وزراء لـ«الشرق الأوسط»: نعمل مع السعودية لاستكشاف المعادن الحرجة بالمنطقة 

ترقب للإعلان عن تقييم جديد لحجم الثروات الطبيعية في المملكة  

وزير الصناعة والثروة المعدنية متحدثاً للحضور خلال الاجتماع الوزاري (تصوير: بشير صالح)
وزير الصناعة والثروة المعدنية متحدثاً للحضور خلال الاجتماع الوزاري (تصوير: بشير صالح)
TT

وزراء لـ«الشرق الأوسط»: نعمل مع السعودية لاستكشاف المعادن الحرجة بالمنطقة 

وزير الصناعة والثروة المعدنية متحدثاً للحضور خلال الاجتماع الوزاري (تصوير: بشير صالح)
وزير الصناعة والثروة المعدنية متحدثاً للحضور خلال الاجتماع الوزاري (تصوير: بشير صالح)

أكد عدد من الوزراء لـ«الشرق الأوسط» ضرورة العمل التكاملي مع السعودية لاستكشاف الثروات التعدينية في المنطقة، بما فيها المعادن الحرجة، مبينين أن المملكة شهدت تحركات واسعة في توطين واستثمارات هذه الصناعة، إضافة إلى حرص البلاد على التعاون مع الدول كافة؛ لتمكينها من إدارة الثروات الطبيعية.

جاء ذلك خلال الاجتماع الوزاري على هامش مؤتمر التعدين الدولي في نسخته الثالثة، الذي انطلقت أعماله، (الثلاثاء)، في الرياض برعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وبحضور غير مسبوق بلغ 79 دولة ممثلة على مستوى الوزراء والمسؤولين رفيعي المستوى؛ لمناقشة حاضر ومستقبل المعادن.

وقال وزير الصناعة والثروة المعدنية بندر الخريف لـ«الشرق الأوسط»، إن المملكة استطاعت أن تجمع البلدان المنتجة مع تلك الأقل إنتاجاً لمواجهة التحديات في ما يتعلق بالمعادن الحرجة.

تدفق الاستثمارات

وبيّن أن القطاع يواجه تحديات كبيرة أبرزها: تدفق الاستثمارات، والتوافق على التعريفات حول طبيعة المعادن الحرجة من جانب، وأيضاً كيفية استخراجها بكفاءة عالية تضمن الموازنة ما بين مصالح الدول والشعوب، وكذلك الجوانب الاقتصادية، لافتاً إلى أن الطموح يكمن في الوصول إلى التوافق بين البلدان المشارِكة في كثير من الأهداف للعمل على تفعيلها.

وأكمل الخريف أن الحكومة تستهدف أن يصبح قطاع التعدين الركيزة الثالثة للصناعات وهي تسير في هذا الاتجاه، وحققت إنجازات عدة أهمها مشروع المسح الجيولوجي، موضحاً أنه سيتم الإعلان خلال المؤتمر عن تقييم حديث للثروات المعدنية، الذي يزيد على المبلغ المقدر سابقاً عند 5 تريليونات ريال (1.3 تريليون دولار).

وأبان الخريف أن التقييم الجديد يمتاز بالتفاصيل والمراجع الدقيقة من قبل جهات عالمية موثوقة لضمان مصداقية هذا التقييم.

وأورد أن الاجتماع الوزاري تطرق إلى موضوعات عدة أبرزها: كيفية جعل المنطقة مهمة في إنتاج المعادن الخضراء، وأيضاً خلق مراكز تميز، حيث ستبدأ المملكة في إنشاء أول مركز بالشراكة مع مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية، وبرنامج تطوير الصناعة الوطنية والخدمات اللوجيستية (ندلب)، وهيئة المساحة الجيولوجية، ليعمل على تعظيم الصناعات التعدينية ومعالجة الإشكاليات التي تواجه العالم في توفير المعادن.

