هل حان الوقت لكي تُثبت العملات الرقمية للمصارف المركزية قيمتها؟

البنوك التجارية قلقة على أرباحها ومن سحب حجم كبير من ودائعها

منظر يظهر شعار البنك المركزي الأوروبي خارج مقره الرئيسي في فرانكفورت، ألمانيا (رويترز)
منظر يظهر شعار البنك المركزي الأوروبي خارج مقره الرئيسي في فرانكفورت، ألمانيا (رويترز)
TT

هل حان الوقت لكي تُثبت العملات الرقمية للمصارف المركزية قيمتها؟

منظر يظهر شعار البنك المركزي الأوروبي خارج مقره الرئيسي في فرانكفورت، ألمانيا (رويترز)
منظر يظهر شعار البنك المركزي الأوروبي خارج مقره الرئيسي في فرانكفورت، ألمانيا (رويترز)

تُعد الخطوة المهمة التي اتخذها المصرف المركزي الأوروبي نحو بدء التحضير لإطلاق اليورو الرقمي في غضون بضع سنوات، إعلاناً صريحاً بأن الوقت حان لكي يُثبت هذا النوع من الأموال قيمته.

عدد قليل من البلدان أدخل العملات الرقمية التي أصدرتها مصارفها المركزية والمعروفة بـ«CBDC». فعلى سبيل المثال، تجري الصين تجارب مع نموذج أولي لليوان الرقمي، الذي يستخدمه أكثر من 200 مليون شخص. كما تستعد الهند لخوض هذه التجربة، في حين تقوم حوالي 130 دولة تمثل 98 في المائة من الاقتصاد العالمي باستكشاف النقد الرقمي، حسب ما ذكرت وكالة «رويترز» للأنباء.

ويوم الأربعاء، أعلن المصرف المركزي الأوروبي إنشاء نموذج تجريبي يمكن أن يؤدي إلى عملة رقمية للدول العشرين التي تستخدم اليورو. ويعد هذا التحرك بمثابة خطوة مهمة، حيث يجعل المصرف المركزي الأوروبي أول مصرف مركزي غربي ذي وزن ثقيل يمضي قدماً رسمياً في تطوير العملة الرقمية.

وكان المصرف قد ذكر بأن مجلس الإدارة منح الضوء الأخضر للانتقال إلى مرحلة التحضير المقرر أن تستمر لعامين بشكل مبدئي تبدأ في الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) 2023. وفي غضون هذه الفترة، من المقرر أن يستكمل المصرف المركزي الأوروبي كتاب الإرشادات الخاص به، ويختار الجهات المزوّدة للخدمة حيث ستتولى تطوير منصة وبنية تحتية للمشروع. وفي هذا الإطار، يروج المؤيدون للعملات الرقمية للمصارف المركزية باعتبارها وسيلة لتحديث المدفوعات بوظائف جديدة، وتوفير بديل للنقود المادية التي تتراجع تدريجياً. ومع ذلك، تظل هناك تساؤلات حول السبب وراء كون العملات الرقمية للمصارف المركزية تمثل تقدماً. ومع ذلك، فإن الجدوى الفعلية للعملات الرقمية للمصارف المركزية لا تزال محل شك، حيث لاقت هذه العملات استقبالاً ضعيفاً في نيجيريا. كما واجهت خطط المركزي الأوروبي لإطلاق اليورو الرقمي العديد من الاحتجاجات.

ويشعر المصرفيون التجاريون بالقلق من التكاليف والنزيف المحتمل للودائع، حيث يمكن للعملاء تحويل الأموال إلى حسابات المصارف المركزية، في حين تشعر الدول النامية بالقلق من أن الدولار الرقمي أو اليورو أو اليوان الذي يمكن الوصول إليه بسهولة قد يلحق الضرر بأنظمتها.

