إردوغان يعين رئيساً جديداً لـ«المركزي التركي»... والأنظار تتجه إلى الليرة

أزمتان كتبتا نهاية تجربة أول رئيسة تجلس على «المقعد المضطرب»

مكتب لصرف العملات بإسطنبول (إ.ب.أ)
مكتب لصرف العملات بإسطنبول (إ.ب.أ)
TT

إردوغان يعين رئيساً جديداً لـ«المركزي التركي»... والأنظار تتجه إلى الليرة

مكتب لصرف العملات بإسطنبول (إ.ب.أ)
مكتب لصرف العملات بإسطنبول (إ.ب.أ)

عين الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، فاتح كاراهان، رئيسا جديدا للمصرف المركزي خلفا لرئيسته حفيظة غايا إركان، التي أمضت في المنصب أقل قليلا من 9 أشهر.

وعصفت أزمتان متلاحقتان بالتجربة الفريدة لأول امرأة تتولى المنصب المضطرب الذي شهد تغيير 4 رؤساء خلال أقل من 5 سنوات، شهد فيها «المقعد الملتهب» تقلبات دارت في غالبيتها حول السياسة النقدية وسعر الفائدة.

نشرت الجريدة الرسمية التركية، في ساعة مبكرة من صباح السبت، قرار إردوغان بتعيين كاراهان، الذي اختير نائبا لرئيسة المصرف حفيظة غايا إركان في يوليو (تموز) الماضي، ضمن سلسلة تعيينات جديدة استكمالا لفريقها بعد اختيارها للمنصب في 8 يونيو (حزيران) عقب الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في مايو (أيار)، بترشيح من وزير الخزانة والمالية في حكومة إردوغان الجديدة محمد شيمشك.

وبينما أعلنت غايا إركان بنفسها، في ساعة متأخرة من ليل الجمعة - السبت، خبر رحيلها عبر حسابها في منصة «إكس»، لافتة إلى أنها طلبت من الرئيس إردوغان إعفاءها من منصبها بسبب ما عدته «حملة اغتيال سمعة» طالتها وعائلتها حتى طفلها الذي لم يكمل العام ونصف العام، جاء في قرار تعيين خلفها أنه «تم عزلها».

أزمات ورحيل متوقع

لم يكن رحيل غايا إركان عن رئاسة مصرف تركيا المركزي، بعيدا عن التوقعات، بعد أزمتين تسبب في أولاهما تصريح «غير موفق»، في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، تحدثت فيه عن اضطرارها للإقامة مع والديها عند استدعائها من أميركا لتولي المنصب، لأنها لم تتمكن من العثور على شقة بسعر مناسب بسبب الارتفاع الجنوني للإيجارات، وأن إسطنبول أصبحت أغلى من مانهاتن من حيث الإيجارات.

أثار التصريح سخرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، كما بدأ الصحافيون البحث عن حالة سكن رئيسة المصرف المركزي، ليتبين أنها تقيم في أفخم مجمع سكني في العاصمة أنقرة، وأن تكاليف إقامتها باهظة جدا، خلافا لما ادعته.

وتحدثت تقارير عن غضب إردوغان من تصريح غايا إركان، لأنه كان بمثابة إثبات لعجز حكومته عن السيطرة على سوق العقارات بالبلاد، فضلا عن أنه تناقض مع تصريحات لوزير الخزانة والمالية محمد شيمشك أشار فيها إلى أن الإيجارات بدأت تتراجع في إسطنبول.

أما الأزمة الثانية، فكان تأثيرها أعمق، فقد اتهم موظفون بالمصرف المركزي رئيسته بإساءة استغلال منصبها، لصالح عائلتها، وتقدمت الموظفة السابقة بالمصرف، بشرى بوزكورت، بشكوى عبر موقع «جيمير» التابع للرئاسة التركية، بحق إيرول إركان، والد رئيسة المصرف، نسبت إليه فيها أنه تسبب في طردها من وظيفتها بعدما رفضت الامتثال لأوامره بالبقاء لساعات طويلة عقب الدوام الرسمي إلى أن تنتهي ابنته من جدول أعمالها المزدحم بالمواعيد رسميا، بسبب أن لديها أسرة وطفلا يتعين عليها رعايتهما.