وأضاف الوزير الخريف أن المملكة بعد إصدار نظام الاستثمار التعديني الجديد، شهدت إقبالاً كبيراً من شركات التعدين الدولية الراغبة في دخول السوق المحلية، كون النظام يعد من الأفضل على مستوى العالم من حيث الشفافية والوضوح، وسرعة إصدار التراخيص اللازمة، بالإضافة إلى الضرائب المفروضة، التي تعد الأقل بين بلدان العالم، إلى جانب موقع المملكة الجغرافي الذي يؤهلها لتكون منطقة مهمة تمتلك الثروات الطبيعية.

الطاقة الشمسية

بدوره، أفاد وزير البترول والثروة المعدنية المصري المهندس طارق الملا، «الشرق الأوسط»، بأن القارة الأفريقية مليئة بالمعادن المختلفة وأيضاً الحرجة، وتكمن أهميتها حالياً للعمل على الطاقة الانتقالية والشمسية والبطاريات وغيرها من المواد التي تُستخدم لتقليل الانبعاثات والتقليل من استخدام الوقود الأحفوري.

وأوضح أن المملكة رائدة في مجال إنتاج وتصدير الوقود الأحفوري من النفط وغيره، وكذلك فيما يتعلق بالصناعات الخاصة باستخراج المعادن المختلفة ومنها الحرجة، مشدداً على ضرورة التعاون بينها والدول الأفريقية لتمكينها من إدارة هذه الثروات غير المستغلة، من خلال الاستدامة وخلق فرص عمل وتصدير المواد الخام.

وكشف الوزير المصري عن توقيع مذكرة تفاهم مع نظيره السعودي للتعاون الفني والجيولوجي في عمليات التصنيع المحتملة للثروات الطبيعية التي يمتلكها البلدان، وأيضاً فيما يخص مجالات التدريب وأعمال البحث والدراسات.

من ناحيته، أشار وزير الصناعة والمعادن الليبي أحمد أبو هيسة لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن دولته تتابع الثورة الصناعية وتوطين الصناعة في المملكة، مؤكداً أن بلاده تطمح حالياً لأن يكون لها نصيب في هذه الاستثمارات والعلاقات في مجال التصنيع والابتكار والبحث والتطوير الجيولوجي.

واستطرد: «نطمح إلى البدء بوضع معالم كيفية العلاقات الثنائية مع السعودية، وكذلك المحيط العربي، لأننا نتربع في موقع جغرافي استراتيجي يربط بين أفر يقيا وأوروبا، وهذه نقاط قوة كبيرة في البلاد جاذبة للاستثمارات الأجنبية، خصوصاً العربية».

سلاسل التوريد

من جهته، ذكر نائب وزير الصناعة والثروة المعدنية لشؤون التعدين المهندس خالد المديفر، أنه من الممكن خلق فرص غير مسبوقة من التحديات التي تواجه القطاع لزيادة الاستثمار وبناء القدرات لتحقيق الطلب العالمي المتزايد.

وواصل المديفر أن الهدف النهائي من الاجتماع الوزاري دعم سلاسل التوريد من خلال التركيز على زيادة الاستثمار وبناء القدرات، مشدداً على ضرورة العمل التكاملي من الجميع لتلبية احتياج مواد البناء والبنية التحتية.

وأردف: «حتى الآن ما زال 75 في المائة من الإنفاق في الاستكشاف يُنفق في 5 دول فقط، وحققنا تقدماً ملحوظاً وخطوات كبرى في عدد من المبادرات، ومازال لدينا كثير لنعمله».

وزاد: «سنبني إطاراً عالمياً للمعادن حتى نضع السياسات ونسرع من عمليات الاستكشاف والاستخراج، ونحن على مشارف عهد جديد في قطاع التعدين وصناعة المعادن».