وفي هذا الإطار، ذكرت صحيفة «فاينانشال تايمز» أن محافظي المصارف المركزية يقترحون حداً أقصى لحجم حساب العملة الرقمية للمصرف المركزي الأوروبي، الذي من المحتمل أن يكون حوالي 3000 دولار. ومع ذلك، فإن الامتصاص الكامل لا يزال يعني ألماً كبيراً. إذ يمكن لليورو الرقمي سحب ما يقرب من تريليون دولار من الودائع من النظام الأوروبي أو ما يعادل 10 في المائة من ودائع التجزئة. كما ستنخفض الرسوم أيضاً. قد تضطر المصارف لتعويض أي عجز عن طريق سحب الاحتياطيات الزائدة. هذا السيناريو الأسوأ من شأنه تبديل صافي دخل الفوائد ويحلق 9 في المائة أخرى من ربحية المصرف.

وقال جوش ليبسكي، الذي يدير أداة تعقب عالمية للعملات الرقمية للمصارف المركزية في المجلس الأطلسي، إن خطة المصرف المركزي الأوروبي هي صفقة كبيرة للغاية، والعالم يراقب ذلك عن كثب، لافتاً إلى أن المصرف المركزي الأوروبي يعد من أكبر المصارف المركزية، وإذا توصل إلى إجابات لقضايا الخصوصية والأمن السيبراني والقدرة على استخدامها خارج الإنترنت، فسيكون له تأثير كبير. وأضاف: «شعرت المصارف المركزية بالفزع قبل خمس سنوات عندما طرحت شركة (فيسبوك) خططاً لعملة منفصلة. ومع ذلك، لا يزال يتعين على صانعي السياسات إقناع الكثيرين بشكل كامل بسبب الحاجة إلى العملات الرقمية للمصارف المركزية».

من جانبه، عدَّ عضو المجلس التنفيذي للمركزي الأوروبي الذي يشرف على ملف اليورو الرقمي في المصرف، فابيو بانيتا، أن هذه الخطوة ستساعد في حماية العملة مستقبلاً وتقليل ما سمّاه الاعتماد المفرط على أنظمة الدفع ببطاقات الائتمان الموجودة في الولايات المتحدة الأميركية.

أما المدير الإداري للتقنيات المتقدمة في مصرف «باركليز» والمشارك في بعض العمليات، لي برين، فقال إنه ليس من الواضح بعد ما يمكن القيام به من خلال العملات الرقمية للمصارف المركزية بالتجزئة، التي لا يمكن تكرارها أيضاً بأموال المصارف التجارية. وقال: «من المرجح أن يؤدي ذلك إلى كسر بعض وحدة المال، مما يشير إلى خطر وجود نظام من مستويين إذا سمح للعملات الرقمية للمصارف المركزية بأن يكون لها وظائف أو قواعد إفصاح مختلفة عن الحسابات المصرفية».

ويبقى المجهول الرئيسي هو ما إذا كان الاحتياطي الفيدرالي الأميركي أو بنك اليابان سيطلقان عملات رقمية للبيع بالتجزئة. ويمكن أن تكون الهند بيئة اختبار أكثر فاعلية من الصين، لأنه على الرغم من أن كل عملاق آسيوي يضم أكثر من مليار نسمة، إلا أن الهند تتمتع باقتصاد أكثر انفتاحاً. في المقابل، يبدو أن كندا وبعض الدول الأخرى تضغط على المكابح، في حين أن معظم أولئك الذين يستخدمون العملات الرقمية للمصارف المركزية لا يبدون سوى القليل من الاهتمام.

وأظهرت بيانات هذا الشهر من جزر البهاما، التي أطلقت أول عملة رقمية في العالم في عام 2020، أن المعاملات الشخصية لـ«ساند دولار» انخفضت بنسبة 11 في المائة في الأشهر السبعة الأولى من العام، بينما انخفضت عمليات زيادة المحفظة أربعة أضعاف.

ووصفت ورقة بحثية لصندوق النقد الدولي في شهر مايو (أيار) الماضي التبني العام لعملة «إي نيرا» النيجيرية بأنها منخفضة بشكل مخيب للآمال، في حين عدَّ المصرف المركزي النيجيري أن المستوى الحالي لاعتماد «إي نيرا» يعكس المرحلة المبكرة من الوعي بالعملات الرقمية للمصارف المركزية، مضيفاً أنها جاءت متوافقة مع التوقعات.

وحسب أحد أعضاء المجلس الأطلسي، فإن السؤال الشامل حول تطوير العملات الرقمية للمصارف المركزية هو: كيف يؤدي ذلك إلى تحسين النظام المالي؟ وهذا هو جوهر الأمر حقاً.


