أسواق الغاز تقيّم قرار بايدن إيقاف تراخيص موانئ تصدير جديدة

خبراء يرون أنها تقوّض مصداقية أميركا... وآخرون يقللون من التداعيات

سفينة تحمل الغاز الطبيعي المسال تفرغه في ميناء بلباو بإسبانيا (رويترز)
سفينة تحمل الغاز الطبيعي المسال تفرغه في ميناء بلباو بإسبانيا (رويترز)
TT

أسواق الغاز تقيّم قرار بايدن إيقاف تراخيص موانئ تصدير جديدة

سفينة تحمل الغاز الطبيعي المسال تفرغه في ميناء بلباو بإسبانيا (رويترز)
سفينة تحمل الغاز الطبيعي المسال تفرغه في ميناء بلباو بإسبانيا (رويترز)

زاد اعتماد الدول الأوروبية على الغاز الأميركي، في ظل سياسة تقليل الاعتماد على الطاقة الروسية، منذ بدء الحرب الروسية - الأوكرانية، حتى أصبحت الولايات المتحدة أكبر دولة مصدرة للغاز الطبيعي في العالم خلال عام 2023.

واحتلت أوروبا الوجهة الرئيسية للغاز الطبيعي المسال الأميركي خلال العام الماضي، فيما كانت اليابان أكبر مشتر للغاز الأميركي في آسيا، وذلك في وقت تتوسع الدول حول العالم في زيادة الاعتماد على الغاز ضمن منظومة «تحول الطاقة» لدى الحكومات، مما سيزيد الحاجة إلى مرافق الغاز الطبيعي المسال لتلبية الطلب العالمي.

غير أن الرئيس الأميركي جو بايدن فاجأ الأسواق، الأسبوع الماضي، بقرار لا يعبر عن هذه الرؤية، وقرر إيقاف الموافقات على إنشاء محطات أو موانئ تصدير الغاز الطبيعي المسال الجديدة، الأمر الذي عدّه البعض من الخبراء، بأنه تآكل صدقية الولايات المتحدة في أسواق الغاز من ناحية. بينما رأى البعض الآخر، من ناحية أخرى، أن الأمر مجرد قرار وقتي قد يكون مرتبطاً بالانتخابات الرئاسية المقررة آخر العام الحالي.

وقلّل وزير البترول المصري السابق أسامة كمال من تداعيات القرار على أسواق الغاز العالمية، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «القرار يخص وقف تراخيص الموانئ الجديدة... بينما القديمة التي تصدر لأوروبا وآسيا تعمل بطاقتها نفسها...».

بينما انتقد الرئيس التنفيذي لشركة «شل» وائل صوان، القرار وقال في مقابلة مع صحيفة «فاينانشيال تايمز» إن ذلك «سيؤدي إلى تآكل الثقة» في الصناعة التي أصبحت إحدى ركائز نظام الطاقة العالمي، وقلّل أيضاً من تداعياته على المديين القريب والمتوسط.

وتزيد أهمية الغاز في الأسواق العالمية، نتيجة اعتماده وقودا مرحليا للحكومات ضمن سياسة «تحول الطاقة» التي تنتهجها معظم الدول حول العالم، وذلك لتقليل الانبعاثات الكربونية، إذ عده الكثيرون «وقوداً نظيفاً». ويعتقد صوان أن قرار بايدن «يقوض الثقة على المدى الطويل».

سببان لقرار بايدن

أرجعت إدارة بايدن، وفق مجلة «فورن بوليسي» الأميركية، القرار إلى سببين رئيسيين، أولهما، المخاوف المستمرة من أن يؤدي تصدير كميات هائلة من الغاز الأميركي «الرخيص»، إلى تآكل الميزة التنافسية الأميركية للطاقة الرخيصة، التي تعد مفيدة بشكل خاص للصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، مثل صناعة الصلب والبتروكيميائيات.

وثانياً أن إدارة بايدن انصاعت إلى نشطاء في مجال البيئة، مثل حركة «سانرايز» و«مشروع السفن في لويزيانا»، الذين يعتقدون أن حرق الغاز، في عملية استخراجه، له بصمة كبيرة على تغير المناخ، وعدوه «ليس أنظف بكثير من الفحم».

كذلك، فإن هذا القرار يخدم الحزب الديمقراطي، الذي تتراجع شعبيته بتراجع شعبية بايدن في الفترة الأخيرة. لذلك فالانصياع لمطالب نشطاء البيئة، قد يروق للبعض، وهو ما ظهر جلياً في بيان بايدن لإعلانه هذه الخطوة قائلا إن «هذا التوقف المؤقت عن الموافقات الجديدة على الغاز الطبيعي المسال، يرى أن أزمة المناخ على حقيقتها هي التهديد الوجودي في عصرنا».

