الدخل الفردي اللبناني سيبقى دون 3 آلاف دولار حتى عام 2027

تقييم ائتماني صادم يرصد تداعيات الجمود السياسي وحرب غزة

«ستاندرد آند بورز» أبقت  التصنيف الأدنى للديون السيادية بالعملات الأجنبية عند درجة التعثر الاختياري (رويترز)
«ستاندرد آند بورز» أبقت التصنيف الأدنى للديون السيادية بالعملات الأجنبية عند درجة التعثر الاختياري (رويترز)
TT

الدخل الفردي اللبناني سيبقى دون 3 آلاف دولار حتى عام 2027

«ستاندرد آند بورز» أبقت  التصنيف الأدنى للديون السيادية بالعملات الأجنبية عند درجة التعثر الاختياري (رويترز)
«ستاندرد آند بورز» أبقت التصنيف الأدنى للديون السيادية بالعملات الأجنبية عند درجة التعثر الاختياري (رويترز)

لم تكن عودة الاقتصاد اللبناني إلى شاشات المؤسسات المالية الدولية واعدة بإمكانية استعادة النمو الإيجابي على المديين الأقرب والمتوسط، بل حفلت ببيانات وترقبات صادمة مع تحديد قعر جديد ومستمر للناتج المحلي عند عتبة 16 مليار دولار نزولاً من نحو 53 مليار دولار قبل انفجار الأزمات المالية والنقدية، واستتباعاً تسجيل انكماش حاد للناتج الفردي من نحو 8 آلاف إلى أقل من 3 آلاف دولار.

ومع الاستناد إلى حقيقة تعثر تطبيق الإصلاحات التي من شأنها أن تطلِق مسار التعافي الاقتصادي نتيجة الجمود السياسي الحالي في لبنان، أبقت وكالة «ستاندرد آند بورز» التصنيف الأدنى للديون السيادية بالعملات الأجنبية عند درجة التعثر الاختياري (SD)، ودرجة خطر التخلف عن السداد (CC) للديون بالعملة المحلية، مع نظرة مستقبلية «سلبية» للفئتين معاً.

ولاحظت الوكالة أنّ الفراغ الرئاسي لا يزال قائماً بعد انعقاد 12 جلسة انتخاب، كما أنّ الحكومة القائمة هي في حالة تصريف الأعمال، مما يحدّ من قدرتها على تطبيق الإصلاحات الضروريّة المطلوبة من صندوق النقد الدولي، واستطراداً فإنه من غير المرجّح أيضاً أنّ يتمّ مشروع إعادة هيكلة الدين، في حين أنّ الحرب في غزة قد زادت حدّة التوتّرات السياسيّة والأخطار الأمنيّة المحليّة.

وبرز في خلفية التوقعات غير المطمئنة التي وردت في تقرير محدَّث للمؤسسة الدولية أنجزته منتصف الشهر الحالي، انسداد آفاق النهوض الاقتصادي بما يُفضي إلى استقرار الناتج المحلي عند مستواه الحالي حتى نهاية عام 2027 على أقل تقدير، بينما رجّحت الوكالة الائتمانية الدولية تسجيل انكماش إضافي هذا العام بنسبة مماثلة تماماً للعام الماضي والبالغة 0.2 في المائة. بينما يعوّل على التعافي البسيط في الحركة الاقتصاديّة في القطاع الخاصّ وفي حركة السياحة لإسناد النموّ الاقتصادي خلال الفترة بين عامي 2025 و2027.

في المقابل، جرى التنويه إلى أنّ حاكم مصرف لبنان بالإنابة وسيم منصوري يطالب البرلمان بإقرار قانون الضوابط الاستثنائية على التحويلات والرساميل (كابيتال كونترول)، وتحرير أسعار الصرف وتوحيدها، ووضع إطار قانوني يمنع المصرف المركزي من تمويل الحكومة، وهي كلّها إصلاحات تتماشى مع الشروط المسبقة المطلوبة من برنامج صندوق النقد، علماً بأن لبنان كان قد توصّل إلى اتفاق مبدئي مع صندوق النقد الدولي في أبريل (نيسان) 2022 للاستحصال على مساعدات ماليّة بقيمة 3 مليارات دولار موزّعة على فترة 46 شهراً ومشروطة بتطبيق إصلاحات لإعادة بناء الاقتصاد وتحسين الحوكمة.

