المصارف المركزية حذرة من إعلان النصر المبكر على التضخم

صانعو السياسات يركزون على سوق العمل ويراقبون اضطرابات البحر الأحمر

تنظر المصارف المركزية إلى نمو الأجور عاملاً رئيسياً في مسار التضخم (رويترز)
تنظر المصارف المركزية إلى نمو الأجور عاملاً رئيسياً في مسار التضخم (رويترز)
TT

المصارف المركزية حذرة من إعلان النصر المبكر على التضخم

تنظر المصارف المركزية إلى نمو الأجور عاملاً رئيسياً في مسار التضخم (رويترز)
تنظر المصارف المركزية إلى نمو الأجور عاملاً رئيسياً في مسار التضخم (رويترز)

فوجئت الأسواق المالية بالبيانات التي أصدرها مكتب إحصاءات العمل في الولايات المتحدة يوم الجمعة، والتي أظهرت أن الاقتصاد الأميركي أضاف 353 ألف وظيفة في يناير (كانون الثاني)، أي ما يقرب من ضعف العدد المتوقع.

يأتي ذلك في وقت تم فيه استبعاد خفض سعر الفائدة في شهر مارس (آذار) - الذي وصفه رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» جيروم باول، بعد اجتماع اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة بأنه غير مرجح - في «وول ستريت» نتيجة لبيانات التوظيف القوية.

تقول صحيفة «فايننشيال تايمز» في تقرير لها، إن محافظي المصارف المركزية بجميع أنحاء العالم بدأوا الاستعداد لخفض أسعار الفائدة على خلفية التضخم الضعيف بشكل مطرد. ولكن، كما تظهر أرقام الوظائف في الولايات المتحدة، فإن أسواق العمل الساخنة هي أكبر عقبة محتملة أمام تحقيق أهداف التضخم البالغة 2 في المائة.

وتنقل الصحيفة عن الخبير الاقتصادي في جامعة كورنيل، إسوار براساد، أن بيانات يوم الجمعة جعلت إعلان النصر على التضخم قراراً «أكثر صعوبة» بالنسبة للمصارف المركزية. وأضاف: «الحقيقة هي أنه في ظل هذه الضغوط، سيكون من الصعب للغاية إبقاء التضخم تحت السيطرة ما لم يظل نمو الإنتاجية قوياً».

هذا لا ينفي التحسن الكبير في صورة التضخم. فقبل عام واحد، كان «الاحتياطي الفيدرالي» ونظراؤه في خضم سلسلة وحشية من الزيادات في أسعار الفائدة التي يخشى البعض أنها قد تدفع الاقتصادات إلى الركود.

تفاؤل حذر

في فبراير (شباط) من عام 2023، حذر باول من أنه لا تزال أمام المسؤولين «طريق طويلة لنقطعها» أثناء محاولتهم تهدئة «الصعوبات الكبيرة» التي يمثلها أعلى معدل تضخم منذ 40 عاماً. ومنذ ذلك الحين، انخفض التضخم نحو هدف «الاحتياطي الفيدرالي» البالغ 2 في المائة عبر مجموعة من التدابير المختلفة.

وفي فرنكفورت، بدت رئيسة المصرف المركزي الأوروبي، كريستين لاغارد، في 25 يناير (كانون الثاني)، إيجابية على نحو مماثل بشأن صورة منطقة اليورو عندما أعلنت أن «عملية خفض التضخم» قد بدأت بالفعل؛ حيث يبلغ نمو الأسعار الرئيسية في الكتلة الآن 2.8 في المائة، وهو ما لا يبعد كثيراً عن هدف «المركزي» الأوروبي البالغ 2 في المائة.

وقال محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، للصحافيين في لندن يوم الخميس الماضي، إنه رأى «أخباراً جيدة بشأن التضخم»، بعد أن انخفض نمو الأسعار في المملكة المتحدة إلى النصف في 6 أشهر، إلى 4 في المائة.

وأذهلت سرعة تراجع التضخم في الأشهر الأخيرة كثيراً من واضعي أسعار الفائدة. وانخفض نمو أسعار المستهلك في الاقتصادات المتقدمة من أكثر من 7 في المائة في عام 2022، إلى 4.6 في المائة في عام 2023، وفقاً لصندوق النقد الدولي.