من جانبه، توقّع المشرف العام على مؤتمر التعدين الدولي، علي المطيري، لـ«الشرق الأوسط»، بلوغ عدد الاتفاقيات المزمع توقيعها خلال الحدث نحو 80 اتفاقية بين القطاعين العام والخاص.

وأفصح عن وصول عدد المسجلين في الحدث إلى أكثر من 18 ألفاً، منهم 10 آلاف تسجيل دولي من جنسيات متعددة، وهي سابقة من نوعها على مستوى المملكة؛ لأن المؤتمر موجه للمتخصصين وقادة القطاع الصناعي.

وتابع المطيري أن حجم التسجيل يؤكد التطور والمحتوى الذي يقدمه المؤتمر، الذي أصبح وجهة دولية لقطاع التعدين على مستوى العالم.

المعادن الاستراتيجية والنادرة

وافتتح وزير الصناعة والثروة المعدنية، رئيس الاجتماع الدولي الثالث للوزراء المعنيين بشؤون التعدين بندر الخريف، الاجتماعَ، حيث اتفق المشاركون على أن منطقة التعدين الكبرى بأكملها بحاجة إلى التحول من تصدير المعادن الخام إلى إنتاج منتجات معدنية ذات قيمة مضافة عالية.

وأقروا، في الوقت ذاته، بأن المنطقة لا تملك حالياً طاقة إنتاجية وقدرة كافية لتلبية الطلب المتوقع على المعادن، حيث سيتطلب ذلك ابتكار أساليب جديدة لاستكشاف واستخراج ومعالجة المعادن الاستراتيجية والنادرة، بالإضافة إلى استكشاف مناطق تعدين بكفاءة ومردود أعلى على مساحات أصغر، وضرورة اتباع ممارسات تعدين أكثر أماناً ومسؤولة اجتماعياً وبيئياً.

يذكر أن مؤتمر التعدين الدولي، المقرر عقده في الفترة من 10 إلى 11 يناير (كانون الثاني) الحالي، يستضيف أكثر من 15 ألف مشارك من 145 دولة، ويشارك في جلساته أكثر من 200 متحدث، بمَن فيهم كبار الرؤساء التنفيذيين لكبرى شركات التعدين والشركات ذات العلاقة بقطاع المعادن والتمويل، وأكثر من 150 راعياً وعارضاً.


مقالات ذات صلة

بكين تتعهد باتخاذ إجراءات مضادة لخطة «صنع في أوروبا»

الاقتصاد زوار في «معرض سيارات بكين» بالعاصمة الصينية يجربون سيارة ذاتية القيادة (أ.ف.ب)

بكين تتعهد باتخاذ إجراءات مضادة لخطة «صنع في أوروبا»

انتقدت بكين بشدة، الاثنين، خطة «الاتحاد الأوروبي» الرامية إلى دعم الصناعات الأوروبية في مواجهة المنافسة الشرسة من الصين، متعهدةً باتخاذ إجراءات مضادة...

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد مبنى «المتقدمة للبتروكيماويات» في السعودية (موقع الشركة الإلكتروني)

أرباح «المتقدمة للبتروكيماويات» السعودية تنخفض 58 % في الربع الأول

تراجعت أرباح شركة «المتقدمة للبتروكيماويات» السعودية بنسبة 58 في المائة خلال الربع الأول من عام 2026، إلى 30 مليون ريال (8 ملايين دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد ميناء الملك عبد العزيز في الدمام (واس)

خسائر «الشركة السعودية للصادرات الصناعية» ترتفع 27 % في 2025

ارتفعت خسائر «الشركة السعودية للصادرات الصناعية» بنسبة 27.4 % خلال عام 2025، لتبلغ نحو 25 مليون ريال (6.6 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الاقتصاد جانب من توقيع الاتفاقات (وكالة الأنباء العمانية)

عُمان: اتفاقات استثمارية بـ520.6 مليون دولار للمناطق الاقتصادية

وقَّعت الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة العمانية حزمةً من اتفاقات الاستثمار، ومذكرة تعاون مشتركة بـ200 مليون ريال (520.6 مليون دولار).