مقالات ذات صلة

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

العالم عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة متخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لشراء المسيّرات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد تمثيل للعملة الرقمية بتكوين في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

«أميركان بتكوين» المدعومة من أبناء ترمب تتكبد خسائر ربع سنوية

تكبدت شركة «أميركان بتكوين»، المدعومة من اثنين من أبناء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، خسائر في الربع الأخير من العام، في ظل ضعف مستمر في سوق الأصول الرقمية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد سكوت بيسنت يحضر جلسة استماع للجنة الخدمات المصرفية والإسكان والشؤون الحضرية في مجلس الشيوخ بمبنى الكابيتول (إ.ب.أ)

بيسنت يؤكد استمرار إجراءات تثبيت وورش لرئاسة الفيدرالي

أعلن وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الجمعة، أن لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ الأميركي ستواصل عقد جلسات الاستماع الخاصة بتثبيت كيفن وورش.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
تكنولوجيا شعار منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب» (رويترز)

بالخطأ... منصة في كوريا الجنوبية توزع «بتكوين» بقيمة 44 مليار دولار

كشفت منصة تداول العملات المشفرة الكورية الجنوبية «بيثامب»، اليوم السبت، عن أنها وزعت عملات بتكوين بقيمة تتجاوز 40 مليار دولار.

«الشرق الأوسط» (سيول)
الاقتصاد عملات تحمل رمزي البتكوين والإيثيريوم موضوعة على طاولة (د.ب.أ)

البتكوين تهبط دون 70 ألف دولار للمرة الأولى منذ انتخابات ترمب

تراجعت عملة البتكوين، كبرى العملات الرقمية في العالم، إلى ما دون مستوى 70 ألف دولار للمرة الأولى منذ فوز دونالد ترمب في الانتخابات الرئاسية الأميركية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«صندوق النقد»: السعودية تُواجه تداعيات الحرب بـ«مصدات قوية»

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
TT

«صندوق النقد»: السعودية تُواجه تداعيات الحرب بـ«مصدات قوية»

أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)
أزعور يتحدث خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد والبنك الدوليين (صندوق النقد)

أكد مدير إدارة الشرق الأوسط وآسيا الوسطى في صندوق النقد الدولي، جهاد أزعور، أن السعودية تمتلك «مصدات مالية قوية» تعزز صمودها في وجه تداعيات الحرب الحالية في منطقة الشرق الأوسط، مشيراً إلى أن متانة الحيز المالي للمملكة ومؤسساتها السيادية تمنحها القدرة على امتصاص الصدمات وحماية زخم مشاريع «رؤية 2030». وأوضح أن قدرة الرياض على التكيّف وإعادة ترتيب الأولويات الاستثمارية تمثلان نموذجاً للمرونة الاقتصادية الضرورية في ظل الظروف الراهنة.

ورأى أزعور أن الصراع الحالي يمثل «نقطة تحول جيو - اقتصادية» لم تشهدها المنطقة منذ 50 عاماً. ونبّه إلى خطورة «الصدمة متعددة الأوجه» التي تواجهها دول المنطقة، حيث لا تقتصر الضغوط على الجوانب العسكرية، بل تمتد لتشمل اضطراب سلاسل الإمداد، وتصاعد تكاليف الشحن، وتذبذب أسواق السلع الأساسية.


مرشح ترمب لرئاسة «الفيدرالي»: سأتخذ قراراتي بمعزل عن أي ضغوط من الرئيس

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
TT

مرشح ترمب لرئاسة «الفيدرالي»: سأتخذ قراراتي بمعزل عن أي ضغوط من الرئيس

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)
وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

في شهادة تاريخية أمام اللجنة المصرفية بمجلس الشيوخ، وضع كيفن وارش، المرشح لرئاسة الاحتياطي الفيدرالي، «استقلالية القرار النقدي» كقاعدة أساسية لمستقبل المصرف المركزي، مؤكداً لأعضاء اللجنة أنه سيتخذ قراراته بمعزل عن أي نصيحة أو ضغط من الرئيس دونالد ترمب، ومسلّطاً الضوء على نجاحه في الحفاظ على انخفاض التضخم باعتباره «الدرع الواقية» التي ستحصن استقلالية المؤسسة وتحميها من السجالات السياسية، مشدداً على أن «التضخم المنخفض هو خيار، وعلى الاحتياطي الفيدرالي تحمل مسؤوليته دون أعذار».

