الصين تسجل أول عجز فصلي في الاستثمار الأجنبي... وتركز على الرقائق

بكين تؤكد انفتاح السوق وإمكاناتها الهائلة وتحسن توظيف الشباب

سيارات كسح الجليد تتعامل مع إحدى الطرق عقب عاصفة جليدية في إحدى مقاطعات الصين (رويترز)
سيارات كسح الجليد تتعامل مع إحدى الطرق عقب عاصفة جليدية في إحدى مقاطعات الصين (رويترز)
TT

الصين تسجل أول عجز فصلي في الاستثمار الأجنبي... وتركز على الرقائق

سيارات كسح الجليد تتعامل مع إحدى الطرق عقب عاصفة جليدية في إحدى مقاطعات الصين (رويترز)
سيارات كسح الجليد تتعامل مع إحدى الطرق عقب عاصفة جليدية في إحدى مقاطعات الصين (رويترز)

تبدو الصورة الاقتصادية شديدة التباين في الصين حالياً، وسط محاولات حكومية لتأكيد سلامة الوضع في الأسواق وقوة الاقتصاد وانفتاحه لاستقبال الاستثمارات، وبين بيانات تظهر تدفقات مالية واسعة النطاق إلى الخارج.

وسجلت الصين أول عجز فصلي على الإطلاق في الاستثمار الأجنبي المباشر وفقاً لبيانات ميزان المدفوعات مما يسلط الضوء على التحدي الذي تواجهه بكين في جذب الشركات الأجنبية في أعقاب خطوة «تقليص المخاطر» التي اتخذتها الحكومات الغربية ضد الصين.

وسجلت التزامات الاستثمار المباشر - وهي مقياس للاستثمار الأجنبي المباشر - عجزاً قدره 11.8 مليار دولار خلال الفترة من يوليو (تموز) إلى سبتمبر (أيلول)، وفقا للبيانات الأولية لميزان المدفوعات الصيني الصادرة في وقت متأخر من يوم الجمعة.

وهذا أول عجز ربع سنوي منذ أن بدأت هيئة تنظيم الصرف الأجنبي في الصين في تجميع البيانات في عام 1998، والتي يمكن ربطها بتأثير «إزالة المخاطر» من قبل الدول الغربية تجاه الصين وسط توترات جيوسياسية متزايدة.

أسباب متعددة

وكتب بنك غولدمان ساكس في مذكرة أن «بعض الضعف في الاستثمار الأجنبي المباشر الداخلي للصين قد يكون بسبب قيام الشركات متعددة الجنسيات بإعادة أرباحها إلى الوطن»، مضيفاً أن فروق أسعار الفائدة في الصين مع الدول المتقدمة لعبت أيضا دوراً. ومع استمرار انخفاض أسعار الفائدة في الصين مقارنة بخارجها لفترة طويلة، فمن المرجح أن تستمر ضغوط تدفق رأس المال إلى الخارج.

ونتيجة لهذا فقد سجل التوازن الأساسي للاستثمارات في الصين - والذي يشمل أرصدة الحساب الجاري والاستثمار المباشر وهو أكثر استقراراً من استثمارات المحافظ المتقلبة - عجزاً بلغ 3.2 مليار دولار، وهو العجز الفصلي الثاني على الإطلاق.

وكتب تومي شيه، رئيس الأبحاث في «أو سي بي سي»: «بالنظر إلى هذه الديناميكيات المتكشفة، والتي تستعد لممارسة الضغط على اليوان الصيني، نتوقع استجابة استراتيجية مستدامة من السلطات الصينية».

وأظهرت بيانات رسمية أن تداول اليوان خارجياً مقابل الدولار سجل أيضاً حجماً منخفضاً قياسياً في أكتوبر (تشرين الأول)، مما يسلط الضوء على الجهود المكثفة التي تبذلها السلطات للحد من بيع اليوان.

ويتوقع شيه أن يواصل البنك المركزي الصيني التدخلات لمواجهة التقلبات الدورية، بما في ذلك التثبيت اليومي لليوان وإدارة سيولة اليوان في السوق الخارجية، لدعم العملة في مواجهة هذه الرياح المعاكسة.