وتشمل أبرز هذه الإصلاحات، موافقة مجلس الوزراء على خطّة إعادة هيكلة القطاع المصرفي، وعلى خطّة متوسّطة المدى لإعادة هيكلة الماليّة العامّة والديون، وإكمال التدقيق في موجودات مصرف لبنان بالعملة الأجنبيّة، والبدء بتقييم خارجي لأكبر 14 مصرفاً وتوحيد أسعار الصرف.

وبالنسبة إلى مسألة إعادة هيكلة القطاع المصرفي المطروحة حالياً على جدول أعمال مجلس الوزراء، فقد أشارت الوكالة الدولية إلى صعوبة تطبيقها في الوقت الراهن في ظلّ عدم توافق الأطراف المعنيّة على نوع وحجم الخسائر وكيفيّة توزيعها، في حين أنّ التعديلات التي تمّت على قانون السريّة المصرفيّة، وبالمثل تلك التي أدخلت على مشروع قانون «الكابيتال كونترول» تتطلّب مزيداً من التطوير لدعم تعافي القطاع المالي.

وعلى الصعيد المالي، أشارت إلى أنّ موازنة عام 2024، التي أُقرّت في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، لم تتضمّن إصلاحات أساسيّة كتلك المطلوبة من صندوق النقد، مما يوجب تعديلها لتعزيز تحصيل الإيرادات، خصوصاً لجهة تحديث شرائح الضرائب وبعض الرسوم لتعويض تدهور سعر صرف الليرة اللبنانيّة مقابل الدولار في السوق الموازية.

وإذ بلغت تقديرات نسبة الدين العام من الناتج المحلّي الإجمالي نحو 285 في المائة في العام الماضي مقارنةً بنسبة 160 في المائة قبل الأزمة، رصدت الوكالة ارتفاع نسبة الدين بالعملة الأجنبيّة من الدين العام الإجمالي من نحو 40 في المائة إلى 98 في المائة في عام 2023 عند احتسابها على أساس سعر الصرف على منصّة «صيرفة». وبالتوازي، كشفت أنّ الحكومة لن تُصدر سندات خزينة في الفصل الأوّل من العام الحالي، مع العلم بأنّ البنك المركزي لم يشارك في هذه المزادات منذ النصف الثاني من عام 2022.

بذلك، وفي ظلّ عدم إحراز أي تقدّم ملحوظ في تطبيق إعادة هيكلة الدين والإصلاحات المطلوبة، فقد تراجعت ثقة المستثمرين والمودعين، كما واصلت الودائع مسارها الانحداري. وفي المقابل، يرجَّح بقاء معدّلات التضخّم أعلى من نسبة 100 في المائة خلال العام الحالي، في ظل النقص في الاحتياطيات بالعملة الأجنبيّة وارتفاع تكلفة الاستيراد، علماً بأن تدهور سعر صرف الليرة مقابل الدولار والرفع التدريجي للدعم عن المواد الأساسيّة قد أسهما في زيادة معدّل التضخّم إلى نحو 221 في المائة في العام المنصرم.

أيضاً، يُتوقع تسجيل انكماش في عجز الحساب الجاري بنحو 1.5 مليار دولار خلال الفترة الممتدّة بين عامي 2025 و2027 نتيجة تراجع الصادرات بسبب النقص الحادّ في السيولة بالعملة الأجنبيّة وتدفّقات قويّة للتحويلات الواردة، بينما نوّهت الوكالة، في تقريرها الذي أوردته وحدة الأبحاث في مجموعة «الاعتماد اللبناني»، إلى أنه في ظلّ غياب التمويل الخارجيّ، فإنّها تتوقّع وجود قيود على تمويل عجز الحساب الجاري، كما تستبعد تمويل هذا العجز من الاحتياطيات بالعملة الأجنبيّة لدى البنك المركزي.