«الشرق الأوسط» (مسقط)
الاقتصاد عملية استكشاف واستخراج المعادن في السعودية (واس)

«رؤية 2030» تقود التعدين السعودي لقمة تاريخية في الاستكشاف

تحولت الإصلاحات الهيكلية في قطاعي التعدين والصناعة في السعودية إلى واقع ملموس، بعد رحلة تطوير بدأت منذ إطلاق «رؤية 2030».

دانه الدريس (الرياض)

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
TT

لأول مرة منذ 34 عاماً... «انقسام تاريخي» يزلزل «الفيدرالي» في اجتماع الوداع لباول

مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)
مبنى الاحتياطي الفيدرالي (رويترز)

في اجتماعٍ غير مسبوق، أبقى مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير، في ظل انقسامٍ غير مسبوق، بينما كان صانعو السياسة النقدية يدرسون تأثير التضخم المستمر على السياسات، ويترقبون انتقالاً وشيكاً في قيادة البنك المركزي.

وفي اجتماعٍ يُرجّح أن يكون الأخير لرئيس المجلس جيروم باول، صوّتت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية، المسؤولة عن تحديد أسعار الفائدة، على تثبيت سعر الفائدة القياسي ضمن نطاق يتراوح بين 3.5 في المائة و3.75 في المائة. وكانت الأسواق تتوقع بنسبة 100 في المائة عدم حدوث أي تغيير.

إلا أن الاجتماع شهد تحولاً مفاجئاً؛ فوسط توقعاتٍ بتصويتٍ روتيني لتثبيت سعر الفائدة القياسي، انقسمت لجنة السوق المفتوحة الفيدرالية بثمانية أصوات مقابل أربعة، حيث قدّم المسؤولون أسباباً مختلفة لتصويتهم.

وكانت آخر مرة عارض فيها أربعة أعضاء من اللجنة قرارها، في أكتوبر (تشرين الأول) 1992.

وعارض المحافظ ستيفن ميران، كما فعل منذ انضمامه إلى البنك المركزي في سبتمبر (أيلول) 2025، القرار، مؤيداً خفضاً بمقدار ربع نقطة مئوية. أما الأصوات الثلاثة الأخرى الرافضة فكانت من رؤساء المناطق: بيث هاماك من كليفلاند، ونيل كاشكاري من مينيابوليس، ولوري لوغان من دالاس. وأوضحوا موافقتهم على الإبقاء على سعر الفائدة، لكنهم «لا يؤيدون تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن».

وكان محور اعتراضهم هو هذه الجملة: «عند النظر في مدى وتوقيت التعديلات الإضافية على النطاق المستهدف لسعر الفائدة على الأموال الفيدرالية، ستقوم اللجنة بتقييم البيانات الواردة، والتوقعات المتغيرة، وتوازن المخاطر بعناية».

وتشير هذه الصياغة إلى احتمال أن تكون الخطوة التالية خفضاً، وهو ما يُفهم ضمنياً من استخدام كلمة «إضافية»، مما يعكس أن آخر إجراءات سعر الفائدة كانت خفضاً. وقد حذرت هاماك وكاشكاري ولوغان، إلى جانب عدد من مسؤولي الاحتياطي الفيدرالي الآخرين، من مخاطر التضخم المستمر. ارتفاع الأسعار ينذر برفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي، الذي يتبنى سياسة نقدية تيسيرية منذ أواخر عام 2025.

وفي بيانها الصادر عقب الاجتماع، أشارت اللجنة إلى أن «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية». وقال البيان: «تُساهم التطورات في الشرق الأوسط في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية». وأضاف: «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية».

وأوضح أن التطورات في الشرق الأوسط تسهم في ارتفاع مستوى عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية.