وتظهر أحدث البيانات أن حجم تداول اليوان المحلي مقابل الدولار انخفض إلى مستوى قياسي بلغ 1.85 تريليون يوان (254.05 مليار دولار) في أكتوبر، بانخفاض 73 بالمائة عن مستوى أغسطس (آب) الماضي.

وقالت مصادر لـ«رويترز» إن بنك الشعب الصيني حث البنوك الكبرى على الحد من التداول وإقناع العملاء باستبدال اليوان بواسطة الدولار. وأظهرت بيانات غولدمان ساكس أن تدفقات النقد الأجنبي من الصين ارتفعت بشكل حاد في سبتمبر (أيلول) إلى 75 مليار دولار، وهو أكبر رقم شهري منذ عام 2016.

تركيز على الرقائق

وفي إطار يتصل بالاستثمارات والأمن القومي معاً، جمعت شركة أشباه الموصلات الصينية الناشئة «شانجين شينشياو ميموري تكنولوجيز» تمويلات جديدة بقيمة 39 مليار يوان (5.4 مليار دولار) من مستثمرين مدعومين من الحكومة الصينية، ما يشير إلى مضاعفة الصين جهودها لتحقيق الاكتفاء الذاتي من تكنولوجيا أشباه الموصلات والرقائق الإلكترونية في مواجهة القيود التي تفرضها الولايات المتحدة على صادرات الرقائق المتطورة إلى الصين والعقوبات المفروضة على كثير من الشركات الصينية.

وذكرت «بلومبرغ» للأنباء أن الشركة الموجود مقرها في مدينة خفي بمقاطعة أنهوي الصينية حصلت في دورة جمع التمويلات الأخيرة على 14.6 مليار يوان من صندوق الاستثمار الثاني في صناعة الدوائر المتكاملة المدعوم من الحكومة في أواخر أكتوبر الماضي، وتمويلات من مستثمرين آخرين مرتبطين بالحكومة المحلية للمقاطعة.

ويذكر أن هذا الاستثمار في شركة «شانجين» هو أحد أكبر الاستثمارات التي يقوم بها صندوق الاستثمار في صناعة الدوائر المتكاملة منذ التحقيقات التي أجرتها السلطات الصينية مع رؤسائه السابقين بتهم الفساد.

وأُسست الشركة في عام 2021، وتستهدف إنتاج رقائق ذاكرة قادرة على منافسة الشركات العالمية مثل «ميكرون تكنولوجي» و«سامسونغ إلكترونيكس». وتستهدف طرح أسهمها في البورصة بالصين على أساس وصول قيمتها السوقية إلى 14.5 مليار دولار.

وفي الشهر الماضي فرضت الولايات المتحدة قواعد جديدة لبيع الرقائق الإلكترونية إلى الصين تستهدف بشكل خاص مبيعات الرقائق التي تنتجها شركة «نفيديا كورب» خصيصا للسوق الصينية، في إطار الجهود الأميركية الرامية إلى منع الصين من الحصول على التكنولوجيا المتطورة وبخاصة في مجال أشباه الموصلات.

وتستهدف القيود المتشددة الجديدة الرقائق من نوع «إيه 800» و«إتش 800» بشكل خاص، والتي تنتجها الشركة الأميركية بغرض التصدير للصين بعد فرض إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن قيوداً أولية على تصدير هذه الرقائق في أكتوبر من العام الماضي. وتستهدف القيود الجديدة، بما في ذلك القواعد المحدثة لبيع الرقائق الإلكترونية الصادرة يوم الثلاثاء، منع الصين من الوصول إلى التكنولوجيا المتقدمة ذات الاستخدامات العسكرية.

وتفرض القيود الجديدة على الشركات إبلاغ الحكومة الأميركية قبل بيع الرقائق الأقل تقدما من الرقائق التي يشملها الحظر الأميركي. وقال مسؤول رفيع المستوى في إدارة الرئيس الأميركي إن الأصل هو استخدام أحدث الرقائق في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي، لكن مع ضخ مزيد من المال يمكن استخدام عدد أكبر من الرقائق الأقل تطوراً في تشغيل نماذج الذكاء الاصطناعي أيضاً بما يشكل تهديداً للأمن القومي الأميركي.