وشرحت بوزكورت، أن والد غايا إركان أصبح يتحكم في كل شيء في النواحي الإدارية للمصرف بصلاحيات واسعه مكنته من اتخاذ قرارات فورية بفصل الموظفين، مستشهدة بمشادة وقعت بينه وبين أحد الموظفين في المصعد، وأنه أبلغه على الفور أنه تم فصله، مشيرة إلى أن كاميرات مراقبة البنك سجلت الواقعة ويمكن التحقق منها.

وأفادت تقارير باستغلال والد غايا إركان أحد مرافق الخدمات الاجتماعية للمصرف في إزمير (غرب تركيا)، ووضعه والعاملين فيه تحت تصرف عائلته.

واستنكرت غايا إركان هذه الادعاءات عبر حسابها في «إكس»، في وقتها، قائلة إنها علمت أثناء وجودها في نيويورك لإجراء مقابلات مع عدد من المستثمرين بأن هناك حملة «قبيحة» لتشويه سمعتها وعائلتها.

لكن ذلك لم يمنع وسائل الإعلام عن التنقيب في الادعاءات التي وردت في شكوى موظفة المصرف المفصولة، كما تحولت غايا إركان إلى تريند على «إكس»، واستمر الوضع لفترة طويلة.

دفاع وإقالة

وأمام تصاعد الجدل حول ما وصف، من قبل البعض، بأنه «فساد» رئيسة المصرف المركزي، وسط أجواء الاستعدادات للانتخابات المحلية المقررة في 31 مارس (آذار) المقبل، دافع إردوغان، خلال تجمع لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم في أنقرة الأربعاء قبل الماضي، عن غايا إركان، متهما المعارضة بمحاولة هز الاستقرار الاقتصادي للبلاد وتدمير ما تحقق بشق الأنفس في الأشهر الأخيرة، وأنه لن يسمح بذلك.

لكن مراقبين عدوا تصريحات إردوغان محاولة لتهدئة حالة الجدل المتصاعد بإعلان ثقته برئيسة المصرف المركزي، التي حظي اختيارها عقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية في مايو، بترحيب كبير وارتياح في الأوساط الاقتصادية.

وكانت غايا إركان، المولودة عام 1982 والمسؤولة المالية السابقة في وول ستريت، والتي تمتلك خبرة 22 عاما في قطاع المصارف في أميركا والخبيرة في السياسات النقدية، حققت نجاحا في محاولة مواجهة آثار التضخم المرتفع وضبط الأسواق والعودة إلى السياسة النقدية المتشددة برفع سعر الفائدة من 8.5 في المائة إلى 45 في المائة، فضلا عن إنعاش الاحتياطيات الأجنبية.

لكن على الجانب الآخر، بدا أن غايا إركان لم تكن تتمتع بالحنكة في التصريحات، فضلا عن إبداء حساسية كبيرة فيما يتعلق بحياتها الشخصية وإفراط في الحديث عن عائلتها، وعدم القدرة على الفصل بين حياتها الشخصية والعملية، وهو ما أثار انتقادات حادة لم تقو على تحملها ووصفتها بأنها «حملة اغتيال لسمعتها».

ولا يختلف رئيس المركزي التركي الجديد، فاتح كارا خان، من حيث المؤهلات والخبرات كثيرا عن غايا إركان، فقد جاء من الخلفيات ذاتها تقريبا، وهو من الجيل ذاته، حيث ولد عام 1982، وتخرج في قسمي الهندسة الصناعية والرياضيات في جامعة بوغازايتشي (البسفور) عام 2006، وهي الجامعة ذاتها التي تخرجت فيها، وحصل على الماجستير، ومن ثم الدكتوراه في جامعة بنسلفانيا الأميركية عام 2012.