في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
TT

في مؤتمر «الوداع والمواجهة»... باول يهنئ وارش ويعلن بقاءه في «الفيدرالي»

باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)
باول يتحدث في مؤتمره الصحافي عقب قرار تثبيت الفائدة (رويترز)

في لحظة تاريخية حبست أنفاس الأسواق المالية، عقد جيروم باول اليوم الأربعاء مؤتمره الصحافي الأخير كرئيس للاحتياطي الفيدرالي، مسدلاً الستار على ثماني سنوات من القيادة، لكنه فجر مفاجأة بإعلانه البقاء في مجلس المحافظين لفترة غير محددة» بعد انتهاء ولايته في 15 مايو (أيار) المقبل، لصد ما وصفه بـ«التهديدات القضائية غير المسبوقة» التي تستهدف استقلالية المؤسسة.

وفي تصريح حمل رسائل مبطنة للبيت الأبيض، شدّد باول على الأهمية القصوى لأن يظل الاحتياطي الفيدرالي مؤسسة «متحررة تماماً من أي نفوذ أو ضغوط سياسية». وأكد أن قدرة البنك المركزي على اتخاذ قرارات صعبة، بعيداً عن الدورات الانتخابية ورغبات السلطة التنفيذية، هي الركيزة الأساسية لاستقرار الاقتصاد الأميركي على المدى الطويل.

وداع القيادة

استهل باول مؤتمره بلهجة عاطفية، مؤكداً أن هذا هو اجتماعه الأخير على رأس السلطة النقدية، وقال: «لقد كان شرفاً عظيماً لي أن أخدم إلى جانب هؤلاء الموظفين المخلصين في هذه المؤسسة العريقة».

كما حرص باول على تهنئة خليفته، كيفين وارش، على التقدم الذي أحرزه في عملية التثبيت داخل مجلس الشيوخ، متمنياً له التوفيق في قيادة البنك خلال المرحلة المقبلة.

«لم يعد أمامي خيار»

وفي الرد الأكثر إثارة على الأسئلة المتعلقة بمستقبله، قال باول بوضوح: «سأبقى في مجلس المحافظين بعد 15 مايو لفترة غير محددة».

وأوضح أن الأحداث التي شهدتها الأشهر الماضية، وتحديداً «الاستهدافات القضائية» ضد الاحتياطي الفيدرالي، لم تترك له خياراً سوى البقاء كمحافظ لحماية موضوعية المؤسسة.

وأضاف باول بنبرة حازمة: «قلقي الحقيقي يكمن في الإجراءات القضائية غير المسبوقة في تاريخ هذه المؤسسة. نحن لا نتحدث هنا عن انتقادات شفهية، بل عن تهديدات قضائية تؤثر على قدرة الفيدرالي على العمل بعيداً عن السياسة».

نمو ثابت وقلق من «هرمز»

وعلى الصعيد الاقتصادي، طمأن باول الأسواق بأن الاقتصاد الأميركي لا يزال ينمو بوتيرة ثابتة، مدعوماً بإنفاق استهلاكي قوي.

وفيما يتعلق بسوق العمل، أشار إلى أن الطلب على العمالة «ضعف بوضوح»، معتبراً أن تباطؤ نمو الوظائف يعكس في جوهره تباطؤ نمو القوة العاملة وليس انهياراً في الطلب.

واعتبر باول أن السياسة النقدية الحالية عند نطاق 3.50 في المائة - 3.75 في المائة هي سياسة «مناسبة» للتعامل مع المعطيات الراهنة، رغم اعترافه بأن أحداث الشرق الأوسط وتعثر الملاحة في مضيق هرمز تزيد من حالة «عدم اليقين» بشأن الآفاق الاقتصادية المستقبلية.