وأشارت توقعات الصندوق الأسبوع الماضي، إلى مزيد من الانخفاض إلى 2.6 في المائة فقط هذا العام - أقل بكثير من توقعاته السابقة البالغة 3 في المائة - مع توقع أن تشهد أربعة أخماس الاقتصادات التي يتتبعها تضخماً رئيسياً سنوياً وانخفاض التضخم الأساسي في عام 2024.

يقول رئيس قسم الاقتصاد الكلي العالمي في معهد «أموندي» للاستثمار، محمود برادان، إن اتجاه التضخم الآن «انخفض بشكل حاسم، وهي مسألة وقت فقط قبل أن نشهد تخفيضات كبيرة في أسعار الفائدة هذا العام». وأضاف: «من باب الحذر، يريد محافظو المصارف المركزية الانتظار لفترة أطول قليلاً، لكن يمكنني أن أرى الاحتياطي الفيدرالي والمركزي الأوروبي وبنك إنجلترا تخفض أسعار الفائدة في منتصف هذا العام».

مصير أسواق العمل

إن التقدم المستمر في قصة تراجع التضخم سوف يتوقف بشكل كبير على مصير أسواق العمل. ورغم أن الانخفاض الأولي في التضخم كان مدفوعاً بعوامل خارجية، فإن التقدم يعتمد الآن على المهمة الأكثر صعوبة المتمثلة في كبح نمو الأسعار المحلية. وسيكون ذلك أكثر صعوبة إذا ظل نمو الوظائف والأجور قوياً للغاية.

يقول الاقتصاديون إن التخلص من آخر بقايا نمو الأسعار الزائد قد يتطلب من صانعي السياسات الحفاظ على سياسة صارمة بشكل مستمر تؤدي إلى مزيد من انخفاض الطلب.

كل هذا يعكس المخاوف التي ظلت تطارد محافظي المصارف المركزية لعدة أشهر: فهل يتبين أن «الميل الأخير» من الجهود الرامية إلى دفع نمو الأسعار إلى الانخفاض إلى المستوى المستهدف بنسبة 2 في المائة هو الأكثر صعوبة؟ وإذا حدث ذلك، فسيتعين على المصارف المركزية أن تتحلى بالصبر بشكل خاص قبل خفض أسعار الفائدة.

ومن بين المصارف المركزية الكبرى، بدا المسؤولون في «الاحتياطي الفيدرالي» الأقل اهتماماً بالصعوبات المتمثلة في اجتياز تلك المرحلة الأخيرة من رحلة مكافحة التضخم.

وتدين ثقة «الاحتياطي الفيدرالي» بشيء ما لطبيعة التضخم في الولايات المتحدة ووتيرة هبوطه. وفي حين تضررت الولايات المتحدة بشدة من تعطيل سلاسل التوريد المرتبطة بفيروس كورونا، فإنها لم تشهد ذلك النوع من الارتفاع في أسعار الطاقة الذي أدى إلى ارتفاع الأسعار بجميع أنحاء أوروبا في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا. ونتيجة لذلك، لم يصل التضخم في الولايات المتحدة قط إلى رقم مزدوج، وبلغ ذروته عند 9.1 في المائة في عام 2022.

التوازن بين التضخم والنمو

وفي «المركزي» الأوروبي، أوضح واضعو أسعار الفائدة أن تركيزهم الرئيسي في الأشهر المقبلة سوف ينصب على تسويات الأجور، وما إذا كانت متوافقة مع هدف التضخم بنسبة 2 في المائة، أم لا.

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حذر رئيس البك المركزي الألماني يواكيم ناجل، من أن التضخم هو «وحش عنيد وجشع»، وأن خفضه سيتطلب «الصر على أسنانك وعدم التراجع». وفي الآونة الأخيرة، بدا ناجل أكثر تفاؤلاً إلى حد ما، حيث قال في إحدى الفعاليات التي أقيمت ببرلين الأسبوع الماضي، إنه تم «ترويض» الوحش.