بدأ كاراهان حياته المهنية خبيرا اقتصاديا في بنك «الاحتياطي الفيدرالي» الأميركي في نيويورك عام 2012، كما شغل منصب رئيس دراسات سوق العمل والمنتجات ومستشار السياسة النقدية في البنك حتى عام 2022، وعمل محاضرا غير متفرغ في جامعتي كولومبيا ونيويورك، وبدأ العمل خبيرا اقتصاديا في شركة «أمازون» الأميركية عام 2022، قبل أن يتم تعيينه كبيرا للاقتصاديين فيها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2022، ثم عين في 28 يوليو 2023، نائبا لرئيسة المركزي التركي، التي خلفها في منصبها بدءا من السبت.

وعلى الرغم من أن إقالة غايا إركان، جاءت في ساعة متأخرة من ليل الجمعة، مع مستهل عطلة نهاية الأسبوع (السبت والأحد) وإغلاق البورصة، فإنها أثرت على سعر صرف الدولار الذي سجل ارتفاعا أمام الليرة بنسبة 0.8 في المائة، ليجري تداوله عند مستوى 30.52 ليرة.

تأثيرات محتملة

يرى الخبير الاقتصادي، عبد القادر ديفلي، أن الرئاسة ومسؤولي ملف الاقتصاد في الحكومة حرصوا على تجنب التقلبات الحادة في الأسواق والبورصة على خلفية «استقالة أو إقالة غايا إركان»، ولذلك تمت عملية تغيير قيادة المصرف المركزي «بسرعة كبيرة جدا وترتيب الأوراق على الفور داخل المصرف، وهو ما سيؤدي إلى تلافي حدوث صدمة في الأسواق وكذلك في البورصة مع افتتاح التعاملات صباح الاثنين».

وتوقع مستثمرون استمرار العمل بالسياسات السابقة، لكنهم لم يستبعدوا حدوث بعض التقلبات، وعدّوا أن التزام تركيا بالسياسات الاقتصادية التقليدية الذي جعلها وجهة مفضلة لدى المستثمرين من جديد، سيكون عرضة للاختبار بعد استقالة غايا إركان.

وكان نائب الرئيس التركي جودت يلماظ، وكذلك وزير الخزانة والمالية، محمد شيمشك، أكدا أن رحيل غايا إركان عن منصبها هو اختيارها الشخصي.

وذهب الرئيس العالمي للصرف الأجنبي في شركة «جيفريز»، براد بكتل، إلى أن استقالتها لم تكن مفاجأة بصورة كاملة، وأنها استقالت من تلقاء نفسها بدلاً من اتخاذ إردوغان تحركاً سياسياً من أي نوع.

وتوقع أن يستمر البنك المركزي في بذل جهوده المضنية للحفاظ على المصداقية ومواصلة مساره الحالي.

ويرى مدير عام وحدة الدخل الثابت في شركة «أليانس غلوبال بارتنرز»، أورين باراك، أن إردوغان يمارس سيطرة كبيرة، وعلى الأرجح تمثل الاستقالة مؤشراً لوجود خلافات مع غايا إركان، مضيفا: «بمقدورنا توقع تقلبات أكثر في أسعار الليرة والسندات التركية، ستؤثر هذه التقلبات سلبيا نوعا ما في الأجلين القصير والمتوسط».

منصب مضطرب

شهد منصب رئيس مصرف تركيا المركزي، تقلبات وعدم استقرار في عهد حزب «العدالة والتنمية» برئاسة إردوغان، وتناوب عليه 7 رؤساء منذ عام 2006 وحتى الآن، وخلال السنوات الخمس الأخيرة تم تغيير 5 رؤساء.

تولى دورموش يلماظ المنصب من 2006 إلى 2011، ثم أراد باشيشجي حتى 2016، تلاه مراد شتينكايا حتى 2019، في السنوات الأربع الأخيرة ارتفعت وتيرة التقلبات في المنصب بسبب الخلافات بين إردوغان وقيادات المصرف على سعر الفائدة، ولم يكمل رئيس للمصرف في منصبه عامين، فقد تم تعيين مراد أويصال في 2019، وأقيل في 2020، تبعه ناجي أغبال وأقيل عام 2021، ثم شهاب كاوجي أوغلو من نهاية عام 2021 إلى يونيو 2023، ثم حفيظة غايا إركان من 8 يونيو 2023 إلى 2 فبراير (شباط) 2024، ليخلفها فاتح كاراهان.