وكان الاحتياطي الفيدرالي ابقى أسعار الفائدة ثابتة يوم الأربعاء، لكنه أشار في أكثر قراراته إثارة للجدل منذ عام 1992 إلى تزايد المخاوف بشأن التضخم في بيان سياسي أثار ثلاثة معارضين من مسؤولين يرون أنه لم يعد ينبغي على البنك المركزي الأميركي إظهار توجه نحو خفض تكاليف الاقتراض. وجاء معارض رابع في الاجتماع مؤيداً لخفض سعر الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية.

وفي بيانه، أعلن الاحتياطي الفيدرالي أن «التضخم مرتفع، ويعكس ذلك جزئياً الارتفاع الأخير في أسعار الطاقة العالمية»، في تحول عن عبارات سابقة أشارت إلى أن التضخم «مرتفع إلى حد ما».

وأضاف البيان أنّ «التطورات في الشرق الأوسط تساهم في زيادة حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية».

وكان التصويت، الذي انتهى بنتيجة 8-4، الأكثر إثارة للانقسام منذ 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1992، ويُظهر مدى اتساع نطاق الآراء التي سيواجهها رئيس الاحتياطي الفيدرالي المقبل، كيفين وارش، في سعيه إلى خفض أسعار الفائدة، وهو ما يتوقعه الرئيس دونالد ترمب من خليفته المُختار لجيروم باول، الذي تنتهي ولايته كرئيس للبنك المركزي في 15 مايو (أيار).

ورغم أن البيان الأخير احتفظ بعبارات حول كيفية تقييم الاحتياطي الفيدرالي لـ«مدى وتوقيت التعديلات الإضافية» على أسعار الفائدة، وهي عبارة تُشير إلى أن التخفيضات المستقبلية هي الخطوة المُحتملة التالية، إلا أن ثلاثة من صناع السياسة النقدية اعترضوا. إذ أعربت رئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في كليفلاند، بيث هاماك، ورئيس بنك الاحتياطي الفيدرالي في مينيابوليس، نيل كاشكاري، ورئيسة بنك الاحتياطي الفيدرالي في دالاس، لوري لوغان، عن تأييدهم لإبقاء سعر الفائدة ثابتاً ضمن النطاق الحالي، لكنهم رفضوا تضمين أي توجه نحو التيسير النقدي في البيان في الوقت الراهن، وصوّتوا ضد البيان الجديد.

وإلى جانب ارتفاع التضخم، «لم يطرأ تغيير يُذكر على معدل البطالة في الأشهر الأخيرة»، بينما يواصل الاقتصاد نموه «بوتيرة ثابتة»، وفقًا لما ذكره الاحتياطي الفيدرالي في بيانه.


الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

الأسواق تترنح بعد قرار «الفيدرالي» وسط انقسام تاريخي

متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)
متداولون يعملون في بورصة نيويورك (رويترز)

استقبلت الأسواق المالية قرار مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي بتثبيت أسعار الفائدة بحالة من الحذر الشديد والقلق، وسط موجة واضحة من النفور من المخاطرة، فور اتضاح حجم الانقسام الداخلي داخل لجنة السياسة النقدية، الذي يُعد من الأشد منذ عقود داخل المؤسسة النقدية الأميركية.

وللمرة الثالثة على التوالي، أبقى الفيدرالي أسعار الفائدة دون تغيير ضمن نطاق 3.50 في المائة إلى 3.75 في المائة، في قرار يأتي في توقيت بالغ الحساسية، إذ يُرجّح أن يكون هذا الاجتماع هو الأخير الذي يترأسه جيروم باول، في ظل ضبابية متصاعدة تفرضها الحرب في الشرق الأوسط وتداعياتها على أسواق الطاقة والاستقرار الاقتصادي العالمي.

ارتفاع قوي في عوائد السندات

في أسواق السندات، سجّلت العوائد ارتفاعات ملحوظة، مع صعود عائد سندات الخزانة الأميركية لأجل عامين، الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية، بمقدار 7.8 نقطة أساس ليصل إلى 3.92 في المائة، وهو أعلى مستوى له منذ 27 مارس (آذار).

