ولي العهد السعودي يطلق استراتيجية وطنية للتقنية الحيوية

تهدف إلى تحسين جودة الحياة... وتحقيق الأمن الغذائي والمائي

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (الشرق الأوسط)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (الشرق الأوسط)
TT

ولي العهد السعودي يطلق استراتيجية وطنية للتقنية الحيوية

ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (الشرق الأوسط)
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان (الشرق الأوسط)

أطلق الأمير محمد بن سلمان ولي العهد السعودي رئيس مجلس الوزراء، «الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية»، التي تهدف إلى تعزيز مكانة المملكة بصفتها دولة رائدة في القطاع.

وتتطلع السعودية إلى تطوير قطاع التقنية الحيوية، بما يشمل اللقاحات والأدوية الحيوية، وأبحاث علم الجينوم، كي تبلغ مساهمته 3 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي بحلول عام 2040، بأثر إجمالي كلي يبلغ 130 مليار ريال (35 مليار دولار).

ويعدّ قطاع التقنية الحيوية مجالاً ذا نمو كبير وإمكانات عالية في السعودية، ومن شأنه أن يسهم في خلق فرص وظيفية نوعية عالية الجودة خلال السنوات المقبلة. ويُتوقع أن يسهم القطاع في خلق أكثر من 11 ألف وظيفة بحلول عام 2030.

ومن هذا المنطلق، ستركز الاستراتيجية على تنمية قطاع التقنية الحيوية، وتوحيد الجهود لانتهاز الفرص الاقتصادية الواعدة فيه، وتعزيز صحة وجودة حياة السكان في السعودية، بالإضافة إلى حماية البيئة وتحقيق الأمن الغذائي والمائي، وتعظيم الفرص الاقتصادية، وتوطين الصناعات الواعدة؛ مما سيسهم في تحقيق مستهدفات «رؤية المملكة 2030».

وتستهدف «الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية» معالجة التحديات واغتنام الفرص في قطاعٍ سريع النمو. كما تمثل خريطة طريق شاملة لتصبح المملكة مركزاً عالمياً للتقنية الحيوية بحلول عام 2040.

وتمتلك السعودية أكبر سوق للأدوية الحيوية في المنطقة، بقيمة تتجاوز 1.3 مليار دولار.

يعدّ قطاع التقنية الحيوية مجالاً ذا نمو كبير وإمكانات عالية في السعودية (من موقع «رؤية 2030»)

4 توجهات استراتيجية

وتستهدف الاستراتيجية تحفيز نمو قطاع التقنية الحيوية في المملكة، والوصول للريادة العالمية في هذا المجال وفقاً لأربعة توجهات استراتيجية جوهرية هي: اللقاحات، حيث يتوقع أن تصبح المملكة واحدة من أبرز 3 دول مصدرة للقاحات في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بحلول عام 2040، والتصنيع الحيوي والتوطين، والجينوم، حيث تمتلك المملكة إمكانات كبيرة للمضي قدماً في البحث والتطوير الرائد في هذا العلم، وتحسين زراعة النباتات لتحقيق الاكتفاء الذاتي.

كما يمكن أن تساعد التقنية الزراعية وغيرها من التقنيات الحيوية النظيفة في جعل المملكة أكثر استدامة وتحقيق مستهدفاتها المتعلقة بالوصول إلى الحياد الصفري.

فرص أمام القطاع الخاص

وتوفر الاستراتيجية الوطنية فرصاً استثمارية فريدة للقطاع الخاص، حيث يمكن لرجال الأعمال والمستثمرين المشاركة في مشروعات التقنية الحيوية ودعم تطوير الحلول المبتكرة التي من شأنها الارتقاء بجودة الحياة. كما تعمل على تطوير المواهب المحلية واستقطاب الخبرات الأجنبية لتعزيز النمو والابتكار. بالإضافة إلى توحيد الجهود وإزالة العوائق وإطلاق القدرات المرتبطة بالأنشطة والعمليات كافة على مختلف المستويات لهذا القطاع.

من هنا، ستقود المملكة قطاع التقنية الحيوية العالمي كونها مستثمراً مهماً فيه، وتتمتع بأنظمة مرنة، تلتزم من خلالها بالابتكار والبحث والتطوير، بالإضافة إلى ارتكازها على قوة اقتصادها وهمم شبابها.

