الخريف لـ«الشرق الأوسط»: نسعى لإنشاء تجمّع متكامل لصناعة السيارات الكهربائية في السعودية

وزير الصناعة أكّد رهان المملكة على صناعات المستقبل... وحدّد 3 ركائز لدعم سلاسل الإمداد

TT

الخريف لـ«الشرق الأوسط»: نسعى لإنشاء تجمّع متكامل لصناعة السيارات الكهربائية في السعودية

الوزير الخريف خلال مشاركته في إحدى الجلسات في منتدى دافوس (من موقع المنتدى)
الوزير الخريف خلال مشاركته في إحدى الجلسات في منتدى دافوس (من موقع المنتدى)

قال وزير الصناعة والثروة المعدنية السعودي بندر بن إبراهيم الخريف، إن بلاده تسعى إلى إنشاء تجمّع متكامل لصناعة السيارات الكهربائية.

وعدّ الخريف، في حوار مع «الشرق الأوسط» على هامش أعمال المنتدى الاقتصادي العالمي بدافوس، ما حققته المملكة في السنوات القليلة الماضية في مجال صناعة السيارات «دليلاً على رهانها على صناعات المستقبل».

كما أكّد الوزير السعودي أن بلاده ستلعب «بلا شكّ» دوراً أكبر في تعزيز سلاسل الإمداد العالمية، بالنظر إلى موقعها الجغرافي المتميّز، والثروات الطبيعية التي تزخر بها، وتعزيزها للبنى التحتية الأساسية لدعم سلاسل الإمداد وفق «رؤية 2030».

وكشف المسؤول السعودي دخول الاستراتيجية الصناعية الجديدة مرحلة التنفيذ، مشدداً على دور القطاع الخاص في بناء صناعات على أسس اقتصادية وتجارية بحتة.

 

وفيما يلي نصّ الحوار:

 

أطلقتم الاستراتيجية الوطنية للصناعة قبل أكثر من عام، حدثونا عن أبرز ما حققته حتى الآن؟ وما هي أهم القطاعات (النفطية وغير النفطية) التي تدفع النمو الصناعي في السعودية؟

- نستطيع أن نقول اليوم، وبكل ثقة، إن الاستراتيجية أصبحت في مراحل التنفيذ. وهي تشمل شقين، يتعلق الأول بالتنفيذ من خلال الحكومة، ويتمثل في البنية التحتية، والمدن الصناعية، وشبكات الغاز والكهرباء، وكل ما يتعلق بتطوير القدرات البشرية وغيرها. وهي اليوم في الاتجاه الصحيح. ففي الأسبوع الأول من عام 2024، توفرت الميزانية، وبدأنا في إرساء بعض المشاريع.

أما الشق الثاني، وهو الأهم، فيتمثل في القطاع الخاص. إذ إن هناك عملاً كبيراً مع المستثمرين في المملكة وخارجها. ونقوم في هذا الإطار برصد رغبة (واحتياجات) المستثمرين. و(أسّسنا) فرقاً على أكثر من مستوى؛ (يتّصل بعضها) بالمشاريع المليارية الكبرى التي تحتاج إلى العمل عن قرب مع المستثمرين لفهم احتياجاتهم وتحديد متطلباتهم. كما نعمل من جانبنا مع شركائنا في الجهات الحكومية الأخرى، مثل وزارة الطاقة ووزارة الاستثمار وهيئة الغذاء والدواء وغيرها، لتذليل أي عقبات وتسهيل رحلة المستثمر.

ويبشر عدد المشاريع (المندرجة) اليوم على قائمة التنفيذ بالخير، ونبقى حريصين على تسريع تحقيق هذه المشاريع.

 

ما الدور الذي تلعبه السعودية في تعزيز سلاسل الإمداد العالمية، خاصة مع استمرار تعثرها بعد جائحة كورونا؟ وهل تتوقعون أن تلعب السعودية دوراً أكبر في سلاسل الإمداد الصناعية إقليمياً وعالمياً؟

- الإجابة السريعة على هذا السؤال هي «دون شك». إذ إن جزءاً أساسياً من استراتيجيتنا في الصناعة والتعدين وفي الخدمات اللوجيستية وفي الصادرات، هو أن تكون المملكة لاعباً مهماً.