مقالات ذات صلة

بعد خسارة 55 مليار دولار... احتياطيات تركيا تعود للنمو

الاقتصاد مدخل البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)

بعد خسارة 55 مليار دولار... احتياطيات تركيا تعود للنمو

قال مصرفيون إن البنك المركزي التركي اشترى 13 مليار دولار من العملات الأجنبية الأسبوع الماضي في تحول عن الاتجاه السابق منذ بداية حرب إيران.

«الشرق الأوسط» (أنقرة )
الاقتصاد منظر عام لمركز إسطنبول المالي في تركيا (رويترز)

الحرب تدفع بعض الشركات في المنطقة إلى نقل أعمالها لمركز إسطنبول المالي

قال الرئيس التنفيذي لمركز إسطنبول المالي إن حرب إيران دفعت عشرات الشركات العاملة في الخليج إلى التفكير في نقل بعض أعمالها إلى المركز المالي الجديد في إسطنبول.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
الاقتصاد الناس يتسوقون في السوق الكبير بإسطنبول (رويترز)

تركيا ترفع أسعار الكهرباء والغاز بنسبة 25 %

أعلنت هيئة تنظيم سوق الطاقة التركية في بيان زيادة فورية بنسبة 25 في المائة على أسعار الكهرباء والغاز.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
الاقتصاد إحدى الأسواق الشعبية في إسطنبول (إ.ب.أ)

تركيا: التضخم يتراجع إلى 30.87 % في مارس مخالفاً التوقعات

سجل التضخم السنوي في أسعار المستهلكين بتركيا في مارس الماضي تراجعاً بالمخالفة للتوقعات السابقة مسجلاً 30.87 في المائة.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد ارتفعت توقعات التضخم في تركيا مع ارتفاع حدة التوتر في الشرق الأوسط (رويترز)

«التعاون الاقتصادي والتنمية» ترفع توقعاتها لتضخم تركيا بنهاية العام

رفعت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية توقعاتها للتضخم في تركيا بنهاية العام الحالي بشكل حاد، فيما خفّضت توقعاتها للنمو على خلفية حرب إيران.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

«صندوق النقد»: السعودية تُواجه تداعيات الحرب بـ«مصدات قوية»

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
TT

«صندوق النقد»: السعودية تُواجه تداعيات الحرب بـ«مصدات قوية»

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)

أكد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، أن السعودية تمتلك «مصدات مالية قوية» تعزز صمودها في وجه تداعيات الحرب الحالية في منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن متانة الحيز المالي للمملكة ومؤسساتها السيادية تمنحها القدرة على امتصاص الصدمات وحماية زخم مشاريع «رؤية 2030». وأوضح أن قدرة الرياض على التكيّف وإعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية تمثلان نموذجاً للمرونة الاقتصادية الضرورية في ظل الظروف الراهنة.

ورأى أزعور أن الصراع الحالي يمثل «نقطة تحول جيو - اقتصادية» لم تشهدها المنطقة منذ 50 عاماً. ونبّه إلى خطورة «الصدمة متعددة الأوجه» التي تواجهها دول المنطقة، حيث لا تقتصر الضغوط على الجوانب العسكرية، بل تمتد لتشمل اضطراب سلاسل الإمداد، وتصاعد تكاليف الشحن، وتذبذب أسواق السلع الأساسية.