وفي ملاحظة إيجابية يتيمة وغير قابلة للتحقق وسط الوقائع السلبية السارية على كل المستويات، أشارت الوكالة إلى أنّها ستُحسن تصنيف الدين بالعملة الأجنبيّة إذا نجحت خطّة الحكومة بإعادة هيكلة الدين. ولفتت أيضاً إلى أنها ستُحسن تصنيف لبنان إذا تضاءلت احتمالات تعثّره عن سداد ديونه، لكنها أنذرت بأنها ستخفّض هذا التصنيف إذا أعلنت الحكومة نيّتها إعادة هيكلة الدين العام بالعملة المحليّة، أو إذا لم تتمكّن من دفع مستحقّاتها من أصل الدين أو خدمة الدين في الوقت المحدّد.


مقالات ذات صلة

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

خاص العاصمة السعودية الرياض (واس)

بعد عام على قرارات ولي العهد... عقارات الرياض «تودِّع» المُضَاربة بتراجع 64 % في قيمة الصفقات

بعد عام من قرارات ولي العهد لتنظيم السوق العقارية بالرياض، انخفضت قيمة الصفقات 64 في المائة مقارنة بالفترة نفسها قبل صدور القرارات.

محمد المطيري (الرياض)
الاقتصاد متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً.

«الشرق الأوسط» (عواصم)
الاقتصاد تصاعد الدخان عقب هجوم صاروخي من إيران على تل أبيب (رويترز)

«فيتش» تؤكد تصنيف إسرائيل عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية

أكدت وكالة «فيتش» للتصنيفات الائتمانية، الجمعة، التصنيف الائتماني طويل الأجل لإسرائيل بالعملة الأجنبية عند «إيه» مع نظرة مستقبلية سلبية.

«الشرق الأوسط» (القدس)
الاقتصاد محطة طاقة تعمل بالفحم في مدينة يوكوهاما اليابانية (أ.ف.ب)

اليابان تحذّر من تداعيات اقتصادية طويلة الأمد لـ«حرب إيران»

ذكرت الحكومة اليابانية أن الارتفاع الحاد في أسعار النفط قد يؤدي إلى ضغوط تضخمية طويلة الأمد على الاقتصاد خلال الفصول القليلة المقبلة.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد جانب من اجتماعات منظمة التجارة العالمية في العاصمة الكاميرونية ياوندي (رويترز)

محادثات إصلاح «منظمة التجارة العالمية» تواجه عقبة أميركية - هندية

قال دبلوماسيان لوكالة «رويترز»، الجمعة، إن خلافات كبير لا تزال قائمة بين معظم الدول والولايات المتحدة والهند، فيما يخص مناقشة الإصلاحات بمنظمة التجارة العالمية.

«الشرق الأوسط» (ياوندي (الكاميرون))

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز»، نقلاً عن مصدر مطلع، السبت، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وقد فعّلت السعودية خطة الطوارئ لتعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب «شرق - غرب» إلى البحر الأحمر، حيث أدى تعطّل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بسبب حرب إيران، إلى قطع الطريق الرئيسي لتصدير النفط من دول الخليج.

وقد تم تحويل مسار أساطيل ناقلات النفط إلى ميناء ينبع لتحميل النفط، مما يوفر شرياناً مهماً لإمدادات النفط العالمية.

ونقلت «بلومبرغ» عن المصدر قوله إن صادرات الخام عبر ينبع بلغت الآن 5 ملايين برميل يومياً. كما تصدر المملكة نحو 700 ألف إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. ومن بين الـ7 ملايين برميل التي تمر عبر خط الأنابيب يتم توجيه مليونَي برميل إلى مصافي التكرير السعودية.

ويُسهم مسار ينبع جزئياً في تعويض النقص في الإمدادات، الناتج عن تعطُّل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز العالمية يومياً قبل الحرب. إلا أن هذا المسار البديل يُعدّ أحد أسباب عدم وصول أسعار النفط إلى مستويات الأزمات التي شهدتها صدمات الإمدادات السابقة.