شاركت «في دافوس» بجلسة حوار حول موضوع سلاسل الإمداد. وقد يغفل البعض، اليوم، الفرص المتاحة أمام بلد مثل المملكة للمشاركة في حل مشاكل سلاسل الإمداد.

فمن جانب، تتمتع المملكة بموقع جغرافي متميز جداً، وبالثروات الطبيعية الموجودة فيها. كما مكّن العمل، منذ إطلاق رؤية 2030، على تعزيز القدرات في البنية التحتية؛ سواء في الموانئ أو الطرق أو في السكة الحديد، من وضع المملكة في موقف جيد (يتيح لها) تقديم الكثير من الحلول.

أما فيما يتعلّق بالشق الصناعي، فإن الاستراتيجية الصناعية ستفتح المجال دون شك لدخول صناعات كثيرة لم تكن موجودة في المملكة، وذلك استجابةً للطلب المحلي والعالمي.

آخر شيء أودّ قوله في هذا الصدد، هو أن التطورات التقنية التي حصلت في السنوات الـ15 الماضية، في القطاع الصناعي تحديداً، تُمكّن من بناء قدرات صناعية بإنتاج أقل من السابق. ففي السابق، كانت بعض القدرات تُحتّم إنتاج مائة وحدة من شيء معين. أما اليوم، فيمكن إنتاج عشرات الوحدات فقط لتكون منافساً. (تشمل هذه التقنيات) الثورة الصناعية الرابعة، والذكاء الاصطناعي، والطباعة ثلاثية الأبعاد، والطباعة بالإضافة.

كل هذه التقنيات تشكّل فرصة مهمة. ويعوّل جزء أساسي من استراتيجيتنا على تبنّي هذه التقنيات والإسراع فيها. لذلك، (أنشأنا) في الوزارة برنامج مصانع المستقبل لمساعدة المصانع على التحول بشكل سريع.

الوزير الخريف خلال مشاركته في إحدى الجلسات في منتدى دافوس (من موقع المنتدى)

 

بالحديث عن التقنيات الحديثة، تعمل السعودية على إنشاء قطاع متكامل لصناعة السيارات الكهربائية. حدثونا عن الشراكات المبرمة والمتوقعة في هذا المجال؟ وهل ستنجح هذه الشراكات في تلبية الطلب المحلي؟

- ميزة قطاع السيارات أنه يخلق قاعدة صناعية عريضة، ويساعد على بناء القدرات التي يحتاجها القطاع نفسه، والتي يمكن كذلك استخدامها في قطاعات أخرى. هنا تبرز أهمية هذا القطاع في أثره على القطاع الصناعي بشكل عام، وبناء القدرات الصناعية. فضلاً عن أن المملكة تعدّ أكبر دولة مستوردة للسيارات، ليس بها صناعة السيارات.

قد نكون تأخّرنا في صناعة السيارات، لكن ما تحقق خلال السنوات الماضية دليل على أن المملكة تراهن على صناعات المستقبل، خاصة بالنظر إلى أن الشركات الثلاث (لصناعة السيارات في السعودية) ستنتج سيارات كهربائية.

نعمل مع هذه الشركات لمساعدتها في تنفيذ المشاريع بشكل جيد. فقد افتتحت «لوسيد» قبل عدة أشهر، المرحلة الأولى في التصنيع من خلال التجميع. والخطة تسير في الاتجاه الصحيح في المصانع الأخرى.

لكننا نعمل مع الشركات أيضاً لجذب الموردين، وبناء «تجمّع متكامل» لصناعة السيارات الكهربائية في المملكة. ويتم هذا الجهد بالتعاون بين وزارة الاستثمار ووزارة الطاقة ووزارة الصناعة، لضمان وجود الموردين بالقرب من هذه الشركات، لتكون منافِسة.