مرشح ترمب لرئاسة «الفيدرالي»: سأتخذ قراراتي بمعزل عن أي ضغوط من الرئيس

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
TT

مرشح ترمب لرئاسة «الفيدرالي»: سأتخذ قراراتي بمعزل عن أي ضغوط من الرئيس

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

في شهادة تاريخية أمام اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ، وضع كيفن وارش، المرشح لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، «استقلالية القرار النقدي» كقاعدة أساسية لمستقبل المصرف المركزي، مؤكداً لأعضاء اللجنة أنه سيتخذ قراراته بمعزل عن أي نصيحة أو ضغط من الرئيس دونالد ترمب، ومسلّطاً الضوء على نجاحه في الحفاظ على انخفاض التضخم باعتباره «الدرع الواقية» التي ستحصن استقلالية المؤسسة وتحميها من السجالات السياسية، مشدداً على أن «التضخم المنخفض هو خيار، وعلى الاحتياطي الفيدرالي تحمل مسؤوليته دون أعذار».

وقال وارش أمام أعضاء اللجنة الذين سيرفعون توصياتهم بشأن تثبيته في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى فترة ولاية مدتها أربع سنوات على رأس البنك المركزي: «استقلالية السياسة النقدية أمرٌ جوهري».

وأضاف أن الحفاظ على هذه الاستقلالية «يقع على عاتق الاحتياطي الفيدرالي إلى حد كبير» من خلال تحقيق أهدافه وعدم تجاوز صلاحياته الممنوحة له من الكونغرس.

وقال وارش، الممول البالغ من العمر 56 عاماً والمحافظ السابق للاحتياطي الفيدرالي: «لا أعتقد أن استقلالية السياسة النقدية مهددة بشكل خاص عندما يُبدي المسؤولون المنتخبون - الرؤساء، أو أعضاء مجلس الشيوخ، أو أعضاء مجلس النواب - آراءهم بشأن أسعار الفائدة. لقد كلّف الكونغرس الاحتياطي الفيدرالي بمهمة ضمان استقرار الأسعار، دون أعذار أو مراوغة، أو جدال أو قلق. التضخم خيار، ويجب على الاحتياطي الفيدرالي أن يتحمل مسؤوليته. انخفاض التضخم هو سلاح الاحتياطي الفيدرالي الأقوى».

واعتبر وارش أن البيانات المستخدمة لتقييم التضخم غير دقيقة إلى حد بعيد، وقال إنه سيُجري مراجعة للبيانات، ومشيراً إلى أن الإجراءات الحالية التي يتبعها مجلس الاحتياطي الفيدرالي «معيبة».

وأوضح أنه يُفضل استخدام المتوسط ​​المُعدَّل أو الوسيط لتغيرات الأسعار للحصول على فهم أفضل لمعدل التضخم الأساسي.

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

نقد «حقبة باول» وضرورة التغيير

وفي مواجهة اتسمت بالنقد الصريح، دعا وارش إلى «تغيير جذري» في آليات إدارة السياسة النقدية، معتبراً أن الإطار الحالي يحتاج إلى أدوات جديدة كلياً.

وانتقد وارش تمسك الإدارة الحالية بتوقعاتها لفترات أطول مما ينبغي، مشيراً إلى أن الاقتصاد لا يزال يدفع ثمن تداعيات أخطاء السياسة النقدية لعامي 2021 و2022، ومؤكداً في الوقت ذاته أن «لا مسألة أكثر إلحاحاً من تكلفة المعيشة» في الوقت الراهن.

وأبلغ وارش أعضاء مجلس الشيوخ أنه سيفي بتعهده بالتخلي عن ممتلكاته في حال تثبيته في منصبه، لكنه امتنع عن الخوض في تفاصيل كيفية التخلص من ملايين الدولارات من الأصول. وقال: «حتى لا يكون هناك أي شك في استقلاليتي، ولا أي شك في شفافية سجلي المالي، وافقت على التخلي عن جميع أصولي المالية تقريباً، وسيتم التخلي عن غالبيتها العظمى قبل أن أرفع يدي اليمنى وأؤدي اليمين الدستورية».

