صناعة أشباه الموصلات... صراع الهيمنة العالمية على رقائق المستقبل

من المتوقع أن يبلغ حجم السوق 1.137 تريليون دولار بحلول 2033

تُستخدم الرقائق الإلكترونية في كلّ جانب من جوانب حياتنا وتُساهم في تطوير تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)
تُستخدم الرقائق الإلكترونية في كلّ جانب من جوانب حياتنا وتُساهم في تطوير تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)
TT

صناعة أشباه الموصلات... صراع الهيمنة العالمية على رقائق المستقبل

تُستخدم الرقائق الإلكترونية في كلّ جانب من جوانب حياتنا وتُساهم في تطوير تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)
تُستخدم الرقائق الإلكترونية في كلّ جانب من جوانب حياتنا وتُساهم في تطوير تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي (أ.ف.ب)

تُشكل صناعة أشباه الموصلات والرقائق عصب الحياة في عالمنا المعاصر؛ إذ تُعدّ بمثابة القلب النابض الذي يُشغل الأجهزة الإلكترونية، ومحرك الابتكار الذي يدفع عجلة التقدم، والرافد الاقتصادي الذي يُؤمن المورد المنشود.

من الهواتف الذكية إلى الحواسيب، ومن السيارات إلى الطائرات، ومن الاتصالات إلى الرعاية الصحية إلى النقل إلى الصناعة... تُستخدم الرقائق الإلكترونية في كلّ جانب من جوانب حياتنا. كما أنها تُساهم في تطوير تقنيات جديدة مثل الذكاء الاصطناعي، وتُعد عنصراً أساسياً للأمن القومي؛ إذ تُستخدم في العديد من الأنظمة الحساسة، مثل أنظمة الدفاع والأسلحة. ومع ذلك، تواجه هذه الصناعة تحديات جمة، مثل التعقيد المتزايد والنقص العالمي والاعتماد على عدد قليل من الشركات المصنعة.

فما هي أشباه الموصلات؟

هي عبارة عن مواد صلبة تمتلك خصائص كهربائية فريدة؛ إذ تُعد موصلة للكهرباء بشكل جزئي، مما يجعلها مناسبة لصنع الرقائق الإلكترونية. ومن أهمّ المواد المستخدمة في تصنيعها هي السيليكون، الذي يُعد عنصراً أساسياً في صناعة الإلكترونيات الحديثة.

وعام 2023، قُدرت قيمة صناعة الرقائق وأشباه الموصلات بنحو 600 مليار دولار، ممّا يجعلها من أكبر الصناعات في العالم التي تُوظف ملايين الأشخاص، وتساهم بشكل كبير في الناتج المحلي الإجمالي للعديد من الدول.

أكبر 5 شركات تصنيع أشباه الموصلات

تتنافس الشركات في إنتاج رقائق أصغر حجماً وأرخص ثمناً وأسرع لأجهزة تكنولوجية أكثر قوة وبأسعار معقولة. ويضم عالم صناعة الرقائق شركات عالمية شهيرة إلى جانب موردين صغار يصعب معرفتهم خارج سوق تخصصهم الضيق. وتُعد رقائقهم من المدخلات الأساسية لمصنعي أجهزة التكنولوجيا والمعدات الصناعية.

وفيما يلي أفضل 5 شركات تصنيع أشباه الموصلات بناءً على إيراداتها التشغيلية للأشهر الاثني عشر الماضية:

- شركة «سامسونغ» الكورية: حققت إيرادات تشغيلية بقيمة 50.6 مليار دولار. وتتمتع بصافي دخل قوي بلغ 4.1 مليار دولار، وتبلغ القيمة السوقية 370.5 مليار دولار. كما حققت عائداً إجمالياً بنسبة 18.9 في المائة وتُدرج أسهمها في بورصة كوريا. وتُعرف الشركة أيضاً بكونها رائدة في مجال الإلكترونيات الاستهلاكية.

- تايوان لتصنيع أشباه الموصلات المحدودة (تي إس إم سي): حققت إيرادات تشغيلية قوية بقيمة 19.9 مليار دولار، في حين بلغ صافي الدخل 7.5 مليار دولار. وتتمتع بقيمة سوقية مرتفعة تبلغ 542.6 مليار دولار، وحققت عائداً إجمالياً بنسبة 32.3 في المائة. وتُعرف الشركة بكونها رائدة في تصنيع الرقائق المتقدمة؛ إذ تُقدم خدماتها لأكبر شركات التكنولوجيا في العالم مثل «أبل» و«كوالكوم».

- شركة «إنفيديا» الأميركية: شهدت نمواً هائلاً في السنوات الأخيرة، مدعوماً بالطلب المتزايد على منتجاتها من وحدات معالجة الرسومات (جي بي يو) ووحدات معالجة الذكاء الاصطناعي (أيه آي). حققت إيرادات تشغيلية بقيمة 18.1 مليار دولار، في حين بلغ صافي الدخل 9.5 مليار دولار والقيمة السوقية 1.8 تريليون دولار. كما حققت عائداً إجمالياً بنسبة 218.1 في المائة خلال العام الماضي، وتُدرج أسهمها في بورصة «ناسداك».