لكن لاغارد حذرت من أنه «من السابق لأوانه» مجرد مناقشة التخفيضات المحتملة بأسعار الفائدة في هذه المرحلة - وهو أمر بالغ الأهمية بسبب ارتفاع الأجور. وما يثير القلق في «المركزي» الأوروبي وغيره من الأماكن هو أن العمال سوف يطالبون بزيادات كبيرة في الأجور من أجل استعادة القوة الشرائية التي فقدوها خلال الارتفاعات الأولية في الأسعار. وبينما تجد هذه القوة الشرائية المزدادة طريقها إلى الاقتصاد، فإنها تؤدي إلى ارتفاع جديد في الأسعار.

وكما الحال في الولايات المتحدة، ترتكز هذه المخاوف على المرونة غير المتوقعة التي تتمتع بها سوق العمل في المنطقة. وظلت البطالة في منطقة اليورو عند مستوى قياسي منخفض بلغ 6.4 في المائة في ديسمبر، ولا يزال كثير من الشركات - خصوصاً في قطاع الخدمات - يشكو من أن نقص العمالة هو العائق الرئيسي أمام الإنتاج.

وعلى الرغم من أن أسواق العمل ضيقة، فقد يكون من الصعب على كثير من الشركات تمرير تكاليف الأجور المرتفعة، لأن الاقتصادات الأساسية - على عكس الولايات المتحدة - تعاني من الركود. ويقول المسؤول السابق في «المركزي» الأوروبي الذي يدير الآن المعهد الألماني للأبحاث الاقتصادية في برلين، مارسيل فراتشر: «الارتفاع لمرة واحدة في الأجور يختلف تماماً عن الدوامة. يجب على المركزي الأوروبي أن ينظر في تعديل لمرة واحدة».

وفي السر، يقول واضعو أسعار الفائدة في «المركزي» الأوروبي، إنهم يشعرون بالثقة. ويقول أحد أعضاء مجلس إدارتها: «إننا نرى المؤشرات تتحرك في الاتجاه الصحيح. السياسة النقدية ناجحة. التضخم يتراجع».

مخاوف اضطرابات البحر الأحمر على التضخم

أضافت المخاوف من «مخاطر جانبية صعودية» أخرى للتضخم إلى حذر محافظي المصارف المركزية. ومن الأمثلة الواضحة على ذلك؛ الصراعات المستمرة في الشرق الأوسط؛ حيث يُعدّ تعطيل الشحن نتيجة الهجمات التي يشنها الحوثيون على السفن في البحر الأحمر عاملاً يمكن أن يدفع التضخم إلى الارتفاع أعلى من المتوقع. ويبدو أن أوروبا معرضة بشكل خاص بالنظر إلى أهمية طريق التجارة للواردات من الصين.

ومع ذلك، يميل واضعو أسعار الفائدة، بما في ذلك لاغارد من «المركزي» الأوروبي، إلى التقليل من شأن هذه القضية، مشيرين إلى أن الشحن لا يمثل سوى 1.5 في المائة من إجمالي تكلفة السلع. ويبدو أن الاقتصاديين يتفقون مع ذلك. وقدر بنك «غولدمان ساكس» أن ارتفاع أسعار شحن الحاويات سيضيف 0.1 نقطة مئوية فقط إلى التضخم العالمي.


مقالات ذات صلة

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

الاقتصاد فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
الاقتصاد منظر جوي يظهر جسر البرج وبرج الشارد وبرج لندن (رويترز)

عودة «القلق» الاقتصادي... صدمة حرب إيران تضرب بريطانيا

تقول الحكومة البريطانية وبنك إنجلترا إنه من المبكر تقييم الأثر الاقتصادي لحرب إيران، إلا أن أولى علامات الضغوط بدأت تظهر.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد وسطاء يتداولون على مكاتبهم داخل شركة وساطة في مومباي (رويترز)

الهند تفقد المستثمرين الأجانب بسبب صدمة أسعار النفط

ينسحب المستثمرون الأجانب من الأسهم والسندات الهندية بوتيرة قياسية، إذ أدى الارتفاع الحاد في أسعار النفط الناجم عن الحرب الإيرانية إلى تصاعد المخاوف التضخمية.