الغاز والفحم

لسنوات عدة، ساعد الغاز الأميركي دولا في آسيا وأوروبا على التخلص من الفحم، وذلك بعدما قللت هذه الدول من اعتمادها على الطاقة الروسية.

واحتج قادة الأعمال في آسيا وأوروبا على هذا التوقف، قائلين إنه قد يهدد قدرتهم على إيجاد مصادر بديلة للطاقة. ويشعر المشترون في تلك المناطق بالقلق بشكل خاص. وقد أعلنت اليابان، التي تعتمد بشكل كامل تقريباً على الطاقة المستوردة بما في ذلك الغاز الطبيعي المسال، أنها ستبدأ في البحث عن موردين جدد نظراً لعدم اليقين بشأن دور التصدير الأميركي المستقبلي.

وانتقدت كاثي ميكيلز، المديرة المالية لشركة «إكسون موبيل»، القرار، قائلة إنه قد يضر بالجهود الرامية إلى إبعاد الدول عن الفحم. وقالت لصحيفة «فاينانشيال تايمز»: «هذا يعني أن الغاز الطبيعي المنتج في الولايات المتحدة متاح بشكل أقل ليحل محل الفحم في جميع أنحاء العالم، وهذا أمر سيئ بوضوح».

ويرى بيير بريبر، المدير المالي لشركة «شيفرون» أن موقف شركته هو أن سياسة الطاقة لا ينبغي أن تكون مسألة سياسية. وقال لـ«فاينانشيال تايمز» إن «العالم يحتاج إلى طاقة أكثر نظافة، وموثوقة، وبأسعار معقولة».

أضاف «صادرات الغاز الطبيعي المسال الأميركية مفيدة لهذا البلد: فهي تخلق فرص عمل، وتساعد في تحقيق التوازن التجاري. إنه أمر جيد لحلفائنا الذين يبحثون عن مصادر الطاقة... وهو مفيد للبيئة، لأن... وفي كثير من الحالات، يحل الغاز الطبيعي المسال محل الفحم».

ولدى صوان «اعتقاد راسخ بأن الطلب على الغاز الطبيعي المسال سيستمر في النمو... إنه يلعب دوراً حاسماً في أمن الطاقة في مناطق مثل أوروبا وآسيا أيضاً، كما أنه يلعب بشكل حاسم في تحول الطاقة، حيث تستخدم دول مثل الصين والهند، الغاز لإزالة الكربون والابتعاد عن الفحم».

وتخطط شركة «شل» لاستثمار 4 مليارات دولار سنويا في مشاريع الغاز الطبيعي المسال حتى عام 2025، وزيادة حجم مبيعاتها بنسبة 20 إلى 30 في المائة بحلول عام 2030. وحقق قسم الغاز التابع لها، والذي يهيمن عليه الغاز الطبيعي المسال، نصف أرباح «شل» البالغة 28.3 مليار دولار العام الماضي.

وأوضح صوان أن صناعة الغاز الطبيعي المسال مبنية على «الموثوقية والأمن على المدى الطويل... أي شيء يبدأ في تقويض ذلك... ليس جيداً للأسواق العالمية».

انتقادات علنية

وصف الجمهوريون في لجنة الطاقة بمجلس النواب الأميركي، هذا القرار بأنه «هدية إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين»، وعارضوا هذه الخطوة، التي يرون أنها تهدد أمن حلفاء الولايات المتحدة، وقالت اللجنة إن «وقف بايدن تصدير الغاز الطبيعي المسال يضعف أمن الطاقة العالمي، ويقوض جهودنا لمساعدة أوروبا على تقليل اعتمادها على الطاقة الروسية».

وتخطط لجنة الطاقة بالمجلس، إلى عقد جلسة استماع الأسبوع المقبل لتحليل الآثار الاقتصادية والأمنية لقرار بايدن. حتى أن بعض المشرعين الديمقراطيين قالوا إنهم يخططون لدفع بايدن إلى التراجع عن التعليق المؤقت، مشيرين إلى مخاوف بشأن تأثير الوظائف في الولايات المنتجة للطاقة مثل بنسلفانيا.