- شركة «إنتل» الأميركية: اشتهرت بوحدات المعالجة المركزية (سي بي يوز) المستخدمة في أجهزة الكمبيوتر الشخصية وخوادم المؤسسات. حققت إيرادات تشغيلية بقيمة 14.2 مليار دولار، وبلغ صافي الدخل 297 مليار دولار. وتتمتع بقيمة سوقية كبيرة تبلغ 185.9 مليار دولار. كما حقق سهم «إنتل» عائداً إجمالياً متراكماً مرتفعاً بنسبة 53.6 في المائة خلال العام الماضي، في حين يتم تداول أسهمها على بورصة «ناسداك».

- شركة «برودكوم» الأميركية: هي شركة رائدة في مجال توفير حلول متكاملة لأشباه الموصلات والبرامج لمختلف قطاعات التكنولوجيا، بما في ذلك الشبكات والاتصالات ومراكز البيانات. حققت الشركة أداءً مالياً قوياً مع نمو كبير في الإيرادات بلغ 9.3 مليار دولار، وصافي دخل 3.5 مليار دولار. أما القيمة السوقية فبلغت 584.8 مليار دولار. كما حققت أسهم «برودكوم» عائداً إجمالياً متراكماً بنسبة 107.7 في المائة، ويتم تداولها على بورصة «ناسداك».

ساحة معركة جديدة

تتصاعد حدة التنافس بين الولايات المتحدة والصين على الساحة العالمية، وباتت الرقائق الإلكترونية، المعروفة باسم أشباه الموصلات، محوراً رئيسياً في هذه المعركة. ورغم أن الولايات المتحدة تمثل 25 في المائة من إجمالي الطلب عليها، فإن إجمالي قدرتها على تصنيعها لا يتجاوز 12 في المائة، بعد أن كان 37 في المائة في التسعينات. وقد أثار هذا الواقع مخاوف بشأن التهديد للأمن القومي نظراً لجهود الصين للحصول على موطئ قدم كبير في هذه الصناعة الحيوية. وتسعى الولايات المتحدة جاهدة لإعادة تنشيط صناعة الرقائق المحلية، في حين تلجأ إلى فرض العقوبات للحد من تطلعات الصين للاكتفاء الذاتي في هذا المجال الحاسم.

وأخيراً، سلط تقرير جديد صادر عن «سيتي ريسيرتش» الضوء على هذا الصراع المتصاعد؛ إذ تسعى الولايات المتحدة إلى استعادة هيمنتها التي فقدتها لصالح الدول الآسيوية من خلال ضخ استثمارات ضخمة في مجال البحث والتطوير، وتقديم حوافز للشركات لإنشاء مصانع جديدة على أراضيها.

من ناحيتها، تُخطط الصين للاعتماد على نفسها في مجال تصنيع أشباه الموصلات، عبر تقليل اعتمادها على الشركات الأجنبية؛ إذ خصصت الحكومة استثمارات ضخمة لتحقيق هذا الهدف، وتعمل على دعم الشركات المحلية لتطوير تقنياتها الخاصة.

قانون «الرقائق والعلوم»: دعم بـ280 مليار دولار

أصبح قانون «الرقائق والعلوم» الأميركي ساري المفعول في 9 أغسطس (آب) 2022، حيث تم تخصيص مبلغ 280 مليار دولار كحزم دعم لتعزيز البحوث المحلية وتصنيع أشباه الموصلات في الولايات المتحدة على مدى 10 سنوات.

الرئيس الأميركي أثناء إلقائه خطاباً في حرم شركة «إنتل» في تشاندلر بأريزونا (أ.ف.ب)

وبموجب القانون، ستحصل شركات أشباه الموصلات على إعفاءات ضريبية استثمارية بنسبة 25 في المائة للاستثمار في عمليات تصنيعها، لكن القانون واجه تحديات في تحويل أهدافه إلى واقع. وفي مارس (آذار)، وضعت وزارة التجارة شروطاً للشركات التي تسعى للحصول على تمويل بقيمة 150 مليون دولار أو أكثر، بما في ذلك قيود على إعادة شراء الأسهم، ومشاركة الأرباح، وتفضيل العمالة النقابية.

وانطلاقاً من هدف القانون تعزيز الإنتاج المحلي للرقائق الإلكترونية، تعتزم الولايات المتحدة منح شركة «سامسونغ» التي لديها خبرة تبلغ 27 عاماً في الولايات المتحدة أكثر من 6 مليارات دولار. وكشفت تقارير إعلامية الأسبوع الماضي، نقلاً عن مصادر مطلعة، أن هذه المنحة ستساعد الشركة على توسيع عملياتها في مجال تصنيع الرقائق الإلكترونية، بما يتجاوز مشروعها المعلن عنه في تكساس.

كذلك أعلنت إدارة بايدن هذا الأسبوع أن الحكومة ستقدم 1.5 مليار دولار لشركة «غلوبال فاوندريز» لصناعة الرقائق لتوسيع إنتاجها المحلي في نيويورك وفيرمونت. وستعمل الرقائق التي ستصنعها الشركة على تشغيل المعدات العسكرية المتقدمة والمركبات الكهربائية، وستضمن توفير أحدث الميزات في الهواتف الذكية، وستتيح اتصالات إنترنت أسرع للأميركيين.

كما كشف البيت الأبيض، يوم الأربعاء، عن حزمة تُناهز قيمتها 20 مليار دولار من الهبات والقروض، لدعم شركة «إنتل» في إنتاج الرقائق الإلكترونية. وستدعم هذه الأموال بناء وتوسعة منشآت «إنتل» في ولايات أريزونا وأوهايو ونيومكسيكو وأوريغن، وتوفر نحو 30 ألف وظيفة جديدة.