«الشرق الأوسط» (مومباي )
الاقتصاد مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

عضو في «المركزي الأوروبي»: لا للتسرع في رفع الفائدة رغم صدمة أسعار الطاقة

قال كريستودولوس باتساليدس، رئيس البنك المركزي القبرصي، إن البنك المركزي الأوروبي ينبغي ألا يتسرع في رفع أسعار الفائدة استجابةً لارتفاع تكاليف الطاقة.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
الاقتصاد مخطط مؤشر الأسهم الألماني «داكس» في بورصة فرانكفورت (رويترز)

الأسهم الأوروبية تتراجع وسط مخاوف على التضخم والنمو

تراجعت الأسهم الأوروبية وسط حالة من عدم اليقين بشأن حرب الشرق الأوسط، مع استمرار مخاوف المستثمرين بشأن تأثير الصراع على التضخم والنمو الاقتصادي العالمي.

«الشرق الأوسط» (لندن)

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
TT

خط الأنابيب السعودي «شرق - غرب» يضخ النفط بكامل طاقته

ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)
ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع (واس)

أفادت وكالة «بلومبرغ نيوز»، نقلاً عن مصدر مطلع، السبت، بأن خط أنابيب النفط السعودي «شرق - غرب»، الذي يلتف حول مضيق هرمز، يضخ بكامل طاقته البالغة 7 ملايين برميل يومياً.

وقد فعّلت السعودية خطة الطوارئ لتعزيز الصادرات عبر خط الأنابيب «شرق - غرب» إلى البحر الأحمر، حيث أدى تعطّل حركة الملاحة البحرية في مضيق هرمز بسبب حرب إيران، إلى قطع الطريق الرئيسي لتصدير النفط من دول الخليج.

وقد تم تحويل مسار أساطيل ناقلات النفط إلى ميناء ينبع لتحميل النفط، مما يوفر شرياناً مهماً لإمدادات النفط العالمية.

ونقلت «بلومبرغ» عن المصدر قوله إن صادرات الخام عبر ينبع بلغت الآن 5 ملايين برميل يومياً. كما تصدر المملكة نحو 700 ألف إلى 900 ألف برميل يومياً من المنتجات النفطية. ومن بين الـ7 ملايين برميل التي تمر عبر خط الأنابيب يتم توجيه مليونَي برميل إلى مصافي التكرير السعودية.

ويُسهم مسار ينبع جزئياً في تعويض النقص في الإمدادات، الناتج عن تعطُّل مضيق هرمز، الذي كان يمر عبره نحو 20 في المائة من شحنات النفط والغاز العالمية يومياً قبل الحرب. إلا أن هذا المسار البديل يُعدّ أحد أسباب عدم وصول أسعار النفط إلى مستويات الأزمات التي شهدتها صدمات الإمدادات السابقة.

ووسط مخاوف من وصول أسعار النفط لمستويات تضغط على وتيرة نمو الاقتصاد العالمي، ارتفعت أسعار النفط، خلال تعاملات يوم الجمعة، آخر جلسات الأسبوع، وسجلت مكاسب أسبوعية، في انعكاس للشكوك المحيطة باحتمالات التوصل إلى وقف لإطلاق النار في حرب إيران التي بدأت في 28 فبراير (شباط).

وصعدت العقود الآجلة لخام برنت 4.56 دولار، بما يعادل 4.2 في المائة، إلى 112.57 دولار للبرميل. وزادت العقود الآجلة لخام غرب تكساس الوسيط الأميركي 5.16 دولار، أو 5.5 في المائة، إلى 99.64 دولار.

وقفز سعر خام برنت 53 في المائة منذ 27 فبراير، (قبل بدء الحرب)، في حين ارتفع مؤشر غرب تكساس الوسيط 45 في المائة منذ ذلك الحين. وعلى أساس أسبوعي، ‌صعد برنت ‌بنحو 0.3 في المائة، في حين ارتفع ​مؤشر ‌غرب تكساس ⁠الوسيط بأكثر ​من ⁠واحد في المائة.

وحذّر خبراء من ارتفاع أسعار النفط إلى مستويات 150 دولاراً للبرميل مع إطالة زمن الحرب، مع عدم استبعاد بلوغه 200 دولار للبرميل في وقت لاحق من العام.

وأدت الحرب إلى خروج 11 مليون برميل نفط يومياً من الإمدادات العالمية. ⁠ووصفت وكالة الطاقة ⁠الدولية الأزمة بأنها أسوأ من صدمتَي النفط في سبعينات القرن الماضي مجتمعتَين.