وقال وارش أمام أعضاء اللجنة الذين سيرفعون توصياتهم بشأن تثبيته في مجلس محافظي الاحتياطي الفيدرالي، بالإضافة إلى فترة ولاية مدتها أربع سنوات على رأس البنك المركزي: «استقلالية السياسة النقدية أمرٌ جوهري».

وأضاف أن الحفاظ على هذه الاستقلالية «يقع على عاتق الاحتياطي الفيدرالي إلى حد كبير» من خلال تحقيق أهدافه وعدم تجاوز صلاحياته الممنوحة له من الكونغرس.

وقال وارش، الممول البالغ من العمر 56 عاماً والمحافظ السابق للاحتياطي الفيدرالي: «لا أعتقد أن استقلالية السياسة النقدية مهددة بشكل خاص عندما يُبدي المسؤولون المنتخبون - الرؤساء، أو أعضاء مجلس الشيوخ، أو أعضاء مجلس النواب - آراءهم بشأن أسعار الفائدة. لقد كلّف الكونغرس الاحتياطي الفيدرالي بمهمة ضمان استقرار الأسعار، دون أعذار أو مراوغة، أو جدال أو قلق. التضخم خيار، ويجب على الاحتياطي الفيدرالي أن يتحمل مسؤوليته. انخفاض التضخم هو سلاح الاحتياطي الفيدرالي الأقوى».

واعتبر وارش أن البيانات المستخدمة لتقييم التضخم غير دقيقة إلى حد بعيد، وقال إنه سيُجري مراجعة للبيانات، ومشيراً إلى أن الإجراءات الحالية التي يتبعها مجلس الاحتياطي الفيدرالي «معيبة».

وأوضح أنه يُفضل استخدام المتوسط ​​المُعدَّل أو الوسيط لتغيرات الأسعار للحصول على فهم أفضل لمعدل التضخم الأساسي.

وارش يتحدث خلال جلسة الاستماع أمام لجنة الشؤون المصرفية في مجلس الشيوخ (أ.ف.ب)

نقد «حقبة باول» وضرورة التغيير

وفي مواجهة اتسمت بالنقد الصريح، دعا وارش إلى «تغيير جذري» في آليات إدارة السياسة النقدية، معتبراً أن الإطار الحالي يحتاج إلى أدوات جديدة كلياً.

وانتقد وارش تمسك الإدارة الحالية بتوقعاتها لفترات أطول مما ينبغي، مشيراً إلى أن الاقتصاد لا يزال يدفع ثمن تداعيات أخطاء السياسة النقدية لعامي 2021 و2022، ومؤكداً في الوقت ذاته أن «لا مسألة أكثر إلحاحاً من تكلفة المعيشة» في الوقت الراهن.

وأبلغ وارش أعضاء مجلس الشيوخ أنه سيفي بتعهده بالتخلي عن ممتلكاته في حال تثبيته في منصبه، لكنه امتنع عن الخوض في تفاصيل كيفية التخلص من ملايين الدولارات من الأصول. وقال: «حتى لا يكون هناك أي شك في استقلاليتي، ولا أي شك في شفافية سجلي المالي، وافقت على التخلي عن جميع أصولي المالية تقريباً، وسيتم التخلي عن غالبيتها العظمى قبل أن أرفع يدي اليمنى وأؤدي اليمين الدستورية».

حتى قبل أن يُلقي وارش كلمته الافتتاحية، كرّر ترمب في مقابلة مع قناة «سي إن بي سي» أنه سيشعر بخيبة أمل إذا لم يُسرع مرشحه المُختار لخلافة رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي جيروم باول في خفض أسعار الفائدة. يُمثّل هذا التوقع تحدياً كبيراً لقائد البنك المركزي الذي يحتاج إلى حشد أصوات زملائه الذين ما زالوا قلقين بشأن تأثير صدمة أسعار النفط المستمرة على التضخم الذي يتجاوز بالفعل هدف الاحتياطي الفيدرالي البالغ 2 في المائة.