 

كيف تقيمون جهود تنويع قطاع الصناعة ودعم الصناعات غير النفطية منذ إعلان «رؤية 2030»؟

- يمكن اعتبار ذلك من أهم أهداف رؤية المملكة 2030، وأهم أهداف الاستراتيجية الصناعية. بنيت هذه الاستراتيجية في الحقيقة على ثلاثة مسارات مهمة، ونهدف إلى أن نكون منافسين في جل هذه المسارات. وألا تكون أي من الصناعات مبنية على دعم حكومي أو غيره، وإنما على أسس اقتصادية وتجارية بحتة.

الشق الأول من استراتيجيتنا الصناعية هي الصناعات المرتبطة بأمننا الصحي والغذائي والعسكري والمائي. هذه هي الصناعات التي نحاول أن نهيئ لها الظروف لأن تنشأ، وتقوم بشكل سريع من خلال مجموعة من الأدوات، من أهمها المحتوى المحلي.

أما الشق الثاني من الصناعات، وهي صناعات رفع القيمة المضافة من الموارد الطبيعية، سواء النفط أو الغاز أو البتروكيماويات أو الصناعات التعدينية، (فيركّز على) سبل مشاركة المملكة في الصناعات المرتبطة بالصناعات التحويلية في قطاع البتروكيماويات، وإنتاج منتجات ذات قيمة مضافة في قطاع التعدين.

لدينا تجربة ممتازة مثلاً في صناعة الألومنيوم. فقد أصبح اليوم جزءاً لا يستهان به من صادراتنا في قطاع الألومنيوم يتعلق بتصدير منتجات عالية القيمة تدخل في صناعة السيارات والتغليف.

كما نعمل مع شركات الطيران لتأهيل منتجاتنا لهذا القطاع.

الشق الثالث من الاستراتيجية، يركز على المستقبل. أي كيف نجعل المملكة جاهزة لصناعات المستقبل وتستفيد من التوجهات العالمية الجديدة، مثل الطاقة المتجددة والصناعات المرتبطة بالفضاء وصناعة الطائرات. فضلاً عن عدد من الصناعات التي قد لا تكون اليوم معروفة، ولكننا نودّ أن نكون جاهزين «لاعتمادها» من خلال «تعزيز» قدرات البحث والتطوير والابتكار والقدرات البشرية.

 

في إطار جهود مكافحة التغير المناخي، التزمت الوزارة بتعزيز جهود حماية البيئة. حدّثونا عن جهود إزالة الكربون من القطاعات الصناعية.

- لدينا مشروع بالتعاون مع وزارة الطاقة، بحكم أنها الوزارة التي تقود هذا الملف. وكنا قد أعلنا بداية العام عن برنامج لإزاحة ما يعادل قرابة مليون برميل تُستخدم لتوليد الطاقة في الصناعات واستبدالها.

هناك عمل كبير جداً أيضاً لمساعدة المستثمرين، وبالذات المستثمرين الجدد، الذين تتطلب طبيعة استثماراتهم طاقة كثيفة لبناء هذه القدرات وفق خطة واضحة للتحول إلى الطاقة المتجددة.

إلى ذلك، أعطتنا المشاريع الثلاثة التي أطلقت مؤخراً في مجال الطاقة الشمسية، قناعة بأن المملكة ستكون منافساً (في هذا المجال). إذ إن الأسعار التي حصلنا عليها من خلال هذه المشاريع مشجّعة جداً، وتجعلنا نتفاءل بتحقيق أهدافنا.

 

تحدّثتم أخيراً عن أهمية إعادة هيكلة كاملة لعدد من القطاعات الصناعية. ما أهم القطاعات التي تستهدفونها؟ ولماذا؟

- ينبغي أن تستجيب الصناعات لديناميكية السوق. اليوم، هناك حاجة إلى أن تقوم الجهات التشريعية، مثل وزارة الصناعة وغيرها، بمساعدة هذه الديناميكية إلى الاتجاه المناسب. أعطي هنا مثالاً قطاع الحديد. فقد وجدنا أنه قطاع لا يقدم المنتجات التي تحتاجها الصناعة. إذ إن معظم صناعة الحديد الموجودة في المملكة تتجه لإنتاج منتجات مرتبطة بالبناء والتشييد.

