إيجارات المساكن تدفع بالتضخم السعودي للارتفاع إلى 1.8 % في فبراير

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: ضخ مزيد من المشاريع العقارية يسهم في خفض مؤشر «أسعار المستهلك»

جهود مكثفة للسيطرة على معدل التضخم في السعودية (الشرق الأوسط)
جهود مكثفة للسيطرة على معدل التضخم في السعودية (الشرق الأوسط)
TT

إيجارات المساكن تدفع بالتضخم السعودي للارتفاع إلى 1.8 % في فبراير

جهود مكثفة للسيطرة على معدل التضخم في السعودية (الشرق الأوسط)
جهود مكثفة للسيطرة على معدل التضخم في السعودية (الشرق الأوسط)

دفعت الإيجارات الفعلية للمساكن بمعدل التضخم في السعودية إلى الارتفاع على أساس سنوي إلى 1.8 في المائة خلال فبراير (شباط) الماضي، مقابل 1.6 في المائة في يناير (كانون الثاني) الفائت.

ورغم هذا الارتفاع، لا يزال التضخم منخفضاً في السعودية مقارنةً بالمستويات العالمية، حيث تحدّ السياسات الحكومية من تأثير زيادات الأسعار العالمية. وتحتل المملكة مرتبة متقدمة جداً في ترتيب مجموعة العشرين في معدلات التضخم، بعد الصين التي أعلنت منذ أيام خروجها من الانكماش وتسجيل تضخم 0.4 في المائة للمرة الأولى منذ 6 أشهر، وسويسرا التي سجلت 1.2 في المائة.

وجاء ارتفاع معدل التضخم في فبراير بضغط من أسعار السكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع وقود أخرى التي زادت 8.5 في المائة، وأسعار الأغذية والمشروبات 1.3 في المائة. في المقابل، انخفضت أسعار النقل 0.9 في المائة، وكذلك السلع والخدمات الشخصية المتنوعة 1.1 في المائة.

وحسب تقرير الرقم القياسي لأسعار المستهلك خلال فبراير 2024، الصادر عن الهيئة العامة للإحصاء، الخميس، ارتفعت الإيجارات الفعلية للمساكن في المملكة 10 في المائة، متأثرةً بزيادة في أسعار إيجارات الفيلات 9.1 في المائة، وكان لارتفاع هذه المجموعة تأثير كبير في ارتفاع التضخم السنوي حيث تزن 21 في المائة.

ويؤكد خبراء لـ«الشرق الأوسط» أن المملكة ما زالت تسيطر على معدل التضخم بالمقارنة مع اقتصادات العالم، وكذلك مجموعة العشرين على وجه الخصوص.

ويعتقد المختصون أن استمرار عملية ضخ المشاريع السكنية في المرحلة المقبلة، سوف تسهم في خفض أسعار العقارات وإيجارات المساكن، ما ينعكس على معدل التضخم ليعود إلى مستويات متدنية.

في هذا الإطار، أوضح عضو مجلس الشورى فضل البوعينين، لـ«الشرق الأوسط»، أن ارتفاع معدل التضخم بوتيرة متسارعة من التحديات التي تسعى الحكومات لمعالجتها وبما ينعكس إيجاباً على معيشة الناس ويخفف الأعباء المالية عليهم ويعزز القوة الشرائية لديهم.

وفيما يتعلق بالإنفاق الاستهلاكي فيتأثر بشكل مباشر بارتفاع الأسعار التي تحدّ من عمليات الشراء وتؤثر سلباً على الأسواق، مبيناً أن الأثر لا يقتصر على المستهلكين بل يتجاوزه إلى قطاع التجزئة وقطاعات أخرى تتأثر بدورها سلباً بضعف الإنفاق الاستهلاكي الذي يحد من توسعها واستدامتها أيضاً.