وقد صرّح وارش بأن خفض أسعار الفائدة مُبرّر لأن التغييرات التكنولوجية التي أطلقها الذكاء الاصطناعي سترفع الإنتاجية، وهو رأي يقول محافظو بنوك مركزية آخرون إنه قد يكون صحيحاً بمرور الوقت، ولكنه لا يجعل خفض أسعار الفائدة مناسباً بالضرورة على المدى القصير.

لقد فشل الاحتياطي الفيدرالي في تحقيق هدفه البالغ 2 في المائة لأكثر من خمس سنوات، أولاً بسبب صدمة جائحة كوفيد-19، ولكن مؤخراً بسبب تأثير تعريفات إدارة ترمب وارتفاع أسعار النفط المرتبط بالحرب في الشرق الأوسط، وهي مشكلة محتملة للمشرعين الجمهوريين قبيل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولطالما تصادم ترمب مع باول بشأن السياسة النقدية منذ تعيينه رئيساً للاحتياطي الفيدرالي في ولايته الأولى بالبيت الأبيض. تنتهي ولاية باول رسمياً على رأس البنك المركزي في 15 مايو (أيار)، لكن من الممكن أن يبقى في منصبه لفترة أطول إذا تأخرت المصادقة على تعيين وارش.

في هذه المرحلة، لا يزال توقيت توصية اللجنة أو تصويت مجلس الشيوخ غير مؤكد. وقد صرّح السيناتور الجمهوري توم تيليس، عضو اللجنة، بأنه سيعرقل ترشيح وارش إلى أن تُسقط وزارة العدل الأريكية تحقيقاً مع باول يعدّه السيناتور تافهاً وجزءاً من مساعي ترمب للضغط على الاحتياطي الفيدرالي لخفض أسعار الفائدة أو إجبار باول على الاستقالة.

ورغم أن اجتماع السياسة النقدية الأسبوع المقبل قد يكون الأخير لباول رئيساً للاحتياطي الفيدرالي، لكن هذا المأزق قد زاد من احتمالية بقائه في منصبه حتى بعد انتهاء ولايته رسمياً. لا يبدو أن المدعية العامة الأميركية لمنطقة كولومبيا، جانين بيرو، حليفة ترمب، مستعدة للتخلي عن التحقيق مع باول، ولا يبدو أن الرئيس يضغط عليها للقيام بذلك، على الرغم من أن هذا الموقف يعني احتمال استمرار العمل مع رئيس البنك المركزي الحالي لأشهر إضافية، أو إشعال معركة قانونية أخرى بمحاولة تعيين بديل مؤقت من بين محافظي الاحتياطي الفيدرالي الستة الآخرين.

وفي غياب خليفة مؤكد للمنصب الرفيع، سبق للبنك المركزي أن عيّن رئيساً مؤقتاً للاحتياطي الفيدرالي. تمتد ولاية باول محافظاً للبنك المركزي حتى عام 2028، ما يعني أنه قد يبقى صانعاً رئيسياً للسياسات حتى في حال تثبيت وارش. كما صرّح ترمب بأنه قد يُقيل باول إذا لم يتخلَّ عن منصبه كمحافظ. ومن المؤكد أن مثل هذه الخطوة ستُثير طعناً قانونياً، كما حدث في محاولة الرئيس الصيف الماضي لإقالة ليزا كوك، محافظة الاحتياطي الفيدرالي.


بسبب الحرب... الاتحاد الأوروبي يدرس توسيع واردات وقود الطائرات الأميركي

طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
TT

بسبب الحرب... الاتحاد الأوروبي يدرس توسيع واردات وقود الطائرات الأميركي

طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)
طائرة تابعة لشركة «دي إتش إل» تقف خلف عدة شاحنات صهريجية في مركز الشركة بمطار لايبزيغ (د.ب.أ)

أعلن مسؤول النقل في الاتحاد الأوروبي أبوستولوس تزيتزيكوستاس، يوم الثلاثاء، أن التكتل الأوروبي يدرس توسيع وارداته من وقود الطائرات الأميركي، إلى جانب اتخاذ إجراءات لتعزيز استقرار قطاع الطيران، في ظل المخاوف المتزايدة من تداعيات الحرب الإيرانية على إمدادات الطاقة.