الاستراتيجية تدعم العلماء المبتكرين

وفي تعليقه على إطلاقها، قال الدكتور نايف الحربي، مدير طوارئ الصحة العامة في مركز مكافحة الأمراض الخليجي، العالم في الفيروسات واللقاحات الطبية: «إن الاستراتيجية تأتي بلا شك لدعم العلماء المبتكرين في المملكة، وتمكين الاختراعات الأكاديمية من التحول عبر ممر التقنية الحيوية من خلال خلق المناخ الملائم لاحتضان وتسريع هذه الابتكارات وتحويلها إلى منتجات، وتشكيل هذا القطاع بشكل واضح».

وأضاف: «هذه المنتجات الحيوية ستسهم في رفع جودة الحياة، ومواجهة الجوائح والأوبئة من خلال تطوير اللقاحات وتوطين التصنيع الحيوي والدوائي، وكذلك فهم الأمراض الوراثية؛ لتقديم الخدمات الصحية بجهود ومنتجات موطنة أو مصنعة محلياً».

وأشار الحربي: «كثير منا يتذكر بداية جائحة (كورونا)، وكيف كانت هناك حاجة لهذا القطاع من أجل أخذ منتجاتنا الأكاديمية إلى مراحل التصنيع والاعتماد بشكل يدعم الاكتفاء الوطني، ويسهم مع العالم في الجهود الدولية لمكافحة الأوبئة».

المملكة مصدر إشعاع

من جهته، قال الدكتور محمد بن دليم القحطاني، المحلل الاقتصادي والأكاديمي في جامعة الملك فيصل: «إن التكنولوجيا الحيوية من الاستثمارات التي يُتوقع أن يكون لها مستقبل ممتاز وطويل الأجل، إذ إنها بحاجة إلى وقت طويل، لأن هذا النوع من الصناعات توجد فيه تعقيدات كامنة ويحتاج إلى تطوير مستمر واختبارات سريرية».

وشدد على أن السعودية «ستكون مصدر إشعاع ورائدة جداً، وهي تمتلك كل البنى التحتية التي تؤهلها لأن تقود هذا النوع من الصناعة»، لافتاً إلى أن «المملكة تركز في الوقت الحالي على قطاعات نوعية وتقل فيها التنافسية».

وتوقع القحطاني أن يحتاج هذا القطاع إلى نحو 100 مليار دولار، مشيراً إلى أن «المملكة قادرة على ذلك، وفي المقابل ستكون العوائد كبيرة جداً، إذ أتوقع أن تحقق خلال أول 10 سنوات ما يقارب 500 مليار دولار أرباحاً». ورأى أن إطلاق الاستراتيجية سيسهم في جعل اقتصاد المملكة في طليعة الاقتصادات العالمية المتقدمة خلال السنوات الـ15 المقبلة.

التكنولوجيا الحيوية جزء مهم من عالم الطب

أما الخبير الصحي البروفسور عوض العُمري، فرأى من جهته أن إطلاق الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية سوف يضع المملكة في مكان عالمي مرموق في قطاعات الرعاية الصحية والدوائية والغذائية، لافتاً إلى أن التقنية الحيوية هي استخدام التكنولوجيا الحديثة مع علم الأحياء لتحويل جينات الكائنات الحية وخلق منتجات جديدة ومفيدة.

وأوضح العُمري أن التكنولوجيا الحيوية أصبحت جزءاً مهماً من عالم الطب وأثبتت أنها نعمة للعلوم الطبية، منوهاً إلى أن هذه الاستراتيجية سيكون لها الأثر الكبير على صعيد الأمن الصحي والغذائي السعودي وذلك بتوفير اللقاحات والأدوية وتوطين صناعتها. وقال: «وقد رأينا أن أحد أبرز الانكشافات الأمنية التي ظهرت في جائحة كورونا هو الانكشاف الدوائي».


مقالات ذات صلة

ولي العهد يتسلَّم رسالة لخادم الحرمين من الرئيس المصري

الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مستقبلاً وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في الرياض الأربعاء (واس)

ولي العهد يتسلَّم رسالة لخادم الحرمين من الرئيس المصري

تسلّم الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، رسالة خطية لخادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان خلال لقائه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في الرياض الأربعاء (واس) p-circle 00:38

لقاء سعودي - فرنسي يبحث تنسيق الجهود لتعزيز الأمن الإقليمي والدولي

ناقش ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، التطورات الإقليمية والدولية، وتنسيق الجهود بشأنها، بما يُعزز الأمن والاستقرار.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص اصطفاف أعداد كبيرة من الحاويات في أحد الموانئ السعودية (واس)

خاص كيان موحد للتجارة والتصدير يدعم انتشار المنتجات السعودية خارجياً

يمثل قرار دمج «الهيئة العامة للتجارة الخارجية» و«هيئة تنمية الصادرات السعودية» في كيان موحد خطوةً تنظيميةً تستهدف تعزيز التكامل المؤسسي وتوحيد الجهود...