«قانون الرقائق» ليس الحل الوحيد

لا يقتصر التنافس الأميركي - الصيني في أشباه الموصلات على «قانون الرقائق» فقط، بل تلجأ الولايات المتحدة وحلفاؤها إلى استخدام تكتيكات أخرى مثل فرض عقوبات على الصين كسلاح في صراع الهيمنة على مجال أشباه الموصلات.

بدأت هذه العقوبات عام 2017 عندما اعترفت شركة «زد تي إي» ببيعها تكنولوجيا أميركية بشكل غير قانوني لإيران وكوريا الشمالية، مما أدى إلى تغريمها 1.19 مليار دولار من قبل وزارة التجارة الأميركية، ولكن عندما خالفت الشركة اتفاقية التسوية، تم إدراجها في قائمة الرفض، مما أدى إلى توقف أعمالها بسبب نقص المكونات الأميركية الأساسية.

وهدفت هذه العقوبات إلى تقييد قدرة الصين على الحصول على الرقائق المتقدمة وصنعها، خاصة تلك المستخدمة في الحوسبة الفائقة وتدريب الذكاء الاصطناعي.

وأدى هذا الحادث إلى تأكيد الحكومة الصينية على أهمية الاعتماد على نفسها في إنتاج الرقائق، وخاصة أنها تستهلك 30 في المائة من أشباه الموصلات، في حين تصنع 16 في المائة فقط.

عامل في تصنيع رقائق الكمبيوتر «إن إكس بي» لأشباه الموصلات في نيميغن بهولندا (رويترز)

وتصاعد التوتر في مارس 2018 عندما فرضت الولايات المتحدة تعريفات على المنتجات الصينية، بما في ذلك تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، مما أدى إلى ردود فعل مماثلة من بكين.

وشهدت العلاقات بين البلدين تدهوراً حاداً في ديسمبر (كانون الأول) 2018، عندما ألقت الشرطة الكندية القبض على المديرة المالية لشركة «هواوي»، منغ وانزهو، تلتها عقوبات ضد شركات صينية أخرى مثل «هيكفيغن» و«داهوا» و«سينستيم» عام 2019.

وتم فرض حظر على تقنيات الجيل الخامس والذكاء الاصطناعي على الشركات الصينية العاملة في مجالات المصانع الإلكترونية والذكاء الاصطناعي وأسواق المنتجات النهائية الأخرى. وفرض مكتب الصناعة والأمن في وزارة التجارة الأميركية سلسلة من ضوابط التصدير بهدف الحد من قدرة الصين على تطوير أشباه الموصلات.

وجاء التحديث الأخير في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، حيث تم تشديد القيود المفروضة على معدات إنتاج أشباه الموصلات المتقدمة (إس بي إي) ورقائق الحوسبة عالية الأداء (إتش بي سي).

وعلى الرغم من العقوبات، لا تزال الصين تصنع رقائق متقدمة؛ إذ يُعتقد أن مصانعها قادرة على إنتاج رقائق 7 نانومتر أو حتى 5 نانومتر باستخدام المعدات الموجودة حالياً في البلاد وإن كان ذلك بأحجام محدودة. ويتعارض هذا بشكل مباشر مع الهدف المنشود من العقوبات. ونتيجة لذلك، يعتقد الخبراء أن فرض عقوبات أخرى قد يكون محتملاً في مرحلة ما.

الصين تُقاوم

فرضت الإجراءات الأميركية قيوداً صارمة على قدرة الصين على اقتناء رقائق أشباه الموصلات المتطورة وتصنيعها، في حين تواجه بكين عقبات جمة في سعيها نحو تحقيق الاكتفاء الذاتي. وتشمل هذه العقبات تقادم التكنولوجيا لإنتاج رقائق حديثة ومعقدة؛ إذ تزداد تكاليف تصنيع الرقائق بشكل كبير بالنسبة للشركات المصنعة للرقائق مثل «إس إم آي سي»، مما يجعلها تضطر إلى رفع أسعار منتجاتها بنسبة تتراوح بين 40 و50 في المائة مقارنة بالشركات المنافسة، فضلاً عن قيود الإنفاق التي كانت مفروضة بسبب جائحة «كوفيد-19».

ورغم ذلك، تتربع الصين على عرش أكبر مستهلك لأشباه الموصلات في العالم؛ إذ تُشكل أكثر من نصف الاستهلاك العالمي، وفقاً لمركز ابتكار الحوكمة العالمية. وتحتل أيضاً المركز الخامس كأكبر مصنع لأشباه الموصلات، بعد تايوان وكوريا الجنوبية واليابان والولايات المتحدة.

وردّت الولايات المتحدة على سعي الصين لتطوير تقنياتها بوضع العديد من الشركات الصينية على القائمة السوداء للتجارة، بما في ذلك شركة تصنيع أشباه المعادن الدولية «إس إم آي سي» التي تُعدّ أكبر سوق للرقائق في الصين. وبرّرت ذلك بمخاوف أمنية من أن تستخدم الصين الرقائق المتقدمة التي تحصل عليها من «إنفيديا» وشركات مشابهة لأغراض عسكرية، وهو ما قد يمثل مشكلة لها على المدى الطويل، مما أدى إلى قيود على مبيعات الرقائق وتصديرها من قبل مصنعي الرقائق الأميركيين الرئيسيين، مثل «إنفيديا» و«أيه إم دي»، إلى الصين.