رأينا أن هذا القطاع بحاجة إلى إعادة هيكلة، بحيث يساهم في الصناعة بشكل عام، من خلال توفير المنتجات من الحديد التي تدخل في صناعة السفن والمعدات، وفي الصناعات المرتبطة بالطاقة المتجددة وفي التوسع في البنية التحتية وغيرها.

عليه، عملنا مع القطاع الخاص والشركات الكبرى التي لها رغبة في العمل في المملكة، وأعدنا هيكلة القطاع ليكون مشاركاً حقيقياً. وجزء مما حصل في إعادة الهيكلة دفع الشركتين الكبيرتين إلى الاندماج؛ شركة حديد «سابك» مع «الراجحي» لإنشاء شركة جديدة.

لذلك، يركّز جانب السياسات في الاستراتيجية الصناعية على إعادة هيكلة بعض القطاعات، وكيف نستطيع كحكومة المشاركة دون إرباك هذه القطاعات.

قطاع الأدوية هو كذلك مثال على القطاعات التي عملنا عليها، وساهمت التغييرات الهيكلية التي خلقت في القطاع في نمو كبير جداً لقدرات تصنيع الأدوية. وأعلنا قبل فترة قريبة عن توطين الإنسولين في المملكة. ولم يكن من الممكن لهذه الإنجازات أن تتحقق في غياب هيكلة تسمح للشركات أن تستثمر وتطمئن على استثماراتها.


مقالات ذات صلة

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

الاقتصاد مدينة جدة (واس)

إرجاء اجتماع المنتدى الاقتصادي العالمي في السعودية بسبب التطورات

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي بعد التنسيق مع وزارة الاقتصاد والتخطيط السعودية، إعادة جدولة الاجتماع الدولي الذي كان من المقرر عقده في جدة شهر أبريل.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا رئيس المنتدى الاقتصادي العالمي بورغه برنده (أ.ف.ب)

استقالة الرئيس التنفيذي لـ«دافوس» بعد كشف صلته بإبستين

أعلن بورغه برِندِه استقالته من رئاسة المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، بعد الكشف عن صلة له بجيفري إبستين، المُدان بجرائم جنسية.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا الرئيس والمدير التنفيذي لمنتدى دافوس بورغ بريندي في مؤتمر صحافي عشية المنتدى (إ.ب.أ)

منتدى دافوس يحقق في علاقة رئيسه بجيفري إبستين

أعلن المنتدى الاقتصادي العالمي، الجهة المنظمة لقمة دافوس السنوية، الخميس، أنه سيحقق في علاقة رئيسه التنفيذي مع المدان بجرائم جنسية جيفري إبستين.

الخليج الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء لدى ترؤسه جلسة المجلس التي عُقدت في الرياض الثلاثاء (واس)

السعودية تجدد التزامها بدعم مهمة «مجلس السلام» في غزة

جددت السعودية، الثلاثاء، التزامها بدعم مهمة مجلس السلام في غزة بوصفه هيئة انتقالية لإنهاء النزاع في القطاع وإعادة التعمير، بما يمهد لتحقيق أمن واستقرار المنطقة.

المشرق العربي جانب من اجتماع وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان ووفد حركة «حماس» برئاسة خليل الحية في أنقرة الاثنين (الخارجية التركية)

مباحثات تركية فرنسية حول الوضع في غزة غداة لقاء فيدان وفد «حماس» في أنقرة

بحث وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مع وزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو التطورات في قطاع غزة غداة لقاء مع وفد من «حماس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
TT

صندوق النقد الدولي: منطقة الشرق الأوسط تعيش لحظة اقتصادية فارقة

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)
أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (أ.ف.ب)

أكد صندوق النقد الدولي أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان تعيش لحظة فارقة وصعبة في تاريخها الاقتصادي المعاصر، إثر الحرب التي اندلعت في فبراير (شباط) 2026، موضحاً أن هذا النزاع لم يمثل مجرد أزمة حدودية، بل تحول إلى زلزال ضرب قلب الممرات الاقتصادية الاستراتيجية، مخلفاً صدمة طاقة عالمية وشللاً في سلاسل الإمداد. وفي خضم هذه التحديات، برز اقتصاد السعودية بوصفه نموذجاً للصمود؛ حيث أظهر «متانة استثنائية» مكنته من امتصاص تداعيات إغلاق مضيق هرمز وتراجع الإنتاج الإقليمي، بفضل ركائز «رؤية 2030» التي عززت السياسات المالية القوية والقدرة اللوجيستية على التكيف مع أعنف المتغيرات الجيوسياسية.