تأكيد على الانفتاح

قال رئيس الوزراء الصيني لي كه تشيانغ إن الصين سوف تستمر في تعزيز فرص انفتاح أكبر على السوق.

وذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة «شينخوا» أن لي أدلى بهذه التصريحات في كلمته الرئيسية التي ألقاها خلال مراسم افتتاح معرض الصين الدولي السادس للاستيراد ومنتدى هونغتشياو الاقتصادي الدولي. وأضاف أن لدى الصين عدد سكان يتجاوز 1.4 مليار نسمة، ومجموعة متوسطة الدخل يبلغ عددها أكثر من 400 مليون شخص، ما يمثل إمكانات هائلة من حيث طلب السوق.

وأشار لي إلى أن الصين ترغب دائماً في مشاركة فرصها السوقية، قائلاً إن البلاد ستوسع نشاط الواردات، وتعزز التنمية المنسقة للتجارة في السلع والخدمات، وتنفذ القوائم السلبية لتجارة الخدمات عبر الحدود، وتدعم الابتكار في أشكال ونماذج التجارة الخارجية، وتعزز التجارة الرقمية. وقال لي إنه من المتوقع أن تصل واردات الصين من السلع والخدمات إلى 17 تريليون دولار من حيث القيمة التراكمية في غضون الخمس السنوات القادمة.

ومن جانبه، ذكر وزير المالية الصيني، لان فوان أن بلاده ستواصل تنفيذ سياسة مالية استباقية مع تركيز متزايد على فعاليتها.

وقال لان، الذي تم تعيينه حديثا، في مقابلة مع وكالة «شينخوا»، إن الوزارة ستسرع من إصدار واستخدام سندات حكومية إضافية، لضمان كثافة معقولة للإنفاق. وأضاف أن إدارة الأموال المالية، سيتم تشديدها، من خلال انضباط أكثر صرامة، من دون الكشف عن تفاصيل.

ويشار إلى أن لان حل محل ليو كون، في أواخر أكتوبر الماضي، وزيرا للمالية، حيث يأتي تعيينه في وقت حاسم للنظام المالي الصيني.

تحسن بطالة الشباب

وفي سياق منفصل، ذكرت وكالة «شينخوا» يوم الاثنين نقلا عن مقابلة مع وزير الموارد البشرية والضمان الاجتماعي وانغ شياو بينغ، أن معدل توظيف الشباب في الصين مستقر بشكل عام ويستمر في التحسن.

وأظهرت بيانات رسمية أن البلاد أضافت 10.22 مليون وظيفة جديدة في المناطق الحضرية في الأشهر التسعة الأولى، محققة 85 في المائة من الهدف السنوي.


مقالات ذات صلة

اليابان تنفي التخطيط لخفض استهلاك الطاقة وسط الحرب الإيرانية

الاقتصاد رئيسة وزراء اليابان ساناي تاكايتشي قبل كلمتها في البرلمان يوم الثلاثاء بالعاصمة طوكيو (رويترز)

اليابان تنفي التخطيط لخفض استهلاك الطاقة وسط الحرب الإيرانية

قالت رئيسة الوزراء اليابانية، ساناي تاكايتشي، يوم الثلاثاء، إنها لا تعتزم في الوقت الراهن مطالبة الأسر والشركات بخفض استهلاك الطاقة

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
الاقتصاد ناقلة نفط عملاقة راسية في ميناء بمدينة قينغداو الصينية (أ.ف.ب)

الصين تبحث عن ضمانات لأمن الطاقة وسط استمرار حرب إيران

دعا الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى تسريع تخطيط وبناء نظام طاقة جديد لضمان أمن الطاقة في البلاد، وذلك بعد أسابيع من اندلاع حرب إيران

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد محافظ بنك اليابان كازو أويدا خلال مؤتمر صحافي سابق بمقر المصرف المركزي في العاصمة طوكيو (رويترز)

ضغوط التضخم قد تدفع بنك اليابان لرفع الفائدة في يوليو

قال عضو سابق في مجلس إدارة بنك اليابان، إنه من المرجح أن يرفع البنك أسعار الفائدة بحلول يوليو المقبل.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
خاص رجل يمسك بأوراق مالية من فئة 500 ريال سعودي (رويترز)

خاص البنوك الخليجية تواجه تداعيات التوترات الجيوسياسية بمرونة رأسمالية

رغم تصاعد التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط، فإن البنوك الخليجية تظهر قدرة ملحوظة على الصمود، مدعومة بمتانة مراكزها المالية وإجراءات تنظيمية استباقية.