كما ارتفع عائد سندات الخزانة القياسية لأجل 10 سنوات بمقدار 4.8 نقطة أساس ليبلغ 4.402 في المائة، وهو أعلى مستوى منذ 30 مارس؛ في إشارة واضحة إلى إعادة تسعير توقعات السياسة النقدية الأميركية خلال الفترة المقبلة، وسط تنامي الشكوك بشأن مسار خفض الفائدة.

الدولار يتماسك...

في سوق العملات، حافظ مؤشر الدولار على مكاسبه لفترة وجيزة، مرتفعاً بنسبة 0.28 في المائة ليصل إلى 98.871، قبل أن يدخل في نطاق من التقلبات بعد القرار.

في المقابل، تراجع الدولار أمام الين الياباني بنسبة 0.4 في المائة إلى 160.265، بينما واصل اليورو خسائره أمام العملة الأميركية، منخفضاً بنسبة 0.28 في المائة إلى 1.1680 دولار، في ظل استمرار قوة الدولار مدعومة بارتفاع العوائد.

الذهب تحت الضغط

أما سعر الذهب الفوري، فقد واصل تراجعه بعد قرار الفيدرالي، منخفضاً بنسبة 1.2 في المائة إلى 4541.31 دولار للأونصة، متأثراً بارتفاع العوائد الحقيقية وقوة الدولار، وهو ما يقلّص جاذبية المعدن النفيس باعتباره ملاذاً آمناً.

تراجع الأسهم

وفي أسواق الأسهم الأميركية، عمّقت المؤشرات خسائرها، حيث تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.40 في المائة، فيما انخفض «ناسداك» بنسبة 0.48 في المائة، مع ميل المستثمرين إلى تقليص المخاطر عقب إشارات الفيدرالي إلى استمرار التشدد النسبي في السياسة النقدية.

انقسام غير مسبوق منذ 1992

قال الفيدرالي في بيانه: «التضخم مرتفع، ويعكس جزئياً الزيادة الأخيرة في أسعار الطاقة العالمية»؛ في إشارة إلى استمرار الضغوط التضخمية المرتبطة بأسعار الطاقة.

لكن القرار كشف عن انقسام حاد داخل اللجنة، إذ عارضه أربعة من أصل 12 مسؤولاً يحق لهم التصويت، من بينهم ستيفن ميران الذي دعا إلى خفض الفائدة بمقدار ربع نقطة مئوية فوراً.

في المقابل، أيّد ثلاثة مسؤولين - بيث هاماك، ونيل كاشكاري، ولوري لوغان - تثبيت الفائدة، لكنهم رفضوا تضمين البيان أي إشارة إلى ميل نحو خفض أسعار الفائدة مستقبلاً.

ويُعد هذا المستوى من الاعتراضات الأعلى منذ عام 1992، ما يعكس عمق الانقسام داخل المؤسسة النقدية وصعوبة بناء إجماع داخل لجنة السياسة النقدية، وهو ما يضع الأسواق أمام مرحلة من عدم اليقين المتزايد.

رهانات الأسواق

في ضوء التطورات، أبقى المتداولون رهاناتهم على أن الاحتياطي الفيدرالي لن يتجه إلى خفض أسعار الفائدة خلال العام الحالي، وربما يمتد ذلك إلى العام المقبل، في ظل استمرار التضخم فوق المستهدف وارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الانقسام الداخلي المتزايد.

وبذلك، يدخل الاقتصاد الأميركي مرحلة من «التشدد الحذر»، حيث يوازن الفيدرالي بين ضغوط التضخم من جهة، وتباطؤ النمو وسوق العمل من جهة أخرى، في بيئة عالمية مضطربة تزداد تعقيداً مع تداعيات الحرب في الشرق الأوسط.