وصف مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، الدكتور جهاد أزعور، خلال عرضه لتحديث «تقرير آفاق الاقتصاد الإقليمي» في واشنطن، على هامش اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين، الحرب الحالية بأنها تعيد رسم خريطة النمو الإقليمي بنسب لم تشهدها الأسواق منذ عقود، حيث أدى توقف الملاحة في مضيق هرمز إلى تعطل تدفق 21 مليون برميل نفط يومياً، ما دفع بأسعار خام برنت لتجاوز حاجز 100 دولار. ولم تقف الصدمة عند النفط، بل طالت إمدادات الغاز الطبيعي، حيث قفزت أسعاره في أوروبا بنسبة 40 في المائة، متخطية المستويات القياسية التي سجلتها إبان أزمة أوكرانيا عام 2022، مما وضع أمن الطاقة العالمي في مهب الريح.

وقال إن اضطرابات الطاقة الناجمة عن الحرب الإيرانية ستؤثر بشدة على اقتصادات الدول الخليجية المصدرة للنفط والغاز، بينما تواجه الدول المستوردة للنفط في الشرق الأوسط، مثل مصر والأردن، صدمات من ارتفاع أسعار السلع الأساسية واحتمال انخفاض دخل تحويلات العاملين في دول الخليج.

أزعور يتحدث خلال عرض تحديث تقرير «آفاق الاقتصاد الإقليمي» (رويترز)

وبشكل عام، من المتوقع أن تشهد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تباطؤاً ملحوظاً في النمو هذا العام، حيث يُتوقع أن يبلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي 1.1 في المائة، أي أقل بنسبة 2.8 نقطة مئوية من التوقعات قبل الحرب، قبل أن تشهد انتعاشاً في عام 2027، وفقاً لأحدث تقرير للتوقعات الإقليمية الصادر عن صندوق النقد الدولي.

قال أزعور: «إنها ليست مجرد قصة نفط وغاز، بل هي أيضاً تأثير هذه الحرب على جميع المنتجات الأخرى التي تُنتج في المنطقة، والتي تتمتع فيها المنطقة بموقع استراتيجي»، بما في ذلك صادرات الأسمدة والعديد من المنتجات الكيميائية وغيرها من المنتجات المتخصصة التي تجعلها ممراً اقتصادياً استراتيجياً عالمياً. وحذر من أن ارتفاع تكاليف الغذاء بات يهدد الفئات الضعيفة في الشرق الأوسط وأفريقيا وآسيا بشكل مباشر، خصوصاً مع تأثر الصادرات الخليجية الحيوية؛ حيث تورد دول المنطقة 40 في المائة من صادرات الكبريت و20 في المائة من أسمدة النيتروجين عالمياً. وأشار إلى أن أي اضطراب طويل الأمد في هذه الإمدادات يعني تهديداً مباشراً للمواسم الزراعية العالمية والقدرة الشرائية لملايين البشر.

وأضاف: «علاوة على ذلك، أثر الصراع على القطاع غير النفطي، حيث تتمتع دول مجلس التعاون الخليجي بموقع استراتيجي عالمي، لا سيما في مجال الطيران والخدمات اللوجيستية».

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن بعض الدول المستوردة للنفط في المنطقة تعتمد اعتماداً كبيراً على اقتصادات الخليج في استيراد الطاقة والتدفقات المالية، مما يجعلها عرضة للخطر في حال اشتدت الحرب أو طالت مدتها.

تجربة السعودية

أكد أزعور أن أحد أبرز الدروس القاسية والملهمة التي استخلصها الاقتصاد العالمي من الحرب وإغلاق مضيق هرمز، يكمن في ضرورة «تنويع طرق التجارة» بوصفها ضمانة وجودية لاستمرار تدفق السلع والطاقة.