زينب علي (الرياض)
الاقتصاد نافورة أمام مقر بورصة هونغ كونغ الصينية (رويترز)

استقرار الأسهم الصينية وسط حالة عدم اليقين بشأن الحرب الإيرانية

استقرت الأسهم الصينية يوم الثلاثاء، حيث لا تزال الأسواق تُركّز على الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار النفط

«الشرق الأوسط» (بكين)

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
TT

السلطات المصرية تلاحق تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»

واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)
واجهة أحد مكاتب الصرافة في القاهرة (أ.ف.ب)

وسط ارتفاع قياسي للدولار الأميركي، تلاحق السلطات المصرية تجار العملة لـ«لجم السوق السوداء»، حيث أكدت وزارة الداخلية أنها تواصل ضرباتها الأمنية لمواجهة جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات خارج السوق المصرفية لما تمثله من تداعيات سلبية على الاقتصاد القومي.

وأفادت «الداخلية» في بيان، الثلاثاء، بأن جهودها أسفرت خلال 24 ساعة عن «ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية المختلفة بقيمة مالية تجاوزت 9 ملايين جنيه»، وهو مبلغ يعادل نحو 165 ألف دولار.

يأتي هذا في وقت واصلت العملة الأميركية، الثلاثاء، موجة الارتفاعات التي سجلتها على مدار الأيام الماضية، وسجلت في معظم البنوك المصرية أدنى مستوى وهو 54.5 جنيه.

ووجَّه الرئيس عبد الفتاح السيسي الحكومة، الاثنين، بـ«ضرورة مواصلة العمل على تدبير الاحتياجات الدولارية لتوفير مستلزمات الإنتاج، وتعزيز مخزون استراتيجي من السلع المختلفة». وشدد على تواصل التنسيق بين الحكومة والبنك المركزي المصري لضمان الحفاظ على سعر صرف مرن ومُوحد للعملة الأجنبية.

وتواجه الحكومة ضغوطاً متزايدة بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، مما دعا إلى «قرارات استثنائية» في البلاد تضمنت رفع أسعار المحروقات والكهرباء وتذاكر القطارات ومترو الأنفاق، فضلاً عن إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، وإغلاق المحال التجارية والمقاهي في التاسعة مساءً، وتخفيض الإضاءة على مختلف الطرق وفي مقرات المصالح الحكومية، وتطبيق «العمل عن بُعد» يوم الأحد من كل أسبوع.

وأعلنت «الداخلية» على مدى الأيام الثلاثة الماضية ضبط مبالغ مالية متحصلة من قضايا «الاتجار في العملة» قُدِّرت بـ«نحو 22 مليون جنيه»، وفق إفادات رسمية.

وأكد مصدر أمني مطلع «تواصل جهود التصدي لجرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي»، مشيراً إلى تكثيف الحملات الأمنية لضبط المخالفين ودعم استقرار السوق.

وينص القانون المصري على معاقبة من يمارس «الاتجار في العملة» بالحبس مدة لا تقل عن 3 سنوات ولا تزيد على 10 سنوات، وبغرامة لا تقل عن مليون جنيه ولا تتجاوز 5 ملايين جنيه، بينما تصل عقوبة شركات الصرافة المخالفة إلى إلغاء الترخيص وشطب القيد من السجل.

مقر وزارة الداخلية في مصر (صفحة الوزارة على «فيسبوك»)

ويتحدث المستشار الاقتصادي وخبير أسواق المال، وائل النحاس، عن أهمية جهود السلطات المصرية لضبط قضايا الاتجار في العملة في الوقت الحالي، موضحاً: «بعض من يشتري الدولار الآن لا يفعل ذلك من أجل الاستيراد، أو حتى الاكتناز لتحقيق أرباح مستقبلية، إنما بهدف التجارة غير المشروعة».