حتى قبل أن يُلقي وارش كلمته الافتتاحية، كرّر ترمب في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي» أنه سيشعر بخيبة أمل إذا لم يُسرع مرشحه المُختار لخلافة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في خفض أسعار الفائدة. يُمثّل هذا التوقع تحدياً كبيراً لقائد البنك المركزي الذي يحتاج إلى حشد أصوات زملائه الذين ما زالوا قلقين بشأن تأثير صدمة أسعار النفط المستمرة على التضخم الذي يتجاوز بالفعل هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة.

وقد صرّح وارش بأن خفض أسعار الفائدة مُبرّر لأن التغييرات التكنولوجية التي أطلقها الذكاء الاصطناعي سترفع الإنتاجية، وهو رأي يقول محافظو بنوك مركزية آخرون إنه قد يكون صحيحاً بمرور الوقت، ولكنه لا يجعل خفض أسعار الفائدة مناسباً بالضرورة على المدى القصير.

لقد فشل الاحتياطي الفيدرالي في تحقيق هدفه البالغ 2 في المائة لأكثر من خمس سنوات، أولاً بسبب صدمة جائحة كوفيد-19، ولكن مؤخراً بسبب تأثير تعريفات إدارة ترمب وارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط، وهي مشكلة محتملة للمشرعين الجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولطالما تصادم ترمب مع باول بشأن السياسة النقدية منذ تعيينه رئيساً للاحتياطي الفيدرالي في ولايته الأولى بالبيت الأبيض. تنتهي ولاية باول رسمياً على رأس البنك المركزي في 15 مايو (أيار)، لكن من الممكن أن يبقى في منصبه لفترة أطول إذا تأخرت المصادقة على تعيين وارش.

في هذه المرحلة، لا يزال توقيت توصية اللجنة أو تصويت مجلس الشيوخ غير مؤكد. وقد صرّح السيناتور الجمهوري توم تيليس، عضو اللجنة، بأنه سيعرقل ترشيح وارش إلى أن تُسقط وزارة العدل الأريكية تحقيقاً مع باول يعدّه السيناتور تافهاً وجزءاً من مساعي ترمب للضغط على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة أو إجبار باول على الاستقالة.

ورغم أن اجتماع السياسة النقدية الأسبوع المقبل قد يكون الأخير لباول رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، لكن هذا المأزق قد زاد من احتمالية بقائه في منصبه حتى بعد انتهاء ولايته رسمياً. لا يبدو أن المدعية العامة الأميركية لمنطقة كولومبيا، جانين بيرو، حليفة ترمب، مستعدة للتخلي عن التحقيق مع باول، ولا يبدو أن الرئيس يضغط عليها للقيام بذلك، على الرغم من أن هذا الموقف يعني احتمال استمرار العمل مع رئيس البنك المركزي الحالي لأشهر إضافية، أو إشعال معركة قانونية أخرى بمحاولة تعيين بديل مؤقت من بين محافظي الاحتياطي الفيدرالي الستة الآخرين.

وفي غياب خليفة مؤكد للمنصب الرفيع، سبق للبنك المركزي أن عيّن رئيساً مؤقتاً للاحتياطي الفيدرالي. تمتد ولاية باول محافظاً للبنك المركزي حتى عام 2028، ما يعني أنه قد يبقى صانعاً رئيسياً للسياسات حتى في حال تثبيت وارش. كما صرّح ترمب بأنه قد يُقيل باول إذا لم يتخلَّ عن منصبه كمحافظ. ومن المؤكد أن مثل هذه الخطوة ستُثير طعناً قانونياً، كما حدث في محاولة الرئيس الصيف الماضي لإقالة ليزا كوك، محافظة الاحتياطي الفيدرالي.


بسبب الحرب... الاتحاد الأوروبي يدرس توسيع واردات وقود الطائرات الأميركي

طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
TT

بسبب الحرب... الاتحاد الأوروبي يدرس توسيع واردات وقود الطائرات الأميركي

طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)

أعلن مسؤول النقل في الاتحاد الأوروبي أبوستولوس تزيتزيكوستاس، يوم الثلاثاء، أن التكتل الأوروبي يدرس توسيع وارداته من وقود الطائرات الأميركي، إلى جانب اتخاذ إجراءات لتعزيز استقرار قطاع الطيران، في ظل المخاوف المتزايدة من تداعيات الحرب الإيرانية على إمدادات الطاقة.