تحفيز الإنتاج الوطني

ووفق البوعينين، من الأدوات المساهمة في خفض معدل ارتفاع الأسعار المغذّي لمعدل التضخم توفر السلع والمنتجات بكميات تفوق حاجة السوق وهذا يمكن تحقيقه من 3 محاور: الأول تحفيز الإنتاج الوطني لسد النسبة الكبرى من الاحتياج المحلي، وهذا من شأنه ضبط الأسعار والضغط عليها بشكل أكبر في حال توفر المنافسة العادلة بين المنتجين، وتجنب الاحتكار.

وأوضح أن تحفيز المصانع السعودية وقطاعات الإنتاج عموماً لزيادة الإنتاج والتوسع فيه لتلبية الطلب المحلي، من أهم أدوات ضبط التضخم المستورد، وتعزيز المنافسة وتعدد المنتجين من أدوات ضبط الأسعار والتأثير الإيجابي فيها.

والمحور الآخر مرتبط بتعزيز الخزن الاستراتيجي لاستخدامه عند الأزمات أو ارتفاع الأسعار فيتحول إلى أداة لتوفير السلع عند الحاجة أو في الأزمات الطارئة، وأداة لضبط الأسعار.

أما المحور الثالث فيرتبط بالرقابة الصارمة على الأسواق، وربما التسعير لسلة الغذاء الرئيسية والسلع المهمة عند الحاجة.

تحفيز الشركات المطورة

وبالنسبة إلى أسعار الإيجارات والمساكن، ذكر عضو مجلس الشورى أنها من مغذيات التضخم في الوقت الحالي، رغم تفاوت تأثيرها بين مناطق المملكة، ولكنها تظهر بوضوح في الرياض وبعض المدن الرئيسية.

وأضاف أن هناك جوانب مهمة يمكن التعامل معها بخصوص هذا الملف أهمها: ضخ مزيد من مشروعات الإسكان وبما يسهم في زيادة العرض وبالتالي انخفاض أسعار الإيجارات، وهذا يحتاج إلى تحفيز أكبر لشركات التطوير والقطاع الخاص عموماً، وفق استراتيجية محددة تضمن تحقيق هدف الضغط على الأسعار وبما يخفض من تكلفة المعيشة.

وتوقع عضو مجلس الشورى أن تسهم وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، في خفض أسعار العقارات وهذا يمكن تحقيقه من خلال توفير الأراضي للمواطنين القادرين على تنفيذ بناء مساكنهم من مصادرهم الخاصة، وكذلك إدخال نماذج بناء المساكن الحديثة قليلة التكلفة سريعة الإنجاز وذات الجودة العالية، لافتاً إلى أن هذا يحتاج لدخول شركات عالمية السوق بخبرة واسعة وكفاءة وجودة.

ومن الحلول أيضاً تنفيذ الوزارة مشروعات الإسكان بأسعار في متناول يد الغالبية العظمى من المواطنين، إضافةً إلى دراسة تطبيق أنظمة جديدة معزَّزة لضبط أسعار الإيجارات والعقارات عموماً.

خفض أسعار الإيجارات

من جهته، قال الخبير الاقتصادي رئيس مجموعة «أماكن الدولية»، خالد الجاسر، لـ«الشرق الأوسط»، إن معدل التضخم في السعودية يحافظ على المستوى المعقول ونسب متوازنة مقارنةً بمعظم دول العالم وقياساً بالاقتصاديات الكبرى، لا سيما مجموعة العشرين الكبرى.

وأكد أن تحفيز المصانع السعودية لزيادة حجم الإنتاج الوطني سوف يسهم في خفض معدل التضخم في الفترة القادمة.

وبيَّن الجاسر أن وزارة الشؤون البلدية والقروية والإسكان، تكثف جهودها لتحفيز الشركات المختصة بالمشاريع العقارية، إلى جانب المؤسسات التمويلية، لضخ مزيد من المشاريع الإسكانية، وبالتالي سوف يؤثر ذلك في أسعار الإيجارات بشكل إيجابي لأنه المؤثر الأكبر على معدل التضخم في المملكة.