ووسط مخاوف من وصول أسعار النفط لمستويات تضغط على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، ارتفعت أسعار النفط، خلال تعاملات يوم الجمعة، آخر جلسات الأسبوع، وسجلت مكاسب أسبوعية، في انعكاس للشكوك المحيطة باحتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 4.56 دولار، بما يعادل 4.2 في المائة، إلى 112.57 دولار للبرميل. وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.16 دولار، أو 5.5 في المائة، إلى 99.64 دولار.

وقفز سعر خام برنت 53 في المائة منذ 27 فبراير، (قبل بدء الحرب)، في حين ارتفع مؤشر غرب تكساس الوسيط 45 في المائة منذ ذلك الحين. وعلى أساس أسبوعي، ‌صعد برنت ‌بنحو 0.3 في المائة، في حين ارتفع ​مؤشر ‌غرب تكساس ⁠الوسيط بأكثر ​من ⁠واحد في المائة.

وحذّر خبراء من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل مع إطالة زمن الحرب، مع عدم استبعاد بلوغه 200 دولار للبرميل في وقت لاحق من العام.

وأدت الحرب إلى خروج 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية. ⁠ووصفت وكالة الطاقة ⁠الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتَي النفط في سبعينات القرن الماضي مجتمعتَين.

ويُعدّ خط أنابيب «شرق - غرب» مشروعاً استراتيجياً ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في السعودية إلى ساحل البحر الأحمر غرباً؛ حيث يصدر عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، عابراً أراضي المملكة من الشرق إلى الغرب، عبر محطات ضخ متعددة تمكّنه من نقل ملايين البراميل يومياً بكفاءة عالية.

وقد بدأ تشغيل الخط مطلع الثمانينات، في سياق إقليمي اتسم بحساسية أمنية عالية حينها، بعدما برزت مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، جاء المشروع ليحقق 3 أهداف رئيسية، وهي توفير منفذ تصدير بديل عن الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمدادات.

ويشغّل الخط عملاق الطاقة الوطني «أرامكو السعودية»؛ حيث تخضع عملياته لأنظمة مراقبة متقدمة، تتيح إدارة تدفقات النفط بكفاءة عالية، إلى جانب إجراءات حماية أمنية وتقنية مشددة.


ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن و«كبلر»، أن ناقلتي غاز البترول المسال «بي دبليو إلم» و«بي دبليو تير» تعبران مضيق هرمز متجهتين إلى الهند.

وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق، لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.

وأظهرت البيانات أن السفينتين اللتين ترفعان علم الهند عبرتا منطقة الخليج وهما الآن في شرق مضيق هرمز.

وتعمل الهند حالياً على نقل شحناتها العالقة من غاز البترول المسال خارج المضيق تدريجياً، ونقلت أربع شحنات حتى الآن عبر الناقلات شيفاليك وناندا ديفي وباين جاز وجاج فاسانت.

وقال راجيش كومار سينها، المسؤول بوزارة الشحن الهندية، إنه حتى يوم الجمعة الماضي، كانت 20 سفينة ترفع علم الهند، منها خمس ناقلات غاز بترول مسال، عالقة في الخليج.

وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن ناقلات غاز البترول المسال «غاغ فيكرام» و«غرين آشا» و«غرين سانفي» لا تزال في القطاع الغربي من مضيق هرمز.

وتواجه الهند، ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، أسوأ أزمة غاز منذ عقود. وخفضت الحكومة الإمدادات المخصصة للصناعات بهدف حماية الأسر من أي نقص لغاز الطهي.

واستهلكت البلاد 33.15 مليون طن من غاز البترول المسال، أو غاز الطهي، العام الماضي. وشكلت الواردات نحو 60 في المائة من الطلب. وجاء نحو 90 في المائة من تلك الواردات من الشرق الأوسط.

وتُحمل الهند أيضاً غاز البترول المسال على سفنها الفارغة العالقة في الخليج.


حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.