وفي ردها على الإجراءات الأميركية، فرضت الصين حظراً على صادرات الغرافيت، وهي مادة أساسية في تصنيع الرقائق، إلى الولايات المتحدة.

وفي خطوة تصعيدية أخرى في صراع الهيمنة على صناعة أشباه الموصلات، فرضت الصين في أغسطس 2023 قيوداً على تصدير معدنَي الغاليوم والجرمانيوم، اللذين يعدان من ركائز هذه الصناعة.

وتُعدّ الصين أكبر مصدر للمعادن النادرة في العالم؛ إذ أنتجت في عام 2022 نحو 98 في المائة من إجمالي إنتاج الغاليوم، و67.9 في المائة من إنتاج الجرمانيوم في عام 2021. وتُعدّ هذه الخطوة من قبل الصين اختباراً لقوة الولايات المتحدة وحلفائها في صراع الهيمنة على تقنيات المستقبل، والتي بلغت قيمة وارداتها من معدن الغاليوم نحو 203 ملايين دولار في عام 2022.

أوروبا تتحدى الهيمنة الأميركية

في ظل تصاعد التنافس بين القوى العظمى، يسعى الاتحاد الأوروبي أيضاً إلى تعزيز استقلاليته في مجال صناعة أشباه الموصلات من خلال قانون الرقائق الأوروبي (إي سي أيه)، الذي يشبه قانون الرقائق في الولايات المتحدة. ويهدف إلى دعم زيادة حصة أوروبا في تصنيع الرقائق الإلكترونية من 10 إلى 20 في المائة بحلول عام 2030، وهو ما يعني، بالنظر إلى النمو المتوقع لسوق الرقائق العالمية خلال هذا الإطار الزمني، زيادة إنتاجية أوروبا بأربعة أضعاف تقريباً.

وفي سبتمبر (أيلول) 2023، دخل القانون حيز التنفيذ بدعم مالي ضخم يقدر بـ43 مليار يورو بهدف تعزيز صناعة أشباه الموصلات في أوروبا من خلال الاستثمار في البحث والتطوير، وبناء مصانع جديدة، وتوسيع القدرات الإنتاجية القائمة وتحسين مرونة سلسلة التوريد.

ويتوقع الاتحاد الأوروبي أن يجذب القانون استثمارات إضافية بقيمة 15 مليار يورو من القطاعين العام والخاص. وقد التزمت شركات تصنيع الرقائق الرئيسية، سواء الأوروبية أو الدولية، بالفعل بالاستثمار في أوروبا. وتهدف هذه الشركات إلى الاستفادة من التمويل الذي يوفره القانون، بالإضافة إلى برامج الدعم الأخرى، لتعزيز خططها في مجال البحث والتطوير وتوسيع مصانعها في أوروبا. ويختلف القانون عن نظيره الأميركي من حيث القيود المفروضة على التمويل. ففي حين يفرض القانون الأميركي قيوداً على الشركات التي تتلقى تمويلاً حكومياً، لا يفرض قانون الرقائق الأوروبي أي قيود مماثلة، مما يجعله أكثر جاذبية للشركات.

صعود اليابان

في ظل التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة والصين، يُتوقع أن تُصبح اليابان مركزاً مهماً لإنتاج أشباه الموصلات، مُلبيةً الطلب العالمي المتزايد على هذه المكونات الحيوية؛ إذ تشهد هذه الصناعة ازدهاراً ملحوظاً، مدعوماً بالزيادة في تصنيع المنتجات التي تُركز عليها السياسة الحكومية، مثل خوادم الذكاء الاصطناعي وأجهزة الاتصال الهجينة، ومدفوعاً برغبة الشركات في تنويع مصادر التوريد بعيداً عن تايوان. وتتميز الطفرة الحالية في صناعة أشباه الموصلات اليابانية بانفتاحها على الشركات الأجنبية ورأس المال الأجنبي؛ إذ تُشجع الحكومة اليابانية الشركات من جميع أنحاء العالم على الاستثمار في هذا القطاع، مع التركيز على الإنتاج داخل اليابان.

وتُظهر اليابان سعياً استراتيجياً لتعزيز إنتاجها المحلي لأشباه الموصلات، مدعومة بقانون تعزيز الأمن الاقتصادي لعام 2022، الذي يضع إطاراً للتمويل المشترك بين القطاعين العام والخاص بقيمة 10 تريليونات ين على مدى 10 سنوات، مما يعكس التزاماً طويل المدى بتحقيق الاكتفاء الذاتي في هذا المجال الحيوي. وقد شكل هذا بداية تحرك لإنشاء مرافق إنتاج أشباه موصلات في اليابان، حيث سنّت الحكومة تشريعات دعم أشباه الموصلات وخصصت ميزانية سنوية قدرها 617 مليار ين.

وعلى الرغم من استهلاك اليابان لما يقارب 12 في المائة من إجمالي أشباه الموصلات العالمية، فإن حصتها من القدرة الإنتاجية تظل منخفضة للغاية. فهي تملك حصة 17.5 في المائة لمصانع 45 نانومتر وما فوق، ولكن 14.6 في المائة فقط لمصانع 28 نانومتر - 45 نانومتر، و5.5 في المائة لمصانع أقل من 28 نانومتر. ويشكل هذا التناقض دافعاً رئيسياً لتعزيز الإنتاج المحلي، وضمان أمن التوريد، وتقليل الاعتماد على الدول الأخرى.