بندر مسلم (الرياض)
الخليج الأمير محمد بن سلمان لدى ترؤسه جلسة مجلس الوزراء في الرياض الثلاثاء (واس)

مجلس الوزراء: السعودية موطن الأمن والأمان… ولن تسمح بتهديد أمنها

ثمَّن مجلس الوزراء السعودي الدور الحازم للقوات المسلحة في الدفاع عن الوطن، وحماية مكتسباته ومقدراته، وردع أي اعتداء أو تهديد لسيادته وسلامة شعبه والمقيمين.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب إردوغان (واس)

ولي العهد السعودي يتلقى اتصالات من قادة تركيا ولبنان وألمانيا لإدانة الاعتداءات الحوثية

تلقى الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، اتصالات هاتفية، الثلاثاء، من قادة تركيا ولبنان وألمانيا، لإدانة الاعتداءات الحوثية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
TT

ترمب يستعرض جهود مكافحة عمليات الاحتيال بالعملات المشفرة الآتية من الخارج

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في المكتب البيضاوي للإعلان عن برنامج لحماية المبلغين عن المخالفات (رويترز)

يستعرض الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الأربعاء، جهود إدارته لمكافحة الشبكات الإجرامية الأجنبية التي تستدرج الأميركيين إلى استثمارات احتيالية في العملات المشفرة، وفق ما أفاد به مسؤول في البيت الأبيض «رويترز»، في إطار فعالية أوسع نطاقاً بشأن مكافحة الجرائم الإلكترونية.

ومن المتوقع أن يستعرض ترمب وعدد من أعضاء حكومته، خلال فعالية في البيت الأبيض، جهود الحكومة لمصادرة مواقع إلكترونية تُستخدم في عمليات احتيال استثماري بالعملات المشفرة، إلى جانب المساعي الرامية إلى وقف عمليات الاحتيال عبر انتحال الهوية على الإنترنت، وفق المسؤول.

وأضاف مسؤول في الإدارة الأميركية أن من المتوقع حضور وزير الأمن الداخلي ماركواين مولين، ومدير «مكتب التحقيقات الاتحادي» كاش باتيل، ووزير الدفاع بيت هيغسيث، والمدعي العام تود بلانش. كما يُتوقع حضور كبيرة موظفي البيت الأبيض سوزي وايلز، ونائب رئيس الموظفين ستيفن ميلر، والمدير الوطني لـ«الأمن السيبراني» شون كيرنكروس.

وقدّم الأميركيون أكثر من مليون شكوى إلى «مكتب التحقيقات الاتحادي» بشأن عمليات الاحتيال عبر الإنترنت العام الماضي، بزيادة قدرها 17 في المائة مقارنة بعام 2024، وفقاً لتقرير صادر عن «المكتب» أشار أيضاً إلى أن الخسائر المالية التي أبلغ عنها المشتكون بلغت مستويات قياسية.

وتشارك عائلة ترمب على نطاق واسع في استقطاب استثمارات العملات المشفرة.

وخلص تحقيق أجرته «رويترز» إلى أن ترمب ونجليه أضافوا ما لا يقل عن 2.3 مليار دولار إلى ثروة العائلة من خلال مشروعاتهم الرئيسية في مجال العملات المشفرة، في حين تكبّد المستثمرون الذين استقطبتهم العائلة خسائر بلغت 2.3 مليار دولار.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض آنا كيلي، في بيان لـ«رويترز» رداً على التحقيق، إن «جميع الإجراءات التي يتخذها الرئيس ترمب وإدارته تصب في مصلحة الشعب الأميركي».

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2025، أصدر ترمب عفواً عن تشانغبينغ تشاو، المؤسس المدان لمنصة «بينانس» لتداول العملات المشفرة، بعدما ترك منصبه إثر إقرار الشركة بالذنب في قضية تتعلق بالإخفاق في الحفاظ على برنامج فعّال لمكافحة غسل الأموال.

وفي مارس (آذار) الماضي، وجّه ترمب وزارة العدل، بموجب أمر تنفيذي، إلى إعطاء الأولوية لتحديد هوية المحتالين الذين يرتكبون جرائم عبر الإنترنت وملاحقتهم قضائياً. كما وجّه لاحقاً وزارة الأمن الداخلي إلى العمل مع شركات خاصة لمراقبة مجموعات القرصنة الإلكترونية الأجنبية.


تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
TT

تراجع مخزونات النفط والبنزين الأميركية بأكثر من التوقعات

خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)
خزانات لتخزين النفط في مصفاة «ماراثون بتروليوم» في لوس أنجليس (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، أن مخزونات النفط الخام والبنزين في الولايات المتحدة انخفضت خلال الأسبوع الماضي بأكثر من التوقعات، في حين ارتفعت مخزونات المقطرات.

وأوضحت الإدارة، في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات النفط الخام تراجعت بمقدار 3.06 مليون برميل لتصل إلى 412.5 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 16 أكتوبر (تشرين الأول)، وذلك مقارنة بتوقعات المحللين في استطلاع أجرته وكالة «رويترز» بانخفاض قدره 820 ألف برميل.

كما أشارت الإدارة إلى ارتفاع مخزونات النفط الخام في مركز التسليم في كوشينغ بولاية أوكلاهوما بمقدار 987 ألف برميل خلال الأسبوع نفسه.

وذكرت إدارة معلومات الطاقة أن كميات النفط الخام التي تمت معالجتها في المصافي ارتفعت بمقدار 34 ألف برميل يومياً.

وانخفضت معدلات تشغيل المصافي بنسبة 0.1 نقطة مئوية خلال الأسبوع لتصل إلى 93.4 في المائة. وفقاً للبيانات.

وفيما يتعلق بالبنزين، أفادت الإدارة بأن المخزونات الأميركية انخفضت بمقدار 2.95 مليون برميل لتصل إلى 205.3 مليون برميل، مقابل توقعات بانخفاض قدره 443 ألف برميل.

وأظهرت البيانات ارتفاع مخزونات المقطرات -التي تشمل الديزل وزيت التدفئة- بمقدار 1.68 مليون برميل لتصل إلى 104.3 مليون برميل، مخالفةً بذلك توقعات كانت تشير إلى انخفاض قدره 1.16 مليون برميل.

كما ذكرت إدارة معلومات الطاقة أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع بمقدار 837 ألف برميل يومياً.

وعلى الفور، تحولت العقود الآجلة لخام برنت والخام الأميركي إلى الارتفاع وسط تداولات متقلبة شهدتها جلسة الأربعاء، وذلك فور صدور التقرير.


ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
TT

ضوابط قضائية صارمة تحاصر قانون الفجوة المالية في لبنان

مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)
مبنى المجلس الدستوري في بيروت (صورة أرشيفية)

أعاد قرار المجلس الدستوري في لبنان إبطال المادة الثالثة من قانون إصلاح المصارف وإعادة تنظيمها، استجابةً للطعن المقدّم من رئيس الجمهورية جوزيف عون، رسم مسار معالجة الفجوة المالية واسترداد الودائع، بما قد ينعكس على صياغة القانون المرتقب والمفاوضات مع صندوق النقد الدولي للتوصل إلى اتفاق تمويلي.

ويعيد القرار مصرف لبنان إلى موقع محوري في إدارة عملية إعادة هيكلة المصارف، في تطور تتجاوز تداعياته قانون إصلاح المصارف إلى مشروع قانون الانتظام المالي واسترداد الودائع، الذي يُعدّ من المرتكزات الأساسية لمعالجة الفجوة المالية وتحديد المسؤوليات عن الخسائر وتوزيع أعبائها.

وتكمن الأهمية الاستثنائية للقرار في إعادة الاعتبار إلى المضمون الأساسي للقانون رقم 23، الصادر في صيف العام الماضي، والذي يُلزم بالتقيد بأحكام قانون النقد والتسليف، ويستهدف «تعزيز استقرار النظام المالي، ومعالجة حالات التعثر، وحماية الودائع في عملية التصفية والإصلاح، والحدّ من استخدام الأموال العامة في عملية إصلاح أي مصرف متعثر». وبذلك، يشطب القرار عملياً استهلالية التعديل المطعون به، والتي نصت على «وضع إطار قانوني حديث يتلاقى مع المعايير الدولية المتبعة».

الرئيس اللبناني جوزيف عون (د.ب.أ)

وليس خافياً، وفق قراءة مسؤول مالي معنيّ، أن تداعيات القرار لا تقتصر على بُعده القانوني البحت، ولا على واقع الرفض الضمني للتعديل الوارد من قبل فريق الصندوق الدولي، بل تمتدّ تلقائياً إلى اختلاف المقاربات السياسية والقطاعية في إعداد مندرجات مشروع قانون الفجوة المالية الذي يفترض أن تشرع اللجان النيابية بمناقشته قريباً، سواء بنسخته المحالة من الحكومة بنهاية العام الماضي، أو بعد اكتمال المراجعة المرتقبة من قبل الفريق الاقتصادي الحكومي، وبالاستناد إلى خلاصات المداولات مع حاكمية البنك المركزي ومؤسسات مالية دولية.