ويضيف قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «لا يوجد سبب الآن للسوق السوداء، فالعائد داخل القطاع المصرفي الرسمي أعلى من العائد والمضاربات، ومن يريد الحصول على الدولار من البنوك سواء لهدف الاستيراد أو للسفر يحصل عليه بشكل ميسر وفق الإجراءات المتبعة في هذا الشأن».

وشهدت مصر أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار وسعره في «السوق السوداء» التي جاوز فيها آنذاك مستوى 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع وعلى الخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«اتباع سعر صرف مرن للجنيه» ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى ما يتجاوز 50 جنيهاً.

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة بوسط القاهرة (رويترز)

ويشير النحاس في هذا الصدد إلى نجاح البنك المركزي في السيطرة على سعر الصرف داخل القطاع المصرفي، على الرغم من وجود «شبه نقص» في العملة خلال الفترة الأخيرة، خصوصاً مع تأثر تحويلات المصريين بالخارج وإيرادات قناة السويس بسبب الحرب الإيرانية.

تأتي جهود وزارة الداخلية في وقت تواصل فيه الحكومة جهودها لضبط الأسواق ومواجهة أي غلاء في الأسعار وترشيد استهلاك الطاقة والنفقات. وأكد وزير المالية أحمد كجوك أن جميع جهات الدولة ملتزمة بترشيد المصروفات والإنفاق على الحتميات وضمان استمرار النشاط الاقتصادي والإنتاجي.

وقال في تصريحات، الثلاثاء، إن الحكومة «حريصة على توفير الاعتمادات المالية اللازمة للحفاظ على استقرار الخدمات الأساسية للمواطنين»، مؤكداً ترشيد الصرف على بنود التدريب والسفر والفعاليات وباقي البنود التي يمكن تأجيلها في الوقت الراهن.

وأضاف أنه «تم إبطاء وإرجاء العمل بالمشروعات كثيفة الاستخدام للطاقة في ظل الظروف الحالية»، وأن هناك «تنسيقاً كاملاً بين وزارتي المالية والتخطيط والتنمية الاقتصادية لترشيد الإنفاق الرأسمالي، وعدم البدء في تنفيذ أي مشروعات جديدة».

Your Premium trial has ended


النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
TT

النفط «المادي» يكسر حاجز الـ150 دولاراً... وفجوة قياسية تفصله عن «العقود الآجلة»

متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)
متداول في بورصة نيويورك (أ.ف.ب)

سجلت أسعار النفط الخام «المادي» (Physical Oil) مستويات قياسية تاريخية، حيث اقتربت من حاجز الـ150 دولاراً للبرميل، متجاوزة بكثير أسعار العقود الآجلة «الورقية» المتداولة في البورصات. ويعكس هذا الانفجار السعري أزمة إمدادات خانقة ناتجة عن تداعيات الحرب، التي أدت إلى إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، مما وضع المصافي العالمية في مواجهة مباشرة مع نقص مادي حاد في البراميل الجاهزة للتسليم.

تسببت الأزمة الراهنة في توقف ما لا يقل عن 12 مليون برميل يومياً من النفط القادم من الشرق الأوسط، وهو ما يعادل نحو 12 في المائة من إجمالي الإمدادات العالمية. هذا الإغلاق الفعلي للمضيق دفع بأسعار عقود «برنت» الآجلة للوصول إلى 119.50 دولار للبرميل الشهر الماضي (وهو أعلى مستوى منذ 2022). لكن هذا الرقم لا يعكس الحقيقة المرة التي تواجهها المصافي؛ إذ إن العقود الآجلة الحالية هي لتسليم شهر يونيو (حزيران)، بينما تحتاج المصافي إلى النفط «الآن».

وفي مؤشر على حجم الكارثة، أظهرت بيانات «إل إس إي سي» أن السعر الفعلي لخام «فوراتيس» بحر الشمال قفز يوم الثلاثاء إلى 146.09 دولار للبرميل. وهذا الرقم لا يمثل فقط سعراً قياسياً جديداً، بل إنه يكسر الرقم التاريخي المسجل في عام 2008 (147.50 دولار للبرميل لبرنت) بالنظر إلى طبيعة العلاوات السعرية الحالية، ليصبح الأعلى على الإطلاق لهذا الخام.