ويُعدّ خط أنابيب «شرق - غرب» مشروعاً استراتيجياً ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية في السعودية إلى ساحل البحر الأحمر غرباً؛ حيث يصدر عبر ميناء الملك فهد الصناعي في ينبع. ويمتد الخط لمسافة تقارب 1200 كيلومتر، عابراً أراضي المملكة من الشرق إلى الغرب، عبر محطات ضخ متعددة تمكّنه من نقل ملايين البراميل يومياً بكفاءة عالية.

وقد بدأ تشغيل الخط مطلع الثمانينات، في سياق إقليمي اتسم بحساسية أمنية عالية حينها، بعدما برزت مخاوف من تهديد الملاحة في مضيق هرمز. ومن هنا، جاء المشروع ليحقق 3 أهداف رئيسية، وهي توفير منفذ تصدير بديل عن الخليج العربي، وتعزيز أمن الطاقة السعودي، وطمأنة الأسواق العالمية بشأن استمرارية الإمدادات.

ويشغّل الخط عملاق الطاقة الوطني «أرامكو السعودية»؛ حيث تخضع عملياته لأنظمة مراقبة متقدمة، تتيح إدارة تدفقات النفط بكفاءة عالية، إلى جانب إجراءات حماية أمنية وتقنية مشددة.


ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
TT

ناقلتا غاز مسال متجهتان إلى الهند تعبران مضيق هرمز

ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)
ناقلة نفط تعبر مضيق هرمز (رويترز)

أظهرت بيانات شحن من مجموعة بورصات لندن و«كبلر»، أن ناقلتي غاز البترول المسال «بي دبليو إلم» و«بي دبليو تير» تعبران مضيق هرمز متجهتين إلى الهند.

وأدت الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران إلى توقف شبه تام لحركة الشحن في المضيق، لكن إيران قالت قبل أيام إن «السفن غير المعادية» يمكنها العبور إذا نسقت مع السلطات الإيرانية.

وأظهرت البيانات أن السفينتين اللتين ترفعان علم الهند عبرتا منطقة الخليج وهما الآن في شرق مضيق هرمز.

وتعمل الهند حالياً على نقل شحناتها العالقة من غاز البترول المسال خارج المضيق تدريجياً، ونقلت أربع شحنات حتى الآن عبر الناقلات شيفاليك وناندا ديفي وباين جاز وجاج فاسانت.

وقال راجيش كومار سينها، المسؤول بوزارة الشحن الهندية، إنه حتى يوم الجمعة الماضي، كانت 20 سفينة ترفع علم الهند، منها خمس ناقلات غاز بترول مسال، عالقة في الخليج.

وتشير بيانات مجموعة بورصات لندن إلى أن ناقلات غاز البترول المسال «غاغ فيكرام» و«غرين آشا» و«غرين سانفي» لا تزال في القطاع الغربي من مضيق هرمز.

وتواجه الهند، ثاني أكبر مستورد لغاز البترول المسال في العالم، أسوأ أزمة غاز منذ عقود. وخفضت الحكومة الإمدادات المخصصة للصناعات بهدف حماية الأسر من أي نقص لغاز الطهي.

واستهلكت البلاد 33.15 مليون طن من غاز البترول المسال، أو غاز الطهي، العام الماضي. وشكلت الواردات نحو 60 في المائة من الطلب. وجاء نحو 90 في المائة من تلك الواردات من الشرق الأوسط.

وتُحمل الهند أيضاً غاز البترول المسال على سفنها الفارغة العالقة في الخليج.


حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
TT

حرب إيران تهدد الأمن الغذائي العالمي مع ارتفاع أسعار الأسمدة

لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)
لا يشعر المستهلكون في أوروبا حتى الآن بتداعيات مباشرة لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب (رويترز)

تسببت حرب إيران في تهديد للمزارعين وأسعار الغذاء في أنحاء العالم؛ حيث ارتفعت أسعار الأسمدة المعدنية في الأسواق العالمية منذ بداية العام بنحو 40 في المائة، حسب خبراء ألمان في القطاع.

وأوقفت ​شركة «قطر للطاقة» الإنتاج في أكبر مصنع لليوريا في العالم، بعد تعليق إنتاج الغاز إثر الهجمات التي استهدفت منشآت الغاز الطبيعي المسال التابعة لها.