وتُشجع اليابان الشركات الأجنبية ورأس المال الأجنبي على المشاركة بفاعلية في هذا التحول الصناعي. وأخيراً، كشفت مصادر مطلعة عن أن شركة «تي إس إم سي» لصناعة الرقائق التايوانية تتطلع إلى بناء قدرة تعبئة وتغليف متقدمة في اليابان، وهي خطوة من شأنها أن تضيف زخماً إلى جهود اليابان لإعادة تشغيل صناعة أشباه الموصلات. كذلك، أنشأت شركة «جيه أيه إس إم»، وهي شركة تابعة لشركة «تي إس إم سي»، أحدث مصنع رائد في كوماموتو، وأعلنت شركة «ميكرون تكنولوجي» الأميركية عن استثمارها في مصنع «هيروشيما» التابع لشركة «ميكرون ميموري جابان».

توقعات السوق

من المتوقع أن يصل حجم سوق الصناعة إلى نحو 1.137 تريليون دولار بحلول عام 2033؛ إذ سيبلغ معدل النمو السنوي المركب 7.64 في المائة خلال الفترة المتوقعة من 2024 إلى 2033.

ومع سيطرة منطقة آسيا والمحيط الهادئ على سوق أشباه الموصلات العالمية من حيث الإيرادات عام 2023، من المتوقع أن تحقق أميركا الشمالية وأوروبا معدل نمو كبير بسبب وجود صناعة اتصالات قوية وصناعة سيارات متطورة؛ إذ سيؤدي ارتفاع الاستثمارات التي يقوم بها أصحاب المصلحة في السوق بالولايات المتحدة في أنشطة البحث والتطوير إلى تحقيق معدل نمو قوي خلال فترة التوقعات.


مقالات ذات صلة

ما لم ترصده العين في لوحة «العبيد المطاردون»

يوميات الشرق لوحة «العبيد المطاردون» (متاحف ليفربول)

ما لم ترصده العين في لوحة «العبيد المطاردون»

«العبيد المطاردون»... لوحة تكشف تاريخاً أكثر تعقيداً من صورتها.

«الشرق الأوسط» (لندن)
تكنولوجيا تتيح المبادرة لمليون طالب وطالبة في الجامعات السعودية استخدام تقنيات «جيميناي» مجاناً لمدة عام (شاترستوك)

مليون طالب جامعي في السعودية يحصلون على «جيميناي» من «غوغل» مجاناً لمدة عام

تتيح مبادرة سعودية لمليون طالب جامعي استخدام «جيميناي» مجاناً لمدة عام مع برامج تدريبية لدعم مهارات الذكاء الاصطناعي والتعلّم.

نسيم رمضان (الرياض)
خاص تتجه التجارة الرقمية في السعودية نحو مرحلة تصبح فيها المدفوعات أكثر سلاسة وأقل ظهوراً داخل تجربة التسوق (أدوبي)

خاص وكلاء الذكاء الاصطناعي يفتحون مساراً جديداً للتجارة الرقمية في السعودية

تتجه التجارة الرقمية في السعودية نحو الدفع غير المرئي والتسوق عبر وكلاء الذكاء الاصطناعي، مع بقاء المصادقة والأمن أبرز التحديات.

نسيم رمضان (الرياض)
الاقتصاد متعاملون في سوق العملات يراقبون شاشات تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة التداول بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)

الأسهم الآسيوية ترتفع بدعم من مكاسب «وول ستريت»

ارتفعت معظم الأسهم الآسيوية في التعاملات المبكرة، يوم الجمعة، مدفوعة بتحسن معنويات الأسواق الإقليمية عقب صعود الأسهم في وول ستريت.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
تكنولوجيا  الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» ومؤسس «شات جي بي تي» سام ألتمان (رويترز)

مؤسس «شات جي بي تي» يشبّه الذكاء الاصطناعي بالكهرباء: لا غنى عنه

يرى سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي» ومؤسس «شات جي بي تي»، أن استخدام هذه التقنية لم يعد خياراً يمكن الاستغناء عنه.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

وول ستريت تتراجع عند الافتتاح بعد صدور تقرير الوظائف

العلم الأميركي على مدخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
العلم الأميركي على مدخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

وول ستريت تتراجع عند الافتتاح بعد صدور تقرير الوظائف

العلم الأميركي على مدخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
العلم الأميركي على مدخل بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

ارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية والدولار، فيما تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بشكل طفيف يوم الجمعة، بعد أن أظهر نمو الوظائف في الولايات المتحدة تسارعاً في أغسطس (آب)، في حين استقر معدل البطالة.

ويشير التقرير الشهري إلى أن سوق العمل لا تزال مستقرة، ما عزز التوقعات بأن يرفع مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أسعار الفائدة في وقت لاحق من هذا الشهر، بينما يترقب المستثمرون بيانات التضخم الاستهلاكي المقرر صدورها الأسبوع المقبل باعتبارها عاملاً رئيسياً في تحديد قرار البنك المركزي.

وزاد عدد الوظائف غير الزراعية بمقدار 162 ألف وظيفة الشهر الماضي، بعد ارتفاع معدل إلى 21 ألف وظيفة في يوليو (تموز). وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا زيادة قدرها 56 ألف وظيفة، بعدما أظهرت البيانات السابقة انخفاضاً قدره 23 ألف وظيفة في يوليو.