ويشير المسؤول المالي إلى أن القرار يشدد الضوابط القضائية على مسار المعالجات المطروحة، ويتكامل في هذا السياق مع مطالعة سابقة لمجلس شورى الدولة، تم إعادة تثبيتها قبل أشهر، وتقضي بأنه لا يمكن شطب الودائع أو إلغاء ديون والتزامات مصرف لبنان المركزي بقرار حكومي دون سند تشريعي صريح وضمانات دستورية تحفظ حق الملكية الفردية. كما رفض المجلس تحميل المودعين وحدهم كلفة الخسائر المالية، مؤكداً مسؤولية الدولة ومصرف لبنان في الأزمة المالية.

بذلك، اكتسبت الخشية من العودة إلى نقطة «الصفر» التي أوردتها «الشرق الأوسط» ضمن ترقباتها المسبقة لمنحى القرار، دفعاً قوياً بتأثيره الفوري واللاحق على القانون الارتكازي لمعالجة الفجوة، ولا سيما لجهة وصف المسؤوليات، وبالتبعية تحديد الأحمال على ثلاثي الدولة، والبنك المركزي، والمصارف، فيما تنحو توجيهات صندوق النقد، بتأييد حكومي غير مضمر وفقاً لما ورد في مشروع القانون، إلى تضييق المساهمة بالأموال العامة لأبعد حدود.

الرئيس عون مستقبلاً وفداً من جمعية المصارف (أرشيفية - الرئاسة اللبنانية)

ومن المرجح، حسب مصادر معنية ومنحى المعطيات المحدثة، انحسار التطلعات لتجديد عقد اتفاق أولي مع صندوق النقد خلال الأشهر القليلة المقبلة، بالنظر إلى ربط توقيعه بدخول قانون معالجة أوضاع المصارف حيز التنفيذ، والمشروط قانونياً بصدور قانون معالجة الفجوة المالية، مع اشتراط توافقها مع المعايير الدولية. فضلاً عن الحاجة إلى إقرار موازنة العام المقبل، واعتماد إطار مالي متوسط الأجل يتوافق مع استدامة الدين العام في البلاد.

وتكشف الأرقام المرتبطة بالفجوة المالية عن حجم المأزق الذي تواجهه الحكومة اللبنانية في ظل الضغوط المتواصلة من صندوق النقد الدولي، وسط تباين في وجهات النظر بشأن كيفية توزيع الخسائر ومعالجة العجز المالي لدى الأطراف المعنية، وهي الدولة ومصرف لبنان والمصارف. وفي خضم هذه الخلافات، تبقى حقوق المودعين معلّقة إلى حين إقرار القانون الذي يحدد آليات التعامل مع مدخراتهم العالقة، المقدّرة بنحو 80 مليار دولار.

ويقابل هذه الودائع حجم مماثل من توظيفات المصارف لدى مصرف لبنان، استُخدم معظمها في تمويل الدولة، التي استجرّت أموالاً تُقدّر بنحو 64 مليار دولار، وفق الأرقام الواردة في المعطيات المالية للأزمة.

وفي الأساس، ثمة «فجوة» عميقة في توصيف الأزمة وخلفياتها، حسب المسؤول المالي المعني، بينما تفترض التداعيات وموجبات إيفاء الحقوق، التوافق الناجز على تعريف «الأزمة النظامية» التي أقر بها صندوق النقد، وباعتبار أن المسألة لا تتعلق بتعثر مصرف واحد، أو حتى عدد من المصارف، وفق تأكيد حاكم المركزي، كريم سعيد، بل بانهيار متزامن للقدرة المالية للدولة، وللمركز المالي لمصرف لبنان، ولسيولة القطاع المصرفي، ولثقة المواطنين، بحيث أصبحت كل هذه العناصر تغذي بعضها، وصولاّ إلى انهيار شامل. كما ينبغي التنويه في سياق المقاربات العلاجية، بأن تخلّف الدولة عن سداد السندات الدولية في ربيع عام 2020، والبالغة حينها نحو 31 مليار دولار، ثم انهيار سعر صرف العملة الوطنية بنسبة قاربت 98 في المائة، الذي محا تقريباً ديون الدولة بالليرة، منحا الدولة فترة سماح طويلة نسبياً لعزل موجبات الديون عن الموازنة العامة، لكن ذلك يؤجل الاستحقاقات فقط ولا يشطبها، بأي حال، مع وجود شريحة واسعة من الدائنين الدوليين، مما يوجب ضم الملف إلى مشروع قانون الانتظام المالي.