وقال محللو «سكوشا بنك» و«رابوبنك» إن مصر التي ‌توفر 8 في المائة من اليوريا المتداولة عالمياً، ربما تواجه صعوبات في إنتاج الأسمدة النيتروجينية، بعدما أعلنت إسرائيل حالة «القوة القاهرة» على صادرات الغاز إلى البلاد.

وخفضت الهند التي تُعد أحد أكبر أسواق اليوريا عالمياً، إنتاجها في 3 مصانع لليوريا، مع تراجع إمدادات الغاز الطبيعي المسال القادمة من قطر.

وقال فيليب شبينه، المدير التنفيذي للاتحاد الألماني لشركات الزراعة والأغذية، إن وضعاً مشابهاً لما حدث في فبراير (شباط) 2022 يتكرر، وأضاف: «أسعار الأسمدة النيتروجينية في السوق العالمية تقترب بشكل متزايد من أعلى مستوى بلغته في بداية الحرب الروسية الأوكرانية».

ولا يشعر المستهلكون في أوروبا -حتى الآن- بتداعيات مباشرة؛ لأن كثيراً من المزارعين اشتروا أسمدتهم لهذا الربيع قبل بدء الحرب، حسب متحدث باسم اتحاد المزارعين في ولاية بافاريا. ولكن في حال استمرار الحرب لفترة طويلة، من المرجح أن ترتفع تكاليف الإنتاج لدى المزارعين الألمان، وبالتالي أسعار المنتجين. وفقاً لـ«وكالة الأنباء الألمانية».

وإنتاج الأسمدة عملية تستهلك كثيراً من الطاقة، وتعتمد بشكل كبير على الغاز الطبيعي كمادة خام. وتشكل الطاقة ما يصل إلى 70 في المائة من تكاليف الإنتاج. ونتيجة ‌لذلك، يتركز جزء كبير من صناعة الأسمدة في الشرق الأوسط؛ حيث يمر ثلث التجارة العالمية في هذا القطاع عبر مضيق هرمز الذي تعرض لإغلاق شبه كامل منذ بدء الحرب.

ويعبر نحو 20 في المائة من تجارة النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية من المضيق، وأدى إغلاقه شبه الكامل إلى إجبار منشآت الطاقة في منطقة الشرق الأوسط على وقف الإنتاج.

وأدى ذلك إلى إغلاق مصانع الأسمدة في المنطقة وخارجها، في وقت يستعد فيه مزارعون في الدول الواقعة في النصف الشمالي من الكرة الأرضية للزراعة الربيعية، وهو توقيت لا يترك مجالاً يُذكر للتأخير.

أوروبا بين حربين

وقبل 4 أعوام، لم تتحقق المخاطر التي كان يخشاها بعض الخبراء بشأن الأمن الغذائي العالمي. ويرجع ذلك جزئياً إلى أن روسيا التي تعد من أهم منتجي الأسمدة في العالم، استفادت من حرب أوكرانيا وزادت من صادراتها من الأسمدة. وفي الوقت الراهن، أقرت أوروبا بشكل تدريجي زيادات جمركية على الأسمدة النيتروجينية الروسية.

وقال متحدث باسم الرابطة الألمانية للصناعات الزراعية: «تحدد أسعار الغاز ما بين 80 و90 في المائة من تكاليف إنتاج الأمونيا والنيتروجين».

نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة (رويترز)

وعندما ترتفع أسعار الغاز، ترتفع تلقائياً أسعار الأسمدة، وإذا استخدم المزارعون كميات أقل من الأسمدة، فإن ذلك يؤدي إلى تراجع المحاصيل.

وفي دراسة نُشرت عام 2008، قدَّر عالم البيئة الهولندي يان فيليم إيريسمان، وزملاء له، أن الهكتار الواحد من الأراضي الزراعية ينتج حالياً محاصيل تعادل ضعف ما كان ينتجه في بداية القرن العشرين، وأن 48 في المائة من سكان العالم يعتمدون في غذائهم على استخدام الأسمدة المعدنية عالمياً.

ويمر نحو ثلث اليوريا المتداولة عالمياً ونحو 20 في المائة من الأمونيا عبر مضيق هرمز. أما التأثيرات المباشرة على أوروبا فهي محدودة؛ حيث قال الاتحاد الألماني للصناعات الزراعية: «أوروبا لا تستورد منذ سنوات تقريباً أي أسمدة من منطقة الصراع».