وارتفع عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل 10 سنوات، وهو العائد القياسي، بمقدار 1.21 نقطة أساس إلى 4.774 في المائة في أحدث تعاملات. وكان قد بلغ 4.792 في المائة مباشرة بعد صدور التقرير. كما سجل عائد السندات لأجل عامين أعلى مستوى له منذ يناير 2025.

وقال بريت كينويل، محلل الاستثمار الأميركي لدى «إي تورو» في نيويورك: «من وجهة نظر الاحتياطي الفيدرالي، لا يزال سوق العمل متماسكاً، ما يعني أن التضخم يظل المشكلة الأكبر».

وأضاف: «ستحظى بيانات مؤشر أسعار المستهلكين الأسبوع المقبل بمتابعة وثيقة، في ظل اقتراب موعد قرار الاحتياطي الفيدرالي بشأن أسعار الفائدة في منتصف سبتمبر (أيلول)».

وتشير العقود الآجلة لأسعار الفائدة قصيرة الأجل إلى احتمال يبلغ نحو 65 في المائة لرفع الفائدة في اجتماع الاحتياطي الفيدرالي المقرر يومي 15 و16 سبتمبر، ارتفاعاً من نحو 55 في المائة قبل صدور التقرير.

تراجع أسعار النفط وارتفاع الدولار

تراجعت أسعار النفط من مستوياتها المرتفعة مؤخراً. وأدت الهجمات المتجددة هذا الأسبوع في الحرب بين الولايات المتحدة وإيران إلى ارتفاع أسعار النفط، ما زاد المخاوف القائمة بالفعل بشأن ارتفاع التكاليف.

وانخفض الخام الأميركي 1.6 في المائة إلى 89.87 دولار للبرميل، فيما تراجع خام برنت 1.3 في المائة إلى 94.26 دولار للبرميل.

وتراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي 98.46 نقطة، أو 0.19 في المائة، إلى 53,587.65 نقطة، وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» 6.06 نقطة، أو 0.08 في المائة، إلى 7,741.65 نقطة، فيما ارتفع مؤشر «ناسداك» المركب 17.02 نقطة، أو 0.06 في المائة، إلى 26,601.08 نقطة.

وارتفع مؤشر «إم إس سي آي» للأسهم العالمية 1.02 نقطة، أو 0.09 في المائة، إلى 1,155.76 نقطة، فيما صعد مؤشر «ستوكس 600» الأوروبي 0.04 في المائة.

وارتفع مؤشر الدولار، الذي يقيس أداء العملة الأميركية أمام سلة من العملات تشمل الين واليورو، 0.2 في المائة خلال اليوم. وتراجع الين الياباني لفترة وجيزة 0.41 في المائة إلى 156.45 ين للدولار، قبل أن يستقر الدولار تقريباً أمام الين في أحدث التعاملات.

وانخفض سعر الذهب الفوري 1.2 في المائة إلى 4,418.09 دولار للأوقية.


صندوق الثروة النرويجي يقترح خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية

البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)
البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)
TT

صندوق الثروة النرويجي يقترح خفض حيازاته من سندات الخزانة الأميركية

البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)
البنك المركزي النرويجي في أوسلو حيث مقرّ صندوق الثروة السيادي (رويترز)

اقترح مدير صندوق الثروة السيادي النرويجي، البالغ حجمه 2.3 تريليون دولار، خفضاً كبيراً لانكشافه على سندات الخزانة الأميركية، في إطار إعادة هيكلة أوسع لاستثماراته في السندات بهدف تحسين العوائد، وفقاً لرسالة نُشرت هذا الأسبوع.

وأوصت إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» بخفض وزن السندات الحكومية في مؤشر السندات القياسي من 70 في المائة إلى 50 في المائة، مع توجيه الجزء الأكبر من الخفض إلى سندات الخزانة الأميركية، التي تمثّل أكبر حيازات الصندوق، وفقاً للرسالة.

وستؤدي هذه التغييرات إلى خفض ما يقرب من 80 مليار دولار من حيازات الصندوق الحالية من سندات الخزانة الأميركية، التي بلغت نحو 215 مليار دولار حتى نهاية يونيو (حزيران)، وفقاً لحسابات «رويترز».

وشهدت أسواق السندات الحكومية اضطرابات مؤخراً، مع ارتفاع تكاليف الاقتراض طويل الأجل بشكل حاد، في ظل مخاوف المستثمرين من ارتفاع معدلات التضخم ومستويات الدين الحكومي.

ويمتلك صندوق الثروة السيادي النرويجي، وهو الأكبر في العالم، في المتوسط 1.5 في المائة من جميع الشركات المدرجة عالمياً. ويعني حجمه الهائل أن قراراته الاستثمارية قادرة على التأثير في تدفقات السوق على نطاق واسع.

وأكدت إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» أن أي تغييرات ستُنفّذ تدريجياً.

وجاءت مقترحات الصندوق رداً على استفسارات من وزارة المالية النرويجية بشأن استراتيجية استثمار صندوق الثروة السيادي في السندات.

وقال بنك النرويج للاستثمار إنه سينتظر رد الوزارة، مضيفاً أن أي تغييرات ستُنفّذ تدريجياً تأتي للحد من تأثيرها على السوق وتكاليف المعاملات.

وكتبت محافظة «بنك النرويج»، إيدا وولدن باش، والرئيس التنفيذي لإدارة الاستثمار في «بنك النرويج»، نيكولاي تانجن، في الرسالة: «نوصي بخفض المؤشر الفرعي الحكومي لمؤشر السندات من 70 في المائة إلى 50 في المائة».