خزانات النفط والمنشآت في مجمع يوسو الصناعي الوطني في كوريا الجنوبية (أ.ف.ب)

النفط «الآن» وليس غداً

ويؤكد عدي إمسيروفيتش، أحد كبار تجار النفط المخضرمين، أن المحرك الأساسي لهذه القفزات هو حالة «الذعر» بشأن التوفر المادي للشحنات. ويقول: «عندما يكون هناك نقص حقيقي وملموس، لا يفكر المتعاملون في تسليمات يوليو (تموز) أو عقود يونيو الورقية، بل يتركز تفكيرهم على تأمين النفط فوراً».

هذا التهافت المادي أدى إلى اتساع الفجوة بين «برنت المؤرخ - وهو المعيار المادي للشحنات الفورية - وبين عقود برنت الآجلة لشهر يونيو بمقدار 20 دولاراً كاملة، وهو فارق استثنائي يظهر حجم التوتر في الجزء الأقرب للتسليم من منحنى الأسعار.

سباق المصافي وأزمة المشتقات

المصافي الأوروبية والآسيوية، التي وجدت نفسها محرومة فجأة من النفط الخليجي، دخلت في منافسة محمومة للحصول على البدائل من خامات أفريقيا وبحر الشمال. ولم يتوقف الأمر عند الخام؛ بل امتدت النيران إلى أسعار المشتقات المكررة في أوروبا التي سجلت مستويات وصفت بالمرعبة:

وقود الطائرات: حوّم عند 226.40 دولار للبرميل، مقترباً من ذروته التاريخية المسجلة في منتصف مارس (آذار).

الديزل: استقر عند 203.59 دولار للبرميل، وهو رقم يقل قليلاً عن مستويات 2022 القياسية لكنه يضغط بقوة على قطاعات النقل والصناعة.

من جانبه، أشار مصرف «مورغان ستانلي» في تقرير حديث إلى أن السوق حالياً تتسابق للحصول على «براميل فورية قابلة للاستخدام». ويرى محللو البنك أن الأسواق العالمية دخلت مرحلة «التدافع المحموم» لتأمين براميل نفطية فورية قابلة للاستخدام الفني في المصافي.

وحسب التقرير، فإن المصافي لا تستطيع الانتظار حتى وصول شحنات بديلة قد تستغرق أسابيع للدوران حول طريق رأس الرجاء الصالح، مما جعل «البرميل الموجود الآن» أغلى من أي وقت مضى، بغض النظر عن سعره في بورصات العقود الآجلة.

ولفت التقرير الانتباه إلى ظاهرة تقنية تسمى «الباكورديشن الحاد»؛ حيث يظهر الإجهاد بشكل صارخ في الجزء الأقرب من المؤشر القياسي للمشكلة المادية المباشرة.

ويشرح محللو «مورغان ستانلي» أن الفجوة التي اتسعت إلى 20 دولاراً بين برنت «المادي» و«الورقي» هي «صافرة إنذار» تشير إلى أن الأسواق لم تعد تثق باستمرارية تدفق الإمدادات، وهي تعوض النقص الفوري بأي تكلفة كانت.


صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: الحرب تسرّع نزوح رؤوس الأموال من الأسواق الناشئة

شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي في مقره بواشنطن (رويترز)

حذَّر صندوق النقد الدولي من أنَّ الصراع الدائر في منطقة الشرق الأوسط بات يُشكِّل «اختباراً قاسياً» لاستقرار الأسواق الناشئة، حيث تسبب في عكس مسار تدفقات رؤوس الأموال الأجنبية؛ نتيجة الحساسية المفرطة للمستثمرين غير المصرفيِّين تجاه الأزمات.

وأوضح الصندوق في فصل تحليلي ضمن «تقرير الاستقرار المالي العالمي» لعام 2026، قبل انطلاق اجتماعات الربيع الخاصة بصندوق النقد والبنك الدوليَّين، التي تنعقد الأسبوع المقبل، أنَّ اعتماد الدول الناشئة المتزايد على «المقرضين غير المصرفيين» ضاعف من وطأة هذه الصدمات، مما جعل هروب الاستثمارات أسرع وأكثر حدة مما كان عليه في فترات التمويل المصرفي التقليدي.