وفي هذا السياق، اعتبر أزعور أن النهج الذي سلكته السعودية ضمن رؤيتها الاستراتيجية لم يكن مجرد تطوير للبنية التحتية، بل كان إعادة رسم شاملة لخريطة العبور اللوجيستي؛ حيث نجحت المملكة من خلال تطوير الموانئ البديلة على البحر الأحمر، وتوسيع شبكات الربط البري والسككي، في تقليل حالة «الهشاشة» التقليدية الناتجة عن الارتباط بممر مائي واحد وضيق.

ويرى أزعور أن هذه «الرشاقة السيادية» في خلق مسارات تجارية موازية هي التي مكنت التجارة السعودية من الاستمرار بفاعلية رغم الشلل الذي أصاب ممرات إقليمية أخرى، مما حول المملكة إلى نموذج عالمي في كيفية حماية الأمن الاقتصادي عبر فك الارتباط بالممرات البحرية القابلة للتعطل الجيوسياسي، وضمان وصول الإمدادات الحيوية إلى الأسواق المحلية والدولية دون انقطاع، وهو ما يجسد نجاح المرحلة الثانية من الرؤية في تحصين الاقتصاد الوطني ضد أعنف الصدمات الجيوسياسية.

مصر

وقال أزعور إن الإصلاحات الاقتصادية التي نفذتها مصر وتعزيزها لهوامش الأمان يمكّنان البلاد من التعامل بشكل أفضل مع الصدمات الخارجية.

وأضاف: «لقد سمحوا لسعر الصرف بأن يكون أكثر مرونة، لامتصاص أي صدمة خارجية، كما أنهم قاموا بزيادة وبناء مستوى مرتفع من الاحتياطيات بما يتيح لهم توفير مزيد من الطمأنينة للسوق».

تفاوت إقليمي

رصد التقرير تفاوتاً حاداً في القدرة على امتصاص الصدمة؛ فبينما واجهت قطر خفضاً تاريخياً في توقعات النمو بواقع 15 نقطة مئوية نتيجة تضرر بنيتها التحتية للغاز، أظهرت سلطنة عُمان صموداً بفضل موقعها الجغرافي. وعلى صعيد آخر، تزايدت الضغوط التمويلية على مصر وباكستان والأردن نتيجة ارتفاع الفوارق السيادية، مما دفع أزعور للتأكيد على جاهزية الصندوق لتقديم الدعم الفني والمالي لمواكبة متطلبات المرحلة المقبلة.

وقال أزعور: «إذا شهدنا انتعاشاً في إنتاج النفط، وفتحاً كاملاً لمضيق هرمز، فسيعني ذلك أن الدول ستزيد إنتاجها بسرعة كبيرة. كما أن مستوى أسعار النفط، المتوقع أن يبقى مرتفعاً مقارنةً بمستويات ما قبل عام 2026، سيمكن الدول المنتجة للنفط من استعادة بعض المكاسب التي تتكبدها حالياً بسبب الأزمة».


ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
TT

ويليامز: الحرب تعزز ضغوط التضخم و«الفيدرالي» في موقع يسمح له بالاستجابة

جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)
جون ويليامز يتحدث إلى «النادي الاقتصادي» في نيويورك (أرشيفية - رويترز)

قال جون ويليامز، رئيس «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في نيويورك، الخميس، إن الحرب الدائرة في الشرق الأوسط تؤدي بالفعل إلى زيادة ضغوط التضخم، في وقت أكد فيه أن «البنك المركزي الأميركي» في موقع يسمح له بالاستجابة للتطورات الاقتصادية المحتملة.

وأوضح ويليامز، في كلمة ألقاها أمام ندوة أعضاء «بنك الإقراض العقاري الفيدرالي» في نيويورك لعام 2026، أن «التطورات في الشرق الأوسط تؤدي إلى ارتفاعات كبيرة في أسعار الطاقة؛ مما ينعكس بالفعل في زيادة التضخم العام»، وفق «رويترز».

وأضاف أنه في حال انتهاء الاضطرابات سريعاً، فإن من المرجح أن تتراجع أسعار الطاقة، «إلا إن استمرار الصراع مدة أطول قد يؤدي إلى صدمة عرض كبيرة، تدفع التضخم إلى الارتفاع عبر زيادة تكاليف السلع الوسيطة والأسعار النهائية، وفي الوقت نفسه تُضعف النشاط الاقتصادي».