وأضافا: «ستكون حصة حكومية بنسبة 50 في المائة كافية لتغطية احتياجات السيولة، بما في ذلك خلال فترات اضطراب الأسواق المالية».

كما اقترح الصندوق، في رسالة منفصلة، النظر في زيادة استثماراته في الأصول غير المدرجة، جزئياً بوصفها وسيلة للحد من مخاطر التركّز التي تزايدت في محفظة أسهمه الخاصة وسط الارتفاع القوي في أسعار أسهم عدد من شركات التكنولوجيا الأميركية.

وبموجب تفويضه الحالي، يمكن للصندوق الاستثمار في أصول عقارية وأصول أخرى للطاقة المتجددة غير المدرجة، إلا أن حصة الاستثمارات غير المدرجة لديه لا تزال أقل من مثيلاتها لدى الصناديق المماثلة.

خفض سندات الخزانة الأميركية

أعلنت إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» أن التغيير الأبرز في مؤشر السندات يتمثّل في زيادة الاستثمار في أدوات الدين غير الحكومية، بما في ذلك الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري، بهدف تحسين تنويع المحفظة وزيادة الانكشاف على علاوات المخاطر.

وصرّح متحدث باسم إدارة الاستثمار في «بنك النرويج» بأن إجمالي الانكشاف على الدولار الأميركي سيظل عند نحو 50 في المائة، مضيفاً: «يكمن التغيير في تركيبة سوق الدولار: انخفاض حيازات سندات الخزانة الأميركية الحكومية، وزيادة مقابلة في سندات الرهن العقاري الأميركية والسندات الحكومية».

وبموجب المقترحات، سينخفض وزن سندات الخزانة الأميركية الحكومية في مؤشر السندات من 34.1 في المائة إلى 21.9 في المائة، وفقاً للرسالة، فيما سينخفض تخصيص سندات منطقة اليورو بشكل طفيف من 16.8 في المائة إلى 14.1 في المائة.

وسيرتفع تخصيص سندات الحكومة اليابانية من 4.6 في المائة إلى 7.4 في المائة، في حين سيظل تخصيص السندات البريطانية دون تغيير عند 4.2 في المائة. وقال الصندوق إن هذه التغييرات ستجعل المؤشر أكثر توافقاً مع أوزان السوق العالمية.

وفي حين سينخفض انكشاف الصندوق على سندات الخزانة الأميركية، سترتفع النسبة المقترحة للديون غير الحكومية الأميركية من 16.2 في المائة إلى 27.6 في المائة، ما يعني أن الوزن الإجمالي لمؤشر السندات المقوّم بالدولار الأميركي سينخفض بشكل طفيف فقط، من 52.9 في المائة إلى 52.5 في المائة.


المعادن النادرة تعيد الضغط على هدنة الصين وأميركا

عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
TT

المعادن النادرة تعيد الضغط على هدنة الصين وأميركا

عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)
عمال يستخدمون آلات حفر في منجم للمعادن الأرضية النادرة بمقاطعة غانشيان في جيانغشي وسط الصين (أ.ب)

عادت المعادن النادرة إلى صدارة التوتر التجاري بين الصين والولايات المتحدة، بعدما امتنع بعض الموردين الصينيين عن تنفيذ شحنات إلى عملاء أميركيين رغم حصولهم على تراخيص تصدير؛ خشية التعرض لعقوبات من بكين، في تطور يعكس استمرار هشاشة سلاسل توريد المواد الحيوية قبل زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن في 24 سبتمبر (أيلول).

ويكتسب الملف أهمية استثنائية للولايات المتحدة؛ نظراً إلى استخدام المعادن والمواد الحرجة في قطاعات الدفاع وأشباه الموصلات والطيران والطاقة والأجهزة الطبية. ورغم تعافي صادرات كثير من المعادن النادرة والمغناطيسات المرتبطة بها منذ فرض الصين قيوداً في أبريل (نيسان) 2025، لا تزال أسعار بعض المواد قرب مستويات قياسية، في حين تستمر اختناقات المعروض.

وحسب مصادر مطلعة، رفض عدد من الموردين الصينيين منذ مطلع أغسطس (آب) إرسال معادن نادرة إلى شركات أميركية بعد فرض بكين عقوبات على تحالف «ريسبونس بيزنس أليانس»، وهي جهة أميركية تراقب سلاسل التوريد.

وتخشى الشركات الصينية التعرض لإجراءات من السلطات إذا التزمت بإطار العناية الواجبة التابع لـ«ريسبونس بيزنس أليانس»، وهو برنامج عالمي لتدقيق سلاسل توريد المعادن مرتبط بالتحالف الأميركي.

كما أوقفت شركات صينية أخرى شحناتها إلى الولايات المتحدة خلال الأشهر الأخيرة؛ تجنباً للتورط في التوترات الجيوسياسية. وأشار أحد المصادر إلى أربع حالات رفضت فيها شركات صينية إرسال مواد بسبب مخاوف من إعادة بيعها لاحقاً إلى مستخدمين خاضعين للحظر.

ولم يتضح العدد الإجمالي للموردين الذين امتنعوا عن تنفيذ شحنات إلى الولايات المتحدة، لكن استمرار المشكلة دفع واشنطن إلى وضع المعادن النادرة ضمن الملفات التي يجري التحضير لمناقشتها قبل زيارة شي.