وأوضح تزيتزيكوستاس أن الاتحاد سيصدر توجيهات لشركات الطيران بشأن التعامل مع قضايا تشغيلية مثل مواعيد الإقلاع والهبوط، وحقوق المسافرين، والتزامات الخدمة العامة، في حال حدوث أي اضطرابات محتملة في إمدادات وقود الطائرات. وأضاف أنه لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على نقص فعلي في الإمدادات، لكنه حذّر من أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة سيكون «كارثياً» على أوروبا والاقتصاد العالمي.

وقبل اندلاع القصف الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، كان نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر مضيق هرمز. ويعتمد الاتحاد الأوروبي على استيراد ما بين 30 في المائة و40 في المائة من احتياجاته من وقود الطائرات، يأتي نحو نصفها من منطقة الشرق الأوسط.

ومن المقرر أن تقدم المفوضية الأوروبية، يوم الأربعاء، حزمة أوسع من التدابير المرتبطة بالطاقة والنقل، تشمل إنشاء «مرصد لوقود الطائرات» لمراقبة مستويات الإمدادات بشكل دوري.

وقال تزيتزيكوستاس عقب اجتماع وزراء النقل في الاتحاد الأوروبي: «في حال ظهور اضطرابات فعلية في الإمدادات، يجب استخدام المخزونات الاستراتيجية بالشكل الأمثل، مع ضمان الشفافية الكاملة في أي عمليات سحب وطنية لتفادي تشوهات السوق».

وأضاف أنه لا توجد في الوقت الراهن أي مؤشرات على حدوث «إلغاءات واسعة النطاق» خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة. في المقابل، حذرت وكالة الطاقة الدولية الأسبوع الماضي من احتمال بدء نقص فعلي في الوقود بحلول يونيو (حزيران)، في حين تشير شركات الطيران الأوروبية إلى أن الضغوط الحالية تتركز في ارتفاع الأسعار فقط.

وقالت مجموعة «إيه آي جي» المالكة للخطوط الجوية البريطانية و«إيبيريا» إنها لا تواجه أي اضطرابات في إمدادات وقود الطائرات في مطاراتها الرئيسية، لكنها تتعرض لارتفاع ملحوظ في التكاليف. كما أعلنت مجموعة «دي إتش إل» الألمانية أنها مؤمّنة من حيث إمدادات الوقود لعمليات الشحن في أوروبا حتى يونيو، بينما تبقى التوقعات في آسيا أقل وضوحاً.

وأكد المسؤول الأوروبي أن المفوضية تسعى إلى تسريع تطوير وقود الطيران المستدام والوقود الاصطناعي، بهدف تقليل الاعتماد على الواردات، خصوصاً من الشرق الأوسط. إلا أن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) كان قد حذر من أن إنتاج الوقود المستدام لا يزال دون المستويات المطلوبة لتحقيق أهداف التحول الأخضر، مشيراً إلى أن تكلفته قد تصل إلى خمسة أضعاف الوقود التقليدي.

وتسمح قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بمكافحة «التزود بالوقود الزائد» باستثناءات في حالات النقص المحتمل، على أن يتم توضيح الإطار التنظيمي بشكل أدق يوم الأربعاء.

كما تدرس المفوضية الأوروبية خيار تنويع مصادر الاستيراد، بما في ذلك وقود الطائرات الأميركي (جيت إيه) الذي يتميز بدرجة تجمد أعلى من المعيار الأوروبي.

وختم تزيتزيكوستاس بالقول: «لا حاجة في هذه المرحلة إلى أي إجراءات تمس حياة المواطنين أو حركة السفر والعمل. أوروبا مستعدة لاستقبال السياح والضيوف خلال موسم الصيف». وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود لا يبرر التراجع عن حقوق تعويض الركاب في حالات التأخير أو الإلغاء.