وحذّر ويليامز بأن هذه العملية «بدأت بالفعل»، مشيراً إلى مؤشرات متصاعدة على اضطرابات في سلاسل الإمداد، وإلى أن ارتفاع تكاليف الوقود بدأ ينعكس على أسعار تذاكر الطيران والمواد الغذائية والأسمدة وغيرها من السلع الاستهلاكية.

ورغم هذه الضغوط، فإن ويليامز جدّد تأكيده على «الالتزام الراسخ» بإعادة التضخم إلى مستهدفه البالغ اثنين في المائة. وقال إنه في ظل «ظروف استثنائية»، فإن السياسة النقدية الحالية في وضع جيد يسمح بالموازنة بين مخاطر تحقيق أقصى قدر من التوظيف والحفاظ على استقرار الأسعار، من دون تقديم توجيهات واضحة بشأن الخطوة المقبلة لأسعار الفائدة.

وتتسق تصريحاته مع نهج «الترقب والانتظار» الذي يتبناه مسؤولو «الاحتياطي الفيدرالي» في تقييم تأثير الحرب وارتفاع أسعار الطاقة على الاقتصاد. وكان «البنك المركزي» قد أبقى سعر الفائدة دون تغيير في اجتماعه بمنتصف مارس (آذار) الماضي عند نطاق يتراوح بين 3.5 و3.75 في المائة، مع توقعات بخفض إضافي خلال العام الحالي. ومن المقرر أن يعقد اجتماعه المقبل يومي 28 و29 أبريل (نيسان) الحالي، دون توقعات بتغيير فوري في السياسة النقدية.

وفي الأيام الأخيرة، تجنب مسؤولو «الفيدرالي» تقديم إشارات واضحة بشأن مسار الفائدة على المدى القريب، رغم أن بيث هاماك، رئيسة «بنك الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، أشارت في مقابلة مع «سي إن بي سي» إلى احتمال تحرك السياسة في أي اتجاه؛ سواء بالخفض والرفع، تبعاً لتطورات الاقتصاد.

وأشار ويليامز إلى أن الصدمة النفطية الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط، التي اندلعت بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة؛ وإيران من جهة، أسهمت في رفع التضخم العام، الذي كان أصلاً عند مستويات مرتفعة نتيجة الزيادات الكبيرة في الرسوم الجمركية المفروضة على الواردات.

ويترقب مسؤولو «الفيدرالي» ما إذا كانت هذه الضغوط السعرية ستستمر، وما إذا كانت ستنعكس على التضخم الأساسي، في ظل مخاوف من سيناريو معقد يجمع بين ارتفاع التضخم وضعف النشاط الاقتصادي؛ مما يضع «البنك المركزي» أمام معادلة صعبة: إما تشديد السياسة النقدية، وإما تخفيفها.

وتوقع ويليامز أن يرتفع معدل التضخم إلى ما بين 2.75 و3 في المائة خلال العام الحالي، قبل أن يتراجع تدريجياً ليصل إلى هدف اثنين في المائة بحلول عام 2027. كما رجّح أن يتراوح معدل البطالة بين 4.25 و4.5 في المائة هذا العام، مع نمو اقتصادي بين اثنين و2.5 في المائة.


تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
TT

تراجع «غير متوقع» للإنتاج الصناعي الأميركي في مارس

يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)
يقوم عامل بلحام الجزء السفلي من لوح تسوية لآلة رصف الطرق داخل مصنع كالدير براذرز في ولاية كارولينا الجنوبية (رويترز)

سجّل الإنتاج الصناعي في الولايات المتحدة انخفاضاً غير متوقع خلال شهر مارس (آذار)، منهياً بذلك شهرين متتاليين من المكاسب القوية، ومتأثراً بشكل رئيسي بتراجع إنتاج السيارات وعدد من السلع الأخرى.