وتضغط الإدارة الأميركية على الصين للالتزام بالتعهدات التي تم التوصل إليها في بوسان وبكين خلال العام الماضي؛ لضمان التدفق السلس لتراخيص تصدير المعادن النادرة. وقال مسؤول أميركي إن واشنطن تواصل مطالبة الجانب الصيني بمعالجة ما تعدّه عدم امتثال لاتفاق بوسان، إلى جانب قضايا ثنائية أخرى.

وتبرز أهمية القيود بصورة خاصة في مواد مثل الإيتريوم وفوسفيد الإنديوم والتنغستن، المستخدمة في تطبيقات عسكرية أو صناعات حساسة مثل الطيران وتصنيع الرقائق. كما طالت تأخيرات التراخيص شركات تعمل في الأجهزة الطبية والطاقة.

وتظهر بيانات الجمارك الصينية أن صادرات الإيتريوم إلى الولايات المتحدة ارتفعت هذا العام، لكنها لا تزال عند نحو نصف مستويات 2024، رغم إرسال كميات كبيرة إلى دول أخرى. وحسب المصادر، تنتظر بعض الشركات الأميركية منذ أكثر من ستة أشهر الحصول على تراخيص لاستيراد المعادن.

وقالت ريفا غوجون، الخبيرة الاستراتيجية في الشؤون الجيوسياسية لدى «روديوم غروب»، إن الصين استخدمت ضوابط تصدير المعادن النادرة بفاعلية للضغط على مكتب الصناعة والأمن التابع لوزارة التجارة الأميركية، المسؤول عن عدد من القيود المفروضة على الصين.

وترى غوجون أن اختناقات سلاسل التوريد ستكون في صلب المباحثات المقبلة، لكنها تتوقع أن تخفف بكين بعض القيود على المواد الخام الحيوية حول موعد القمة؛ بهدف تقليص الانتقادات الأميركية بشأن عدم التزام الصين بالهدنة التجارية.

وتقول بكين من جانبها، إنها ملتزمة بالحفاظ على استقرار سلاسل الإمداد العالمية للمعادن الحيوية. كما تربط العقوبات التي فرضتها في أغسطس على شركات تدقيق أميركية بإجراءات اتخذتها لجنة الاتصالات الفيدرالية الأميركية منذ ديسمبر (كانون الأول) ضد مختبرات صينية لاختبار الإلكترونيات والطائرات المسيّرة وأجهزة التوجيه الاستهلاكية والكابلات البحرية ومعدات الروبوتات المتقدمة ومحولات الطاقة.

وعندما أثار مسؤولون أميركيون قضية المعادن النادرة خلال اجتماعات ثنائية، رد مسؤولون صينيون بأن الإجراءات الأميركية نفسها تنتهك هدنة بوسان؛ ما يعكس اتساع الخلاف من قضية تجارية محددة إلى شبكة من القيود التنظيمية المتبادلة.

ومع ذلك، ظهرت مؤشرات على مرونة محدودة. فبعد شهرين لم تصدّر خلالهما الصين أي إيتريوم إلى الولايات المتحدة، أرسلت 27 طناً في يوليو (تموز)، وهي ثاني أكبر شحنة شهرية منذ يناير (كانون الثاني) 2025. كما أفادت شركات أميركية بحصولها مؤخراً على تراخيص عدة بعد فترات انتظار طويلة، وسط توقعات بزيادة الموافقات مع اقتراب قمة سبتمبر.

ولا تقتصر القيود على الولايات المتحدة؛ إذ تواجه الشركات اليابانية والهندية صعوبات أكبر في بعض الحالات، في حين قال وزير التجارة الياباني ريوسي أكازاوا سابقاً إن الشركات اليابانية واجهت تأخيرات في التصاريح وعمليات تفتيش جمركية مطولة للمعادن الحيوية.

وتكشف البيانات عن حجم التراجع في الإمدادات إلى اليابان؛ فلم تصدّر الصين أي كميات من التيربيوم إليها بين يناير وأغسطس من العام الحالي، مقارنة بنحو 20 طناً في الفترة نفسها من العام الماضي. كما هبطت شحنات الغاليوم 65 في المائة، والإيتريوم 98 في المائة. ويستخدم الغاليوم والتيربيوم بكميات صغيرة في تصنيع المغناطيسات عالية الأداء.

كما قالت غرفة التجارة الأوروبية في الصين إن إجراءات الترخيص أصبحت أكثر انسيابية، لكن الشركات الأعضاء لا تزال تواجه مشكلات في التنفيذ، مطالبة بنظام شفاف ويمكن التنبؤ به يضمن الوصول الموثوق إلى المعادن النادرة.

وتكشف الأزمة عن ورقة استراتيجية قوية تمتلكها بكين في علاقتها الاقتصادية مع واشنطن وحلفائها. فحتى عندما تمنح الحكومة تراخيص التصدير، يمكن للمخاطر التنظيمية والجيوسياسية أن تدفع الشركات نفسها إلى الامتناع عن الشحن.

ومع اقتراب زيارة شي إلى واشنطن، سيكون الاختبار الأساسي هو ما إذا كانت الصين ستخفف القيود بما يكفي لإزالة الاختناقات، أم ستحتفظ بالمعادن النادرة ورقة تفاوضية. وفي الحالتين، تؤكد التطورات أن أمن الإمدادات أصبح جزءاً أساسياً من المنافسة الاقتصادية بين القوتين، وأن الحصول على الترخيص لم يعد بالضرورة ضماناً لوصول المواد الحيوية إلى المصانع الأميركية.