لمواجهة الجائحة. وسوف تكون مكافحة مستويات الديون المرتفعة صعبة في عام يشهد عدداً قياسياً من الانتخابات، وفي وقت يتزايد فيه القلق «بسبب عدم اليقين الاستثنائي وسنوات من الصدمات».

التوترات الجغرافية-السياسية، والتي تفاقم مخاطر تشرذم الاقتصاد العالمي.

ومن أبرز التحديات التي سوف يكون لها وقعها الحاد على النمو العالمي، ما تشهده الصين حالياً، وهي التي تمثل نحو 18 في المائة من النمو العالمي. ويواجه المسؤولون الصينيون صعوبة في إنعاش ثاني أكبر اقتصاد في العالم بسبب رياح معاكسة من بينها أزمة طويلة الأمد في قطاع العقارات، وارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب وضعف الطلب العالمي على سلع البلاد.

وعدّدت غورغييفا التحديات التي يواجهها صندوق النقد الدولي حالياً، حين قالت: «أنا أنظر إلى صندوق النقد الدولي، وأرى مهمتين بنفس القدر من الأهمية: أولاً: التأكد من أن لدينا القدرة المالية على العمل ودعم أولئك الذين هم في أمسّ الحاجة إليها... وعلى مدى السنوات المقبلة ستكون هذه البلدان متوسطة الدخل الضعيفة والبلدان منخفضة الدخل. وثانياً: التأكد من أننا نجمع أعضاءنا معاً، وعلى الرغم من كل الصعوبات في التعاون، فإننا نعمل من أجل الإجماع على تلك القضايا التي يعتمد عليها مستقبل أبنائنا وأحفادنا».



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.