وأعلن مجلس «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الخميس، أن الإنتاج الصناعي تراجع بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد تعديل بيانات فبراير (شباط) لتُظهر ارتفاعاً أقوى بلغ 0.4 في المائة. وكان اقتصاديون استطلعت «رويترز» آراءهم قد توقعوا ارتفاعاً بنسبة 0.1 في المائة في مارس، بعد زيادة سابقة قدرها 0.2 في المائة في فبراير.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.5 في المائة في مارس، فيما سجل نمواً بمعدل سنوي بلغ 3 في المائة خلال الربع الأول، متعافياً من انخفاض نسبته 3.2 في المائة في الربع الرابع. ويأتي هذا الأداء في وقت يُظهر فيه قطاع التصنيع، الذي يمثل نحو 10.1 في المائة من الاقتصاد الأميركي، مؤشرات تعافٍ تدريجي بعد الضغوط التي تعرض لها نتيجة الرسوم الجمركية التي فرضها الرئيس دونالد ترمب على الواردات.

غير أن تصاعد التوترات المرتبطة بالحرب الأميركية-الإسرائيلية مع إيران ساهم في دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بأكثر من 35 في المائة، ما قد يضيف مزيداً من الضغوط على وتيرة التعافي الاقتصادي. وفي هذا السياق، أشار تقرير «الكتاب البيج» الصادر عن «الاحتياطي الفيدرالي»، يوم الأربعاء، إلى أن الصراع يُعد «مصدراً رئيسياً لعدم اليقين، بما يعقّد قرارات التوظيف والتسعير والاستثمار الرأسمالي»، حيث تبنّت العديد من الشركات نهج «الترقب والانتظار».

وسجّل إنتاج السيارات انخفاضاً حاداً بنسبة 3.7 في المائة، بعد ارتفاعه بنسبة 2.6 في المائة في فبراير، فيما تراجع إنتاج المعادن الأساسية والآلات، إضافة إلى الأثاث والمنتجات ذات الصلة. كما انخفض إنتاج السلع المعمرة بنسبة 0.2 في المائة، في حين تراجع إنتاج السلع غير المعمرة بنسبة 0.1 في المائة، رغم ارتفاع إنتاج البترول والفحم ومنتجات البلاستيك والمطاط.

وفي قطاع التعدين، انخفض الإنتاج بنسبة 1.2 في المائة بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 2.1 في المائة في فبراير، بينما تراجع إنتاج الطاقة بنسبة 1.6 في المائة مع انخفاض أنشطة حفر آبار النفط والغاز بنسبة 2.4 في المائة.

وأشار «الكتاب البيج» كذلك إلى أنه رغم تسجيل نشاط طفيف في قطاع الطاقة مطلع أبريل (نيسان)، فإن العديد من المنتجين ما زالوا متحفظين حيال توسيع عمليات الحفر، في ظل استمرار حالة عدم اليقين بشأن استدامة ارتفاع الأسعار.

أما إنتاج المرافق العامة فقد تراجع بنسبة 2.3 في المائة نتيجة انخفاض الطلب على التدفئة، بعد أن كان قد ارتفع بنسبة 1.8 في المائة في فبراير. وبذلك، انخفض الإنتاج الصناعي الإجمالي بنسبة 0.5 في المائة بعد أن تم تعديل بيانات فبراير لتُظهر ارتفاعاً إلى 0.7 في المائة، مقارنة بتقدير سابق بلغ 0.2 في المائة.

وعلى أساس سنوي، ارتفع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.7 في المائة في مارس، وسجل نمواً قدره 2.4 في المائة خلال الربع الأول. في المقابل، تراجع معدل استغلال الطاقة الإنتاجية في القطاع الصناعي، وهو مؤشر يعكس مدى استخدام الشركات لمواردها، إلى 75.7 في المائة مقارنة بـ76.1 في المائة في فبراير، ليظل أقل بنحو 3.7 نقاط مئوية من متوسطه طويل الأجل للفترة 1972–2025.

كما انخفض معدل التشغيل في قطاع التصنيع بمقدار 0.2 نقطة مئوية ليصل إلى 75.3 في المائة، وهو أقل بنحو 2.9 نقطة مئوية من متوسطه التاريخي على المدى الطويل.