وقالت غرفة التجارة الأميركية واتحاد الأعمال الأوروبي واتحاد الأعمال الياباني في رسالة مشتركة إلى بايدن: «في ظل التوقعات الكثيرة التي تشير إلى ارتفاع الطلب العالمي على الغاز الطبيعي خلال العقد المقبل، ستزداد الحاجة إلى إمدادات إضافية من الغاز الطبيعي المسال لتلبية احتياجات الأسواق العالمية... نعلم أن هذا الطلب يمكن تلبيته بطريقة تسمح بمواصلة تحقيق التقدم في خفض الانبعاثات».

وأمام هذه المعطيات، يرى بنك «غولدمان ساكس»، أنه إذا اتخذت خطوات تجاه كل المشاريع المرخصة وجرى بناؤها بالفعل، فإن صادرات الولايات المتحدة من الغاز الطبيعي المسال ستتضاعف تقريباً. ولن يؤدي قرار وزارة الطاقة على الأرجح إلى أي تشديد كبير في أسواق الغاز العالمية، فالمشاريع المتضررة لن تدخل حيز الخدمة حتى 2027 على الأقل.


مقالات ذات صلة

سفينة عملاقة تصل إلى مصر لحفر 4 آبار جديدة للغاز بـ«المتوسط»

الاقتصاد سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» تصل إلى المياه الإقليمية المصرية (وزارة البترول المصرية)

سفينة عملاقة تصل إلى مصر لحفر 4 آبار جديدة للغاز بـ«المتوسط»

أعلنت وزارة البترول المصرية، يوم الاثنين، وصول سفينة الحفر «فالاريس دي إس 12» إلى المياه الإقليمية المصرية، إيذاناً ببدء مرحلة جديدة من أنشطة حفر آبار الغاز.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مع رئيسة وزراء إيطاليا في روما خلال مايو 2023 (الرئاسة الجزائرية)

«قمة غاز» جزائرية - إيطالية الأربعاء المقبل... وتحذيرات فرنسية من استمرار القطيعة

من بين أهداف زيارة رئيسة الوزراء الإيطالية، جيورجيا ميلوني، وفق مصادر صحافية جزائرية، تعزيز التعاون الصناعي، والطاقوي عبر مختلف مراحل سلسلة الإنتاج.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الاقتصاد نموذج رافعة مضخة نفط بجوار شعار شركة التكرير الصينية العملاقة «سينوبك» (رويترز)

انخفاض صافي الأرباح المتوقعة لـ«سينوبك» الصينية 36.8 % لعام 2025

أعلنت شركة سينوبك الصينية، الأحد، انخفاض صافي أرباحها المتوقعة لعام 2025 بنسبة 36.8 %.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد حارس أمن يقف عند مدخل محطة غوان تانغ لاستقبال الغاز الطبيعي المسال في تايوان (رويترز)

العالم يواجه أزمة حادة مع اقتراب وصول آخر شحنات الغاز الخليجية

تمر سوق الطاقة العالمية بلحظة فارقة، حيث تشير التقارير إلى أنَّ الدول المستورِدة للغاز الطبيعي المسال ستواجه فراغاً حاداً في الإمدادات خلال الأيام الـ10 المقبلة

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد محطة «بيجي» الغازية للكهرباء في العراق (الموقع الإلكتروني لوزارة الكهرباء العراقية)

العراق: معاودة ضخ الغاز الإيراني بواقع 5 ملايين متر مكعب يومياً

ذكرت وكالة الأنباء العراقية، السبت، أن وزارة الكهرباء قالت إن ضخ الغاز الإيراني استؤنف بواقع خمسة ملايين متر مكعب يومياً.

«الشرق الأوسط» (بغداد)

أول ناقلة نفط عراقية تعبر مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب

يمر الناس أمام مسجد حيدر خانة في شارع رشيد بوسط مدينة بغداد (أ.ب)
يمر الناس أمام مسجد حيدر خانة في شارع رشيد بوسط مدينة بغداد (أ.ب)
TT

أول ناقلة نفط عراقية تعبر مضيق هرمز منذ اندلاع الحرب

يمر الناس أمام مسجد حيدر خانة في شارع رشيد بوسط مدينة بغداد (أ.ب)
يمر الناس أمام مسجد حيدر خانة في شارع رشيد بوسط مدينة بغداد (أ.ب)

تمكنت ناقلة نفط عملاقة تحمل مليوني برميل من الخام العراقي من عبور مضيق هرمز بنجاح، وفق ما كشفت «بلومبرغ».

ووفقاً لبيانات تتبع السفن التي جمعتها «بلومبرغ»، أظهرت الناقلة «أوميغا تريدر» (Omega Trader)، التي تديرها شركة «ميتسوي أو إس كيه ليد» اليابانية، وصولها إلى مدينة مومباي الهندية خلال الأيام القليلة الماضية. وكان آخر ظهور لإشارة الناقلة قبل وصولها إلى الهند من داخل الخليج العربي قبل أكثر من عشرة أيام.