القياس السنوي

وسجلت أسعار الأغذية والمشروبات في فبراير ارتفاعاً نسبته 2.5 في المائة، متأثرةً بزيادة في أسعار خدمات تقديم الطعام 2.2 في المائة، في حين شهد قسم المطاعم والفنادق زيادة نسبتها 2.5 في المائة، بسبب ارتفاع أسعار خدمات تقديم الطعام 2.2 في المائة.

وحسب التقرير، ارتفع قسم الترفيه والثقافة بنسبة بلغت 1.6 في المائة، متأثراً بزيادة أسعار عروض العطلات والسياحة 6.1 في المائة.

وقالت الهيئة العامة للإحصاء، إن قسم التعليم شهد أيضاً ارتفاعاً بنسبة 1.2 في المائة، متأثراً بزيادة أسعار رسوم التعليم المتوسط والثانوي 4.3 في المائة.

من جهة أخرى، انخفضت أسعار قسم تأثيث وتجهيزات المنزل 3 في المائة، بسبب تراجع أسعار الأثاث والسجاد وأغطية الأرضيات 4.5 في المائة، وكذلك انخفضت أسعار الملابس والأحذية 4 في المائة، متأثرة بتراجع أسعار الملابس الجاهزة 6.4 في المائة.

كما تراجعت أسعار قسم النقل 0.9 في المائة، متأثرة بانخفاض أسعار شراء المركبات بنسبة 2.3 في المائة.


مقالات ذات صلة

السعودية: أكثر من مليوني منشأة و12 مليون عقد في «قوى» خلال الربع الأول  

الاقتصاد عاملون في وزارة الصحة يقومون بأداء مهامهم الوظيفية (الشرق الأوسط)

السعودية: أكثر من مليوني منشأة و12 مليون عقد في «قوى» خلال الربع الأول  

كشفت وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية عن أبرز أرقام منصة «قوى» خلال الربع الأول من العام الحالي، وذلك في إطار جهودها المستمرة لتطوير سوق العمل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص المقر الرئيسي لشركة «موبايلي» (الشرق الأوسط)

خاص رئيس «موبايلي»: «رؤية 2030» حوّلت قطاع الاتصالات في السعودية إلى محرك للاقتصاد الرقمي

أسهمت «رؤية السعودية 2030» في إحداث تحوّل هيكلي عميق في قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات، حوّله من مزود تقليدي للخدمات إلى ممكن رئيسي للاقتصاد الرقمي.

مساعد الزياني (الرياض)
الاقتصاد ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان التقى رئيس الوزراء الباكستاني محمد شهباز شريف في جدة 12 مارس 2026 (واس) p-circle 00:47

شهباز شريف: سددنا 3.5 مليار دولار من الديون بفضل دعم السعودية «المحوري»

أعرب رئيس الوزراء الباكستاني، شهباز شريف، عن امتنانه العميق وتقديره البالغ للسعودية، قيادةً وحكومةً، لدورها الحاسم في مساندة بلاده.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
الاقتصاد موقع تصنيعي لشركة «سابك» في الجبيل (المركز الإعلامي للشركة)

«سابك» تعود إلى مربع الربحية في الربع الأول وسط تحولات استراتيجية كبرى

نجحت الشركة السعودية للصناعات الأساسية (سابك) في استعادة توازنها المالي خلال الربع الأول من عام 2026.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد سجلت مجموعة «إس تي سي stc» السعودية نمواً في أدائها المالي خلال الربع الأول من عام 2026 (الشرق الأوسط)

أرباح «إس تي سي» تقفز 12 % وإيراداتها تلامس 5.3 مليار دولار

سجلت مجموعة «إس تي سي stc» السعودية نمواً في أدائها المالي خلال الربع الأول من عام 2026، مدفوعةً بزيادة الإيرادات وتحسن الكفاءة التشغيلية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.