وحسب الاتحاد، يمكن تغطية نحو 75 في المائة من احتياجات الأسمدة النيتروجينية في ألمانيا من الإنتاج المحلي، وأكثر قليلاً في حالة أسمدة البوتاس. ولكن التأثيرات غير المباشرة لارتفاع أسعار الغاز والغاز الطبيعي المسال تبقى ملموسة؛ إذ تؤثر على صناعة الكيماويات والأسمدة الأوروبية.

وكان الارتفاع الكبير في أسعار الغاز في غرب أوروبا خلال حرب أوكرانيا قد تسبب بالفعل في إضعاف صناعة الكيماويات في المنطقة. ولذلك تطالب الصناعات الزراعية في ألمانيا بتعزيز الإنتاج المحلي، وتدعو من بين أمور أخرى إلى فرض رسوم جمركية أعلى أيضاً على البوتاس الروسي.

ويرى الاتحاد الألماني للشركات الزراعية والأغذية الأمر بشكل مماثل؛ إذ تعتبر الرسوم الجمركية أداة مناسبة لجعل الواردات الروسية إلى أوروبا أكثر صعوبة وتقليلها.

وقال شبينه: «في الوقت نفسه، يجب أن يكون ذلك إشارة لتعزيز القدرة الذاتية». وخلال هذا الأسبوع، قامت روسيا بدورها بتقييد صادرات الأسمدة مؤقتاً لحماية مزارعيها.

وفي الوقت الراهن، تظل تأثيرات حرب إيران على غالبية المزارعين الألمان محدودة؛ حيث قال شبينه: «نحو 80 في المائة من الكميات المطلوبة لفصل الربيع بأكمله موجودة بالفعل في مخازن التعاونيات، ونحو 50 في المائة موجودة بالفعل لدى المزارعين». ولكن المزارعين الذين يضطرون إلى الشراء الآن يواجهون تكاليف مرتفعة.

وقال متحدث باسم اتحاد المزارعين في بافاريا: «يكمن التحدي حالياً في توفر الكميات بقدر ما يكمن في تطور الأسعار. وبالنسبة للمَزارع التي لم تؤمِّن احتياجاتها مبكراً، فإن ذلك يؤدي إلى عبء تكاليف ملحوظ».

كما يواجه المزارعون صعوبات إضافية بسبب انخفاض أسعار المنتجين؛ خصوصاً بالنسبة للحبوب. وقال المتحدث باسم الاتحاد: «ارتفاع تكاليف مستلزمات الإنتاج بالتزامن مع ضعف العوائد يزيد من حدة الوضع الاقتصادي، ويضغط على سيولة المزارع».

نصف غذاء العالم

وقالت مارينا سيمونوفا، محللة أسواق السلع في «أرغوس»، إن نحو نصف غذاء العالم يُزرع باستخدام الأسمدة، مما يعني أن أي انقطاع طويل الأمد في الإمدادات ستكون له تداعيات ​واسعة على توفر الغذاء في أنحاء العالم.

وفي بعض البلدان، تمثل الأسمدة ما يصل إلى 50 في المائة من تكلفة إنتاج الحبوب. وحذَّرت وكالة الأغذية التابعة للأمم المتحدة من أن عدداً من الدول ​منخفضة الدخل كان يعاني بالفعل من انعدام الأمن الغذائي قبل اندلاع الحرب.

وتكتسب الأسمدة القائمة على النيتروجين -مثل اليوريا- أهمية خاصة على المدى القريب؛ لأن المحاصيل يمكن أن تتأثر إذا لم يستخدمها المزارع موسماً واحداً. ويقل هذا التأثير عادة في حالة الأسمدة الأخرى، مثل المنتجات المعتمدة على الفوسفات والبوتاسيوم.

وتعاني السوق العالمية لليوريا فعلاً من نقص في الإمدادات قبل الصراع الحالي، بعدما اضطرت أوروبا إلى خفض ​الإنتاج بسبب توقف الغاز الروسي الرخيص، وفرضت الصين قيوداً على صادرات الأسمدة، بما فيها اليوريا، لضمان الإمدادات المحلية.