وأوضح تزيتزيكوستاس أن الاتحاد سيصدر توجيهات لشركات الطيران بشأن التعامل مع قضايا تشغيلية مثل مواعيد الإقلاع والهبوط، وحقوق المسافرين، والتزامات الخدمة العامة، في حال حدوث أي اضطرابات محتملة في إمدادات وقود الطائرات. وأضاف أنه لا توجد حتى الآن أي مؤشرات على نقص فعلي في الإمدادات، لكنه حذّر من أن إغلاق مضيق هرمز لفترة طويلة سيكون «كارثياً» على أوروبا والاقتصاد العالمي.

وقبل اندلاع القصف الأميركي والإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط)، كان نحو خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية يمر عبر مضيق هرمز. ويعتمد الاتحاد الأوروبي على استيراد ما بين 30 في المائة و40 في المائة من احتياجاته من وقود الطائرات، يأتي نحو نصفها من منطقة الشرق الأوسط.

ومن المقرر أن تقدم المفوضية الأوروبية، يوم الأربعاء، حزمة أوسع من التدابير المرتبطة بالطاقة والنقل، تشمل إنشاء «مرصد لوقود الطائرات» لمراقبة مستويات الإمدادات بشكل دوري.

وقال تزيتزيكوستاس عقب اجتماع وزراء النقل في الاتحاد الأوروبي: «في حال ظهور اضطرابات فعلية في الإمدادات، يجب استخدام المخزونات الاستراتيجية بالشكل الأمثل، مع ضمان الشفافية الكاملة في أي عمليات سحب وطنية لتفادي تشوهات السوق».

وأضاف أنه لا توجد في الوقت الراهن أي مؤشرات على حدوث «إلغاءات واسعة النطاق» خلال الأسابيع أو الأشهر المقبلة. في المقابل، حذرت وكالة الطاقة الدولية الأسبوع الماضي من احتمال بدء نقص فعلي في الوقود بحلول يونيو (حزيران)، في حين تشير شركات الطيران الأوروبية إلى أن الضغوط الحالية تتركز في ارتفاع الأسعار فقط.

وقالت مجموعة «إيه آي جي» المالكة للخطوط الجوية البريطانية و«إيبيريا» إنها لا تواجه أي اضطرابات في إمدادات وقود الطائرات في مطاراتها الرئيسية، لكنها تتعرض لارتفاع ملحوظ في التكاليف. كما أعلنت مجموعة «دي إتش إل» الألمانية أنها مؤمّنة من حيث إمدادات الوقود لعمليات الشحن في أوروبا حتى يونيو، بينما تبقى التوقعات في آسيا أقل وضوحاً.

وأكد المسؤول الأوروبي أن المفوضية تسعى إلى تسريع تطوير وقود الطيران المستدام والوقود الاصطناعي، بهدف تقليل الاعتماد على الواردات، خصوصاً من الشرق الأوسط. إلا أن الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا) كان قد حذر من أن إنتاج الوقود المستدام لا يزال دون المستويات المطلوبة لتحقيق أهداف التحول الأخضر، مشيراً إلى أن تكلفته قد تصل إلى خمسة أضعاف الوقود التقليدي.

وتسمح قواعد الاتحاد الأوروبي المتعلقة بمكافحة «التزود بالوقود الزائد» باستثناءات في حالات النقص المحتمل، على أن يتم توضيح الإطار التنظيمي بشكل أدق يوم الأربعاء.

كما تدرس المفوضية الأوروبية خيار تنويع مصادر الاستيراد، بما في ذلك وقود الطائرات الأميركي (جيت إيه) الذي يتميز بدرجة تجمد أعلى من المعيار الأوروبي.

وختم تزيتزيكوستاس بالقول: «لا حاجة في هذه المرحلة إلى أي إجراءات تمس حياة المواطنين أو حركة السفر والعمل. أوروبا مستعدة لاستقبال السياح والضيوف خلال موسم الصيف». وأضاف أن ارتفاع أسعار الوقود لا يبرر التراجع عن حقوق تعويض الركاب في حالات التأخير أو الإلغاء.