يمثل عبور هذه الناقلة أول تحرك مرصود لبراميل النفط التابعة لبغداد عبر الممر المائي الحيوي منذ اندلاع الحرب التي دخلت أسبوعها الرابع.

تشير التقارير إلى أن معظم السفن التي نجحت في العبور أخيراً أفرغت حمولتها في الهند التي تواصلت حكومتها مع المسؤولين الإيرانيين لضمان ممر آمن لسفن الطاقة المتجهة إليها، بل قامت البحرية الإيرانية بمرافقة إحدى سفن الغاز المسال عبر المضيق.


السعودية تُعلق الشروط الملاحية لـ30 يوماً دعماً لتدفق الأعمال البحرية في الخليج

ميناء جدة الإسلامي (واس)
ميناء جدة الإسلامي (واس)
TT

السعودية تُعلق الشروط الملاحية لـ30 يوماً دعماً لتدفق الأعمال البحرية في الخليج

ميناء جدة الإسلامي (واس)
ميناء جدة الإسلامي (واس)

أعلنت الهيئة العامة للنقل في السعودية تعليق تطبيق شرط سريان الشهادات والوثائق المطلوبة لإصدار أو تجديد التراخيص الملاحية ورخص العمل للوحدات البحرية، وذلك لمدة 30 يوماً قابلة للتمديد عند الحاجة، شرط ألا يكون هناك تأثير على سلامة الأرواح وحماية البيئة البحرية، وذلك للسفن السعودية والأجنبية الموجودة داخل المياه الإقليمية للمملكة في الخليج العربي.

هذا القرار يأتي استجابة للظروف الراهنة، ودعماً لاستمرارية الأعمال البحرية وتعزيز انسيابية العمليات التشغيلية داخل المياه الإقليمية للمملكة، وفق بيان للهيئة.

ويشمل الاستثناء السفن المرتبطة بالأعمال والمشروعات البحرية داخل المناطق البحرية للمملكة، التي قد تواجه تحديات تشغيلية تحول دون مغادرتها لاستكمال المتطلبات الفنية أو إجراء الفحوصات اللازمة خارج تلك المياه.

وأكدت الهيئة أن هذا الإجراء يهدف إلى تمكين السفن من مواصلة أعمالها بكفاءة وأمان، وتعزيز مرونة العمليات التشغيلية، مع الالتزام بالمتطلبات النظامية ذات العلاقة.


«توتال» تحذر من ارتفاع كبير في أسعار الغاز إذا استمر إغلاق «هرمز»

وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم يستمع إلى الرئيس التنفيذي لشركة «توتال» متحدثاً في مؤتمر «سيراويك» (أ.ف.ب)
وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم يستمع إلى الرئيس التنفيذي لشركة «توتال» متحدثاً في مؤتمر «سيراويك» (أ.ف.ب)
TT

«توتال» تحذر من ارتفاع كبير في أسعار الغاز إذا استمر إغلاق «هرمز»

وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم يستمع إلى الرئيس التنفيذي لشركة «توتال» متحدثاً في مؤتمر «سيراويك» (أ.ف.ب)
وزير الداخلية الأميركي دوغ بورغوم يستمع إلى الرئيس التنفيذي لشركة «توتال» متحدثاً في مؤتمر «سيراويك» (أ.ف.ب)

قال الرئيس التنفيذي لشركة «توتال إنرجيز»، باتريك بويان، يوم الاثنين، إنه يتوقع ارتفاعاً «كبيراً جداً» في أسعار الغاز الطبيعي المسال بحلول الصيف إذا لم يُعَدْ فتح مضيق هرمز، الذي أغلقته إيران بسبب الحرب.

أضاف المسؤول الفرنسي خلال مؤتمر «سيراويك» السنوي للطاقة في مدينة هيوستن الأميركية: «إذا لم يُفتح مضيق هرمز مجدداً، فإنني أتوقع ارتفاعاً كبيراً في أسعار الغاز الطبيعي المسال بحلول الصيف وسبتمبر (أيلول) المقبل، عندما نبدأ تجديد مخزونات الغاز في أوروبا».

وأوضح أن العواقب «لن تقتصر على ارتفاع أسعار الطاقة فحسب، بل ستُلحق الضرر أيضاً بعناصر اقتصادية أخرى، كسلاسل التوريد على سبيل المثال».