وكانت رئيسة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، قالت لـ«رويترز»، الاثنين، إن الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي.

وقد تسببت الحرب في أسوأ اضطراب على الإطلاق في إمدادات الطاقة العالمية، حيث توقف إنتاج ملايين البراميل من النفط؛ بسبب الحصار الإيراني الفعلي لمضيق هرمز، وهو ممر حيوي لشحن خُمس إنتاج النفط والغاز في العالم. وحتى لو تمَّ حلُّ النزاع سريعاً، فمن المتوقع أن يخفِّض صندوق النقد الدولي توقعاته للنمو الاقتصادي ويرفع توقعاته للتضخم، وفقاً لما صرَّحت به غورغييفا لـ«رويترز».

4 تريليونات دولار تحت التهديد

وكشف التقرير أن تدفقات المَحافظ الاستثمارية إلى الأسواق الناشئة شهدت قفزةً هائلةً بمقدار 8 أضعاف منذ الأزمة المالية العالمية، لتصل قيمتها التراكمية إلى نحو 4 تريليونات دولار بحلول عام 2025. وأصبحت الديون هي المحرك الأساسي، حيث تمثل التزامات ديون المَحافظ حالياً 15 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي في الأسواق الناشئة، ارتفاعاً من 9 في المائة فقط في عام 2006. ويقدِّم المستثمرون غير المصرفيين - مثل صناديق التحوط وصناديق الاستثمار المشترك - نحو 80 في المائة من هذا الرأسمال، وهي نسبة تضاعفت عمّا كانت عليه قبل 20 عاماً.

آليات الهروب

ويشرح التحليل الفني للصندوق كيف تتحوَّل التوترات الجيوسياسية إلى نزوح مالي؛ فعندما ترتفع مخاطر الحرب، يرتفع مؤشر الخوف العالمي (VIX). وتؤدي زيادة بمقدار انحراف معياري واحد في هذا المؤشر (وهو ما يشبه القفزة التي حدثت عند رفع الاحتياطي الفيدرالي الفائدة في 2022) إلى خروج تدفقات ديون تعادل 1 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي الفصلي للدول الناشئة.

وتعدّ صناديق الاستثمار المشترك وصناديق التحوط الأكثر تأثراً، حيث تتراجع حيازاتها من الأوراق المالية للأسواق الناشئة بنسبة تصل إلى 1.3 في المائة فور وقوع الصدمة، نظراً لاستخدامها «الرافعة المالية» التي تضطرها للبيع السريع لتغطية هوامش المخاطرة.

الصناديق السلبية و«الائتمان الخاص»

ونبّه الصندوق إلى خطر «الاستراتيجيات المعتمدة على المؤشرات»، حيث تقوم الصناديق السلبية وصناديق المؤشرات المتداولة (ETFs) بتعديل مَحافظها آلياً؛ مما يؤدي إلى «عمليات بيع متزامنة» تزيد من وطأة تراجع الأسعار. كما سلّط الضوء على قطاع «الائتمان الخاص» الذي نما 5 أضعاف ليصل حجمه ما بين 50 و100 مليار دولار، ووصفه الصندوق بالقطاع «المعتم» الذي تفتقر بياناته للشفافية، مما يصعّب على صانعي السياسات رصد الثغرات المالية قبل انفجارها.

توصيات لحماية الاستقرار المالي

وفي ظلِّ استمرار حالة عدم اليقين الناجمة عن الحرب، دعا صندوق النقد الحكومات في الأسواق الناشئة إلى تبني استراتيجيات دفاعية تشمل: تعزيز الهوامش المالية؛ حيث إن الدول التي تمتلك احتياطات نقدية وافرة ومؤسسات قوية تعاني بنسبة أقل من تخارج الأموال، والسماح للعملات بالتحرك لامتصاص الصدمات، مع تدخلات محدودة في سوق الصرف عند الضرورة القصوى، ومحاكاة سيناريوهات صدمات اقتصادية قاسية لضمان قدرة المؤسسات المالية على الصمود أمام التوقف المفاجئ للتمويل الخارجي.